ولما ذكر البعث ذكر ما يترتب عليه بقوله : والذي أطمع هضماً لنفسه وإطراحاً لأعماله أن يغفر أي : يمحو أو يستر لي خطيئتي أي : تقصيري عن أن أقدره حق قدره يوم الدين أي : الجزاء.
روي أنّ عائشة قالت : قلت : يا رسول الله إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه ؟ قال :«لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه أنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال.
فإن قيل : لم قال والذي أطمع والطمع عبارة عن الظنّ والرجاء وهو عليه السلام كان قاطعاً بذلك ؟.
أجيب : بأنّ في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه لأحد شيء، فإنه يحسن منه تعالى كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله.
فإن قيل : لم أسند لنفسه الخطيئة مع أنّ الأنبياء معصومون ؟ أجيب : بأنّ مجاهداً قال هي قوله : إني سقيم وقوله : بل فعله كبيرهم هذا وقوله : لسارة هي أختي، ورد بأن هذه معاريض كلام وتخيلات للكفرة وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار، والأولى في الجواب أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم لأنفسهم، ويدل عليه قوله : أطمع ولم يجزم القول بالمغفرة، وفيه تعليم لأممهم وليكون لطفاً لهم باجتنابهم المعاصي والحذر منها وطلب المغفرة مما يفرط منهم، فإن قيل : لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنما المغفرة في الدنيا ؟ أجيب : بأنّ أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفي لا يعلم.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني