ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين٣١ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون [ الأعراف : ٣١ ٣٢ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة أنه أمر عباده بالعدل في كل الأمور وإتباع الوسط منها ـ طلب أن نأخذ الزينة في كل مجتمع للعبادة، فنستعمل الثياب الحسنة في الصلاة والطواف ونحو ذلك، كما أباح لنا أن نأكل ونشرب مما خلق الله بشرط ألا نسرف في شيء من ذلك..
أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال : كان الناس يطوفون بالبيت عراة ويقولون : لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها فطافت ووضعت يدها على قبُلها وقالت :

اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية.
الإيضاح : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد الزينة : ما يزين الشيء أو الشخص، وأخذها التزين بها، والمراد بالزينة هنا الثياب الحسنة كما يدل على ذلك سبب نزول الآيات، وأقل هذه الزينة ما يدفع عن المرء أقبح ما يشينه بين الناس وهو ما يستر عورته، وهو الواجب لصحة الصلاة والطواف، وما زاد على ذلك من التجمل بزينة اللباس عند الصلاة ولاسيما صلاة الجمعة والعيد فهو سنة لا واجب.
ويرى بعض العلماء وجوب الزينة للعبادة عند كل مسجد بحسب عرف الناس في تزينهم في المجامع والمحافل، ليكون المؤمن حين عبادة ربه مع عباده المؤمنين في أجمل حال لا تقصير فيها ولا إسراف.
أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله عز وجل أحق من تزين له، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود ).
وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ).
وعلى الجملة فالزينة تختلف باختلاف حال الإنسان في السعة والضيق، فمن عنده ثوب واحد يستر جميع بدنه فليستر به جميع بدنه وليصل به، فإن لم يستر إلا العورة كلها أو الغليظة منها وهي السوءتان فليستر به ما يستره، ومن وجد ثوبين أو أكثر فليصلّ بهما.
وهذا الأمر بالزينة عند كل مسجد أصل من الأصول الدينية والمدنية عند المسلمين وكان سببا في تعليم القبائل المتوحشة القاطنة في الكهوف والغابات أفرادا وجماعات لبس الثياب عند دخولها في حظيرة الإسلام، وكانوا قبل ذلك يعيشون عراة الأجسام رجالا ونساء حتى ذكر بعض المنصفين من الإفرنج أن لانتشار الإسلام في إفريقية منة على أوربا بنشره للمدنية بين أهلها، إذ ألزمهم ترك العري وأوجب لبس الثياب فكان ذلك سببا في رواج تجارة المنسوجات.
وبهذا نقل الإسلام أمما وشعوبا من الوحشية إلى الحضارة الراقية.
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين أي خذوا زينتكم عند المساجد وأداء العبادات، وكلوا واشربوا من الطيبات، ولا تسرفوا فيها، بل عليكم بالاعتدال في جميع ذلك، لأن الله الخالق لهذه النعم لا يحب المسرفين فيها، بل يعاقبهم على هذا الإسراف بمقدار ما ينشأ عنه من المضار والمفاسد، لأنهم قد خالفوا سنن الفطرة وجنوا على أنفسهم في أبدانهم وأموالهم، وجنوا على أسرهم وأوطانهم، إذ هم أعضاء في جسم الأسرة والأمة.
روى النسائي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة كبر وإعجاب بالنفس ولا سرف، فإن الله أن يرى أثر نعمه على عبده ).
وعن ابن عباس أنه قال : كل ما شئت، واشرب ما شئت والبس ما شئت إذا أخطأتك اثنتان : سرف أو مخيلة.
والإسراف : تجاوز الحد في كل شيء، والحدود منها :
( ١ ) طبيعي : كالجوع والشبع والظمأ والري، فمن أكل إذا أحس بالجوع أو كف عن الأكل إذا شعر بالشبع وإن كان يستلذ الاستزادة، أو شرب إذا شعر بالظمأ واكتفى بما يزيله ولم يزد على ذلك لم يكن مسرفا في أكله وشربه، وكان طعامه وشرابه نافعين له.
( ٢ ) اقتصادي : وهو أن تكون النفقة على نسبة معينة من دخل الإنسان بحيث لا تستغرق كسبه.
( ٣ ) شرعي : فإن الشارع حرم من الطعام الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، وحرم من الشراب الخمر، وحرم من اللباس الحرير الخالص، أو الغالب على الرجال دون النساء، وحرم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة وعده من السرف المنهي عنه، فهذه الأشياء لا يباح استعمالها إلا لضرورة تقدر بقدرها.
والمعول عليه في الإنفاق في كل طبقة عرف المعتدلين فيها، فمن تجاوز طاقته مباراة لمن هم أغنى منه وأقدر كان مسرفا، وكم جر الإسراف إلى خراب بيوت عامرة لاسيما في المهور وتجهيز العرائس وحفل العرس والمأتم والزار.
ثلاثة تشقى بها الدار العرس والمأتم والزار.
وهذا السرف كبير الضرر عظيم الخطر على الأمم أكثر من ضرره على الأفراد ولاسيما في البلاد التي تأتي إليها أنواع الزينة من البلاد الأجنبية عنها، إذ تذهب الثورة إلى غير أهلها، وربما ذهبت إلى من يستعين بها على استذلالهم والعدوان عليهم.
والخلاصة : إن الطعام والشراب من ضرورات الحياة الحيوانية، ولكن ضل في ذلك فريقان :
( أ ) فريق البخلاء والغلاة في الدين تركوا الأكل والشرب من الطيبات المستلذة، إما بخلا وشحا أو تحرجا وتأثما، إما دائما أو في أوقات مخصوصة من السنة.
( ب ) فريق المترفين الذين أسرفوا في اللذات البدنية وجعلوها جل همهم، فهم يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تتمتع الأنعام، وليس لهم غاية يقفون عندها، أو نهاية ينتهون إليها.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة أنه أمر عباده بالعدل في كل الأمور وإتباع الوسط منها ـ طلب أن نأخذ الزينة في كل مجتمع للعبادة، فنستعمل الثياب الحسنة في الصلاة والطواف ونحو ذلك، كما أباح لنا أن نأكل ونشرب مما خلق الله بشرط ألا نسرف في شيء من ذلك..
أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال : كان الناس يطوفون بالبيت عراة ويقولون : لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها فطافت ووضعت يدها على قبُلها وقالت :
اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير