يقول الله جل وعلا :[ * يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا وشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين( ٣١ ) ]( الأعراف : آية ٣١ ) قد تقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول أن له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو معروف في مصطلح الحديث. وإذا علمتم ذلك فاعلموا أن مسلم بن الحجاج ( رحمه الله ) في آخر صحيحه أخرج عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير أن هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف نزلت فيما كان يفعله المشركون من أنهم يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله النهي عن ذلك، والتجمل بلباس الزينة، وستر العورة للطواف وللصلاة في جميع المساجد، فالسبب خاص واللفظ عام، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما سنوضحه إن شاء الله.
والمعروف في مختلقات العرب التي كانوا يفعلون : أن غير الحمس- والحمس : جميع قريش ؛ لأن من قريش أهل بطاح وأهل ظواهر، وجميعهم هم وحلفاؤهم يسمون :" الحمس " وأهل البطاح منهم : أولاد كعب فما دونه، وما فوقه كعب وهم بنو عامر بن لؤي، وبنو الحارث بن فهر، وبنو محارب بن فهر من قبائل قريش، هؤلاء كانوا ليسوا ببطاح مكة بل بالظواهر، فهؤلاء أهل الظواهر، وهؤلاء الأبطحيون في نفس بطحاء مكة، والجميع يسمون :" الحمس " هم قريش بجميعها أهل بطاحها وأهل ظواهرها كانت عادة العرب في الجاهلية أن الإنسان إذا جاء يريد الطواف ببيت الله الحرام إن كان له صديق من الحمس أعطاه ثوبا يطوف فيه، وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية-قبل البعثة- كان له صديق من بني تميم هو عياض بن حمار الذي كان بعد ذلك صحابيا كريما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد عياض بن حمار أن يطوف أعاره ثوبه ليطوف فيه كما هو معروف في التاريخ. فإن أعاره أحد الحمس ثوبه طاف به، وإن لم يجد من يعيره من الحمس ثوبا فإن كان ثوبه جديدا- لم يلبسه قبل ذلك-طاف فيه، ولكنه عندما يطوف فيه يلقيه من حاله ويذهب عريانا ؛ لأنهم يقولون : لا يطوف بيت الله بثياب عصينا الله فيها. أو يتفاءلون أنهم يخرجون من الذنوب ويتعرون منها كما تعروا من الثياب. وهذه تشريعات الشيطان. والإنسان منهم إذا طاف في ثوبه لا بد أن يلقيه، وإن لم يلقه ضربوه حتى يلقيه ويسمى ذلك الثوب ( لقى ) وهو معروف في التاريخ ؛ لأن ( اللقى ) هذا الثوب الذي يلقيه من طاف فيه يبقى طريحا تدوسه أقدام الناس في المطاف. وبعضهم قالوا : يلقون ( اللقى ) في منى، ومنه الشاعر :
| كفى حزنا كري عليه كأنه | لقى بين أيدي الطائفين حريم |
| اليوم يبدو بعضه أو كله | فما بدا منه فلا أحله |
يقول- عن معنى الآية- :[ خذوا زينتكم ]( الأعراف : آية ٣١ ) يعني : خذوا زينة اللباس واستروا بها عوراتكم عند الطواف بالبيت والصلاة. والآية وإن كان سبب نزولها في طوافهم بالبيت عراة فلفظها عام لكل مسجد. والمقرر في الأصول : أن اللفظ إن كان عاما والسبب كان خاصا فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. هذا هو الحق الذي عليه جماهير العلماء، وعليه عامة الأصوليين إلا من شذ. والدلالة على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب تفهم من نصوص الوحي، ومن اللغة العربية. اما نصوص الوحي فقد دلت على ذلك احاديث صحيحة تدل على ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يدل عليه استقراء القرآن، وتدل عليه اللغة العربية أيضا. فمن الأحاديث الدالة
على ذلك : قصة الأنصاري المشهورة التي ذكرها الله في سورة هود، وسيأتي إيضاحها ؟، وضابطها : أن أنصاريا كان تمارا فجاءته امرأة تريد أن تبتاع منه تمرا فأعجب بجمالها فقال لها : إن في البيت تمرا أجود من هذا. فلما دخلت في البيت تظن انه يبيعها التمر الأجود، كان بينه وبينها ما لا ينبغي أن يكون بين رجل وغير زوجته، إلا أنه لم يقع بينهما ما يستوجب الحد، فكان شيء مثل التقبيل والضم ونحوه، ثم بعد ذلك ندم ذلك الأعرابي وسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيه آية مدنية في سورة مكية، وهي قوله تعالى في سورة هود :[ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ] يعني كالصلوات الخمس التي يقيمها في الجماعات[ يذهبن السيئات ]( هود : آية ١١٤ ) أي : يغفر الله بهن تلك الذنوب، كتقبيل تلك الأجنبية، ثم إن ذلك الرجل لما نزلت فيه الآية وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم سأل ذلك الأنصاري وقال له : يا رسول الله ألي هذا خاصة ؟ وسؤال الأنصاري- هذا-مقتضاه : أيختص حكم هذه الآية بي لأني سبب نزولها، أم العبرة بعموم لفظ[ إن الحسنات يذهبن السيئات ] ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" بل لأمتي كلهم ". وسؤال الأنصاري هذا وجواب النبي صلى الله عليه وسلم له ثابت في صحيح البخاري في تفسير سورة هود، وهو نص صريح في أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
ومن النصوص الدالة على ذلك : ما ثبت في الصحيح ثبوتا لا مطعن فيه، من ان النبي صلى الله عليه وسلم جاء عليا وفاطمة( رضي الله عنهما وأرضاهما ) وهما نائمان، وأيقظهما ليصليا من الليل، فقال له علي ( رضي الله عنه ) : إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا. فولى صلى الله عليه وسلم كالمغضب يضرب فخذه ويقول :[ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ] ( الكهف : آية ٥٤ ) مع أن آية :[ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ] نزلت على التحقيق في الكفار المشركين الذين يجادلون في القرآن، فيقول بعضهم : شعر. ويقول بعضهم : سحر. ويقول بعضهم : كهانة. إلى غير ذلك. ويدل لأنها في الكفار : أول الآية، وهو قوله :[ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان ] أي المكذب بالقرآن الذي لم يعتبر بأمثاله[ أكثر شيء جدلا ]( الكهف : آية ٥٤ ) وخصومة في التكذيب بالقرآن. فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أنها وإن نزلت في الكفار أن عموم لفظها شامل لقول علي( رضي الله عنه ) : إن أرواحنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا.
ومما يدل على هذا من اللغة العربية : أن الرجل مثلا لو كان له أربع زوجات فآذته واحدة منهن وشتمته وأطلقت لسانها فيه حتى أغضبته، وهي واحدة، والثلاث ساكتات لا يفعلن إلا ما يرضي زوجهن. فقال الزوج بسبب إغضاب التي أغضبته : انتن كلكن طوالق. فان الطلاق لا يختص بذات السبب التي أغضبته وآذته بل يطلق الجميع نظرا إلى عموم اللفظ، ويلغى اللفظ الذي حمل عليه، كما هو معلوم عند أهل اللسان العربي.
وقوله ( جل وعلا ) في هذه الآية :[ يا بني آدم ] ( الأعراف : آية ٣١ ) كأنه يذكرهم بقضية إبليس على النكاية فيكم بنزع ثيابكم عنكم كما فعل بأبويكم.
[ خذوا زينتكم عند كل مسجد ] الأصل : اؤخذوا بالهمزة ؛ لأنه مضارع ( أخذ ) بالهمزة، إلا أن ثلاثة أفعال مهموزة الفاء وهي :( أخذ )، و( أمر )، و( أكل ) يجوز حذف همزتها في الأمر كما بيناه مرارا.
[ خذوا زينتكم ] أي : لباسكم الذي تسترون به عوراتكم وتتجملون به.
[ عند كل مسجدي سواء كان المسجد الحرام للطواف أو غيره من المساجد للصلاة. وكون الزينة هنا لبس اللباس للطواف والصلاة يكاد يجمع عليه المفسرون. وقد دل عليه حديث ابن عباس المذكور الذي قدمنا أن له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخذ العلماء من ظاهر عموم الآية انه ينبغي للرجل إذا أراد أن يخرج إلى المسجد ليحضر جماعات المسلمين ويصلي أن يلبس من الثياب أحسنها. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الثناء على لون البياض في الحديث :" إن من خير ثيابكم البياض فالبسوا البياض وكفنوا فيه موتاكم، وإن من خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر " وهو حديث مشهور أخرجه بعض أصحاب السنن وغيرهم ؛ ولذا كانوا يتطيبون ويستاكون ويقولون : إن الطيب والسواك من كمال الزينة التي يتناولها ظاهر الآية الكريمة. مع القطع بأنها نازلة في عدم العري وستر العورات عند الطواف والصلوات.
وهي دليل واضح على أن الطواف لا يصح من العريان كما عليه جمهور العلماء، وأن الصلاة أيضا لا تصح من كشف العورة خلافا للإمام أبي حنيفة-رحمه الله- في الطواف. ويؤيد معنى ما دلت عليه الآية قوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسل عليا ينادي به :" وألا يحج بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان ". وهذا معنى قوله :[ خذوا زينتكم عند كل مسجد ]( الأعراف : آية ٣١ ) أي : لا تأتوا الطواف مكشوفة عوراتكم، ولا تأتوا مساجد المسلمين مكشوفة عوراتكم كما كان يفعله المشركون في مسجد مكة ؛ لأنا ذكرنا عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير كما أخرجه مسلم في صحيحه أن هذه الآية نزلت في أن المشركين كانوا يطوفون عراة حتى إن المرأة لتقول :
| اليوم يبدو بعضه أو كله | فما بدا منه فلا أحله |
وهذا يدل على أن قائلة البيت من اللاتي كن يطفن بالبيت وهن عريانات يتقربن بذلك إلى الله. مع انه ذكرت جماعة من المؤرخين للبيت المذكور قصة غير ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس، والظاهر أن ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس أثبت، فقد ذكر غير واحد ممن تكلم على الصحابة في ترجمة ضباعة بنت عامر بن لقيط بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة- هي من بني قشير الذين منهم مسلم بن الحجاج القشيري- وكانت امرأة ذات جمال، وأنها تزوجها عبد الله بن جدعان التيمي، الجواد المشهور، وجاء بها إلى مكة، وكان من أعظم فتيان مكة في ذلك الزمن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، والد أبي جهل، فأعجبه جمال ضباعة بنت عامر، التي هي زوجة ابن جدعان، فصار يأتيها ويقول لها إن هذا الشيخ الكبير الذي ليس له جمال لا يناسب جمالك وكمالك فتطلقي منه لأتزوجك. يخببها عليه. فخببها عليه، فطلبت من ابن جدعان الطلاق، فلما طلبت منه الطلاق قال : نعم، بشرط أن تنحري كذا وكذا جزورا- مئة من الإبل أو أكثر- وتغزلي غزلا يمتد من هنا إلى جبل كذا، وان تطوفي ببيت الله وأنت عريانة. فقالت له : اصبر حتى أفكر في شأني، فجاءها هشام، وكان هشام من عظام فتيان مكة، وقد قال فيه الشاعر لما مات :
| فأصبح بطن مكة مقشعرا | كان الأرض ليس بها هشام |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير