وعلى هذه الجملة يدل اسمه.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)الناس اسم جنس، والاشتقاق فيه غير قوى. وقيل سمى الإنس إنسا لظهوره «١» فعلى هذه الإشارة: يا من ظهرتم عن كتم العدم بحكم تكليفى، ثم خصصت من شئت منكم بتشريفى، وحرمت من شئت منكم هدايتى وتعريفى. ونقلتكم إلى ما شئت بل أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفى.
ويقال لم أظهر من العدم أمثالكم، ولم أظهر على أحد ما أظهرت عليكم من أحوالكم.
ويقال سمّيت إنسانا لنسيانك، فإن نسيتنى فلا شىء أخسّ «٢» منك، وإن نسيت ذكرى فلا أحد أحطّ «٣» منك.
ويقال من نسى الحق فلا غاية لمحنته، ومن نسى الخلق فلا نهاية لعلوّ حالته.
ويقال يقول للمذنبين: يا من أنسيت عهدى، ورفضت ودى، وتجاوزت حدّى حان لك أن ترجع إلى بابى، لتستحقّ لطفى وإيجابى. ويقول للعارفين، يا من نسيت فينا حظّك، وصت عن غيرنا لحظك ولفظك- لقد عظم علينا حقّك، ووجب لدينا نصرك «٤»، وجلّ عندنا قدرك..
(٢) وردت (أخص) بالصاد، وربما نقبلها على أساس أن الله يعاتب عبده: إن نسيتنى فأنت رغم ذلك (أخص الكائنات بمحبتى).
(٣) وردت (أحض) بالضاد وربما كانت أحصن.
(٤) وجب واستوجب والإيجاب عند القشيري ترد بمعنى الاستحقاق، وعلينا أن نتأمل الدقة فى استعمال (لدينا) ولم يقل (علينا) فلا وجوب على الله- بخلاف المعتزلة.
ويقال يا من أنست «١» بنسيم قربى، واستروحت إلى شهود وجهى، واعتززت بجلال قدرى- فأنت أجلّ عبادى عندى.
قوله: «اتَّقُوا رَبَّكُمُ» : التقوى جماع الطاعات، وأوله ترك الشّرك وآخره اتقاء كل غير، وأول الأغيار لك نفسك، ومن اتّقى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا شهود حال، و (وقف) لله... لا لشهود حظّ فى الدنيا والعقبى.
قوله: «الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» : وهو آدم عليه السّلام، وإذا كنا مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضا كذلك، لمّا ظهرت مزية آدم عليه السّلام به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفنا، قال تعالى: «أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ».
ولفظ «النفس» للعموم والعموم يوجب الاستغراق.
قوله: «وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» : حكم الحقّ- سبحانه- بمساكنة الخلق مع الخلق لبقاء النسل، ولردّ المثل إلى المثل فربط الشكل بالشكل.
قوله: «وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً» : تعرّف إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة حيث خلق جميع هذا الخلق من نسل شخص واحد، على اختلاف هيئتهم، وتفاوت صورهم، وتباين أخلاقهم، وإن اثنين منهم لا يتشابهان، فلكل وجه فى الصورة والخلق، والهمة والحالة، فسبحان من لا حدّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته.
ثم قال: «وَاتَّقُوا اللَّهَ» تكرير الأمر بالتقوى يدلّ على تأكيد حكمه.
وقوله: «تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ» : أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، فمن قطع الرحم قطع، ومن وصلها وصل.
«إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» : مطلعا شهيدا، يعد عليك أنفاسك، ويرى حواسك، وهو متوّل خطراتك، ومنشىء حركاتك وسكناتك. ومن علم أنه رقيب عليه فبالحرى أن يستحيى منه.
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني