ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

ثم أمرهم بستر العورة في الصلاة والطواف، فقال :
يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا بني آدم خُذوا زينتكم أي : ثيابكم التي تستر عورتكم، عند كل مسجدٍ لطواف أو صلاة، واحتج به من أوجب ستر العورة في الصلاة، ومن السًّنة أن يأخذ الرجل أحسن ثيابه للصلاة، وقيل : المراد بالزينة : زيادة على الستر، كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب، وكُلوا واشربوا ؛ أمر إباحة ؛ لِمَا رُوِي أن بني عامر، في أيام الحج، كانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا ؛ يعظمون بذلك حجهم، وهَمَّ المسلمون بذلك، فنزلت.
ولا تُسرفوا ؛ بتحريم الحلال، أو بالتقدم إلى الحرام، أو بإفراط الطعام والشره إليه، وقد عَدَّ في الإحياء من المهلكات : شره الطعام، وشره الوقاع، أي : الجماع ؟ إنه لا يحب المسرفين ؛ لا يرتضي فعلهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه :( كُل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان : سَرفٌ ومخيلة ) أي : تكبر. وقال علي بن الحسين بن واقد : جمع الله الطب في نصف آية ؛ فقال : كلوا واشربوا ولا تسرفوا .
الإشارة : إنما أمر الحقّ جلّ جلاله بالتزين للصلاة والطواف ؛ لأن فيهما الوقوف بين يدي ملك الملوك، وقد جرت عادة الناس في ملاقاة الملوك : التهيئ لذلك بما يقدرون عليه من حسن الهيئة ؛ لأن ذلك زيادة تعظيم للملك، وتزيين البواطن بالمحبة والوداد أحسن من تزيين الظواهر وخراب البواطن ؛ " إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلَى صُوَرِكُم ولاَ إلى أموَالِكُم، وإنَّمَا يَنظُرُ إلَى قُلوبِكُم وأعمَالِكُم " ١. وملاقاة الملك بالذل والانكسار أحسن من ملاقاته بالتكبر والاستظهار. والله تعالى أعلم.

١ أخرجه مسلم في البر حديث ٣٣، وأحمد في المسند ٢/٢٨٥، ٥٣٩..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير