ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

فيه دلالة لزوم الحجة والدليل في حال الحسبان والظن إذا كان بحيث الإدراك والوصول إليه؛ لأنه قال: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)، فيه أنهم عند أنفسهم مهتدون، ولم يكونوا، ثم عوقبوا على ذلك؛ دل أن الدليل والحجة قد يلزم، وإن لم يعرف بعد أن كيف يكون سبيل الوصول إلى ذلك، وهذا يرد قول من يقول بأن فرائض اللَّه لا تلزم إلا بعد العلم بها والمعرفة.
* * *
قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
يحتمل أن يكون الخطاب - وإن خرج مخرج الأمر - بأخذ الزينة واللباس، فهو على النهي عن نزعها؛ لأن الناس يكونون آخذين الزينة وساترين عوراتهم غير بادين بها فإذا كان كذلك فهو على النهي عن نزع لباسهم وإبداء عوراتهم، وهو ما ذكر في بعض القصة أن أهل الشرك كانوا إذا طافوا بالبيت نزعوا ثيابهم، ويقولون: لا نطوف في ثيابنا التي أذنبنا فيها، فإن كان التأويل ما قال ابن عَبَّاسٍ وهَؤُلَاءِ: فيكون فيه إضمار؛ كأنه قال: خذوا زينتكم عند هذا المسجد، كما تأخذون عند كل مسجد سواء.
وإلا خرج تأويل الآية على وجوه:
أحدها: يقول: صلوا في كل مسجد، ذكر هذا لمن لا يرى الصلاة إلا في مسجده، على ما روي: " أن لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ".
والثاني: يقول: صلوا بكل مسجد، وبكل مكان؛ كقوله - عليه السلام -:

صفحة رقم 404

" جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسجِدًا وَطَهُورًا ".
والثالث: بجعل الزينة العبادة نفسها؛ بقوله: (خُذُوا زِينَتَكُمْ).
ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: كانوا يستعيرون من أهل مكة ثيابًا يطوفون فيها، فإن لم يجدوا بها طافوا فيها عراة بادين عوراتهم، فنهاهم اللَّه - تعالى - عن ذلك، وقال: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، أي: لا تنزعوا ثيابكم التي على عوراتكم؛ فهو على النهي عن نزع الثياب وإبداء العورة، وكذلك قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا).
يخرج على النهي عما حرموا على أنفسهم من أنواع المنافع والنعم التي أحل اللَّه لهم: من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ومن نحو ما حرموا من الزرع والطعام، وكقوله: (وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا). خرج قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) على النهي عما حرموا مما أحل لهم، لا على الأمر بالأكل والشرب؛ لأن كل أحد يأكل ويشرب، ولا يدع ذلك؛ فدل أنه خرج على النهي عما حرموا؛ كأنه قال: لا تحرموا ما تحرمون، ولكن كلوا واشربوا وانتفعوا بها.
فإن كان على ابتداء الأمر بأخذ الزينة، فهو - واللَّه أعلم - أمر بأخذ الزينة والتجمل عند كل مسجد، والمسجد هو مكان كل عبادة ونسك، على ما يكون في غير ذلك من الأوقات يتزينون ويتجملون عند اجتماع الناس؛ فعلى ذلك يكونون في مكان العبادة والنسك.
أو أن يكون لما في المسجد من اجتماع الناس للعبادة، فأمروا بستر عوراتهم في ذلك.

صفحة رقم 405

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية