ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

[المجلد الثاني]

سورة النّساء
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
هذه السورة مدنية، إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح، في عثمان بن طلحة وهي قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء: ٥٨] قال النقاش: وقيل نزلت السورة عند هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة.
قال القاضي أبو محمد: وقد قال بعض الناس: إن قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ حيث وقع إنما هو مكي فيشبه أن يكون صدر هذه السورة مكيا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني وإن نزل في مكة أو في سفر من أسفار النبي عليه السلام، وقال النحاس: هذه السورة مكية.
قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف أن فيها ما نزل بالمدينة، وفي البخاري: آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: ١٧٦] ذكرها في تفسير سورة- براءة- من رواية البراء بن عازب، وفي البخاري عن عائشة أنها قالت: ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعني قد بنى بها.
قوله تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)
«يا» حرف نداء، و «أي» منادى مفرد- و «ها» تنبيه، والنَّاسُ- نعت لأي أو صلة على مذهب أبي الحسن الأخفش، «والرب» : المالك، وفي الآية تنبيه على الصانع وعلى افتتاح الوجود، وفيها حض على التواصل لحرمة هذا النسب وإن بعد، وقال: واحِدَةٍ على تأنيث لفظ النفس، وهذا كقول الشاعر:
[الوافر]
أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال
وقرأ ابن أبي عبلة- «من نفس واحد» - بغير هاء، وهذا على مراعاة المعنى، إذ المراد بالنفس آدم صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، والخلق في الآية: بمعنى الاختراع، ويعني بقوله:

صفحة رقم 3

زَوْجَها حواء، والزوج في كلام العرب: امرأة الرجل، ويقال زوجة، ومنه بيت أبي فراس: [الطويل]

وإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها
وقوله مِنْها، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة: إن الله تعالى خلق آدم وحشا في الجنة وحده، ثم نام فانتزع الله أحد أضلاعه القصيرى من شماله، وقيل: من يمينه فخلق منه حواء، ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام: «إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها» وكسرها طلاقها. وقال بعضهم: معنى مِنْها من جنسها، واللفظ يتناول المعنيين، أو يكون لحمها وجواهرها من ضلعه، ونفسها من جنس نفسه، وبَثَّ معناه: نشر، كقوله تعالى: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤] أي المنتشر، وحصره ذريتها إلى نوعين الرجال والنساء مقتض أن الخنثى ليس بنوع، وأنه وإن فرضناه مشكل الظاهر عندنا، فله حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين، وفي تكرار الأمر بالاتقاء تأكيد وتنبيه لنفوس المأمورين. والَّذِي في موضع نصب على النعت- وتَسائَلُونَ معناه: تتعاطفون به، فيقول أحدكم:
أسألك بالله أن تفعل كذا وما أشبهه وقالت طائفة معناه: تَسائَلُونَ بِهِ حقوقكم وتجعلونه مقطعا لها وأصله:
«تتساءلون»، فأبدلت التاء الثانية سينا وأدغمت في السين، وهذه قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وابن عمرو، بخلاف عنه، وقرأ الباقون- «تساءلون» - بسين مخففة وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفا فهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة، قال أبو علي: وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال كما قالوا: طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء، إذ الأصل طس: قال العجاج: [الرجز]
لو عرضت لأيبليّ قسّ أشعث في هيكله مندسّ
حنّ إليها كحنين الطّسّ وقال ابن مسعود- «تسألون» - خفيفة بغير ألف، والْأَرْحامَ نصب على العطف على موضع به لأن موضعه نصب، والأظهر أنه نصب بإضمار فعل تقديره: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهذه قراءة السبعة إلا حمزة، وعليها فسر ابن عباس وغيره، وقرأ عبد الله بن يزيد- والأرحام- بالرفع وذلك على الابتداء والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل، وقرأ حمزة وجماعة من العلماء- «والأرحام» - بالخفض عطفا على الضمير، والمعنى عندهم: أنها يتساءل بها كما يقول الرجل: أسألك بالله وبالرحم، هكذا فسرها الحسن وإبراهيم النخعي ومجاهد، وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز، لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض، قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز: مررت بزيدوك، فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد، وأما سيبويه فهي عنده قبيحة لا تجوز إلا في الشعر، كما قال: [البسيط]
فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيّام من عجب
وكما قال: [الطويل]

صفحة رقم 4

المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي

تحقيق

عبد السلام عبد الشافي محمد

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1422 - 2001
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية
نعلّق في مثل السّواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف