٣١ - قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الآية، قال ابن عباس: (كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا) (١).
قال الكلبي (٢): (والزينة ما وارى العورة، عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ لصلاة أو طواف).
وقال مجاهد (٣) وعطاء (٤): (ما يستر به عورته ولو عباءة).
| الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ | وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ |
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٧٤، والبغوي ٣/ ٢٢٥، و"الخازن" ٣/ ٢٢٣.
(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١٦١، وابن أبي حاتم ٣/ ١٤٣ أبسند جيد.
(٤) أخرجه الطبري ٨/ ١٦٠، ١٦١ من عدة طرق جيدة عن عطاء وسعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة والضحاك وابن زيد قالوا: (كانوا يطوفون بالبيت عراة فأمروا أن يلبسوا الثياب). وقال الرازي في "تفسيره" ١٤/ ٦١: (أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة) اهـ. والظاهر حمل الآية على العموم، وهو ما يتجمل ويتزين به عند الصلاة، وستر العورة واجب مأمور به مطلقًا، وهذا ظاهر كلام الجمهور. قال ابن كثير في =
قال الفراء والزجاج (١): (كانت الجاهلية تطوف بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها، وكانت المرأة تطوف عريانة أيضًا إلا أنها كانت تلبس شيئًا من سيور مقطعة، تسمي ذلك العرب الرهط (٢)).
قال الفراء (وهو شبيه بالحوف (٣) يواريها بعض المواراة، قالت امرأة تطوف وعليها رهط (٤):
| الْيَوَمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ | وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ (٥) |
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٢٢٣، والنص منه.
(٢) الرَّهْط، بفتح الراء وسكون الهاء: جلد يشق من أسفله أو جلد يشق سيورًا ليمكن المشي فيه يلبسه الصغار والحائض. انظر: "اللسان" ٣/ ١٧٥٣ (رهط).
(٣) الحوف، بفتح الحاء وسكون الواو: هو الرهط السابق. انظر: "اللسان" ٢/ ١٠٥٣ (حوف)
(٤) "معاني الفراء" ١/ ٣٧٧.
(٥) البيت نسبه الفراء إلى العامرية، وهي ضباعة بنت عامر بن قرط العامرية، كما ذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" ٢/ ٧٧٧، والقرطبي ٧/ ٨٨٩، والذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" ٢/ ٢٨٤، وابن حجر في "الإصابة" ٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤، ونسبه ابن حجر في ٤/ ٢٣٢ إلى أسماء بنت مخربة بن جند التميمية.
قال أصحابنا (١). وهذه الآية دليل على وجوب ستر العورة للصلاة والطواف بالبيت، والطواف صلاة، قال رسول الله - ﷺ -: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام" (٢).
(٢) الحديث أخرجه أحمد في "المسند" ٣/ ٤١٤، ٤/ ٦٤، ٥/ ٣٧٧، والنسائي في "سننه" في كتاب المناسك، باب: إباحة الكلام في الطواف ٥/ ٢٢٢ عن الحسن ابن مسلم المكي عن طاوس عن رجل أدرك النبي - ﷺ -، وأخرجه الدارمي ٢/ ١١٦٥ (١٨٨٩) في كتاب المناسك: باب: الكلام في الطواف، والترمذي رقم (٩٦٠) كتاب المناسك، باب: الكلام في الطواف، وابن خزيمة ٤/ ٢٢٢ (٢٧٣٩)، والبيهقي ٥/ ٨٥ من عدة طرق عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧ من طرق عن عطاء بن السائب، والقاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -.
قال الحاكم: (حيث صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقد روي الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى، ورجح جماعة وقفه كالترمذي وغيره، وقد صححه الألباني في الإرواء ١/ ١٥٤ - ١٥٨. واستقصى طرقه، ثم قال: (وبالجملة الحديث مرفوع صحيح، ووروده أحيانًا موقوفًا لا يعله) اهـ.
وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" ٢١/ ٢٧٣ - ٢٧٤، ٢٦/ ١٢٦ - ١٩٣، ٢١١: (لا يشترط للطواف شروط الصلاة، وهذا قول أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهذا القول هو الصواب، فإن المشترطين ليس معهم حجة إلا قوله - ﷺ -: "الطواف بالبيت صلاة" وهذا حديث يروى موقوفًا ومرفوعًا، وأهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفًا ويجعلونه من كلام ابن عباس لا يثبتون رفعه، وبكل حال فلا حجة فيه والأدلة الشرعية تدل على خلاف ذلك، والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً فإنه لم ينقل أحد عن النبي - ﷺ - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف..) اهـ. ملخصًا.
وقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، قال أكثر المفسرون: (كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل، فأنزل الله تعالى (١): وَكُلُوا يعني: اللحم والدسم، وَاشْرَبُوا) (٢)، وهذا القول اختيار الفراء (٣).
وقال عطاء عن ابن عباس: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا يريد: حلالًا) (٤)، وهذا القول اختيار الزجاج، وبينه فقال: (إنهم ادعوا (٥) أن الله حرم عليهم شيئاً مما في بطون الأنعام، وحرم عليهم البحيرة والسائبة، وأمرهم الله عز وجل أن يأكلوا ما (٦) زعموا أن الله حرمه مما لم يحرمه، وأن يشربوا مما زعموا أن الله حرمه؛ لأن ألبان البحيرة [والسائبة (٧) كانت عندهم حرامًا) (٨)].
وقوله تعالى: وَلَا تُسْرِفُوا (٩) معناه على القول الأول: لا تسرفوا حتى يبلغ بكم ذلك تحريم ما أحللت (١٠) لكم. أي: لا تسرفوا بحظركم
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٦٢، والسمرقندي ١/ ٥٣٨، والماوردي ٢/ ٢١٨، وحكاه الواحدي في "أسباب النزول" ص ٢٣٠ عن الكلبي.
(٣) "معاني الفراء" ١/ ٢٧٧.
(٤) أخرج الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٦٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٥ بسند جيد عن ابن عباس قال: (أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة).
(٥) في (ب): (إنهم دعو)، وهو تحريف.
(٦) في (ب): (مما زعموا).
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.
(٨) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٩) الآية ساقطة من أصل (أ) وملحقة بالهامش.
(١٠) في (أ): (ما أحلت)، وهو تحريف.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي