البيان التفصيلي للسورة
بسم الله الرحمان الرحيم
( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ).
الناس من النوس ومعناه الحركة والتذبذب(١). وكأنما تتحقق الحركة بوجود البشر حيث التصرف والتعامل والتلاقي وفي أمور تتمثل في حركة دائمة الفعالية والنشاط. والتقوى من الفعل وقى. والاسم وقاية وهي الحماية(٢). وهي تعني أن يتخذ الناس من طاعة الله والامتثال لأمره سبيلا يكسبون بها مرضاة الله وستارا يحجب عنهم سخطه وعذابه، وربكم من الرب ويعني المالك(٣). والله سبحانه يملك الحياة والأشياء والوجود كله.
وفي هذه الآية يخاطب الله الناس كافة ليتقوه فيأتمروا بأمره ويتجنبوا معاصيه ويقفوا عند حدوده، فهو سبحانه صاحب الفضل والمنّة الذي خلقهم جميعا من أصل واحد وهو أبو البشر ادم عليه السلام ومن زوجة حوّاء التي خلقها الله من ادم نفسه على الطريقة التي لا يعلمها إلا هو سبحانه. فإنه ليس في القران ما يكشف عن كيفية الخلق لحواء. وفي مسألة كهذه نؤثر أن نقف عند مفهوم النص القرآني دون استقصاء إلى ما قد يحمل عل التكلف أو يوقه في الزلل.
ولذلك فإن ادم وحواء هما أبوا البشر كافة وقد خلق الله عن طريقهما تفرعا وتسلسلا هذه الجموع البشرية المنبثة في بقاع الأرض والتي توجد عل هيئات شتى من الشعوب والقبائل والأجناس والأعراق، سواء كان ذلك في الأمصار أو الأرياف أو البوادي أوفي البراري والصحاري وعبر البحار. كل أولئك رجالا ونساء هم من نسل دم ومعه زوجه حواء. وفي ذلك ما يكشف عن شان الله العظيم الذي يتجلى في مقدرته المطلقة بما يجعله سبحانه أهلا للمعبودية دون أحد من خلقه، وليس ذلك إلا بتقدير الله وإرادته وحكمته، فهو سبحانه القادر عل كل شيء والذي لا يعز عليه أن يخلق أو يصنع أي شيء.
وقوله :( واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام ). يأمر الله عباده في تأكيد مكرور بأن يتقوه فهو الذي يتساءلون به. أي الذي يحلّف به بعضهم لبعض وذلك أن يقول أحدهما للآخر سألتك بالله.
( والأرحام ) يحتمل إعرابها وجهين : أولهما : أنها منصوبة عل المفعولية لكونها معطوفة على لفظ الجلالة قبلها. وثانيهما : أنها مجرورة لكونها معطوفة عل الضمير المتصل في الكلمة " به " قبلها.
والراجح القول الأول وهو النصب. فيكون المعنى عل نحو السياق التالي : فاتقوا الله الذي تساءلون به واتقوا الأرحام ؛ لأن ذلك أبعد عن المحظور الذي يقع في الحلف أو التساؤل حلفا بغير الله. فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن النبي ( ص ) قال : " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ".
وكذلك روى الشيخان عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لا تحلفوا بآبائكم ".
قوله :( إن الله كان عليكم رقيبا ).
ذلك تعقيب مناسب مؤثر يرد في هذا المجال ليؤثر في نفوس المؤمنين فيزدادوا إيمانا ومن ثم يكونون دائمي الصلة بالله ومستشعرين لمخافته التي تمس قلوبهم بغير مبارحة.
وقوله :( رقيبا ) بمعنى حافظ أي مراقب لسائر الأحوال والأعمال، وعالم بالمقاصد والنوايا، فهو سبحانه لا تخفى عليه الأسرار والخفايا.
٢ - مختار الصحاح ص ٧٣٣..
٣ - مختار الصحاح ص ٢٢٨..
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز