وقوله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد :
اختلف في الزينة هنا. فقيل : الثياب الساترة، قال مجاهد والسدي. وقال بعضهم : الزينة ما يتجمل به ويدخل فيها ما كان من أخذ ١ الطيب ٢ للجمعة والسواك وبدل الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء ٣. وذكر بعضهم حديثا في أن معنى قوله تعالى : خذوا زينتكم صلوا في النعال ٤. وإذا قلنا إن المراد بالزينة ما يتجمل به ففي ضمن الأمر بالزينة الأمر بالستر. وظاهر هذا أن أخذ الزينة عند كل مسجد إنما هو للفعل الذي يتعلق بالمسجد وللمسجد تعظيما لهما. والفعل الذي يتعلق بالمسجد٥ الاعتكاف والصلاة والطواف٦ وإذا صح أن ٧ الأمر بذلك للوجهين جميعا لم يدل ظاهر ذلك على وجوب ستر العورة في الصلاة مطلقا مع أن القدر الذي يستر العورة لا يسمى زينة وتجملا. وكثير من الفقهاء رأوا في ذلك دلالة على وجوب ستر العورة مطلقا ولم يشترطوا المسجد. قالوا لأن الأمر بذلك عند كل مسجد لم يكن لعين المسجد وإنما كان للفعل الواقع في المسجد وهو الاعتكاف والصلاة والطواف٨. وإذا لم يجب الستر للمسجد وإنما وجب لأجل ٩ما عظم له المسجد وهو الصلاة. فقد وجب الستر للصلاة وإذا وجب لها كان شرطا في صحتها إلا١٠ أن الدليل قام على أن الزيادة على ستر العورة التي يقتضيها لفظ الزينة قد قام الدليل على أنها غير واجبة يبقي مقدار الستر واجبا. وقال بعضهم : عند كل مسجد يريد عند كل موضع سجود إشارة إلى الصلوات. وإذا قلنا إن الآية في الأمر بستر العورة للصلاة فقد اختلف هل سترها فرض من فروض الصلاة أم من سننها. فبين أصحاب مالك فيه خلاف١١ واحتج من يرى ذلك فرضا بهذه الآية : خذوا زينتكم عند كل مسجد فأمر بالستر عند الصلاة وهذا مبني على الخلاف في الأمر هل هو على الوجوب أم لا. فأما أن ستر العورة فرض في الجملة فلا خلاف في ذلك. اختلف هل يجب على الإنسان ستر عورته في الخلاء١٢ كما يجب في الملأ١٣.
فلم يوجبه الجمهور ورأوا أن المنع من الكشف إنما هو من أجل الناس وإذا لم يكونوا جاز. وذهب قوم إلى أنه يجب ومن حجتهم ما يقتضيه قوله تعالى : يواري سوءاتكم وسائر الآيات التي نزلت بستر العورة وذلك على العموم حتى يدل دليل على التخصيص. وأيضا فإن قوله تعالى في أثناء الكلام في الشيطان أنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم دليل على ذلك. لأنه إن كانت العلة في١٤ الستر خوف الرؤية ففي الخلاء رؤية الشيطان موجودة فينبغي أن لا ينكشف. واختلف في المرأة تصلي بغير قلادة أو قرطين. فلم يجزه جماعة من السلف لها وأجازه الأكثر وحجة من لم يجزه قوله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد . وقد احتج ١٥ مالك بالآية أيضا في كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية ١٦.
- وقوله تعالى : وكلوا واشربوا :
أمر تعالى بترك ما التزمته العرب من تحريم الودك واللحم في أيام المواسم. وقوله تعالى : ولا تسرفوا قد خصصه بعض المفسرين بأشياء. والصواب أن يحمل على عمومه في المحظور والمباح فمن تلبس بشيء من الحرام ١٧ فهو مسرف بأول تلبسه. ومن تلبس بمباح فمن اقتصد ١٨ فحسن ومن١٩ أفرط بزيادة أو نقصان فهو إسراف ٢٠ منهي ٢١ عنه. ولذلك وقف النبي صلى الله عليه وسلم بالموصى على الثلث ٢٢. وقد اختلف من هذا في مسألة وهي صدقة الرجل بجميع ماله هل تجوز أم لا ؟ فأجازه مالك ولم يجزه سحنون والحجة لمن لم يجزه قوله تعالى : ولا تسرفوا وهذا إسراف وقوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [ الفرقان : ٦٧ ]. وهذا القول قد رجحه بعضهم لتعلقه بظاهر الآي.
٢ في (د): "التطيب"..
٣ راجع المحرر الوجيز ٧/ ٤٥..
٤ والحديث ذكره القرطبي برواية كرز بن وبرة عن عطي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم: " خذوا زينة الصلاة" قيل وما زينة الصلاة؟ قال: "البسوا نعالكم فصلوا فيها". راجع الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٩٠..
٥ من قوله: "وللمسجد..... إلى: بالمسجد" ساقط في (ب)، (ج)، (ح)..
٦ في (أ)، (ب)، (ح): "الطوف"..
٧ كلمة "أن" ساقطة في (أ)، (ب)، (ح)..
٨ في (ب)، (ح): "والطوف"..
٩ في (ح): "لا عجل"..
١٠ "إلا" ساقط في (أ)..
١١ في (ب)، (ج)، (ح)، (د)، (هـ): "قولان"..
١٢ في (ب)، (ح): "الخلاف"..
١٣ "كما يجب في الملأ" ساقط في (أ)، (ز)..
١٤ "في" ساقط في (ح)..
١٥ في (أ)، (و)، (ز): "انتزع"..
١٦ راجع أحكام ذلك عند الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٣/ ١٣٥ – ١٣٧، وكذلك عند القرطبي ٧/ ١٩٠، ١٩١..
١٧ في (أ)، (ز):"من المباح"..
١٨ في (د): "فقد اقتصر"..
١٩ في (أ): "وإن أفرط"..
٢٠ في (ح): "مسرف"..
٢١ "منهي" ساقطة في (د)..
٢٢ في (أ)، (ز): "بالوطء على الثلث"..
أحكام القرآن
ابن الفرس