يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا( ١ ).
- لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام، وإيصال حقوقهم إليهم، وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن، إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.
ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ( يأيها الناس ) إحداهما في النصف الأول، وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني، وهي أيضا الرابعة من سوره ؛ ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ : اتقوا ربكم الذي خلقكم ، والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد :(.. إن زلزلة الساعة شيء عظيم )( (١) ) ؛ ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة، أما القيد الأول وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه، والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية، ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه، في كل ما يأمره وينهاه، وأيضا الإيجاد غاية الإحسان، فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، ... ، وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهرعلى وجود مدبر مختار، وحكيم قدير ؛ ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة ؛ ثم في هذا القيد فوائد أخر، منها : أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد، ... أعون على هذا المعنى، .. ، ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزا للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يقرأ كتابا ؛ وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا : هو آدم عليه السلام ( (٢) ) ؛ وخلق منها زوجها وخلق
الله من النفس الواحدة والشخص الواحد الذي هو آدم عليه السلام الزوج الثاني( (٣) ) له وهي حواء ؛ عن قتادة : وخلق منها زوجها يعني حواء، خلقت من آدم من ضلع من أضلاعه ؛ وبث منهما رجالا ونساء ونشر الله تعالى وفرق من آدم وحواء وخلق منهما رجالا كثيرا ونساء كثيرات ؛ واتقوا الله الذي تساءلون به الأرحام قال الضحاك : واتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به( (٤) )، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ولكن بروها وصلوها ؛ إن الله كان عليكم رقيبا أي : هو مراقب لجميع أحوالهم وأعمالهم، كما قال :(.. والله على كل شيء شهيد ) ( (٥) )، وفي الحديث الصحيح : " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تراه فإنه يراك " وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب، ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة، ليعطف بعضهم على بعض، ويحثهم على ضعفائهم، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر وهم مجتابو النمار، أي من عريهم وفقرهم قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته : يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة حتى ختم الآية، ثم قال :( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد.. ) ( (٦) ) ثم حضهم على الصدقة، فقال : " تصدق ( (٧) ) رجل من ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره " وذكر تمام الحديث ( (٨) ).
٢ من تفسير غرائب القرآن. ورغائب الفرقان..
٣ قال ابن سيده: الزوج: الفرد الذي له قرين؛ ويدل على أن الزوجين في كلام العرب اثنان قول الله عز و جل:(وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) فكل واحد منهما – كما ترى- زوج ذكرا كان أو أنثى؛ والرجل زوج المرأة وهي زوجه وزوجته؛ وفي حديث أبي ذر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة" قلت: وما زوجان من ماله؟ قال: عبدان أو فرسان أو بعيران من إبل؛ وكان الحسن يقول: دينارين ودرهمين وعبدين واثنين من كل شيء..
٤ حذفت من كل من الفعلين إحدى التاءين، وأصلهما: تتعاهدون وتتعاقدون..
٥ سورة البروج. من الآية ٩..
٦ سورة الحشر. من الآية ١٨..
٧ خبر يراد به الطلب، أي: ليتصدق..
٨ من تفسير القرآن العظيم..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب