ساعتهم، فالدليل على علمهم بأن أمر النبي - ﷺ - حق أنهم كَفُوا عن التَمني ولم يُقْدِم واحد منهم عليه فيكون إقْدامُه دفعاَ لقوله: (ولَنْ يتَمنَوْه أبداً).
أو يعيش بعد التمني فيكون قد ردَّ ما جاءَ به النبي - ﷺ - فالحمد للَّهِ الذي أوضَح الحق وبيَّنَه، وقَمع الباطل وأزْهقه.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)
يعني - ما قدمت من كفرهِمْ بالنبي - ﷺ - لأنِهم كفروا وهم يعلمون أنه حق وأنهم إنْ تَمَنَوْه ماتوا، ودليل ذلك إمْسَاكُهُمْ عَن تَمنَيه
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (واللَّهُ عَلِيمٌ بالظَّالِمِينَ).
اللَّه عزَّ وجلَّ عليم بالظالمين وغير الظالمين، وانًما الفائدة ههُنا إنَّه عليم
بمجازاتهم -، وهذا جرى في كلام الناس المستعمل بينهم إذَا أقبل الرجل على رجل قد أتى إليه منكراً، قال أنا أعرفك، وأنا بصير بك، تأويله أنا أعلم ما أعاملك به وأستعمله معك.
فالمعنى إنه عليم بهم - وبصير بما يعملون، أي يجازيهم عليه بالقتل في الدنيا أو بالذلَّة والمسكنة وأداءِ الجِزية، ونصب (لن) كما تنصب (أن) وقد شرحْنا نصبها فيما مضى وذكرنا ما قاله النحويون فيه.
ونصب (أبداً) لأنه ظرف من الزمان، المعنى: لن يَتَمَنوهُ في طول عُمرهم إِلى
موتهم، وكذلك قولك: لا أكلمك أبداً، المعنى لا أكلمك ما عشت. ومعنى (بما قدمت أيديهم) أي بما تقدمه أيديهم. ويصلح أن يكون بالذي قدمته أيديهم.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)
يعني به علماءَ إليهود هؤلاءِ، المعنى أنك تجدهم في حال دعائهمْ إلى تمنى
الموت أحرص الناس على حياة.
ومعنى (لَتَجِدَنَّهُمْ) لَتَعْلَمَنَّهَم.
وَمَعْنى (وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا) أي وَلَتَجِدَنَهُمْ أحْرَصَ من الذين أشركوا، وهذا نهاية في التمثيل.
والذين أشركوا هم المجوس ومن لا يُؤمن بالبعث.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ).
ذكرت الألْفُ لأنها - نهايةُ ما كانت المجوس - تدْعُو به لمُلوكها - كان الملك
يُحَيَّا بأن يقال عش ألفَ نَيْبُروزٍ وَألْفَ مِهْرَجَانٍ.
يقول فهؤُلاءِ الذين يزعمون أن لهم الجنة، وأنَّ نعيم الجنة له الفضل
لاَ يتمنون - الموت وهم أحرص مِمَّن لا يُؤمن بالبعث، وكذلك يجب أن يكون هُؤلاءِ لأنهم كُفَّار بالنبي - ﷺ - وهو عِنْدهُم حق، فيعلمون أنهم صائرون إِلى النارِ لا محالة، فهم أحْرصُ لهذه العلة، ولأنهم يعلمون أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، لأنهم علموا أن النبي - ﷺ - حق لولا ذلك لما أمسكوا عن التمني، لأن التمني من واحد
منهم كان يثبت قولهم.
وإِنما بالغنا في شرح هذه الآيات لأنها نهاية في الاحتجاج في تثْبِيتِ أمْرِ
النبي - ﷺ -.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ).
هذا كناية عن (أحدهم) الذي جرى ذكره، كأنه قال: وما أحدهم
بمزحزحه من العذاب تعميره، ويصلح أن تكون " هو " كناية عما جرى ذكره - من طول العمر، فيكون: وما تعميره بمزحزحه من العذاب، ثم جعل - أن يعمر مبنياً عن " هو " كأنَّه قال: ذلك الذي ليس بمزحزحه
(أن يعمر).
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي