ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

بسم الله الرحمن الرحيم :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ( النساء : ١ ).
تفسير المفردات : الناس : اسم للجنس البشري وهو الحيوان الناطق المنتصب القامة الذي يطلق عليه اسم ( إنسان ) تساءلون به : أي يسأل به بعضكم بعضا بأن يقول سألتك بالله أن تقضي هذه الحاجة والأرحام : أي حق إضاعة الأرحام والرقيب : المراقب وهو المشرف من مكان عال والمرقب : المكان الذي يشرف منه الإنسان على ما دونه والمراد هنا بالرقيب الحافظ لأن ذلك من لوازمه.
المعنى الجملي : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي أنشأكم من العدم ورباكم وشملكم بالجود والكرم واذكروا أنه خلقكم من نفس واحدة وجعلكم جنسا تقوم مصالحه على التعاون والتآزر وحفظ بعضكم حقوق بعض.
و اتقوا الله الذي تعظمونه وتتساءلون فيما بينكم باسمه الكريم وبحقه على العبادة وبماله من السلطان والجبروت وتذكروا حقوق الرحم عليكم فلا تفرطوا فيها فإنكم إن فعلتم ذلك أفسدتم الأسر والعشائر فعليكم أن تحافظوا على هاتين الرابطتين رابطة الإيمان ورابطة الرحم الوشيجة والله رقيب عليكم يعلم ما تأتون وما تذرون ويحاسبكم على النقير والقطمير وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ( الكهف : ٤٩ )
الإيضاح : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة أي أيها الناس احذروا عصيان من رباكم بإحسانه وتفضل عليكم بجوده وإنعامه وجعلكم أقرباء يجمعكم نسب واحد وأصل واحد.
و جمهرة العلماء على أن المراد بالنفس الواحدة هنا آدام وهم لم يأخذوا هذا من نص الآية بل أخذوه تسليما وهو أن آدم أبو البشر.
و قال القفال : إن المراد أنه خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجا هو إنسان يساويه في الإنسانية أو أن الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهم آل قصي وأن المراد بالنفس الواحدة قصي اه.
و قال بعض العلماء أبهم الله تعالى أمر النفس التي خلق الناس منها فلندعها على إبهامها فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من أن لكل صنف من أصناف البشر أبا كان ذلك غير مخالف لكتابنا كما هو مخالف للتوراة التي نصت صراحة على أن آدم أبو البشر فحمل بعض الناس على الطعن في كونها من عند الله ووحيه.
قال الأستاذ الإمام : إن ظاهر الآية يأبى أن يكون المراد بالنفس الواحدة آدم لوجهين :
البحث العلمي والتاريخي المعارض لذلك.
إنه قال رجالا كثيرا ونساء ولم يقل الرجال والنساء ولكن ليس في القرآن ما ينفي هذا الاعتقاد ولا ما يثبته إثباتا قاطعا لا يحتمل التأويل اه.
و ما جاء من مخاطبة الناس بقوله : يَا بَنِي آدَمَ ( الأعراف : ٢٦ ) لا يعد نصا في كون جميع البشر من أبنائه إذ يكفي في صحة هذا الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم.
بحث في حقيقة النفس أو الروح :
اختلف المسلمون في حقيقة النفس أو الروح الذي يحيا به الإنسان وتتحقق وحدة جنسه على اختلاف أصنافه وأشهر آرائهم في ذلك : الرأي القائل :
إنها جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد والنار في الفحم فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار التي تفيض عليها من هذا الجسم اللطيف وجد الحس والحركة الإرادية والفكر وغيرها وإذا فسدت هذه الأعضاء وعجزت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح.
و مما يثبت ذلك أن العقل والحفظ والتذكر وهي أمور ثابتة قطعا – ليست من صفات هذا الجسد فلا بد لها من منشأ وجودي عبر عنه الأقدمون بالنفس أو الروح.
و ما مثلها إلا مثل الكهرباء فالماديون الذين يقولون لا روح إلا هذه الحياة يكون مثل الجسد عندهم مثل المستودع الكهربائي فهو بوضعه الخاص وبما يودع فيه من المواد تتولد في الكهرباء فإذا زال شيء مما أودع فيه أو أزيل تركيبه الخاص فقد الكهرباء وهكذا حال الجسم تتولد فيه الحياة بتركيب مزاجه بكيفية خاصة وبزوالها تزول الحياة والذين يقولون إن للأرواح استقلالا عن الجسد يكون مثل الجسد مثل الآلة التي تدار بكهرباء تأتي إليها من المولد الكهربائي فإذا كانت الآلة على وضع خاص في أجزائها وأدواتها كانت مستعدة لقبول الكهرباء التي توجه إليها حتى تؤدي وظيفتها وإن فقدت منها بعض الأجزاء الرئيسية أو اختل وضعها الخاص تصبح غير قابلة للكهرباء ومن ثم لا تؤدي وظيفتها الخاصة بها.
و خلق منها زوجها أي وخلق لتلك النفس التي هي آدم زوجها منها وهي حواء قالوا إنه خلقها من ضلعه الأيسر وهو نائم وقد صرح بهذا في الفصل الثاني من سفر التكوين وورد في بعض الأحاديث فقد روى البخاري قوله صلى الله عليه وسلم " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها ".
و خلاصة هذا : إنه شعبكم من نفس واحدة أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء :
و يرى أبو مسلم الأصفهاني أن معنى ( منها ) أي من جنسها كما جاء مثل هذا في قوله : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ( الروم : ٢١ ) وقوله : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ( التوبة : ١٢٨ )و قوله : لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ ( آل عمران : ١٦٤ ) فلا فرق بين أسلوب هذه الآية وأساليب الآيات الأخرى والمعنى في الجميع واحد.
و من ثبت عنده أن حواء خلقت من ضلع آدم فلا يكون مصدر الإثبات عنده هذه الآية وإالا كان إخراجا لها عما جاء في أمثالها اه
ثم فصل ما أجمله في قوله : خلقكم من نفس واحدة فقال :
وبث منها رجالا كثيرا ونساء أي ونشر من آدم وحواء نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث فجعل النسل من الزوجين كليهما فجميع سلائل البشر متوالدة من زوجين ذكر وأنثى.
واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام أي واتقوا الله الذي يسأل به بعضكم بعضا بأن يقول سألتك بالله أن تقضي هذه الحاجة وهو يرجو بذلك إجابة سؤله والمراد من سؤاله بالله سؤاله بإيمانه به وتعظيمه إياه أي أسالك بسبب ذلك أن تفعل كذا.
واتقوا إضاعة حق الأرحام فصلوها بالبر والإحسان ولا تقطعوها.
و كرر الأمر بالتقوى للحث عليها وعبر أولا بلفظ ( الرب ) الذي يدل على التربية والإحسان ثم بلفظ ( الله ) الذي يدل على الهيبة والقهر للترغيب أولا والترهيب ثانيا كما قال تعالى : وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ( الأنبياء : ٩٠ ) كأنه قيل : إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة.
إن الله كان عليكم رقيبا أي إنه مشرف على أعمالكم ومناشئها من نفوسكم وتأثيرها في أحوالكم لا يخفى عليه شيء من ذلك فلا يشرع لكم من الأحكام إلا ما فيه صلا حكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة.
و في ذلك تنبيه لنا إلى الإخلاص في أعمالنا إذ من كان متذكرا أن الله مراقب لأعماله كان جديرا أن يتقيه ويلتزم حدوده.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير