ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

قوله : والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين قرأ العامة :«خَطِيئَتِي » بالإفراد. والحسن :«خَطَايَايَ »١ جمع تكسير. فإن قيل : لم قال :«والَّذِي أَطْمَعُ » والطمع عبارة عن الظن والرجاء، وهو عليه السلام٢ كان قاطعاً بذلك ؟ فالجواب : هذا الكلام يستقيم على مذهب أهل السنة، حيث قالوا : لا يجب على الله لأحد شيء، وأن يحسن منه كل شيء، ولا اعتراض لأحد عليه في فعله.
وأجاب الجبائي عنه من وجهين :
الأول : أن قوله : والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي أراد به سائر المؤمنين، لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به.
والثاني : المراد٣ من الطمع : اليقين، وهو المروي عن الحسن٤.
وأجاب الزمخشري بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليماً لأمته كيفية الدعاء٥.
قال ابن الخطيب : وهذه وجوه ضعيفة، أما الأول فإن الله تعالى حكى الثناء أولاً والمدح ثانياً، ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم - عليه السلام٦ - فجعل الشيء الواحد وهو كقوله : والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خطيئتي يَوْمَ الدين كلام غيره ممّا يبطل نظم الكلام ويفسده.
وأما قوله : إن الطمع هو اليقين ( فهذا )٧ على خلاف اللغة.
وأما الثالث وهو أن المراد تعليم الأمة فباطل أيضاً٨، لأن٩ حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة، وإنه باطل أيضاً١٠. فإن قيل : لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزهون عن الخطايا ؟ فالجواب١١ من وجوه :
أحدها : قال مجاهد : هي قوله : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : ٨٩ ] وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : ٦٣ ] وقوله لسارة :«هذه أختي »١٢ وزاد الحسن قوله للكوكب : هذا رَبِّي ١٣ [ الأنعام : ٧٦ ].
قال ابن الخطيب : وهذا ضعيف، لأن نسبة الكذب إليه غير جائز١٤.
وثانيها : أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس.
قال ابن الخطيب : وهذا ضعيف، لأنه إن كان صادقاً في هذا التواضع فقد لزم الإشكال، وإن كان كاذباً فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به، وهو منزه عن المعصية١٥.
وقال : وثالثها، وهو الجواب الصحيح : أن يحمل ذلك على ترك الأولى، وقد يسمى ذلك خطأ، فإن من ملك جوهرة أمكنه أن١٦ يبيعها بألف ألف دينار، فباعها بدينار، وقيل : إنه أخطأ، وترك الأولى على الأنبياء جائز١٧.
فإن قيل : ما فائدة قوله :«يَغْفِرَ لِي » ؟.
فالجواب من وجوه : الأول : أن الأب إذا عفا عن ولده، والسيد عن عبده، والزوج عن زوجته فإنما يكون ذلك طلباً للثواب، أو لحسن الثناء والمحمدة، أو١٨ دفعاً للألم الحاصل من الرقة الجنسية، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغي، أو لدفع ما لا ينبغي، وأما الإله سبحانه فإنه كامل بذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن، أو يزول عنه نقصان كان، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه.
فقوله :«يَغْفِر لِي » معناه : أن غفرانه لي ولأجلي، لا لأجل أمر عائد إليه ألبتة١٩.
وثانيها : كأنه قال : خلقتني لا لي، فإنك حين خلقتني لم أكن موجوداً، فإذا عفوت كان ذلك العفو لأجلي٢٠، فلما خلقتني أولاً مع أني ما كنت٢١ محتاجاً إلى ذلك الخلق، فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد٢٢ الحاجة إلى العفو والمغفرة كان أولى.
وثالثها : أن إبراهيم - عليه السلام٢٣ - كان مع شدة استغراقه في المعرفة شديد الفرار عن الوسائط، ولذلك٢٤ لما قال له جبريل :«ألك حاجة ؟ » قال :«أما إليك فلا » فهاهنا قال : أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي أي : بمجرد عبوديتي واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي، لا أن تغفرها بواسطة شفاعة شافع٢٥، فإن قيل٢٦ : لم علق غفران الخطيئة بيوم الدين وإنما تغفر في الدنيا ؟.
فالجواب : لأن أثرها يظهر يوم الدين، وهو الآن خفي لا يعلم٢٧.

١ المختصر (١٠٧)، تفسير ابن عطية ١١/١٢٥، البحر المحيط ٧/٢٥، الإتحاف (٣٣٣)..
٢ في : عليه الصلاة والسلام..
٣ في ب: أن المراد..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٤٥..
٥ انظر الكشاف ٣/١١٨، الفخر الرازي ٢٤/١٤٥..
٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧ فهذا: تكملة من الفخر الرازي..
٨ أيضاً: سقط من ب..
٩ في ب: لأنه. وهو تحريف..
١٠ الفخر الرازي ٢٤/١٤٥-١٤٦..
١١ في ب: والجواب..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٤٦، القرطبي ١٣/١١٢..
١٣ [الأنعام: ٧٦]، (٧٧، ٧٨). وانظر القرطبي ١٣/١١٢..
١٤ الفخر الرازي ٢٤/١٤٦..
١٥ المرجع السابق..
١٦ في الأصل: بأن..
١٧ الفخر الرازي ٢٤/١٤٦..
١٨ في ب: و..
١٩ في ب: البتة إليه..
٢٠ في ب: لأجل..
٢١ في الفخر الرازي : مع أني كنت..
٢٢ في ب: شدة..
٢٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٤ في ب: وكذلك. وهو تحريف..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٤٦..
٢٦ في الأصل: علق. وهو تحريف..
٢٧ انظر الكشاف ٣/١١٨، والفخر الرازي ٢٤/١٤٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية