روى مسلم عن ابن عباس قال : كانت امرأة تطوف بالبيت في الجاهلية وهي عريانة وعلى فرجها خرقة وهي تقول : اليوم يبدوا بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله١ فنزلت يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ونزلت ( قل من حرم زينة الله )الآيتين، والمراد بالزينة ما يواري العورة من الثياب بإجماع أهل التفسير، قال : مجاهد ما يواري عورتك ولو عباءة وكذا قال : الكلبي، وروى البيهقي في هذه الآية عن ابن عباس أن المراد بها الثياب والمراد بالمسجد قيل : موضع السجود ولذا قيل : معناه خذوا ثوبكم عند كل مسجد لطواف أو صلاة، وعلى هذا قال : ابن همام الآية نزلت في الطواف تحريما لطواف العريان والعبرة وإن كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن لا بد أن يثبت الحكم في السبب أولا وبالذات لأنه المقصود به قطعا ثم غيره على ذلك الوجه، والثابت عندنا في الستر في الطواف الوجوب يعني لا على سبيل الاشتراط لصحة الطواف حتى لو طاف عريانا ثم وحكم بسقوطه وفي الصلاة الافتراض يعني الاشتراط حتى لا تصح بدونه، فالأوجه الاستدلال بالإجماع على الافتراض في الصلاة كما نقله غير واحد من أئمة النقل الإجماع النقل إلى أن حدث بعض المالكية فخالف كالقاضي إسماعيل وهو لا يجوز بعد تقرر الإجماع، والحديث عن عائشة يرفعه :( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )٢ رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن خزيمة في صحيحه والظاهر عندي أن المسجد مصدر ميمي بمعنى السجدة أطلق على الصلاة تسمية الجزء على الكل كما في قوله تعالى : واركعوا مع الراكعين ٣ صلوا مع المصلين وقوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر من القرءان ٤ يعني صلوا ما تيسر من الصلاة فهذه الآية بعبارته يوجب ستر العورة عند كل صلاة خاصة، والبحث في سبيل النزول أن قوله تعالى : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سواءتكم وريشا إلى قوله تعالى : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ٥ الآيات كلها نزلت حين كانت العرب في الجاهلية تطوف بالبيت عراة يقولون : لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها وطافت المرأة عريانة واضعة يدها على فرجها بل ذكر قصة آدم أيضا توطئة لذلك حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان، والآيات كلها ناطقة أن خلق اللباس للإنسان لأجل ستر عورته نعمة من الله تعالى وذلك هو التقوى، وكشف العورة وترك الستر فتنة وإضلال من الشيطان قد عمل أولا بأبيكم آدم وثانيا بكم وأنه فاحشة تفعله العرب تقليدا بآبائهم وافتراء على الله تعالى والله تعالى لا يأمر بالفحشاء لكن فريقا من الناس هداهم وفريقا حق عليهم الضلالة، فهذه الآيات تدل على أن كشف العورة فاحشة حرام مطلقا قبيح مستهجن طبعا وعقلا وشرعا فارتكابها في الطواف وغير ذلك من العبادات أقبح وأفحش وأشد حرمة بالطريق الأولى موجب للإثم، وما كانت العرب يدعون أن لبس الثياب في الطواف حرام وأكل اللحم والدسم في الحج حرام فهو باطل أنكر عليه سبحانه بقوله من حرم زينة الآية، وقوله إنما حرم ربي الفواحش ومنها كشف العورة لكن شيء من هذه الآيات لا تدل على اشتراط ستر العورة في الطواف ومن ثم قال : أبو حنيفة رحمه الله لو طاف عريانا ثم ويحكم بسقوطه، وقال : أكثر الأئمة لا يحكم بسقوطه لحديث أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهما بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل حجة الوداع بعام يوم النحر في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان )٦ متفق عليه، قالوا الطواف عريانا منهي عنه فلا يتأدى به الواجب كما لا يجوز قضاء الصوم في يوم النحر وقضاء الصلاة في وقت الطلوع والاستواء والغروب، وأما هذه الآية خذوا زينتكم عند كل مسجد يقتضي اشتراط ستر العورة في الصلاة وعدم جواز الصلاة بد منها لما ذكرنا أن كونه فرضا واجبا مطلقا وكون كشف العورة فاحشة حراما مطلقا ثبت قبل ذلك من الآيات، ولا مساس لهذه الآية بالطواف إلا إذا ضم معها قوله صلى الله عليه وآله وسلم :)( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام )٧ رواه الترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس وصححه ابن خزيمة وابن حبان، ونزول هذه الآية في ضمن آيات نزلت في استقباح كشف العورة مطلقا وكون سبب نزولها طواف العرب عريانا لا يقتضي كون هذه الآية أيضا في الطواف فإن ما ورد في حادثة أو بعد سؤال يجب أن يفيد حكم تلك الحادثة وجواب ذلك السؤال ولا يجب أن لا يذكر حكما زائدا على ما ورد فيه ولا شك أن حكم الطواف عريانا ظهر بغير تلك الآية من الآيات فما أورده ابن همام من الإشكال غير وارد.
مسألة : ذكر في رحمة الأمة أن ستر العورة شرط الصلاة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال : كما قال : الجمهور أنه من الشرائط مع القدرة على الستر فمن صلى مكشوف العورة مع القدرة على الستر فصلاته باطلة، ومنهم من قال : إنه واجب في نفسه ليس شرطا للصلاة فمن صلى مكشوفا العورة مع القدرة على الستر عامدا كان عاصيا لكن يسقط عنه الفرض، والمختار عند متأخره أصحابه أنه لا يصح الصلاة مع كشف العورة بحال وقد ذكر ابن الهمام إجماع الأمة على ذلك والخلاف المتأخر لا يرفع الإجماع المقدر.
فصل أفادت الآية على وجوب ستر العورة في الصلاة لكنه مجمل في مقدار العورة التي وجب سترها وجاء بيان ذلك من الأحاديث فنقول.
مسألة عورة الرجل بين السرة والركبة عند أبي حنيفة والشافعي، وعن مالك وأحمد رويتان، إحداهما ما قال : أبو حنيفة والثانية أنها القبل والدبر. احتجوا بحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزا خيبر وذكر الحديث بطوله وفيه ثم حسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإزار عن فخده حتى لأني أنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم )٨ رواه البخاري، وروى مسلم بلفظ انحسر الإزار على البناء للمفعول وكذا عند أحمد، وحديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسوى ثيابه ) الحديث٩ رواه مسلم، وهذا الحديث ليس بحجة لمكان الترديد بقوله فخذيه أو ساقيه، لكنه عند أحمد بلفظ كاشفا عن فخذيه من غير ترديد، وكذا عند أحمد من حديث حفصة وأخرج الطحاوي والبيهقي عن حفصة بنت عمر قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندي يوما وقد وضع ثوبه عن فخذيه فدخل أبو بكر فذكر الحديث نحوه، وحديث أبي موسى ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قاعدا في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبته أو ركبتيه فلما دخل عثمان غطاها ) رواه البخاري.
واحتج الجمهور بحديث علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تبرز فخدك ولا تنظر إلى فخد حي ولا ميت )١٠ رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم والبزار، وصحح بعض العلماء هذا الحديث وهو حديث ابن جريج عن حبيب بن تابت عن عاصم بن ضمرة عنه، قال : الحافظ فيه انقطاع بين ابن جريج وحبيب، وقال : أبو حاتم في العلل أن الواسطة بينهما الحسن بن ذكوان وهو ضعيف وقال : لا يثبت لحبيب رواية عن عاصم فهذه علة أخرى، وقال : ابن معين : إن حبيبا لم يسمع من عاصم وأن بينهما رجلا ليس بثقة وبين البزار أن الواسطة هو عمرو بن خالد الوسطي، وحديث ابن عباس قال : مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل فخده خارجة فقال :( غط فخذك فإن الفخذ الرجل من عورته ) رواه الترمذي وأحمد والحاكم وصححه بعض العلماء وفي إسناده أبو يحيى القتات ضعيف، وحديث جرهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على جرهد وفخذه مكشوفة في المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( يا جرهد غط فخذك فإن الفخذ عورة ) رواه أحمد وفيه زرعة مجهول، وحديث محمد بن جحش صلى الله عليه وآله وسلم( خمر فخذك يا معمر فإن الفخذ عورة ) رواه أحمد والبخاري في التاريخ والحاكم في المستدرك، قال : الحافظ رجاله رجال الصحيح غير أبي كثير وقد روى عنه جماعة لكن لم أجد فيه تصريحا بتعديل أو جرح وحديث أبي أيوب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل السرة من العورة ) رواه الدارقطني وفي إسناده سعيد بن راشد وعباد بن كثير متروكان، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إذا زوج الرجل منكم عبده ) الحديث بطوله وفيه ( إنما تحت السرة إلى الركبة من العورة ) رواه الدارقطني وفيه سوار بن داود لينه العقيلي لكن وثقه ابن معين، ولا شك أن هذه الأحاديث لا يصادم شيئا منها ما تقدم من حديث كشف الفخذ لكن لما تعاضد بعضها ببعض وتلقته الأمة بالقبول أخذناه احتياطا، ومن هاهنا قال البخاري حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط، لأجل قوة حديث أنس وما في معناه قال أبو حنيفة العاري يصلي قاعدا واضعا يديه على قبله يوميء للركوع والسجود حيث قال : بترك القيام والركوع والسجود مع القدرة عليها إلى القعود.
والإيماء رعاية لستر العورة الذي فرض مطلقا وخارجها والله أعلم.
مسألة : الركبة عورة عند أبي حنيفة وقال : الشافعي وأحمد ليست بعورة لما تقدم من حديث أبي أيوب وعمرو بن شعيب، احتج أصحابنا بحديث علي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :( الركبة من العورة ) وفيه عقبة بن علقمة ضعفه أبو حاتم الرازي والنصر بن منصور، قال : أبو حاتم الرازي مجهول يروي أحاديث مناكير، وقال : ابن حبان لا يحتج به، قلنا : الركبة ملتقى عظم العورة وغيرها فاجتمع الحرام والحلال فقدمنا الحرمة احتياطا.
مسألة : المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها عند مالك والشافعي وأحمد وفي رواية عنهم إلا وجهها فقط كفاها فقط وكفاها من العورة، وأما القدمان فليستا من العورة عندهم وقال : أبو حنيفة إلا وجهها وكفيها وقدميها قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( لا يقبل صلاة حائض إلا بخمار )١١ وقد مر، وقال عليه السلام :( المرأة عورة )١٢ رواه الترمذي من حديث ابن مسعود، وروى أبو داود مرسلا ( أن جارية إذا حاضت لم يصلح يرى منها إلا وجهها ويديها إلى المفصل ) وروى الدراقطني عن سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتصلي المرأة في درع وخمار وليس لها إزار ؟ قال( إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها ) وفيه عبد الرحمن بن عبد الله ضعفه يحيى، وقال : أبو حاتم لا يحتج به، والظاهر أنه غلط في رفع الحديث ورواه مالك وجماعة عن أم سلمة من قولها. مسألة قال في نزول النوازل نغمة المرأة عورة ولهذا قال : عليه السلام( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء )١٣ قال ابن همام وعلى هذا لو قيل إن المرأة إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجها.
مسألة عورة الأمة كعورة الرجل مع بطنها وظهرها عند أبي حنيفة، وقال : مالك والشافعي هي كعورة الرجل وبه قال : أحمد، وقال : بعض أصحاب الشافعي كلها عورة إلا موضع التقليب منها هو الرأس والساعدان والساق، روى البيهقي عن نافع أن صفية بنت عبيد حدثته قالت : خرجت امرأة متخمرة بتحلية فقال عمر من هذه، فق
٢ أخرجه بو داود في كتاب: الصلاة، باب: المرأة لا تصلي بغير خمار (٦٤٠) وأخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء لا يقبل صلاة المرأة إلا بخمار (٣٧٤)..
٣ سورة البقرة الآية: ٤٣..
٤ سورة المزمل، الآية: ٢٠..
٥ سورة الأعراف، الآية: ٣٣..
٦ ؟؟؟؟؟.
٧ ورد عنتد النسائي بلفظ (الطواف بالبيت صلاة فأقلوا مكن الكلام) في كتاب: مناسك الحج، باب: إباحة الكلام في الطواف(٢٩١٣)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: ما يذكر في الفخذ(٣٦٤)..
٩ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه (٣٤٠١)..
١٠ أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في ستر الميت عند غسله (٣١٣٨) وأخرجه ابن ماجة في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في غسل الميت (١٤٦٠)..
١١ أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: المرأة لا تصلي بغير خمار(٦٥٤٠)..
١٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع (١١٦٩)..
١٣ أخرجه البخاري في كتاب: العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء (١٢٠٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذ نابهما شيء في الصلاة(٤٢٢)..
التفسير المظهري
المظهري