تفسير سورة الكهف

التفسير القرآني للقرآن
تفسير سورة سورة الكهف من كتاب التفسير القرآني للقرآن المعروف بـالتفسير القرآني للقرآن .
لمؤلفه عبد الكريم يونس الخطيب . المتوفي سنة 1390 هـ

١٨- سورة الكهف
نزولها: مكية بالإجماع، إلا بعض آيات اختلف فيها.
عدد آياتها: مائة وعشر آيات.
عدد كلماتها: ألف وخمسمائة وتسع وسبعون كلمة.
عدد حروفها: سبعة آلاف، وثلاثمائة وستة أحرف.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الآيات: (١- ٨) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١ الى ٨]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤)
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨)
التفسير:
بدأت هذه السورة بحمد الله، فكان هذا البدء جوابا على ختام السورة التي قبلها، واستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى فى الآية الأخيرة منها، وهى
578
قوله تعالى: «وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً».. فقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ..»
فقوله تعالى:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً» هو وجه آخر من وجوه الحمد لله سبحانه وتعالى.. فإذا استوجب الله سبحانه وتعالى الحمد لجلاله وعظمته، وتنزهه عن أن يتخذ ولدا، أو يكون له شريك فى الملك أو ولىّ من الذل- فإنه سبحانه، مستوجب الحمد كذلك على تلك النعمة الجليلة التي أنعم الله بها على عبده محمد، فأنزل عليه هذا الكتاب الذي تستنير بآياته البصائر، وتعمر بتلاوته القلوب، وتهتدى به العقول.. فتلك النعمة الجليلة هى التي تمت بها نعم الله على الإنسان، إذ خلقه، ورزقه، وسخر له ما فى السموات وما فى الأرض.. «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» (١: الأنعام) فالذى يجعل لهذه النعم ثمرات مباركة طيبة، والذي يجعل إلى يد الإنسان ميزانا يضبط به هذه النعم على وجه الخير والإحسان- هو تلك الهداية التي يستمدّها من هذا الكتاب الكريم.. وبغير هذا لا يستطيع أن يحسن الانتفاع بهذه النعم، بل ربما تحولت هذه النعم فى يده إلى أسلحة قاتلة، له وللناس معه.. فكان نزول هذا الكتاب من تمام نعم الله على عباده..
فاستوجب سبحانه الحمد والشكران.
وفى ذكر محمد صلوات الله وسلامه عليه بالعبودية تكريم له من ربّه، ورفع لمقامه، إذ جعله عبدا استحق أن يضاف إليه سبحانه! - وفى قوله تعالى: «وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً» إشارة إلى سماحة الشريعة الإسلامية، التي جاء بها محمد صلوات الله وسلامه عليه، والتي حملها هذا الكتاب
579
الذي لا عوج فيه، ولا خروج فى أحكامه وتشريعاته عن سنن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، كما يقول الله سبحانه وتعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» (١٥٣: الأنعام).
فالقرآن الكريم لم يجىء بأيّ تكليف فيه حرج، ومشقة، كما جاءت الشرائع السابقة، التي حملت إلى المدعوّين إليها، ضروبا من الإعنات والإرهاق.
تأديبا، وإصلاحا، لما فيهم من اعوجاج حادّ، كما فى شريعة موسى، ووصايا عيسى، فقد حرّم الله فى شريعة موسى على بنى إسرائيل طيبات كانت أحلّت لهم كما يقول سبحانه: «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» (١٦٠: النساء) وكما يقول سبحانه: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» (١٤٦: الأنعام)..
ومن البلاء الذي أخذ الله به بنى إسرائيل، أن جعل من شريعتهم حرمة العمل فى يوم السبت، ولم يكن ذلك رحمة بهم، بل نكالا وبلاء، كما يقول سبحانه: «إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ» (١٢٤: النحل).. أما وصايا السيد المسيح لهم، فيكفى أن يكون دستورها قائما على هذا المبدأ: «من لطمك على خدّك الأيمن فحوّل له الآخر أيضا».
ولا شك أن هذا عوج مقصود فى الشريعة التي شرعت لهم، ليقابل هذا العوج ما فيهم من عوج! أما هذه الأمة- أمة الإسلام- فقد عافاها الله من هذا البلاء، وجعل شريعتها قائمة على السماحة واليسر، متجاوبة مع الفطرة التي فطر الله الناس
580
عليها، كما يقول سبحانه: «هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٧٨: الحج).. فالله سبحانه، قد اجتبى هذه الأمة واصطفاها، ليخرج منها خير أمة أخرجت للناس..!
هذا، هو المعنى الذي أطمئن إلى فهم الآية الكريمة عليه، وإن كنت فى هذا لا أعرف أن أحدا من المفسرين قد نظر إليه، أو عدّه مقولة من تلك المقولات الكثيرة التي قيلت فى تفسير هذه الآية، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدى لولا أن هدانا الله..
وفى تعدية الفعل «يجعل» باللام «له» بدلا من «فى» - إشارة إلى أن هذا العوج الذي جاء فى الكتب السابقة- تأديبا وتقويما- لم يكن فى أصل هذه الكتب، وإنما هو «لها» أي أداة من الأدوات التي تملكها، لتؤدب بها الطغاة المتمردين.. فهذا العوج هو شىء تملكه، وهو خارج عن ذاتها، وطبيعتها..
وقوله تعالى:
«قَيِّماً».. هو حال أخرى، من أحوال هذا الكتاب الذي أنزله الله مستقيما لا عوج فيه..
والقيّم: هو الذي يهيمن على غيره، ويضبط موارده ومصادره..
وذلك هو شأن القرآن الكريم، مع الكتب السماوية التي سبقته، كما يقول سبحانه وتعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (٤٨: المائدة).
قوله تعالى:
«لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً».
581
البأس الشديد: هو العذاب الأليم، الذي توعّد الله سبحانه وتعالى به الذين لا يؤمنون بالله، ولا يعملون الصّالحات، على خلاف الذين يؤمنون بالله ويعملون الصالحات، فقد بشرهم الله سبحانه، بالأجر الحسن، والجزاء العظيم، الذي يفيضه سبحانه وتعالى عليهم، من رضوانه، ويلبسهم إياه، فلا ينزعه عنهم أبدا.
والآية لم تشر إلى صفة هؤلاء المنذرين بالبأس الشديد، اكتفاء بالوصف الذي استحقّه أصحاب الأجر الحسن الذي يمكثون فيه أبدا، وهم المؤمنون الذين يعملون الصالحات..
قوله تعالى:
«وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً».
أعادت الآية الإنذار هنا، لتواجه طائفة من الذين لا يؤمنون بالله، ولا يقدرونه حقّ قدره، وهم الذين نسبوا إليه سبحانه وتعالى ولدا، وهم اليهود، الذين قالوا «عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ»، والنصارى، الذين يقولون: «الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ».
وفى اختصاصهم بالذكر هنا لإزالة شبهة قد تبدو من اعترافهم بوجود الله، وإيمانهم به إلها.. فهذا الإيمان قد يجعل لهم مدخلا إلى المؤمنين بالله، مع تلك المقولات الشنيعة التي يقولونها بنسبة الولد إليه.. ومن هنا يشتبه أمرهم على المؤمنين، ومن ثمّ فلا يكون لقوله تعالى: «لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ» متوجّه إليهم..
- فقوله تعالى: «وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً» عزل لهؤلاء القائلين بتلك المقولة الشنعاء فى الله، عن أن يكونوا فى المؤمنين.! فإنه لا يجتمع الإيمان بالله، ونسبة الولد إليه.. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
582
- وفى قوله تعالى: «ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ».. إشارة إلى أن هؤلاء المعتقدين فى الله هذا المعتقد لا علم لهم بما لله سبحانه من قدر، يتنزه به عن الصاحبة والولد، وعن الشريك فى الملك..
فالضمير فى «به» يعود إلى الله سبحانه وتعالى.. وهذا يعنى أن علمهم بالله هو علم ناقص، مشوب بالأوهام والضلالات.. وليس الخلف خيرا من السّلف فى هذا العلم بالله، فهم جميعا على جهل، وسفه، وضلال.. «ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ..»
- وفى قوله تعالى: «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ» تشنيع عليهم، وتهويل لهذه الكلمة الحمقاء التي يقولونها فى الله، وأنها قولة لا تستند إلى عقل، ولا تقوم على منطق، وإنما هى مما يجرى على الأفواه من لغو الكلام وساقطه! - وقوله تعالى: «إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً» هو وصف كاشف لهذا القول الذي يقولونه فى الله، سبحانه وتعالى، وأنه قول كذب صراح وبهتان مفضوح! وهذا ما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى: «وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.. ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» (٣٠: التوبة). و «إن» حرف نفى، بمعنى «ما».. أي ما يقولون إلا كذبا.
قوله تعالى:
«فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً».
الخطاب هنا، للنبى صلوات الله وسلامه عليه.. والضمير فى قوله تعالى:
«عَلى آثارِهِمْ» يعود إلى مشركى العرب، وخاصة مشركى مكة.
والباخع: من مات غمّا، والبخع، هو الموت غمّا، وبخع بما عليه من حقّ:
أقرّ به مكرها على مضض.
583
والأسف: الحزن الشديد، الذي يجىء من رقة الشعور ورفاهة الحسّ.
وفى الآية دعوة إلى النبي الكريم، أن يتخفف من دواعى الحسرة والأسف على قومه، الذين يأبون الاستجابة له، والإيمان بهذا الكتاب الذي يتلوه عليهم، ويدعوهم إلى اتباعه.
- وفى قوله تعالى: «عَلى آثارِهِمْ» تلويح بالتهديد لهؤلاء المشركين، وبالهلاك المطلّ عليهم، إذا هم أصروا على هذا الموقف المنحرف، الذي يقفونه من النبي والكتاب الذي معه، وأنهم فى معرض أن يصبحوا أو يمسوا، فإذا هم فى الهالكين، وإذا هم أثر بعد عين.
«إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً».
الأرض الجرز: التي لا نبات فيها، سواء كان ذلك لأنها لا تنبت أصلا، أو كان فيها نبات ثم اقتلع من أصوله..
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، هو أنه لما كان الذي صرف المشركين عن الإيمان بالله، وبالكتاب الذي أنزل على رسوله- هو اشتغالهم بالحياة الدنيا، وبالتكاثر والتفاخر بينهم، فقد جاءت هذه الآية لتكشف لهم عن دنياهم هذه التي صرفتهم عن النظر فى آخرتهم، وأن هذا المتاع الذي فى هذه الدنيا، إنما جعله الله سبحانه وتعالى زينة لها، حتى يكون للناس نظر إليها، واشتغال بها، وعمل جاد نافع فيها.. وفى هذا ابتلاء لهم، وامتحان لما يحصّلون منها..
فالذين يأخذون حظّهم من الدنيا ولا ينسون نصيبهم من الآخرة، هم الفائزون، والذين يجعلون الدنيا همّهم، دون التفات إلى الآخرة، هم الذين خسروا أنفسهم، وباعوها بالثمن البخس.. فهذه الدنيا وما عليها، ومن عليها.. كل هذا إلى
584
زوال، ولا يبقى من ذلك إلا ما ادخره المؤمنون المحسنون من زاد طيب فى دنياهم، ليوم الحساب والجزاء.
أصحاب الكهف
الآيات: (٩- ٢٦) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩ الى ٢٦]
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣)
إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦)
585
التفسير:
حرصنا على أن نأتى بقصة أصحاب الكهف، فى هذه الآيات الثماني عشرة، حتى تكون تلاوة هذه الآيات فى نظمها هذا الذي جاءت عليه، صورة كاملة لتلك القصة..
586
والآيات- كما ترى- واضحة المعنى، بحيث تقع القصة والأحداث التي ضمّت عليها، لأدنى نظر، بمجرد تلاوتها..
ومع هذا، فقد رأينا أن نقف وقفة، مع هذه القصة، نمعن فيها النظر.
إلى ما وراء «النظرة الأولى» وسنرى، أن هناك أعماقا بعيدة لا نهاية لها..
وأننا كلما زدنا الآيات نظرا، أطلعتنا منها على مذخورات من الأسرار، التي تخلب اللبّ، وتذهل العقل..
ونبدأ أولا بشرح بعض المفردات، التي ربّما كانت الحال داعية إلى إلقاء نظرة أولى عليها:
فى الآية: (٩).. «الكهف» : هو الغار الواسع فى الجبل، «وَالرَّقِيمِ» :
المرقوم، المعلم، ويمكن أن يكون ذلك هو بعض الآثار المنحوتة فى هذا الكهف، كأعمدة عليها نقوش، أو كتماثيل قائمة على مدخل الكهف، على ما كان مألوفا فى الزمن القديم.. فهناك إذن كهف، ومرقّمات وآثار متصلة بهذا الكهف.
وفى الآية: (١١).. «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ» : الضرب: إبقاع الشيء على الشيء.. والضرب على الآذان: إحاطتها بما يحجبها عن السمع، كضرب الخيمة على من بداخلها.. ومنه قوله تعالى: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ».
وفى الآية: (١٤) «رَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ» : أي شددنا على قلوبهم، وأمسكنا بها من أن تطير شعاعا من الجزع أو الخوف. «والشّطط» : البعد، والمراد به فى الآية: البعد عن الحق.
وفى الآية: (١٦) «يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ» : أي يبسط لكم من رحمته.. و «المرفق» : ما يرتفق به، ممّا يقوم عليه شأن الإنسان فى أمور معاشه
587
ومعاده.. وكأنه الرفيق الذي يعينه ويؤنس وحشته.
وفى الآية: (١٧) «تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ» : أي تميل، والمزورّ عن الشيء:
المائل عنه.. «تَقْرِضُهُمْ» أي تقطعهم، وتنحاز عنهم، كما يقطع المقراض «المقصّ» الشيء، ويفرق بين أجزائه.
وفى الآية: (١٨).. «بِالْوَصِيدِ» : باب الكهف، الذي من شأنه أن يوصد على من بداخله.. والمراد به فى الآية مدخل الكهف..
وفى الآية: (١٩).. «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ» : الورق: الفضّة، مضروبة أو غير مضروبة.. «أَزْكى طَعاماً» : أي أطيبه وأطهره، بحيث لا يعلق به دنس أو رجس. «لْيَتَلَطَّفْ» : يترفّق، ويأتى الأمر بلطف ولباقة.
وفى الآية: (٢٠). «يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ» يطّلعوا عليكم، ويعرفوا مكانكم.
وفى الآية: (٢١).. «أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ» : أي أطلعنا الناس على أمرهم، وكشفناهم لهم عن غير قصد منهم لذلك، وإنما هو صدفة على غير توقع.
وفى الآية: (٢٢) «رَجْماً بِالْغَيْبِ» : أي ظنّا ووهما.. كأنهم يرجمون شيئا محجبا فى الظلام لا يرونه، وقد يصيبون وقد يخطئون.. «فَلا تُمارِ فِيهِمْ» أي لا تجادل.. «إِلَّا مِراءً ظاهِراً».. أي غير متعمق فيه، أو متجاوز حدود ما نطق به القرآن من أمرهم..
«عرض القصة»
وقبل أن نعرض القصة، كما تحدثت عنها الآيات، نرى أن نعرض كلمة موجزة عن «القصة» كفن من فنون القول، وعن مكانتها فى فنون القول، من شعر، ونثر، ومثل، وحكمة.. وما إلى ذلك مما ينسج من كلمات اللغة وعباراتها.
588
كلمة عن القصة:
القصّة فى هذا العصر- كما هى فى كل عصر- أفضل وسيلة للتربية والتهذيب.. فعن طريق العرض القصصى لحوادث القصة وأشخاصها، تتفتح أشواق النفس إلى متابعة هذا العرض، وإلى المشاركة الوجدانية، فى مواقف القصة، وأحداثها، وأزمانها، حتى لكأن القارئ أو المستمع، أو المشاهد- جزء منها، وواحد من أشخاصها، يأخذ الموقف الذي يرتضيه لنفسه من بين مواقفها، ويعيش مع كل حدث من أحداثها، متأثرا به، ناظرا إليه، كلما وقف مثل هذا الموقف من الحياة.. إذ لا تنتهى القصة، حتى يكون المستمع لها، أو القارئ أو المشاهد قد عاش فى تجربة نفسية، وقطع مرحلة، تطول أو تقصر، حسب طول القصة أو قصرها- مرحلة تترك فى كيان الإنسان آثارا عقلية، ووجدانية، وروحية، أشبه بتلك الآثار التي يتركها الصوت على صفحة لوح التسجيل.. بعضها عميق، وبعضها ضحل الغور، حسب قوة الإحساس وضعفه، وتبعا لتلقى القارئ أو السامع، أو المشاهد، وتجاوبه أو تباعده، من القصة.
ولا تبلغ القصة مبلغا من النفس، ولا تصل أحداثها ومؤثراتها إلى وجدان الإنسان ومشاعره، إلّا إذا أحكم تصويرها، وجرت على اتجاه العقل والمنطق، وتجاوبت مع واقع الناس والحياة.. وإلا كانت خرافة، إن جنح بها الخيال، وحلقت فى عوالم لا يعيش فيها الناس ولا يتصورونها.. أو كانت غثّة باردة، إن هى أمسكت بالأمور التافهة، التي لا يلتفت إليها أحد، ولا يعلق بها نظر! والقصة الناجحة، هى التي ينتزع موضوعها من أحداث الحياة وواقع الناس، أو ما يمكن أن يكون من أحداث الحياة وواقع الناس.. ثم يجرى
589
أشخاصها فى هذا المنطلق، وتوضع كل شخصية فى المكان المناسب لها..
ولا نريد أن نجعل القصة موضوع هذا البحث، فإن الحديث عن القصّة، وما يجب أن يتوفر لها من عناصر النجاح يتطلب بحثا خاصا مستقلا «١»، ليس هنا موضعه، ولا موضعه.. وإنما تلك إشارة مجملة تشير إلى ما للقصة من أثر فى التربية والتهذيب، وأنها من هذه الناحية أداة قوية من أنجح أدوات التربية فى يد المصلحين والمربين.
والقرآن الكريم- وهو مدرسة المسلمين، وجامعة المجتمع الإسلامى- لم يغفل شأن القصة، فهو يعتمد عليها فى كثير من المواقف، لتكون وسيلة من وسائله الفعّالة، فى تقرير الحقائق، وتثبيتها فى النفوس، وفى تجليتها للعقول، وفى الكشف عن مواطن العبرة والعظة فيها.
وقصص القرآن الكريم، قصص جادّ، مساق للعبرة والعظة، وليس فيه مجال للتسلية واللهو، وليس من غايته ترضّى الغرائز المريضة، أو تملّق الرغبات الفاسدة، التي كثيرا ما تكون مقصدا أصيلا من مقاصد القصة عند كثير من كتاب القصص، الذين يجذبون القراء إليهم بهذا الملق الرخيص للغرائز الدنيا، التي تعيش فى كيان الإنسان، وتترقب الفرصة السانحة التي تستدعيها، وتقدم «الطّعم» المناسب لها.
وعناصر القوة فى القصص القرآنى مستمدة من واقعية الموضوع وصدقه، ودقة عرضه، والعناية بإبراز الأحداث ذات الشأن فى موضوع القصة، دون التفات إلى الجزئيات التي يشير إليها واقع الحال، وتدلّ عليها دلالات ما بعدها
(١) ذلك ما عرضنا له فى كتابنا-: «القصص القرآنى».
590
وما قبلها من صور.. وذلك مما يشوق القارئ ويوقظه، ويفرض عليه مشاركة فعّالة فى تكملة أجزاء القصة، واستحضار ما غاب من أحداثها، وهذا ما يجعله يندمج فى القصة، ويعيش فى أحداثها، ومن ثمّ يتأثر بها، وينتفع بما فيها من عظات وعبر.
قصة أصحاب الكهف
وقصة أصحاب الكهف من القصص القرآنى، الذي خلا من عنصر المرأة، على خلاف كثير غيرها من قصص القرآن الذي كان للمرأة دور فيه.. كما أن موقف أبطالها جميعا، موقف تغلب عليه السلبيّة.. ليس فيه صراع ظاهر، ولا صدام محسوس بين طرفين، يقف كل منهما من صاحبه موقف الخصومة والتحدّى، ثم الكيد والصراع، ثم الانتهاء إلى نهاية بغلبة أحد الطرفين، وانهزام الطرف الآخر.
ليس فى قصة أصحاب الكهف شىء من هذا الصراع، مع أية قوة من قوى الحياة، طبيعية كانت أو بشرية، بل إن الأمر لأكثر من هذا، حيث نرى الأشياء كلها متعاطفة حانية على هؤلاء الفتية، لا تلقاهم إلا بما هو خير لهم، وأصلح لشأنهم.
ولا شك أن خلوّ القصة من عنصر المرأة، يفقدها كثيرا من مقومات الحياة والقوة، بما يثير ظهور المرأة من عواطف، وما يوقظ من مشاعر..
فالمرأة فى القصة، داعية من دواعى الإثارة والتشويق، لا يكاد يعرف للقصة طعم بغيرها.. كما أن خلوها من الأزمات، والمصادمات، يلقى عليها ظلالا من الخمود، والركود، ويعقد حولها جوّا من السآمة والملل.
فإذا خلت القصة من المرأة، ثم جاءت أحداثها- مع ذلك- سلبية،
591
كان ذلك أدعى إلى فتورها، وضعفها، وزيادة البرودة فيها.. فإن السلبية معناها انسحاب الأشخاص، والأحداث، إلى الوراء، والاتجاه إلى حيث العزلة والانزواء، فلا تتبعهم عين، ولا يشخص إليهم شعور!.
وننظر فى قصة أصحاب الكهف، كما عرضها القرآن الكريم، وقد خلت شخصياتها من المرأة، كما تجردت أحداثها من الإيجابية- ننظر فى هذه القصة فنرى القرآن الكريم، قد ألبسها الحياة، وخلع عليها روحا من روحه، حتى لقد تحركت أمكنتها، ونطق صامتها، وجرت الحياة قوية دافقة فى كل ما شمله موضوعها من كائنات، حية وجامدة، وناطقة، وصامتة.. وكان هذا الحسن فى العرض، وهذه الدّقة المعجزة فى تحريك الأحداث، عوضا عن حسن المرأة ودلّها، وبديلا من واقف الإيجاب، وتفاعل الأحداث.
ولولا هذا العرض المعجز، لما كانت هذه القضة قصة، ولما خرجت عن أن تكون خبرا يروى، أو حديثا ينقل.
وسورة «الكهف» التي سمّيت هذه التسمية به، لم يكن فيها قصة أصحاب الكهف وحدهم، وإنما ورد فى هذه السورة ثلاث قصص أخرى..
هى قصة الرجلين: المؤمن والكافر، وما انتهى إليه أمر كل منهما.. ثم قصة موسى والعبد الصالح، ثم قصة ذى القرنين، وما جرى على يديه من أحداث.. كما سنرى.
ويلاحظ أن هذه القصص- شأنها شأن قصة أصحاب الكهف- قد خبت جميعها من عنصر المرأة.. ثم يلاحظ أيضا أن حوادثها جميعها من الخوارق المعجزة، التي يعجز الإنسان عن تصوّرها فى عالم الواقع، إلّا أن يكون
592
له دين يصله بأسباب السماء، فيضيف هذه الأحداث إلى قدرة القادر..
رب العالمين.
فنومة أصحاب الكهف، على تلك الصورة العجيبة، طوال هذا الزمن المتطاول، ثم يقظتهم بعد مئات السنين.. وإحاطة التدمير والتخريب بهذه الروضة الأريضة على هذه الفجاءة، التي لا تتصل بها أسباب ولا مقدمات..
وهذه الأحداث التي يجريها الرجل الصالح على غير ما يبدو من طبائع الأشياء، والتي ينظر إليها «موسى» نظر عجب واستنكار، ثم يظهر له فيما بعد أن هذا هو الوجه السليم لها.. وذو القرنين، وما مكّن الله له فى مشارق الأرض ومغاربها، والحاجز العجيب الذي أقامه فى وجه يأجوج ومأجوج- كل هذه الأحداث، معجزات قاهرة، تدعو الإنسان إلى أن يقف طويلا حيالها، ثم لا يجد لها سندا يضيفها إليه، إلا أن يكون الإله القادر، الذي ينبغى أن ينفرد بالألوهية.. فلا يكون للإنسان معبود سواه، يولّى وجهه إليه، ويخلص العبودية له.
فقصّة أصحاب الكهف، تجىء مع هذه القصص، وكأنها جميعها قصة واحدة، تخدم جميعها دعوة التوحيد، والتعرف على الخلاق العظيم، وما أودع فى الموجودات من آيات قدرته، وعلمه، وحكمته.
ونعود لقصة أصحاب الكهف، من حيث هى قصص فنّى، يعالج فكرة، ويهدف إلى غاية!.
وأول ما يطالعنا من هذه القصة أنها تعرض فى صورتين:
الصورة الأولى، صورة مصغرة، تضغط فيها الحوادث، وتطوى فيها الأزمان والأمكنة، فلا تتجاوز الآيات التي ترسم هذه الصورة- ثلاثا، هى:
593
قوله تعالى:
«إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) » هذه هى القصة مجملة، وهى فى هذا الإجمال تمسك بالقصة كلها، وتبرز أهمّ العناصر المراد عرضها فيما بعد، على صورة ينفسح فيها المجال لتحرّك الأحداث، وانطلاق الأشخاص..
وهذا الملخص الموجز للقصّة، يثير الشوق، ويحرّك الرغبة للتعرف على ما وراء هذه الإشارات واللمحات.. وهنا يستجيب القرآن لداعى الحال، فيعرض القصة، مفصّلة بعض التفصيل، مسلّطا الأضواء على الجوانب المثيرة من موضوعها!.
ونودّ أن نشير هنا إلى أنه قبل بدء هذا العرض الموجز للقصة، قد سبقها تمهيد بارع، يؤذن بأن حدثا من الأحداث المثيرة يوشك أن يطلع وراء هذا التمهيد، وبهذا يتهيأ الحضور للقاء هذا الحدث، ويستحضرون له ما تفرق من مشاعرهم، وما شرد من خواطرهم.. وأشبه بهذا الصنيع تلك الطّرقات الخفيفة التي تسبق عرض القصة على مسارح التمثيل.. حيث تنبه الجمهور، وتستحضر وجودهم لما جاءوا لمشاهدته..
وهذا التمهيد الذي سبق القصة، هو قوله تعالى:
«أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً» فهناك كهف، وهناك رقيم، وأصحاب هذا الكهف وذاك الرقيم.. وأنهم..
- أي أصحاب هذا الكهف والرقيم- آية من آيات الله المعجبة، المبثوثة فى هذا الوجود.. وأنهم على ما اشتملت عليه قصّتهم من آية معجبة معجزة، ليسوا
594
بأعجب ولا أعجز من أية آية من آيات الله.. فإن أصغر ذرّة فى هذا الوجود، لو صادفها عقل رشيد، ونظرت إليها عين مبصرة، لرأت فيها من آيات الله ما يملأ القلب عجبا ودهشا.. ولكن النّاس- إلا قليلا منهم- لا يلفتهم إلى آيات الله إلا ما تلقاه حواسّهم لقاء مباشرا. حيث يتحرك أمام أعينهم، ويتحدث إليهم بما فى كيانه من آيات ومعجزات.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» (١٠٥: يوسف).
فهذا التمهيد، هو نخسة قويّة تنبه الغافلين، وتوقظ النائمين، وتنحى باللائمة على أولئك الذين لا يفتحون عيونهم، ولا يوجهون عقولهم على هذا الوجود، الذي كلّ ذرة من ذراته، وكل موجود- وإن صغر فى العين، وخفّ ميزانه فى التقدير- هو آية باهرة معجزة، من آيات الله.
وإذن فليست قصة أصحاب الكهف، التي يكثر الطالبون للتعرف عليها، ويلحّ المجادلون وأدعياء العلم فى معرفة ما عند النبي منها- ليست هذه القصة بأعجب فى ظاهرها وباطنها، من قصّة نواة أو حبّة، تدفن فى التراب، ثم لا تلبث أن تكون نبتة مخضرة، تجرى فيها الحياة، كما تجرى فى الوليد ينفتق عنه رحم أمه.. ثم إذا هى بعد زمن ما قد علت، واستوت على سوقها، وأخرجت زهرا ذا ألوان زاهية معجبة، يفوح منها ريح عطر.. ثم، وثم.. إلى آخر قصتها! ثم بعد هذا التمهيد، وبعد هذا العرض الموجز للقصة.. يبدأ العرض..
عرض القصة كلها.. فى كلمات متناعمة، تتردد منها أصداء موسيقى خافتة عميقة، كأنها تجىء من بعد بعيد، فى أغوار الزمن السحيق.. فتنقل المشاعر والعواطف
595
فى براعة، ولطف، إلى حيث الماضي البعيد، الذي عاشت فيه أحداث القصة وأشخاصها..
فيقول الله تبارك وتعالى:
«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ.. إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦). «وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧). «وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨).
«وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) «وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١).
596
«سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤).
«وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ.. ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً»
(٢٦).
والقصة بهذا التصوير الرائع المثير المعجز، تنقل القارئ إلى جوّها الممتدّ فى الزمن السحيق، من أول أن يبدأ العرض.. فلا يجد فرصة بعد هذا للانفصال عن هذا الجوّ، بل يظل فى رحلته تلك البعيدة فى أعماق الزمن، مبهور الأنفاس، مشدود الأحاسيس، متوتّر المشاعر.. حتى تنتهى القصّة ويسدل الستار!! فهؤلاء فتية.. فيهم شباب، وقوة ونضارة.. قد هدتهم فطرتهم السليمة منذ مطلع شبابهم، قبل أن يمتد بهم العمر، وينضح عليهم ما تفيض به بيئتهم من ضلالات وجهالات، وإذا هم يخرجون على مألوف قومهم، وينكرون ما عليه آباؤهم من كفر وإلحاد.
إن الشباب دائما، هو مطلع الثورات، ومهبّ ريحها، حيث التفتّح للحياة، والقدرة على التفاعل معها.. فإذا ولّى الشباب فهيهات أن تتحرك فى الإنسان رغبة إلى اتجاه غير الاتجاه الذي قطع فيه هذه المرحلة الممتدة من عمره..
وفى وصف القرآن الكريم لهم: «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ
597
هُدىً»
، إشارة إلى أنهم اتجهوا إلى الله، ووضعوا أقدامهم على الطريق إليه، فاستقبلهم الله سبحانه وتعالى بألطافه على الطريق، ودفع بهم إلى مرفأ الأمن والسلامة.. وهذا يعنى أنه مطلوب من الإنسان أن يتحرك نحو الغاية التي يقصدها، فإن كانت حركته على طريق الخير، وجد من الله سبحانه العون والسداد، وإن كان على طريق الضلال والفساد، تركه الله لهواه، وأسلمه لشيطانه..!
- وفى قوله تعالى: «وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً» - فى هذا توكيد للعون الذي أمدّهم الله به، منذ أن اتجهت قلوبهم إليه، وانعقدت نيّاتهم على الإيمان به.
- وفى قوله تعالى: «إِذْ قامُوا» إشارة إلى أن ما تتجه إليه القلوب، وتنعقد عليه النيّات- وإن كان مقدّمة طيبة من مقدمات الفوز والنجاح- سيظلّ جسدا هامدا، حتى تنفخ فيه الإرادة، وينضحه العمل، فإذا هو كائن سوىّ الخلق، دانى القطوف.
وهؤلاء الفتية، لم يقفوا عند حدّ النيّة، بل «قاموا» أي تحركوا، وعملوا، فربط الله على قلوبهم تلك التي اتجهت إليه، وشدّ على هذه النيّات التي انعقدت على الإيمان به..
وإذ يتجه الفتية إلى الله هذا الاتجاه القوىّ الخالص من شوائب الشرك، وإذ تفيض قلوبهم إيمانا يباعد بينهم وبين قومهم، فلا يشاركونهم فيما هم فيه من ضلال الوثنية وسخافاتها- عندئذ يجدون أنهم غرباء فى قومهم، معرضون للسخط، والإزدراء، ثم القطيعة، ثم الطرد، وربما القتل! إنهم قلة صالحة فى مجتمع فاسد.. فليطلبوا لهم وجها فى الأرض.. والا ساءت
598
العاقبة، ووقع البلاء، وتعرضوا للفتنة فى دينهم، الذي ارتضوه وآمنوا به.
وتناجى الفتية فيما بينهم، وارتادوا مواقع النجاة والسلامة لهم، ولدينهم..
إنه الفرار إلى أرض غير هذه الأرض، والهجرة إلى بلد غير هذا البلد! ولكن كيف يكون هذا، والقوم لهم بكل طريق؟
إن على مقربة من المدينة، وعلى الطريق الذي انتووا أن يأخذوه إلى موطنهم الجديد- كهفا يعرفونه. فليتخذوه سترا لهم، يختفون به عن أعين القوم أياما، حتى يفتقدهم القوم.. ثم يطلبونهم، ثم لا يجدون لهم أثرا! فإذا سارت الأمور على هذا التقدير.. خرجوا من الكهف- وقد نامت عنهم أعين الرقباء- ثم تابعوا السير إلى حيث ينتهى بهم المطاف إلى الجهة التي يريدونها..
«وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً».
أرأيت إلى هجرة الرسول، وما كان لغار «جراء» فيها؟ إنه كهف مثل كهف أصحاب الكهف هذا، ولكأن القرآن الكريم يجىء بهذه القصة، وتتنزل آياتها على جماعة المسلمين، وهم فى مكة يلقون ما يلقون من عنت وكيد وبلاء فى سبيل عقيدتهم- لكأن القرآن إنما يجىء بهذه القصة فى هذا الوقت، ليربط على قلوب تلك الجماعة القليلة المستضعفة من المؤمنين، وليريهم مثلا طيبا للمؤمنين الذين يسكن الإيمان قلوبهم، ويملأ مشاعرهم، استجابة لدعوة الفطرة من غير نبىّ ولا كتاب.. ثم لكأن فيما اتجه إليه أصحاب الكهف من الهجرة بدينهم، إشارة واضحة إلى منافذ الفرج والخلاص، من مواطن الكيد والبلاء، بالتحول من دار إلى دار، والانتقال من بلد إلى بلد!!
599
وغير بعيد أن تكون هجرة المسلمين إلى الحبشة، من وحي هذه القصة..
وغير بعيد أيضا أن تكون الخطة التي رسمها الرسول وصاحبه أبو بكر، فى هجرتهما إلى المدينة، منظورا فيها إلى تلك القصة أيضا.. فقد جعل الرسول وصاحبه من غار «حراء» كهفا يؤويهما أياما، إلى أن تنقطع عنهما عين المتربصين من أشرار قريش.. ثم يكون بعدها الاتجاه إلى المدينة التي كانت مقصد الرسول وهجرته..!
ونعود إلى القصّة.. فنرى عجبا عجابا..
دنيا صامتة، يخّيم عليها السكون والوحشة، وغار يأخذ مكانه فى هذه الدنيا الصامتة، وهذا السكون المطبق، وتلك الوحشة الخانقة..!
ولقد ألقى الفتية بأنفسهم فى جوف الكهف، كما تلقى بضع حصيات فى جوف المحيط..
ولكن سرعان ما يتبدل الحال، ويأتى القرآن بآياته المعجزة، فيكشف عما وراء هذا الصمت من حياة متدفقة، وإذا بنا بين يدى هذا الغار الموحش المخيف، إزاء مسرح يموج بالأحداث العجاب.
ولا نرى فى هذا المقام أروع، ولا أصدق من كلمات الله فى عرض الموقف، وكشف هذه الأحداث.
«وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ.. ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ.. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً».
600
فالشمس هنا كأنها جزء من هذا الكهف، قد شغلت به عن الدنيا كلّها، وجعلت مدار فلكها حوله وحده، حتى لكأنها مسخرة لمن هم فى هذا الكهف دون الكائنات كلها، وحتى لكأنها أمّ حانية عليهم، ترعاهم بعينها، وتظلّهم بظلها: «إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ.. وَإِذا غَرَبَتْ.. تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ!».
وهنا تأخذ الحياة تظهر شيئا فشيئا، فى هذا السكون المطبق.. فهؤلاء النيام يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال.. وكلبهم قائم بالحراسة فى مداخل الكهف «باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ!» إنه لمنظر عجيب! حياة تدب فى هذا الموات العريض.. حيث لا يقع فى الوهم أن كائنا حيّا يسكن إلى هذا الكهف، الذي يفغر فاه ليلتهم كلّ من يدخل إليه، اللهم إلا أن تكون جماعة من الجن، أو نفرا من الشياطين:
«لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً».
ثم ما هى إلا كرّة من كرات الزّمن، حتى تكتمل الحياة، ويصحو القوم، ولا تزال على أعينهم أطياف الكرى.. يتثاءبون، ويتمطّون، وبين التثاؤب والتمطّى، يدور بينهم حديث متخافت، متخاذل، متكسّر.. يصحب معه بقية من أثر هذا النعاس الثقيل.. وإنك لا تجد أبرع ولا أروع ولا أدقّ ولا أصدق من كلمات الله، فى تصوير هذا المشهد، الذي تتحرك فيه الكلمات متثاقلة متباطئة تتقلّع من أفواههم كما تتقلّع خطا المقيد يمشى على كثيب من الرمال! «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.. قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ.. فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.. فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ.. وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً.. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً».
601
وانظر كيف بدأ هذا الحديث.. بتلك القافات المتكررة، وما فيها من ثقل وتقلّع، ثم تلك الواوات والياءات، وما فيها من رخاوة وتميّع.. إنك لو ذهبت تسرع بقراءة الآية الكريمة: «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ» لما استجاب لك لسانك، ولعقلته تلك الكلمات والحروف، عن أن يجاوز الحركة البطيئة المقدورة له فى هذا الموقف.. وإلّا تعثّر واضطرب.
ثم يأخذ النعاس ينجلى شيئا فشيئا، حتى يصحو القوم صحوة واعية، فإذاهم يتدبرون أمرهم، ويأخذون فى العمل.. وإذا الكلمات تحيا على شفاههم، وتأخذ طريقا جادّا حازما..
- «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً» ! وينتقل المنظر من الكهف إلى المدينة.. وإذا رسول الجماعة يسعى هناك، مقتصدا فى مشيته، مكثرا من التلفّت التائه فى هذا العالم الغريب، الذي يراه كما يرى النائم حلما يطوّف به فى عالم غير عالمه الذي عاش فيه! وفجأة ينكشف أمر الرجل لأهل المدينة، وإذا هو ظاهرة غريبة، أشبه بالظواهر الكونية التي تبغت الناس.. وإذا رجّة طاغية تستولى على المدينة كلها، وإذا الناس جميعا إلى حيث الرجل، كأنما يساقون إلى الحشر..
والذي انكشف للقوم من غرابة الرجل، هو غرابة هيئته فى زيّه، ثم إن الذي نمّ عليه كذلك، هو هذا النقد الذي قدّمه ليشترى به طعاما..
فالزّى الذي يتزيّا به الرجل قديم، من زمن مضى لا يلتقى مع زىّ القوم فى هذا الوقت الذي طلع عليهم فيه، إذ أن الناس يستحدثون فى كل زمن زيّا
602
غير زىّ الآباء والأجداد، وكذلك النقد الذي يتعاملون به، إنه يأخذ صورا وأشكالا فى كل عصر..
وبهذا الزىّ، وهذا النقد.. افتضح أمر الرجل للقوم، وبدا واضحا أنه من عالم غريب عنهم..
أما ما يقال من أن فتية الكهف قد تغيّرت حالهم الجسدية، فطالت شعورهم حتى جاوزت قاماتهم، وطالت أظافرهم.. إلى غير ذلك من العوارض التي تعرض لمظهر الإنسان بفعل الزمن- ما يقال من هذا فهو غير صحيح، والدليل على بطلانه، أنه لو كان شىء من هذا قد عرض للفتية أثناء نومهم لرأوا هذا ظاهرا فيهم، حيث يرى بعضهم بعضا، ولأنكروا أنفسهم قبل أن ينكرهم الناس.. ولما قالوا: «لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ» والأقرب إلى ما تشير إليه أحداث القصّة، أن الفتية لم يتغير منهم شىء، منذ ناموا إلى أن بعثوا من رقدتهم، بل جمدوا على الحال التي دخلوا فيها الكهف، وأسلموا أنفسهم للنوم.. وهذا أبلغ فى الدلالة على ما للقدرة الإلهية، من سلطان على الوجود، وعلى الأسباب والمسببات جميعا.
«وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها.. إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً».
فقد اختلف رأى القوم فى شأن الفتية، وما يصنع بهم بعد أن ماتوا، ثم انتهى الرأى إلى أن أقاموا مسجدا عليهم، تكريما لهم، واعترافا بأنهم من أهل الإيمان..
ويخيل للمرء أن القصة قد انتهت، وأن هذه هى خاتمتها.. ولكن سرعان ما تنتقل به القصة عبر القرون، وتطوّف به فى الأمم والشعوب، فيسمع
603
أصداء القصة تتردد فى كل أفق، وتجرى على ألسنة الأمم، يتناولها الناس بتعليقاتهم، على ما اعتاد الناس أن يصنعوه مع كل حدث عجيب من أحداث الحياة.. وإذا الأحاديث مختلفة، والأخبار متضاربة، كلّ يحدّث بما وقع له فى تصوره، مما اجتمع لديه من مختلف المقولات..
«سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ.. وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.. قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ».
ويخيّل للمرء مرة أخرى أن القصة قد انتهت، ولكن ما إن يستريح لهذا الخاطر، حتى تظهر له تلك المفاجاة الكبرى التي تملأ النفس عجبا ودهشا.
فالقصة إلى الآن تكاد تدور فى محيط الواقع الممكن..
جماعة أنكروا باطل قومهم، حين أشرقت قلوبهم بنور الحق، ثم فرّوا بدينهم خوف الفتنة فيه، فلجأوا إلى الكهف ليختفوا فيه أياما.. ثم أخذتهم فى الكهف نومة، استيقظوا بعدها جياعا، فبعثوا أحدهم إلى المدينة يجلب لهم طعاما حلالا.. ثم كان أن وقع المحذور، وعرف القوم أمرهم وكشفوا سرّهم..
قصة تحدث كثيرا فى الحياة، يستمع إليها المرء، وينتهى منها، ولا يكاد يدهش لشىء فيها، إلا ما تحمله الآيات من روعة التصوير، وبراعة العرض، وإعجاز البيان.
ولكن ما يكاد المرء يطمئن إلى هذا، حتى يفجأه هذا الخبر المذهل:
«وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً».
يا لله!..
نومة تستغرق هذه المئات من السنين، ثم يكون بعدها يقظة وحياة؟
604
«ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ» ولا جواب غير هذا!
وقفة أخيرة مع القصة
ولا نريد أن نترك القصة دون أن نقف وقفة قصيرة مع بعض تلك التلبيسات التي يدخل بها بعض الدارسين الذين يتأثّرون خطا المستشرقين، الذين ينظرون إلى القرآن نظرتهم إلى أي عمل بشرىّ.. فالقرآن عندهم هو من عمل «محمد» ضمّنه ما وقع فى خاطره وتأملاته من آراء.
يقول أحد هؤلاء الدارسين للقصص القرآنى، وهو يستدعى من شواهد القرآن ما يؤيد به زعمه الذي يزعمه فى القصص القرآنى، وهو أنه يستملى مادته من أساطير الأولين.. يقول فى قصة أصحاب الكهف:
«أما قصة أصحاب الكهف، فنقف منها فى هذا الموطن- أي موطن الاستدلال على أسطورية القصص القرآنى- كما يتخرص- عند مسألتين:
الأولى: مسألة عدد الفتية، والثانية: مدة لبثهم فى الكهف..
ثم يتحدث عن المسألة الأولى.. فيقول:
«أما من حيث العدد، فليس يخفى أن القرآن لم يذكر عددهم فى دقة (كذا) وإنّما ردّد الأمر بين ثلاثة، ورابعهم كلبهم، وخمسة وسادسهم كلبهم، وسبعة وثامنهم كلبهم..
«وليس يخفى أن القرآن الكريم، قد ختم هذه الآية بتلك النصيحة (كذا!) التي بتوجه بها إلى النبىّ، وهى قوله تعالى: «قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ
605
بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ.. فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً».
ثم يسأل هذا العالم ببواطن الأمور، فيقول:
«ما معنى هذا التردد فى العدد؟ وما معنى هذه النصائح؟
ثم هو يجيب:
«لا نستطيع أن نقول: إن المولى سبحانه وتعالى كان يجهل عدد الفتية من أصحاب الكهف، وأنه من أجل هذا لم يقطع فى عددهم برأى! فالمولى سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء، وإنه يعلم السرّ وأخفى! «وإنما نستطيع أن نقول: إن هذا لم يكن إلا لحكمة.. والحكمة فيما نعتقد هى أن المطلوب من النبىّ عليه السلام أن يثبت أن الوحى ينزل من السماء (!!) وأن يثبت ذلك لا بالعدد الحقيقي للفتية من أصحاب الكهف- فذلك لم يكن موطن الإجابة- وإنما بالعدد الذي ذكره اليهود من أهل المدينة للمشركين من أهل مكة، حيث ذهب وفدهم ليسأل عن أمر محمد، أنبيّ هو أم متنبىء.. وإذ كان أحبار اليهود قد اختلفوا فى العدد، وذكر كل منهم عددا معيّنا، كان على القرآن أن ينزل بهذه الأقوال، حتى يكون التصديق من المشركين بأن محمدا عليه السلام نبىّ! ولو ذكر القرآن العدد الحقيقىّ وأعرض عن أقوال اليهود لكان التكذيب القائم على أن محمدا لم يعرف الحقيقة.. وليس وراء هذا إلا أن الوحى لا ينزل من السماء!!»
.
ولا نذهب مع هذا الباحث إلى أكثر من هذا، فلا نعرض رأيه فى عدد السنين التي ذكرها القرآن عن نومة أهل الكهف، ويكفى أن نردّ هذا الاتهام الصريح للقرآن الكريم.. فإن هذا القول يصيب القرآن فى صميمه.
فأولا: إذا سلمنا بأن القرآن قد جاء فى قصصه بما يطابق ما عند اليهود
606
من معارف، وذلك ليثبت لهم، ولمن تلقّى عنهم من مشركى مكة- صدق محمد، وأنه نبىّ يوحى إليه من ربّه، وأنه لو جاء بالواقع الذي يخالف ما عندهم لما سلّموا به- نقول: لو سلمنا بهذا القول فى القرآن لكان معنى هذا، أنه كان عليه أن يجرى مع اليهود إلى آخر الشوط، فلا يجىء بشىء مما يخالف ما هم عليه من مذاهب وآراء، ولكان عليه ألا يقول فى المسيح غير ما قالت النصارى من أنه ابن الله، بل ولما كان له إلا أن يقول بما يقول به المشركون أنفسهم فى آلهتهم، وذلك حتى يسلّموا له، وينتهى الأمر عند هذا الحدّ، وكفى الله المؤمنين القتال.
ألهذا إذن جاءت رسالة محمد؟ وأ لهذا أيضا جاءت رسالات الرسل، تجرى على ما عند الأقوام من آراء ومعتقدات؟ وأين مكان الرسالة إذا فى الناس؟ وما محتواها؟ إذا كانت لا تخرج على ما عند المرسل إليهم؟
ونقول فى عدد أصحاب الكهف: إن القرآن الكريم لم يذكر فى عدد أصحاب الكهف قولا له، وإنما ذكر ما يجرى على ألسنة الناس من حديث عنهم، وعن عددهم، على مدى الأزمان، حاضرها ومستقبلها.. ولهذا جاء التعبير القرآنى: «سَيَقُولُونَ» ولم يقل قالوا.. ولو كان من تدبير القرآن أن يردد أقوال اليهود، لينال بذلك موافقتهم، ويأخذ منهم شهادة بأن القرآن وحي من عند الله، لكان من الحكمة أن يأخذ بقول واحد من هذه الأقوال، وينتصر له، وبهذا يوقع الخلاف بين أصحاب هذه الأقوال المختلفة!.
ثم نسأل: كيف يكون فى موافقة القرآن لمقولات اليهود المتضاربة المختلفة فى عدد الفتية ما يجعل عند اليهود وعند المشركين دليلا على أن القرآن وحي؟ ألا تكون التهمة قائمة بأن محمدا قد تلقّى هذه المقولات من اليهود
607
أنفسهم، كما يقال إن مشركى مكة قد تلقوها منهم؟ فما هو الجديد الذي جاء به محمد ليشهد له بأن القرآن وحي من عند الله؟ وهل كانت هذه المقولات من الأسرار التي احتفظ بها اليهود فيما بينهم؟ وكيف تكون سرّا وهى على هذا الخلاف الشديد بينهم؟ كلام لا معقول له أبدا.
أما التعليل الذي يمكن أن يفهم عليه إغفال القرآن لذكر العدد الحقيقي لأصحاب الكهف، والقطع به، فهو ما جرى عليه أسلوب القرآن فى كل موقف يلتقى فيه بأصحاب المراء والجدل، الذين يريدون أن يسوقوه إلى المماحكات والمهاترات، التي لا تنتج إلا اضطرابا وبلبلة.. والقرآن يعرف طريقه إلى غاياته التي يريدها، فهو لا يقف عند هذه المواقف، ولا يلقاها بما يقدره أصحابها من صرفه عن وجهته، وشغله بهذا اللغو من الكلام عن رسالته! ففى كل مرّة كان يسأل فيها النبىّ سؤالا متعنّتا، لا يراد به كشف حقيقة، أو جلاء غامضة- كان يدع السائلين لما هم فيه، ويصرف وجهه عنهم، ليلقى الحياة كلها، بالجواب الذي فيه نفع للناس، وهدى للعالمين! سأل المشركون النبىّ عن الهلال: ما باله يبدو صغيرا، ثم يكبر، ثم يعود صغيرا؟.
وكان الجواب: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ.. قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ، وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها» !. (١٨٩: البقرة) وكذلك الشأن فى فتية أصحاب الكهف.. إن العبرة الماثلة فى قصتهم، ليست فى عددهم قلّ أو كثر.. فليكونوا ثلاثة، أو مائة، أو ألفا.. أو ما شئت من عدد.. وإنما العبرة، هى فى موقف هؤلاء الفتية من الضلال الذي كان
608
مطبقا على البيئة التي يعيشون فيها. وفى تخليص أنفسهم من هذا الضلال، وفى التضحية بالأهل، والمال، والوطن، فى سبيل العقيدة، والفرار من وجه الفتنة فيها!.
وماذا يعود على من يقف على هذه القصة، إذا هو علم على وجه التحديد، عدّة هؤلاء الفتية وعدد السنين التي لبثوها فى كهفهم؟.
إن كثرة العدد أو قلته- سواء فى الأشخاص أو فى السنين- لا يقدّم ولا يؤخّر كثيرا أو قليلا، فى مضمون القصة ومحتواها، وفى الأثر النفسي الذي تحدثه، وفى المعطيات التي تجىء منها وتقع موقع العبرة والعظة! وفى قوله تعالى: «فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً، وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً» إلفات إلى النبىّ الكريم، بألا يقف من مقولات القائلين فى أصحاب الكهف، وفى تحديد الزمن الذي عاشوا فيه، والبلد الذي كانوا من أهله، وفى أسمائهم، وأسماء ملوكهم، ورؤسائهم.. إلى غير ذلك- ألا يقف النبىّ من هذه المقولات موقف الباحث الطالب للحقيقة.. فكل هذه قشور، لا لباب فيها، وإنما اللباب، هو الأحداث والمواقف، واتجاهات تلك الأحداث وهذه المواقف..
والمراد بالمراء الظاهر هنا، هو، ألا يدفع النبىّ ما يقول القائلون فى عدّة أصحاب الكهف، وأسمائهم، وأزمانهم، وغير هذا، وألا يستقصى الحقيقة فى هذا. فالحقيقة، وما وراء الحقيقة، سواء فى هذا المقام! فأى جديد يدخل على محتوى القصة إذا كان عدد أصحاب الكهف كذا أو كذا، أو كان أسماء أبطالها فلانا، وفلانا وفلانا، أو غير فلان وفلان وفلان؟ وقل مثل هذا، فى الزمن الذي الذي لبثوه فى الكهف، وفى البلد الذي جرت فيه أحداث القصة!
609
الآيات: (٢٧- ٣١) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٧ الى ٣١]
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١)
التفسير:
الملتحد: الملجأ، الذي يميل إليه الإنسان فرارا من شىء يتهدده.. ومنه الإلحاد، وهو الميل عن طريق الحق.. فرارا من أضوائه المسلطة على الباطل الذي يحرص عليه أهله.
الفرط: الإسراف فى الشيء، وتبديده، وتضييعه.. وهو ضدّ التفريط.
والسرادق: الفسطاط، المحيط بما فيه. والمهل: حثارة الزيت، ونفايته، وقيل، هو النحاس المذاب.. والمرتفق: ما يرتفق به الإنسان، ويعتمد عليه
610
فى معاشه، فيجعله رفيقا له.. والسندس: الرقيق من الديباج.. والإستبرق:
الخشن الغليظ من الديباج.
قوله تعالى:
«وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً».
هذه الآية معطوفة على قوله تعالى: «فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً... الآية» وما بين الآيتين، وهو قوله تعالى:
«وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً».. هذا الفصل بين الآيتين، لا يقطع الصلة بينهما، إذ كان ما فصل به بينهما هو أشبه بالتعقيب على الآية السابقة على هذا الفاصل، إذ قد نهى النبي ﷺ عن أن يمارى فى أخبار القوم إلا مراء عابرا، لا يقف طويلا عنده، ولا يستفتى فى شأن أصحاب الكهف أحدا ممن يظنّ عندهم علم منه.. وكذلك مما يدخل فى النهى عن المراء هذا الخبر الذي جاء به القرآن عن مدة لبثهم فى الكهف، وهو ثلاث مائة سنين وتسع سنوات، فهذا الخبر الذي أخبر به الله سبحانه وتعالى عن مدة لبثهم فى الكهف- سوف يمارى فيه الممارون ويطعنون فى صدقه وإذن فقد كان على النبىّ ألا يقف لهذه المماراة، بل يلقاها فى غير اكتراث، وليقل لنفسه، وللمؤمنين، وغير المؤمنين: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» فعلمه سبحانه هو العلم الحق، وما سواه فظنون وأوهام.. وقد قال الله سبحانه قولة الحقّ «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ».
- ثم كان قوله تعالى: «وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ.. الآية»
611
طيّا لهذا الحديث عن لبث أصحاب الكهف فى الكهف، وإلفاتا للنبىّ إلى كتاب الله الذي معه، وإلى ما نزل إليه من ربّه، فى شأن أصحاب الكهف، الذين يكثر الحديث عنهم، ويدور الجدل حولهم.. وإنه بحسب النبىّ فى هذا أن يتلو ما أوحى إليه من كلمات ربّه، وألا يلقى أذنه إلى ما يدور فى مجالس القوم وأنديتهم، من حديث عن أصحاب الكهف.. فما جاء به القرآن الكريم، هو الحق الذي لا ينقص أبدا، ولا يتبدّل على الزمن، بما يستجدّ من أخبار، وما ينكشف من آثار: «لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ».
- وفى قوله تعالى: «وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً» توكيد لقوله تعالى:
«وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً».. والملتحد هو الملجأ، وهو الذي يفرّ إليه الإنسان فى الأزمات، وليس للنبى ملجأ إلا الله، فى كل أمر يطرقه، وفى هذا الامتحان الذي يمتحن به فى أصحاب الكهف من المشركين، وأعوان المشركين.
قوله تعالى:
«وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً».
قيل إن هذه الآية نزلت فى شأن بلال وصهيب، وغيرهما من المستضعفين من المسلمين الأولين، فى مكة، وأنها دعوة للنبىّ الكريم أن يجعل عاطفته كلها مع هؤلاء المستضعفين، وألا يصرفه عنهم صارف الاهتمام بأصحاب السيادة والرياسة فى قريش، طمعا فى هدايتهم إلى الله، ليكون له منهم سند للدعوة الإسلامية، وقوة تدفع عن المسلمين الأذى والضرّ، مما لا تفتر قريش عن سوقه إليهم.
وإذا صح سبب نزول هذه الآية على هذا الوجه، فإن المراد بها قبل كل
612
شىء، هو مواساة كريمة وعزاء جميل من رب كريم، لهؤلاء المستضعفين، الذين نظر إليهم ربّهم، فجعلهم فى هذا المقام الكريم الذي يوجّه إليه وجه النبىّ كلّه، دون أن يعطى المشركين لفتة منه! فإنه شتان ما بين هؤلاء وأولئك.. فهؤلاء المسلمون المستضعفون، قد آمنوا بربّهم، يدعونه بالغداة والعشىّ، وأولئك المشركون، قد ألهتهم دنياهم، وأعماهم ضلالهم، فشغلوا عن النظر فى أنفسهم، وضلّوا الطريق إلى ربّهم.
- وفى قوله تعالى: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ» إشارة إلى أن هذا الجانب الذي يقفه النبي مع أصحابه المستضعفين، هو جانب فيه شدة وبلاء، ومعاناة، لا يصمد له إلا أولوا العزم والصبر! إنه انحياز إلى الجانب الضعيف، وإيثار له على الجانب القوىّ، ذى الجاه والسلطان.
- وفى قوله تعالى: «وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» تسفيه لهؤلاء المشركين، وما هم فيه من عناد يسوقهم إلى الهلاك، ويخرجهم من الدنيا، وقد خسروا الدنيا والآخرة جميعا.
قوله تعالى:
«وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.. فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.. إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً» فى هذه الآية وعيد شديد لهؤلاء المشركين الذين لجّوا فى طغيانهم، وعدوانهم.. فقد أعدّ الله لهم «ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها» أي ضربت عليهم النار، فكانت سرادقا يشتمل عليهم، لا يخرجون منه أبدا.. إنها دارهم، لا دار لهم غيرها.. وإن استصرخوا فيها طالبين الغوث، كان الصّراخ لهم، والإسراع لنجدتهم، هو أن يسقوا ماء آسنا، يغلى، فيشوى الحرّ المتصاعد
613
منه وجوههم قبل أن يصل إلى أفواههم.. ذلك هو نزلهم، وتلك هى عيشتهم.. فبئس الشراب شرابهم، وبئس العيش عيشهم! قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ.. نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً» هذا هو الوجه الآخر من وجوه الناس يوم القيامة، وهم المؤمنون، الذين آمنوا، ثم أتبعوا إيمانهم بالأعمال الصالحة، فهؤلاء لا يضيع أجرهم عند الله.. فقد أعدّ لهم سبحانه جنات عدن، أي جنات الخلود، لا يخرجون منها أبدا.. يقال: عدن فى المكان، أي أقام واستقرّ.
هذه الأنهار التي تجرى من تحت الجنات، وتلك الأساور من ذهب التي يحلّون بها، وهذه الثياب الرقيقة من السندس، وما فوقها من إستبرق، وتلك الأرائك التي يتكئون عليها.. هذا كلّه، هو بعض ما يجد أصحاب الجنة فى الجنة، مما كانت تشتهيه أنفسهم فى الدنيا، ولا يجدون سبيلا إليه، إما لقصر أيديهم عنه، وإما لنزولهم طوعا عما فى أيديهم، إيثارا لدينهم، واستعلاء على متاع هذه الحياة الدنيا الذي لا بقاء له.. أما ما فى الجنة من نعيم، فهو مما لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
الآيات: (٣٢- ٤٤) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٢ الى ٤٤]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦)
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١)
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)
614
التفسير:
الصعيد: التراب.. والزّلق: الذي لا نبات فيه.. والحسبان: المبالغة فى الحساب، والمراد به أنه من تقدير الله، وأنه واقع بحساب وبقدر.
غورا: أي غائرا، قد انسرب فى باطن الأرض..
فى هذه الآيات مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لرجلين، أحدهما مؤمن بالله، والآخر كافر به..
615
فالرجلان بهذا الوضع يمثلان الإنسانية كلها، إذ كان الناس أبدا فريقين:
مؤمنين، وكافرين.. مستجيبين لدعوة الرسل مؤمنين بها، أو منكرين لها، خارجين عليها.. وإذ كان ذلك من كسبهم واختيارهم، فقد استحق كل أن ينال جزاء ما عمل: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ».
والرجلان اللذان تعرضهما الآيات، يقف كل منهما فى الجانب الذي اختاره، وحرص عليه، واعتزّ به..
أما الكافر.. فقد وسّع الله له فى الرزق.. فجعل له الله سبحانه وتعالى:
«جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ» وهاتان الجنّتان قد تكونان فى قطعتين من الأرض، تنعزل كل منهما عن الأخرى.. فهما فى مرأى العين جنّتان، وقد تكونان جنّة واحدة، ولكنها لا تساع رقعتها، تبدو وكأنها جنتان..
والرأى الأول هو المقول به هنا، حيث جاء حديث القرآن عنهما باعتبارهما جنتين، لكل جنة كيانها، واعتبارها..
وقد حفّت هاتان الجنتان بالنخيل، ليكون ذلك أشبه بسور لهما.. إلى جانب الثمر الذي يجىء من هذه النخيل..
وليس هذا، فحسب، فإن بين أشجار العنب زروعا أخرى، من حبّ، وفاكهة، وغيرها.. فهما إذن جنّتان فى أعدل بقعة.. تربتها خصبة، وماؤها كثير.. «وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً».. ولهذا كان ثمرهما كثيرا مستوفيا: «كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً» أي لم ينقص شىء مما ينبغى أن تعطيه الأرض الطيبة من ثمرات ما يغرس فيها.. ثم إلى جانب هذا كان للرجل مال آخر يثمّره وينمّيه، كالأنعام، وغيرها: «وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ».
هذا هو الرجل الكافر.. صاحب خير كثير أفاضه الله عليه، ورزق واسع
616
ابتلاه الله به.. وكان شأنه- لو عقل- أن يحمد الله، ويذكر ما ألبسه من نعمه..
ولكنه لم يفعل هذا، بل كفر بالله، ولم يوجه إليه وجها، أو يرفع إليه بصرا..
وليته وقف عند هذا، بل لقد استبدّ به الغرور، وركبه الطيش والنّزق، فأخذ يكيد للمؤمنين، ويغريهم بالضلال، ليفتنهم فى دينهم.. إذ كانوا مع إيمانهم بالله، فى فقر ومعسرة، وهو مع كفره بالله، فى هذا الغنى الواسع، وذلك الثراء العريض!! فلم الإيمان بهذا الإله إذن؟ وما جدوى التعلّق به إذا كان المتعاملون معه، على تلك الحال من الفاقة والبؤس؟ هذا هو المنطق الذي يبشرّ به هذا الكافر، فى الناس، ويحاجّ المؤمنين به.
«فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً».
هذا موقف من مواقف الفتنة، يلقى بها هذا الكافر بين عينى المؤمن.
إنه أكثر من صاحبه المؤمن مالا وأعزّ نفرا! ولا سبب لهذا إلا لأنه كافر..
وصاحبه مؤمن! ذلك هو منطق من أعمى الله أبصارهم وختم على قلوبهم.. يقول لصاحبه: «أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً» ولو كنت على ما أدين به لكنت مثلى، ولكان لك مالى، من مال، وبنين، وجاه، وقوة! ولم يقف الضلال بهذا الضّال عند هذا، بل لقد أخذ بيد صاحبه، يطوف به فى جنتيه، حتى يريه بعينيه هذا النعيم الذي ينعم به من كفر بالله!!..
ويمضى الرجل المؤمن معه فى رحاب هذه الجنات العريضة.. ولعلّ صاحبه قد هيأ له أكثر من مجلس فيها، وأعدّ له أكثر من لون من ألوان الطعام من ثمارها.!
وينتظر الكافر أن تتحرك فى نفس صاحبه شهوة إلى هذه الجنات، أو يبدو فى عينيه إكبار وإعظام لها ولصاحبها- فلا يرى شيئا من هذا كلّه، يدخل على نفس صاحبه، أو يقارب ما بينه وبينه قيد أنملة..
617
وهنا، يجىء الكافر إلى صاحبه من ناحية أخرى، فيسمعه بأذنه ما رآه بعينه، لعل الكلمة هنا تفعل مالا تفعله الصورة.. واستمع إلى تصوير القرآن لهذا المشهد، وهو يصف الرجل وقد دخل بصاحبه إحدى جنتيه:
«وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً».
هكذا يكيد هذا الضالّ لصاحبه، ويجىء إليه بما يظن أنه يملأ قلبه حسرة وحسدا.. فيتحدث عن جنّته هذا الحديث الذي يتيه فيه فخرا وزهوا، بما يملك بين يديه، من ثراء طائل، وجاه عظيم.. إنه ينظر إلى جنّته كأنه يراها لأول مرة، فيقول: «ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً».. ثم ينظر فى وجه صاحبه ليرى وقع هذه الكلمة على مشاعره، فيرى استنكارا وامتعاضا، وتعجبا، من هذا الغرور الذي يذهل صاحبه عن بدهيّات الأمور.. فهل رأى هذا الأحمق الجهول، فيما يدور فى دنياه هذه، شيئا لا يبيد أبدا؟ وهل هذه أول جنّة كانت فى هذه البقعة؟ ألا يجوز أنها قامت على أنقاض دور كانت عامرة، أو جنات كانت خيرا من جنته؟
ولكنّ هذا الغوىّ الضالّ لا يرعوى عن غيّه وضلاله، ولا يجد فيما رأى على وجه صاحبه من أمارات الاستنكار، والاستهجان، ما يمسك لسانه عن هذا الهذيان.. فيتبع قولته: «ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً» بقولة أشنع منها، وأمعن فى الضلال.. فيقول: «وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً» ! وهكذا يخلى شعوره من كلّ خاطرة تخطر له، عما وراء هذا العالم المادىّ الذي هو غارق فيه!! ويتفرّس مرّة أخرى فى وجه صاحبه، ليرى وقع هذه الكلمة عليه، إذ هى ركيزة إيمانه، وأساس معتقده، بعد الإيمان بالله..! وربّما كرّر هذه القولة مرة
618
ومرة: «وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً» !.. وذلك إنما يقوله ويكرره إمعانا منه فى الكيد لصاحبه، والسخرية به، وبالدين الذي يدين به.!
ثم لا يقف هذا الآثم الجهول عند هذا الحدّ، بل يقطع على صاحبه تلك الخواطر التي تنبعث من إيمانه، والتي تمسك به على طريق الإيمان، وتبعث فى نفسه العزاء بما سيلقى فى الآخرة من جزاء حسن عند الله، ذلك الجزاء الذي يزرى بكل ما يملك الناس جميعا فى هذه الدنيا من مال ومتاع- فيقول لصاحبه:
«وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً».. فلست وحدك يا صاحبى الذي يذهب بحظّه الذي يؤمّله فى الحياة الآخرة.. فأنا كذلك سيكون لى فى الآخرة- إن كانت هناك آخرة- حظ خير من حظك، ومقام خير من مقامك.. فكما أنا وأنت فى هذه الدنيا على ما ترى، كذلك سنكون فى الآخرة على هذا الحال.. أنا صاحب جنات خير من هذه الجنات.. وأنت كما أنت! فالوضع هناك هو الوضع هنا.. تماما كما ننتقل أنا وأنت من بلد إلى بلد.. لن يغيّر هذا الانتقال من حال أىّ منا شيئا! وهكذا يذهب الضلال بأهله إلى تلك المذاهب الممعنة فى السّفه والجهالة، فيرون حقائق الأمور مقلوبة على وجوهها، وهم فى هذا الوضع المنكوس الذي أقاموا فيه رءوسهم مقام أرجلهم.. وفى هذا يقول الله تعالى: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» (٨: فاطر) ويقول سبحانه: «لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى» (٤٩- ٥٠: فصلت).
وهنا يأخذ الموقف بين الرجلين وضعا آخر.. فيتكلم المؤمن، ويستمع الكافر..
619
«قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا» ؟.
فهذا هو محصّل ما وقع فى نفس المؤمن من هذا الحديث الطويل، الذي تحدث به الكافر، صاحب الجنتين، المدلّ بجاهه وترائه.. إنه لم يستطع بحديثه هذا، وبما استعرض على الطبيعة من خيرات جنتيه، وما يؤمله فى الآخرة من جنات خير منهما- لم يستطع أن يغيّر من موقف صاحبه، أو يؤثر فى إيمانه شيئا.. فيلقاه صاحبه بما اعتاد أن يلقاه به، من إنكار عليه لهذا الضلال الذي هو غارق فيه، «أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا؟».
وفى توجيه الخطاب إليه بصيغة الماضي.. هكذا: «أَكَفَرْتَ» بدلا من صيغة الحاضر: «أتكفر» إشارة إلى أن هذا المنكر الذي هو فيه، ليس أمرا مستحدثا عنده، بل هو داء قديم، سكن فى كيانه، واستقر بين مسرى الدم من عروقه، لا يغيره شىء. ولو كان ذلك مما يمكن أن يتغيّر لكان له فى هذا الموقف الذي وقف من جنتيه، ورأى فيهما ما رأى من آيات الله وآلائه- ما يخفق له قلبه، وترقّ به مشاعره.
وفى هذه الصورة التي رسمها المؤمن لصاحبه، وأراه فيها وجوده كله، منذ كان ترابا، ثم كان نطفة، ثم كان علقة، فجنينا، فوليدا، فطفلا، فرجلا مكتمل الرجولة كما هو الآن، يختال تيها وعجبا- فى هذه الصورة ينظر المؤمن إلى صاحبه، فيكره أن يكون على سمت هذه الصورة التي شوهها الكفر، ومسخها الضلال.. وفى سرعة خاطفة ينتزع نفسه من جنب صاحبه، ويعزل شخصه عنه.. ثم- وبسرعة خاطفة أيضا- يرسم لنفسه صورة ارتضاها، واطمأن إليها.. فيقول:
620
«لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي.. وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً»..
فها هو ذا أنا.. أنا هو الذي تراه أيها الصاحب والذي عرفت موقفه من قبل.. «اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً» أما أنت فكما رأيت وعلمت!.
فالضمير: «هو» - كما أحبّ أن أفهمه- هو ضمير الغيبة، المقابل لضمير الحضور «أنا» المدغم فى حرف الاستدراك لكن.
وبهذين الضميرين: ضمير الحضور، وضمير الغيبة، تتحقق للرجل المؤمن صورتان: صورة حاضرة له بعد أن دخل الجنتين، مجدّدة للصورة الماضية التي كانت له قبل أن يدخل مع صاحبه جنتيه.. فهو هو لم يتغير منه شىء، بعد تلك التجربة المثيرة التي أدخله فيها صاحبه، وأراد بها أن يجرّه وراءه، فى طريقه القائم على الكفر والضلال!.
وإذ ينكشف كل من الرجلين لصاحبه على هذا الوجه.. يعود المؤمن إلى صاحبه، ناصحا هاديا، لا كما جاء إليه صاحبه مضلّا مغويا.. فيقول له:
«وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ.. لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.. إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً.. فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً.. أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً».
وفى هذا العرض، يكشف المؤمن لصاحبه الموقف الذي كان جديرا به أن يقفه، حين دخل جنّتيه، ورأى فيهما ما رأى من بديع صنع الله، وروعة قدرته.. فيقول: «ما شاءَ اللَّهُ» أي هذا ما شاءه الله وقدّره لى.. ولو شاء غير هذا لكان.. فسبحانه له الحمد، والشكران.. وليس لى من هذا الذي بين
621
يدى شىء.. فأنا العاجز الضعيف، الذي لا يملك من أمره شيئا.. «لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».. فما لم يكن للإنسان عون من الله، فهو الضائع المخذول..
ثم إذ لم يكن من «الكافر» أن يقول هذا القول، ولم تحدثه نفسه بشىء منه.. لوّح له صاحبه بهذا النذير الشديد، وقرعه بتلك القارعة المزلزلة:
فقال له: انظر إلىّ «إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ».. فذلك ليس بالذي تعجز عنه قدرة الله.. فالله سبحانه يملك الناس ويملك ما بأيدى النّاس، وبسلطان قدرته، وبتقدير حكمته، يبدّل أحوال الناس كيف يشاء، فيفقر ويغنى، ويذلّ ويعزّ، ويضع ويرفع.. فإذا كنت كما ترانى الآن أقلّ منك مالا وولدا، فغير بعيد على الله أن أصبح أو أمسى، فإذا أنا أكثر منك مالا وأعزّ نفرا..
وليس الأمر واقفا عند هذا، بل إنه من الممكن أن يقع فى يدىّ من المال والبنين أكثر مما معك، ثم إن هذا الذي معك يفرّ من بين يديك، فتلتفت فلا تجد منه شيئا..
وانظر إلى قوله تعالى: «فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً».. ثم أمعن النظر فى هذا العطف بين الفعلين: «يؤتين» و «يرسل» حيث تتجلّى من ذلك قدرة الله فى التبديل والتغيير، ففى الحال التي يرسل الله فيها رحمة من رحمته إلى هذا الفقير المعدم، فيلبسه ثوب الغنى، يرسل على هذا الغنىّ ما يذهب بغناه، وإذا هذه الجنة الزاهية الزاهرة ينقضّ عليها «حسبان» من السماء، أي جائحة، تجىء فجأة، وتهبّ من حيث لا يدرى أحد، فتعصف بها، وتجعلها رمادا! أو يغور هذا الماء المتدفق من هذا النهر الذي يقيم حياتها، فإذا هى وقد جفت شرايين الحياة منها، وأخذت تموت موتا بطيئا بين عينى صاحبها الذي لا يملك لدائها دواء..
622
والذي تذهب نفسه حسرة مع كل يوم يطلع عليها وعليه..
وقد صدق حدس الرجل المؤمن، وصحّ ما توقعه لصاحبه هذا الذي أطغته النعمة، فنصب لله الحرب، يقاتل أولياءه، ويصدّهم عن دينه، ويضلّهم عن سبيله..
«وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ.. فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها.. وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً.. وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً».
وهكذا تجىء الخاتمة، وتحقّ كلمة الله على القوم الظالمين.. وإذا هذه الجنة وقد أحيط بها، وشملها البلاء من كل جانب، وإذا صاحبها يقف على أطلالها كما يقف الأب على أشلاء أبنائه، وقد نزلت بهم نازلة أخذتهم جميعا..
«فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ» حسرة وكمدا.. «عَلى ما أَنْفَقَ فِيها» من مال وجهد «وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها».. لا ترقّ لنحيبه، ولا تستجيب لصراخه، بل تظل هكذا خاوية على عروشها، لا تريه منها إلا هذا الموات الذي يزيد فى حسرته، ويضاعف من آلامه..
- فقوله تعالى: «وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها» حال كاشفة عن حاله، وهو يندبها، ويقطّع نفسه حسرة عليها، وهى بين يديه جثة هامدة، لا يجدى معها هذا العويل الصارخ، وهذا النحيب المتصل..
- وقوله تعالى: «وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً» هو حكاية لقوله الذي سيقوله يوم القيامة، يوم يساق إلى موقف أشدّ هؤلاء، وأقسى قسوة من هذا الموقف الذي هو فيه إزاء جنته تلك الخاوية على عروشها.. ففى هذا اليوم تشتد حسرته، ويتضاعف ندمه، ويقول فيما يقول: «يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ
623
بِرَبِّي أَحَداً»
.. ولكن أنّى له أن يصلح ما أفسد؟ لقد فات وقت الندم..
وهل نفعه بكاؤه، وأغنت عنه حسرته فى الدنيا، حين أخذ الله جنّته، وأرسل عليها حسبانا من السماء، فأصبحت خاوية على عروشها؟ إن يكن ذلك قد ردّ عليه ما فات، فقوله يوم القيامة: «يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً» قد يكون له أثر فى إصلاح ما أفسد.. وأما وقد هلكت جنته إلى غير رجعة، فإنه هو أيضا هنا فى الهالكين المعذبين فى النار، من غير أمل فى الخروج مما هو فيه.
ولو كان قوله: «يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً».. لو كان هذا قولا قاله فى دنياه- كما يقول بذلك بعض المفسّرين- لكان له فى هذا القول رجعة إلى الله، ولا نتقل به من الكفر إلى الإيمان، فإنه لا زال فى دار عمل.
وقوله تعالى: «وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً».. هو تعقيب على موقف هذا الكافر الذي لجّ به كفره..
فأخذه الله نكال الآخرة والأولى.. أما فى الأولى فقد أهلك جنته أمام عينيه وبين أهله وقومه، وأما فى الآخرة: فهو إلى مصير أسوأ من هذا المصير الذي أحرق كبده، وأذلّ كبرياءه.. وليس له هنا أو هناك من فئة ينصرونه، ويحولون بينه وبين أمر الله فيه.. «وَما كانَ مُنْتَصِراً» هو بذاته وبما كان يجده فى كيانه من عزة وقوة..
وقوله تعالى: «هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً».
«هنالك» : الإشارة هنا إلى يوم القيامة، وإلى كل موقف يكون بين الحق والباطل.
والولاية: النصرة، والتأييد، والعون..
والمعنى: أنه فى يوم القيامة، حيث يشتد البلاء، ويعظم الكرب،
624
وتدور أعين الناس فى كل مدار، باحثين عمن يدفع عنهم هذا البلاء، ويأخذ بيدهم إلى طريق الخلاص والنجاة.. فيتلفت الصديق إلى صديقه، والابن إلى أبيه، والأخ إلى أخيه، والعابد إلى معبوده الذي كان يعطيه كل ولائه، ويفوض إليه كل أموره.. ولكن لا أحد يسأل عن أحد، ولا أحد يعنيه شأن أحد.. «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ».
والمؤمنون بالله وحده، هم الذين يجدون ولاءهم لله سبحانه، هو الذي قد خفّ لنجدتهم، فى ساعة العسرة، وأخذ بيدهم إلى جانب النجاة.. فكل ولىّ كان للإنسان فى دنياه قد فرّ عنه فى هذا الموطن، أما من كان ولاؤه لله، فقد وجد هذا الولاء إلى جانبه، مؤيدا له، وناصرا! فالولاية الحقّ، هى ما كانت لله، حيث لا تخذل صاحبها أبدا..
أما ولاية غير الله، فإنها سراب خادع، إذا جاءه الإنسان لم يجده شيئا.
والضمير «هو» يعود إلى معنى الولاية، وهى الإيمان بالله، واللجأ إليه، فذلك خير «ثوابا» أي جزاء وخير «عقبا» أي عاقبة، حيث الجنة والنعيم المقيم..
الآيات: (٤٥- ٤٩) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٩]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩)
625
التفسير:
قوله تعالى:
«وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً».
فى الآيات السابقة على هذه الآية، ضرب الله مثلا لرجلين، أحدهما كافر، والآخر مؤمن، وهذان الرجلان- كما قلنا- يمثلان الإنسانية كلها، فالناس جميعا رجلان: كافر، ومؤمن.. والكافر إنما كانت آفته تلك، من واردات الحياة الدنيا، وزخارفها، والاغترار ببهجتها وزينتها.. وهذا ما كشفت عنه الآيات السابقة، فى المحاورة التي كانت بين الكافر وصاحبه، واغتراره بما بين يديه من مال وبنين.
- وفى قوله تعالى: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا» الآية، ما يكشف عن الصورة الحقيقة لهذه الدنيا، التي ينخدع لها الناس، ويفتنون بها، ويبيعون من أجلها آخرتهم، ويقطعون بسببها كل صلة تصلهم بالله رب العالمين..
فهذه الدنيا، وما يموج فيها من ألوان الزخارف والمتع، وصور الجاه والسلطان، لا تعدو أن تكون زرعا، زها واخضرّ، وأزهر، وأثمر..
626
ثم جاء الوقت الذي يحصد فيه.. فإن لم يحصد، قطعت الأرض صلتها به..
فصار هشيما، وحطاما. تذروه الرياح كما تذرو التراب! - «وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً» فيخرج الحىّ من الميت، ويخرج الميت من الحىّ، ويقيم من الأرض الجديب جنات وزروعا، ويحيل الجنات والزروع إلى جدب وقفر.. وكذلك يخلق الناس من تراب، ثم يعيدهم ترابا، ثم يردّهم بشرا سويّا!.
قوله تعالى:
«الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا».
تشير الآية إلى أبرز لونين وأزهاهما فى هذه الحياة الدنيا، التي يفتن الناس بها، ويشغلون بها عن الله، وعن الحياة الآخرة، وهما المال والبنون.. وقدم المال على البنين، لأنه المطلب الأول للإنسان، فكل إنسان طالب للمال، وليس كل إنسان طالبا للولد.. فكثير من الناس لا يطلبون الأولاد، بل يعيشون بغير سكن إلى زوجة، ولكنهم جميعا لا يستغنون عن طلب المال.. ومع هذا فإنه إذا حصل الإنسان على الولد، تعلق قلبه به، وكان الولد عنده مقدّما على المال! فالمال والبنون، هما أشدّ مظاهر الحياة فتنة للناس، وأكثرها داعية لهم، وأقواها سلطانا عليهم.. والله سبحانه وتعالى يقول: ِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ..»
(١٥: التغابن).
- وفى قوله تعالى: «وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا» إشارة أخرى إلى ما هو خير من الأموال والأولاد، مما يمكن أن يحصّله الإنسان فى هذه الحياة الدنيا.. وتلك هى «الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ» التي هى الإيمان بالله، الذي هو رأس الأعمال الصالحة التي أمر الله بها من عبادات، ومعاملات،
627
وأخلاق.. فهذا هو الذي يبقى للإنسان، ويجده حاضرا يوم القيامة، أما ما سواه فهو سراب، وقبض الريح لا يجد الإنسان منه شيئا.. «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».. ووصف الباقيات بالصالحات، هو عزل لها عن باقيات غير صالحات، وهى المنكرات التي عليها أهل الضلال والكفر، إذ هى باقية لهم يجدونها يوم القيامة، ويجدون منها الحسرة والندامة قوله تعالى:
«وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً» الواو هنا للاستئناف، لعرض صورة للحياة الآخرة، التي أشارت إليها الآيات السابقة تلميحا فى قوله تعالى: «وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ» حيث أن هذه الباقيات الصالحات لا تتجلّى آثارها كاملة، إلا يوم القيامة..
وفى هذا اليوم تتبدل الأرض غير الأرض والسموات.. فتسيّر الجبال وتزول عن مواضعها، حيث تسوّى بالأرض. وإذا الأرض كلها «بارزة» أي عارية، لا يخفى منها شىء، وإذا الناس جميعا قد حشروا بعد أن خرجوا من قبورهم، ولم يترك منهم أحد.
قوله تعالى:
َ عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.. بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً».
بيان لعرض الناس على الله بعد الحشر، وفى هذا العرض يكون الحساب، ثم الجزاء، حيث يلقى كل عامل جزاء ما عمل.. من خير أو شر: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (٧- ٨: الزلزلة).
- وفى قوله تعالى: َ عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا»
إشارة إلى أن هذا العرض الذي يجمع الإنسانية كلها، والخلائق جميعها، هو عرض ينكشف فيه كل
628
إنسان، ويظهر فيه كل مخلوق، فلا يختفى أحد فى زحمة هذه الجموع الحاشدة..
فهم جميعا فى عين القدرة صفّ واحد، يأخذ كلّ مكانه، ويلقى حسابه وجزاءه.. «يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ» (١٨: الحاقة).
- وفى قوله تعالى: َقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ»
إشارة إلى أن الناس يجيئون يوم القيامة ولا شىء معهم، مما كان لهم فى الحياة الدنيا، من مال وبنين، وما كان بين أيديهم من جاه وسلطان.. لقد جاءوا عراة حفاة، عزلا من كلّ شىء، ضعافا، مجردين من كل قوة، كما ولدوا عراة، حفاة، لا شىء معهم! - وفى قوله تعالى: َوَّلَ مَرَّةٍ»
إشارة إلى الخلق الأول للإنسان، وهو خلق الميلاد.. وفيه إشارة أيضا إلى أن الأطوار التي ينتقل فيها الإنسان من الطفولة إلى الصبا والشباب، والكهولة والشيخوخة.. وإلى ما يجدّ للإنسان فى هذه الأطوار من أحوال التملك، والتسلط، وغيرها- إنما هى جميعها من تدبير الله سبحانه وتعالى للإنسان، ومن صنيعه به.. فكأنه فى تنقله من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، هو خلق جديد له.. غير الخلق الأول الذي ولد به! ولكن البعث إنما يكون على صورة أشبه بصورة الميلاد، من حيث التعرّى من كل شىء ملكه الإنسان فى الدنيا.
- وقوله تعالى: َلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً»
هو خطاب خاص موجّه إلى أولئك الذين أنكروا البعث: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ» (٣٨: النحل)..
قوله تعالى:
«وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً»..
629
الكتاب هنا، هو الكتاب الذي سجّلت فيه الأعمال- كل الأعمال، الصالحة، والسيئة.. كما يقول سبحانه: «وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ» (١٠: التكوير).. حيث ينكشف لكل إنسان عمله، من خير أو شر..
«يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (٦- ٨: الزلزلة).
ويعجب الّذين كانوا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، مما يطلع عليهم به هذا الكتاب.. لقد أحصى عليهم كل شىء.. ويقولون: «مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها».. إنهم ما كانوا يحسبون أن شيئا من هذا سيقع، وأنه إذا وقع فلن يكون على تلك الصورة التي فضحت كل شىء كان منهم فى دنياهم.. «هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (٢٩: الجاثية)..
الآيات: (٥٠- ٥٣) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٠ الى ٥٣]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣)
630
التفسير:
قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا»..
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة قد عرضت الناس بين يدى الله يوم القيامة، فإذا هم مؤمنون، وكافرون.. مؤمنون قد آمنوا بالله، واستجابوا لدعوته على يد رسله، وكافرون قد خرجوا عن أمر الله، وعصوا رسله.. وهنا صورة فى الملأ الأعلى، تشبه هذه الصورة التي وقعت فى الأرض..
حيث جاءت دعوة الله إلى الملائكة أن يسجدوا لآدم، فسجدوا امتثالا لأمر الله.. ولكن كائنا من كائنات الملأ الأعلى قد غلبت عليه شقوته، ففسق، أي خرج عن أمر ربّه، وأبى أن يسجد!! فطرده الله من الملأ الأعلى، وألقى به إلى العالم الأرضى، صورة للتمرد والعصيان، ودعوة من دعوات الإغواء والإفساد والفسوق عن أمر الله، إلى جانب الدعوة التي يحملها رسل الله إلى الناس بالهدى والإيمان..
وفى قوله تعالى: «أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟» تحذير للناس من هذا العدوّ، الذي لعنه الله وطرده من رحمته- تحذير لهم من أن ينقادوا له، فمن انقاد له فقد فسق، أي خرج عن أمر ربّه، كما فسق هذا الرجيم الملعون عن أمر ربّه، وكان وضعه فى المجتمع الإنسانى المؤمن، كوضع إبليس من الملائكة..
- وفى قوله تعالى: «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» إشارة إلى هذا الخسران المبين الذي لحق أهل الضلال الذين استغواهم الشيطان فغووا، وخيّروا بين الهدى
631
والضلال، وبين الله والشيطان.. فانحازوا إلى جانب الشيطان وركبوا معه مركب الغواية والضلال..
قوله تعالى:
«ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» ضمير النصب فى قوله تعالى: «ما أَشْهَدْتُهُمْ» يراد به أولئك المعبودون، الذين يعبدهم المشركون من دون الله! فهؤلاء المعبودون أيّا كانوا، هم ممن زيّن الشيطان للنّاس عبادتهم، حيث أضلّهم، وأعمى أبصارهم، ثم دعاهم فاستجابوا له، وعبدوا من المعبودات من صوّره لهم، وأراهم فيه الإله الذي يعبدونه.. ومن هنا صح أن يكون كلّ من عبد غير الله، عابدا للشيطان، أصلا، وإن كان فى واقع الأمر عابدا صنما، أو إنسانا، أو ملكا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ.. أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ.. بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ» (٤٠- ٤١: سبأ).
- وفى قوله تعالى: «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» تشنيع على أولئك الذين يعبدون غير الله، ويستجيبون لدعوة إبليس، وذريته.. فإن إبليس لم يكن هو وذريته إلا خلقا من خلق الله، وأنهم ليس لهم سلطان مع الله، فما شهدوا خلق هذا الوجود، وما فيه من سموات وأرضين، بل إنهم لم يشهدوا خلق أنفسهم.. إذ كيف يشهد المخلوق خلق نفسه؟ وإذن فما سلطان هؤلاء المخلوقين على الناس، وهم خلق مثلهم؟ وكيف يقبل مخلوق أن يستدلّ لمخلوق مثله، بل ويعبده، من دون الله؟.
- وفى قوله تعالى: «وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» عرض لإبليس
632
وذريته فى هذه الصورة الساقطة من بين المخلوقات جميعا، وأنهم مضلّون، مفسدون.. وأنه إذا جاز أن يتخذ الله سبحانه وتعالى من خلقه عضدا، أي معينا- وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا- فإنه لن يتخذ أرذل خلقه، وأبعدهم من رحمته.. إنه لا يستقيم أبدا أن يقرّب الإنسان أبغض الناس إليه، ويتخذهم أعوانا له، وبين يديه من هم أحباؤه، وأصفياؤه، وأهل ودّه؟ فكيف بالله سبحانه وتعالى، وبحكمته وعلمه بخلقه؟
قوله تعالى:
«وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً».
الموبق: المهلك، وهو هنا النار التي يلقى فيها المشركون.
وهذه الآية عرض عام لما يكون بين المشركين، وبين من اتخذوهم شركاء من دون الله، حين يجدّ الجدّ، وتقع ساعة الحساب.. عند ذلك ينادى منادى الحق على هؤلاء المشركين: أن ادعوا شركاءكم الذين زعمتم، أي الذين اصطنعتموهم من مزاعم أوهامكم وظنونكم.. «فَدَعَوْهُمْ.. فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ».. بل أنكروهم، وأنكروا أن لهم صلة بهم.. أو لم يستجيبوا لهم أصلا، إذ كان ما عبدوه وهما باطلا، لا وجود له.. «وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً» أي جعلنا بين المشركين وبين من أشركوا بهم «موبقا» أي حاجزا من النار يلقى فيها هؤلاء المشركون، دون أن تمتد إليهم يد من هؤلاء الشركاء الذين كانوا يعبدونهم، ويلقون إليهم بالمودة والولاء، فهذا الذي كان بين المشركين وبين معبوداتهم من ولاء ومودة، قد صار هلاكا، ووبالا، ونارا تلظّى! وفى قوله تعالى: «شُرَكائِيَ» بإضافتهم إليه سبحانه وتعالى، مع أنهم ليسوا شركاءه على الحقيقة- فى هذا عرض لتلك الجريمة الشنعاء على أعين هؤلاء
633
المجرمين، ليروا فى هذا الموقف ماذا كان منهم من منكر غليظ، إذ جعلوا لله شركاء! إن ذلك أشبه بعرض جثة القتيل على قاتله، وهو مقود إلى القصاص منه، حتى يعاين من ذلك، الحال التي سيصير إليها، وهى أن يقتل كهذه القتلة! قوله تعالى:
«وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً».
المجرمون هنا، هم هؤلاء المشركون، الذي عرضوا فى هذا العرض الذي جمع بينهم وبين من أشركوا بهم من دون الله.. فقد أمروا أن يدعوا شركاءهم، فلما دعوهم ولم يستجيبوا لهم، تلفتوا فإذا هى النّار بين أيديهم.. فلما رأوها ظنوا أنهم واقعون فيها.. وقد صدق ظنهم فى هذه المرة، وأصبح يقينا واقعا..
إذ لا مصرف لهم عنها، ولا نجاة لهم من الوقوع فيها..
الآيات: (٥٤- ٥٩) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٤ الى ٥٩]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨)
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)
634
التفسير:
بعد هذا العرض الكاشف الذي جاءت به الآيات السابقة، لمواقف المؤمنين والمشركين، وأولياء الرحمن وأتباع الشيطان، وما يرى هؤلاء وأولئك من جزاء فى الآخرة- بعد هذا، تعود آيات القرآن الكريم، فتلتقى بالمشركين من أهل مكة مرة أخرى، وتذكرهم بما يتلى عليهم من آيات الله.. فيقول سبحانه:
«وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» وفى الإشارة إلى القرآن الكريم بقوله تعالى: «هذَا الْقُرْآنِ» - وهو معروف لهؤلاء المخاطبين- تنويه بشأن هذا القرآن، وبمقامه العالي الرفيع، الذي لا يراه إلا من رفع رأسه عن تراب هذه الأرض، واستشرف ببصره إلى مطالع الحق فى آفاقه العليا، عندئذ يأخذ الإنسان الوضع الذي يمكن أن يرى فيه من معالم الوجود، ما لم يكن يرى منها شيئا، وهو ينظر إلى موقع قدميه! والتصريف: هو الإرسال، والبعث، والسوق.. ومنه تصريف الرياح، وهو هبوطها من أكثر منه؟؟؟.. وتصريف الأمثال: سوقها، وبعثها، مثلا بعد مثل..
وكلّ مثل فيه العبرة والعظة، وفيه ما يفتح للعاقل الطريق إلى الحقّ والهدى.. فكيف وهى أمثال كثيرة، تلتقى مع كل عقل، وتتجاوب مع كلّ فهم.. ولكن الجدل والمراء، آفة الإنسان، والحجاز الذي يحجز عقله عن أن يميز الخبيث من الطيب، ويفرق بين النور والظلام! «وَكانَ الْإِنْسانُ
635
أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا»
.. فتلك هى بليّة الإنسان، ومضلّة الضالين، ومهلك الهالكين، من أبناء آدم.
قوله تعالى:
«وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا».
الناس هنا، ليسوا مطلق الناس، ولكنهم المكابرون المعاندون، الذين غلبت عليهم شقوتهم، فركبوا رءوسهم، وأبوا أن يصيخوا لصوت الدّاعى الذي يدعوهم إليه، وهم مشرفون على هاوية سحيقة تلقى بهم فى مهاوى الهلاك.. والهدى الذي جاءهم: هو القرآن الكريم.
فهؤلاء الأشقياء الضالون، لم يمنعهم مانع من خارج أنفسهم أن يؤمنوا، ويستغفروا ربّهم على ما فرط منهم فى جنب الله، وفى جنب رسل الله- ما منعهم من ذلك إلا ما ركّب فيهم من عناد عنيد وجدل سقيم، وأنهم- وهذا شأنهم، وتلك حالهم- لن يؤمنوا «إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ» وهى وقوع البلاء بهم، وأخذهم بما أخذ الله به الضالين المكذبين قبلهم، من هلاك مبين، لا يبقى لهم أثرا.. «أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا» أي أو حين يطلع عليهم العذاب فيرونه عيانا، مقبلا عليهم، كما رأى فرعون الموت مقبلا عليه.. فقال: «آمنت» ! ففى النظم القرآنى الذي جاءت عليه الآية حذف، يدل عليه السياق..
وتقديره: «وما منع الناس شىء أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربّهم- ولكنهم لن يؤمنوا- إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا».
قوله تعالى:
«وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً».
636
أي إنه ليس هناك قوة خارجة عن كيان الإنسان ترغمه على الإيمان بالله..
وإن رسل الله الذين أرسلوا لهداية الناس، ودعوتهم إلى الحق، لا يملكون هذه القوّة التي تحمل الناس حملا على الهدى، وتكرههم إكراها على الإيمان:
«وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» فتلك هى مهمّة الرسل، وهذه هى وظيفتهم فى أقوامهم.. يبلغونهم رسالة ربهم، وما تحمل إليهم من مبشّرات ومنذرات..
- وفى قوله تعالى «وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ» بيان لموقف المعاندين الضالين، من دعوة الرسل، وأنهم يلقون رسالة الله، ودعوة الرسل بالمراء والجدل، وليس بين أيديهم فى هذا الجدل، إلا الباطل يرمون به فى وجه الحق، يريدون به أن يدحضوه، أي يوقعوه ويهزموه..
- وفى قوله تعالى: «وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً» تهديد ووعيد لهؤلاء الذين يسخرون بآيات الله، ويهزءون برسله، وبما ينذرونهم به من عذاب الله، فيقولون فيما يقولون: «فَأْتِنا بِما تَعِدُنا.. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» (٣٢: هود).
قوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً» وإنه لا أظلم من إنسان جاءه من يذكّره بآيات ربّه- وكان من شأنه بما معه من عقل أن يذكر آيات ربّه المبثوثة فى هذا الوجود، ويتهدّى إليه، ويؤمن به- من غير أن يدعوه أحد «فَأَعْرَضَ عَنْها» وأصمّ أذنه عن الاستماع إليها، «وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ» من آثام وضلالات».
إنه لهو الظلم أعظم الظلم، وهو الضلال أظلم الضلال، أن يقع الإنسان
637
فى الوحل، ثم يجىء من يمدّ يده إليه لاستنقاذه، بعد أن يكشف له الحال الذي هو فيه، فيأبى أن يسمع، ويمتنع أن يجيب!.
وانظر إلى تلك المنّة العظيمة، بإضافة هذا الإنسان الجحود، إلى «ربّه» واستدعائه إليه باسمه تعالى: وبآلائه التي يضفيها عليه، وهو يأبى إلا نفورا، وإلا إمعانا فى الكفر والضلال!.
- وفى قوله تعالى: «إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً» بيان للعلة الكامنة فى هؤلاء الضالين، الذين أعرضوا عن آيات الله، واتخذوا آياته وما أنذروا به هزوا، وتلك العلّة هى أن الله سبحانه وتعالى- لحكمة أرادها- قد جعل على قلوبهم «أكنّة»، أي حجبا تحجبها عن الهدى، وأن تفقه آيات الله، وجعل فى آذانهم «وقرا» أي صمما، فلا تسمع ما يتلى عليها من آيات الله.. فهم لهذا لن يهتدوا أبدا: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» (٤١: المائدة).
«أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ» (٢٣: محمد).
قوله تعالى: «وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا».
الموئل: الملجأ، والمهرب.. والخطاب للنبىّ صلوات الله وسلامه عليه، وفحوى الخطاب مراد به قومه.. وإذ كشفت الآية السابقة عن جحود الإنسان، وكفره بآلاء ربّه، وإعراضه عن الاستماع لدعوته إليه- فقد جاءت هذه الآية لتكشف عن سعة رحمة الله ومغفرته لعباده، وهم على حرب معه ومع أوليائه..
فقد وسعتهم رحمته، ومغفرته، فلم يعجل سبحانه وتعالى لهم العذاب، ولم يأخذهم بما هم أهل له من نقمة وبلاء، كما أخذ الأمم السابقة من قبلهم، بل أمهلهم،
638
وأفسح لهم المجال لإصلاح ما أفسدوا من أمرهم، والرجوع إلى ربهم من قريب..
وهذا- ولا شك- من خصوصيات هذه الأمة، التي اختصها الله بها، تكريما لرسوله الكريم، حيث يقول سبحانه: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»
(٣٣: الأنفال)..
وأكثر أنبياء الله ورسله، قد شهدوا بأعينهم مصارع أقوامهم.. ولكن هذه الأمة قد عافاها الله من هذا الابتلاء، وأكرم نبيّها فلم يفجعه فى أهله وقومه..
وكان من تمام هذه النعمة على النبي الكريم وعلى أمته، أنه ﷺ لم يدع هذه الدنيا، ويلحق بالرفيق الأعلى، حتى رأى بعينيه قومه جميعا يدخلون فى دين الله أفواجا، ورأى العرب جميعا أمّة مؤمنة بالله، وحتى تلقى من ربّه- سبحانه وتعالى- هذا الثناء العظيم على أمته بقوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.. تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.. وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (١١٠: آل عمران) وفى قوله تعالى: «بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا» - إشارة إلى أن مغفرة الله ورحمته، لا يدفعان بأسه عن القوم المجرمين.. فهناك حساب، وهناك جزاء، توفى فيه كل نفس ما كسبت.. وليس لأحد سبيل إلى الفرار من هذا الحساب، وذاك الجزاء!.
قوله تعالى:
«وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً».
الإشارة هنا، إلى تلك القرى التي أهلكها الله من قبل، كقرى عاد، وثمود، ولوط.. فهذه القرى وغيرها ممن كفروا بآيات الله وعصوا رسله، قد أهلكهم الله، وعجّل لهم العذاب فى الدنيا، ولم يمهلهم كما أمهل أهل هذه القرية «مكة» والقرى التي حولها، رحمة منه سبحانه وإكراما لنبيه
639
الكريم.. وفى هذا تهديد لمشركى مكة، وإلفات لهم إلى أنهم واقعون تحت حكم القوم الهالكين، فتلك هى سنة الله التي قد خلت فى عباده، لمن كفروا بالله، وعصوا رسله.. وقد كفر أهل مكة بالله، وعصوا رسله.. وإن فيما أخذ الله به القرى الظالمة من قبلهم لعبرة لهم.. وعلى هذا فإنه وإن أمهل الله أهل هذه القرية، فلم يعجل لها الهلاك، فإنهم هالكون لا محالة: «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ».
فالضمير فى «لِمَهْلِكِهِمْ» يعود إلى أهل مكة، وهو أولى من عوده إلى أهل القرى المشار إليها فى أول الآية.. إذ كان قوله تعالى: «لَمَّا ظَلَمُوا» يحمل معه الموعد الذي أهلكوا فيه، وهو عند ظلمهم وكفرهم بالله، وعدوانهم على رسلهم.. فعود الضمير إلى أهل مكة الذين أشار إليهم قوله تعالى:
«وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا».. أولى من عوده على أهل القرى، إذ يحقق معنى جديدا، فيه تهديد لمشركى مكة، وقطع لآمالهم فى هذه الحياة، وتصحيح لظنونهم الكاذبة، وأمانيهم الباطلة، وأنهم ليسوا خالدين فى هذه الدنيا..
الآيات: (٦٠- ٦٤) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٠ الى ٦٤]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤)
640
التفسير:
فى هذه الآيات، وما بعدها، قصة عجيبة، وحدث عجب، بين موسى، والعبد الصالح.. حيث تجرى الأحداث فى متّجه على غير مألوف الحياة، وما اعتاد الناس أن يجروا أمورهم عليها..
وقبل أن نلتقى بآيات الله، وما تحدث به عن تلك القصة، نودّ أن نشير إلى أمور:
أولها: أن هذه القصة لم تذكرها التوراة.. ومن ثمّ فقد أنكرها اليهود وأنكروا أن يكون «موسى» المذكور فيها هو موسى بن عمران رسول الله..!! وهذا ما جعل كثيرا من المفسّرين يقيمون لهذا الإنكار من اليهود وزنا، ويجعلون من مقولاتهم عن «موسى» هذا، أنه رجل آخر غير موسى ابن عمران، ثم يحاولون أن يجعلوا له نسبا لا يتفقون عليه.. فهو عند بعضهم موسى بن مشيا بن يوسف بن يعقوب، وعند آخرين، هو موسى بن أفرائيم بن يوسف.. إلى كثير من تلك المقولات التي لا حدود لها..
وهذا كله مردود على أهله، سواء اليهود، أو من جعل لمقولاتهم حسابا فى هذا المقام..
فليس فى القرآن الكريم أىّ ذكر فى غير هذا الموضع لموسى، غير موسى رسول الله، فإذا ذكر «موسى» فى أي موضع من القرآن، فهو «موسى» رسول الله، ما دام ذكره مجردا من كل وصف خاص، يفرّق بينه وبين موسى رسول الله.
641
وليس إنكار اليهود حجة على القرآن، وليس عدم ذكر هذه القصة فى التوراة حجة على القرآن كذلك.. وذلك:
١- أن القرآن مصدّق للكتب السابقة- ومنها التوراة- ومهيمن عليها.. فهى جميعها تبع له، وليس هو تابعا لها..
٢- أن التوراة قد دخلها كثير من التحريف، والتبديل، والحذف، والإضافة.. وقد ذهب بهذا مالها من حجة على أنها هى كتاب الله، الذي يلتزم المؤمنون بكل ما جاء فيه..
٣- ليس كل ما جاء فى القرآن عن موسى وقومه قد ذكرته التوراة، وما ذكرته التوراة لا يتفق أكثره مع ما جاء فى القرآن.. ومن ثمّ فلا وجه لاختصاص هذه الحادثة بالإنكار.. من جهة اليهود.. فقد أنكروا كثيرا مما جاء فى القرآن من أحداث، بل لقد أنكروا ما هو موجود فعلا فى التوراة مما تحدّث به القرآن من رجم الزاني، وقد أشرنا إلى هذا عند تفسير قوله تعالى:
«وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ» (٤٣: المائدة). وأكثر من هذا، فإنهم أنكروا ما فى التوراة من وصف لرسول الله، كما يقول تعالى:
«الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ» (١٥٧: الأعراف) ٤- هذه الحادثة أمر خاص بموسى، ودرس من دروس العلم العالي، الواقع على مستوى فوق مستوى الحياة الإنسانية.. وهو حدث يمكن أن يقع لموسى، أو لغيره من الناس، نبيا كان أو وليّا من أولياء الله، أو عبدا من عباده الصالحين.. ومع هذا، فإن ذكر «موسى» مجردا من كل صفة، لا يعنى إلا موسى الذي له ذكر فى القرآن..
وثانيها: هذه المقدّمة التي تمهد بها الآيات القرآنية لهذا اللقاء، الذي وقع بين موسى والعبد الصالح، يثير بعض التساؤلات، كأن يقال:
ما داعية هذا الحوار الذي بين موسى وفتاه؟ وما شأن هذا الحوت؟
642
وما متعلّق القصة به؟ وما هذه الصخرة التي جاوزها موسى وفتاه ثم عادا إليها؟.
وأخيرا: ماذا لو خلت القصة من كل هذا، ووقع اللقاء بين موسى والعبد الصالح من غير هذه المقدّمات؟ أفي ذلك ما يذهب بشىء من مواقع العبرة والعظة التي جاءت القصة من أجلهما؟
والجواب على هذا:
أولا: أن القصة- كما قلنا، وكما سنرى- تجرى أحداثها فى اتجاه على غير الاتجاه المألوف للناس، حسب تقديرهم وتفكيرهم.. وإذ كان موسى سيدخل فى هذه التجربة، وسيجرى مع هذا الأحداث على صورة يرى فيها أنه يسير فى وضع مقلوب، حيث أنه يمشى القهقرى، على حين أنه يريد أن يتجه إلى الأمام لغاية يقصدها- إذ كان ذلك كذلك، فقد كان من الطبيعي أن يعانى شيئا من هذه التجربة بنفسه، ومع إنسان يفكر على مستوى تفكيره، ويجرى فى الحياة على ما اعتاد الناس منها، وهو فتاه الذي كان رفيق رحلته..
فموسى مع فتاه.. يسيران سيرا مجهدا إلى غاية يقصدانها، وهى الصخرة، التي سيلتقى عندها موسى مع العبد الصالح.. ومع هذا يمرّان بتلك الصخرة، ويأويان إليها، ثم يجاوزانها، حتى يجهدهما السفر.. ثم ينكشف لهما فيما بعد، أن هذه الصخرة، هى الصخرة المطلوبة، فيعودان إليها مرة أخرى.. ولو كان لموسى شىء من هذا العلم الذي سيكشفه له العبد الصالح لما دار هذه الدورة الطويلة ولما بذل كل هذا الجهد الضائع! إن موسى هنا يبحث عن حقيقة مادّية وهى «الصخرة» ومع أن الصخرة كانت تحت قدميه، فإنه لم يرها، ولم يتعرف عليها.. ولو رفع عنه حجاب الغيب للزم مكانه، ولما سعى هذا السّعى المجهد.
وفى هذا درس بليغ للإيمان بالقدر المتحكّم فى مصائر الناس.. وأنه
643
لو انكشف للناس ما قدّر لهم لما سعوا، ولما تحركوا، ولجمدت الحياة بالناس حيث هم.. لا يعملون، ولا يتحركون! وخذ مثلا «الغلام» الذي قتله العبد الصالح.. أترى لو انكشف لأبويه منه ما انكشف للعبد الصالح.. أكانا يبغيان الولد؟ بل أكانا يتزوجان؟..
وقل مثل هذا فى كل شأن من شئون الحياة، خيرها وشرها.. أكان أحد يتحرك إلى غاية أبدا؟ وكيف والغايات- بحكم القدر- تطلب الناس، ولا يطلبونها؟ أما ونحن محجوبون عن أقدارنا، فإننا- بحكم الرغبة فينا- نسعى إلى أقدارنا، ونسلك إليها مسالك مستقيمة أو معوجة.. حتى نبلغها..
وتلك هى سنة الحياة فينا، والقوة الدافعة لنا إلى السعى والكفاح..
يتحرك الناس ويتحركون.. ثم ينتهى بهم المطاف إلى ما يحمدون أو مالا يحمدون.. ولو انكشفت لهم عواقب الأمور لوقفوا حيث هم، ولما ركبوا المخاطر والأهوال.. ولكنهم- مع هذا- مدفوعون إلى أقدارهم، يركبون إليها كل هول وخطر.. يقول ابن الرومي:
أقدّم رجلا رغبة فى رغيبة وأمسك أخرى رهبة للمعاطب
أخاف على نفسى وأرجو مفازها وأستار غيب الله دون العواقب
ألا من يرينى غايتى قبل مذهبى! ومن أين؟ والغايات بعد المذاهب؟
وثانيا. أن موسى يريد أن يحصّل علما.. والعلم هو أعظم وأكرم ما يطلبه الإنسان فى الحياة.. وشأن العلم وتحصيله، شأن كل ثمرة طيبة، يريد الإنسان الحصول عليها.. لا بد من مجهود يبذل، وإنه على قدر الجهد المبذول، تكون الثمرة التي تقع ليد الطالب.
644
ومن هنا كان على موسى إذن أن يبذل من جهده هذا الذي بذله، حتّى يصل إلى النبع الذي يريد أن يروى منه ظمأه، ويشفى عنده غليله، وينال طلبته..!
أما الحوت، فهو حدث عارض من أحداث هذا الموقف، ولون من ألوانه، حتى تكتمل الصورة، شأنه فى هذا شأن الفتى الذي صحب موسى، وشأن الصخرة، وشأن البحر.. ولو لم يكن الحوت لكان هناك شىء آخر يقوم مقامه.
ونعود إلى الآيات، وسينكشف لنا عند النظر فيها، ما يزداد به هذا القول.
بيانا ووضوحا.
قوله تعالى.
«وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً»..
مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الآيات السابقة قد نعت على المشركين عنادهم وضلالهم، وتأبيهم عن الهدى، وقد جاءهم عفوا صفوا من غير أن يسعوا إليه، ويبذلوا الجهد فى طلبه، وقد كان جديرا بهم، أن يطلبوا الهدى لأنفسهم، وأن يبذلوا فى ذلك الجهد والمال.. ولكنهم لم يفعلوا.. سفها، وغفلة! فإذا جاءهم الهدى، وطلبهم قبل أن يطلبوه، ثم زهدوا فيه، وردوه ردا منكرا، كان ذلك سفها فوق سفه، وغفلة فوق غفلة..
وهذا بنى كريم من أنبياء الله، هو موسى عليه السلام، قد كلمه ربه، وأنزل عليه آياته وكلماته، ومع هذا، فهو لا يزال يطلب العلم، ويجدّ فى تحصيله ويبتغى المعرفة، ويسعى للاستزادة منها..
645
وفى هذا ما يكشف عن مدى ما ركب سفهاء قريش وحمقاها، من جهل فاضح، وكبر صبيانى غشوم! إذ كانوا يرون أنهم لا يحتاجون إلى علم، حتى ولو كان هذا العلم يطرق أبوابهم، ويدخل عليهم بيوتهم!.
- وقول موسى لفتاه: «لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ».. يريد به أنه على نية صادقة، وعزم وثيق، من أمره هذا الذي هو متجه إليه، وأنه لا ينقطع عن السير إليه حتى يبلغه.. فمعنى لا أبرح أي لا أزال، وهو فعل من أفعال الاستمرار، وخبره محذوف، تقديره لا أبرح سائرا.. ومجمع البحرين ملتقاهما..
وقد اختلف فى البحرين.. ما هما؟ وأين ملتقاهما، أو مجمعهما؟
والذي أميل إليه، أنهما خليج السويس، وخليج العقبة، وأن ملتقاهما هو رأس شبه جزيرة سيناء عند طرفها الجنوبي، حيث يتفرع عندها البحر الأحمر إلى فرعين يذهبان شمالا ويحصران بينهما شبه جزيرة سيناء.. فحيث كان افتراقهما يكون اجتماعهما.. أي هو مجمعهما، وهو مجمع البحرين..
ويقوّى هذا الرأى عندنا، أنّ تحرّك موسى بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر لم يجاوز شبه جزيرة سيناء، حيث ضرب فيها التيه على بنى إسرائيل أربعين سنة.
ومن جهة أخرى، فإن رأس شبه الجزيرة الجنوبىّ صخرى، تكثر فيه الصخور، والآكام، وتتشابه فيه معالم تلك الصخور، الأمر الذي اختلط به على موسى وجه الصخرة التي كانت موعدا له مع هذا العبد الصالح، الذي جدّ فى طلبه..
أما ما يذهب إليه بعض المفسرين من أنه «طنجة» حيث يلتقى البحر الأبيض بالبحر المحيط، فهو بعيد إلى حد الاستحالة!
646
وأيا ما كان الأمر، فإنه ليس للبحرين، أو لمجمعهما شأن فى كبير مضمون القصة ومحتواها..
- وقوله تعالى: «أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً» هو حكاية لقول موسى لفتاه، وتتمة لما قاله له.. من أنه لا يزال هكذا سائرا حتى يبلغ مجمع البحرين وأنه إذا لم يبلغ مجمع البحرين، ولم يهتد السبيل إليه، فسيظل ماضيا فى سيره، لا يتوقف أبدا.. وفى هذا ما يشير إلى أن موسى- عليه السلام- وهو يطلب مجمع البحرين، لم يكن يعلم على سبيل القطع واليقين أين يجتمع هذان البحران، وإنما هو يتظنّى ذلك ظنا..
وهذا ما يكشف عنه قوله «لا أَبْرَحُ» التي تفيد أنه لا يكفّ عن الطلب والبحث.. وأما قوله: «أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً» فهو يكشف عن حرصه الشديد على تحقيق هذه الرغبة، حتى أنه إذا لم يبلغها فى المدى الذي قدره، فإنه لن يكف عن السعى، بل يظل هكذا طول حياته، راصدا لهذه الغاية، ساعيا إليها.. شأن من تتسلط عليه رغبة، ويستولى عليه أمل، فيعيش حياته كلها ساعيا لهذه الرغبة، جاريا وراء هذا الأمل، إلى أن يتحقق أو يموت دونه.
والحقب: الأزمان المتقطعة، تجىء زمنا بعد زمن، والحقبة: القطعة من الزمن، وجمعها القياسي: حقب لا حقب.. ولكن النظم القرآنى أصل يقاس عليه، ولا يقاس هو على ما ضبط من مقاييس اللغة.
وقوله تعالى:
«فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً».
هذه حادثة وقعت فى طريقهما إلى مجمع البحرين.. لقد بلغاه فعلا، ولكنهما لم يكونا يدريان أن هنا هو مجمع البحرين..!
ويظهر أن موسى وفتاه لم يكونا قد سارا سيرا طويلا، حسبما كان ذلك
647
فى تقديرهما، شأن من يطلب أمرا عظيما، ويسعى وراء أمل ضخم، فيرصد له من كيانه عزما وثيقا، ويهيىء نفسه- سلفا- لملاقاة الشدائد والأهوال فى سبيله.. فإذا عرض له المطلوب من قريب، أو لاحت له بعض أماراته، لم يلتفت إليه، ولم يقع فى ظنه أنه هو الذي يجدّ فى طلبه!! إنه أبعد من هذا، وإن الثمن المطلوب له لأغلى مما بذل له!! وهنا يستكثر المفسرون من الأقوال فى «الحوت» الذي كان معهما، والذي نسياه عند مجمع البحرين! والذي نؤثر أن نقول به، هو أن هذا الحوت ليس إلا سمكة من أسماك البحر، وحوتا من حيتانه، وأنهما قد اصطاداه، أو صيد لهما، وحملاه حيا معهما، ليمكث أطول مدة، دون أن يتعفن، حتى يعدّاه طعاما لهما.. والحوت أكثر أنواع السمك احتمالا للحياة خارج الماء.. ولعلّ هذا هو السرّ فى اختيارهما لهذا النوع من السمك، ليكون زادا لهما يتزودان به فى رحلتهما.
ولقد غفل الفتى عن أمر هذا الحوت، فانسرب منه إلى البحر.. إذ كانا يمشيان على الشاطئ ويتخذانه دليلا لهما إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين..
فهما يسيران على شاطىء أحد البحرين إلى أن يلتقى بشاطئ البحر الآخر..
حيث يكون مجمعهما، وحيث توجد الصخرة!.
«فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ! وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً».
أي فلما جاوزا مكانهما الذي كانا فيه عند مجمع البحرين، وسارا حتى أجهدهما السير، وهما يطلبان هذا المجمع، قال موسى لفتاه: «آتِنا غَداءَنا لَقَدْ
648
لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً»
أي تعبا شديدا، نحتاج معه إلى شىء من الراحة، وشىء من الطعام، حتى نقوى على مواصلة السير.. وقد أسرع الفتى ليعدّ الطعام، ويهيىء الحطب والنار، ليشوى عليها الحوت الذي معهما.
وبحث الفتى عن الحوت فلم يجده.. وهنا تذكر أنه نسى الحوت عند ما أويا إلى الصخرة، واستراحا قليلا عندها.. فقال لموسى فى أسف، وعجب من أمره: «أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ؟. فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ!! وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ» وأحمله معى فيما أحمل من زاد ومتاع.. ثم إنه لم يمهل موسى، وينتظر رأيه فى هذا الأمر، بل اندفع إلى البحر، ليصطاد شيئا يجعلانه غذاء لهما.. «وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً» أي أنه اتجه إلى البحر فى قوة وعزم حتى يكفّر عن فعلته تلك، التي عدّها إهمالا منه، ولا يجبره إلا أن يسدّ هذا النقص، ويأتى بحوت كهذا الحوت الذي ضاع، أو بشىء يغنى غناءه..!
ولهذا كان منه هذا الأسلوب العجب فى الاندفاع نحو البحر.!
وقوله تعالى: «قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً».
القصص: تتبع الأثر..
وهنا يتذكر موسى أمارة من تلك الأمارات التي يتعرف بها إلى المكان الذي يلتقى عنده بالعبد الصالح.. فالعبد الصالح هناك عند صخرة، عند ملتقى البحرين.. ولكن عند ملتقى البحرين صخور لا حصر لها، تمتد إلى مسافات بعيدة، قد تبلغ مسيرة أيام.. فأى الصخور هى؟ إنها صخرة يفقد موسى عندها شيئا من متاعه، على غير قصد منه، وإلّا ما عدّ هذا فقدا.. هكذا كانت الأمارة الدالة على التقائه بالعبد الصالح.. وقد تكون هذه الأمارة وحيا تلقاه من ربّه، أو رؤيا رآها فى منامه..
وأما وقد فقد الحوت عند تلك الصخرة التي أويا إليها.. فتلك إذن هى
649
الصخرة المقصودة.. ولهذا، لم يلتفت موسى إلى فتاه، ولا إلى ما كان من نسيان الحوت، بل اتجه إلى المكان الذي عنده الصخرة، قائلا: «ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ» أي ذلك هو المقصد الذي كنا نقصده، والموضع الذي نبحث عنه..
«فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً» أي فعادا إلى الوراء، يتبعان آثارهما التي تنتهى بهما إلى حيث أويا إلى الصخرة، التي نسى الحوت عندها..
ذلك- فى تقديرنا- هو أقرب مفهوم إلى تلك الآيات، وما ضمّت عليه من أسماء، ومسمّيات.. أما ما ذهب إليه المفسّرون من مقولات، لا يحتملها النظم القرآنى على أية صورة من صور الاحتمال، فذلك ما رأينا أن نصرف النظر عنه، فهو أقرب إلى الأساطير والخرافات منه إلى أي شىء آخر!!
الآيات: (٦٥- ٧٨) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٥ الى ٧٨]
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩)
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤)
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨)
650
التفسير:
فى هذه الآيات تبدأ أحداث هذا الحدث العظيم الذي كان موسى على موعد معه، والذي من أجله قطع هذه الرحلة المثيرة، واحتمل ما احتمل من جهد وعناء.
وهنا يلتقى الرجلان: موسى والعبد الصالح، ويقول المفسّرون، والمحدّثون عن هذا العبد الصالح إنه «الخضر» الذي يصفونه بصفات عجيبة، هى من بعض واردات ما تشير إليه الآيات، والتي يبدو فيها أستاذا كبيرا يعلّم نبيّا من أنبياء الله..
والقرآن الكريم، لم يتحدث عن هذا العبد الصالح أكثر من وصفه بأنه عبد من عباد الله، آتاه رحمة منه، وعلمه من لدنه علما.. ولا شك أن هذا الوصف يضفى على صاحبه من الألطاف الربانية ما يرفع مقامه إلى أعلى عليّين، حيث يشهد من عالم الغيب ما لم يظهر الله سبحانه عليه أحدا إلا من ارتضى من عباده..
أما ما ذهب إليه أكثر المفسّرين من مقولات فى «الخضر» وفى أن يملأ هذه الدنيا حياة وأنه يطوف بآفاق الأرض، ويردّ السلام على كل من يسلّم عليه،
651
وأنه يظهر لبعض الناس ويتحدث إليهم.. فذلك كلّه من وراء ما تحدث به آيات القرآن الكريم.
وهذا اللقاء الذي وقع بين موسى والعبد الصالح لم يدم طويلا، ولم تجر فيه بينهما إلا أحداث ثلاثة، أوقعت بينهما خلافا حادّا، ثم انتهت بفراق..
ويبدأ اللقاء بين العبدين الصالحين، بأن يعرض موسى على صاحبه أن يقبله تابعا له، يتعلم من علمه، ويغترف من بحره.. وذلك فى تواضع كريم وأدب نبوىّ عظيم.. فيقول:
«هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً؟».
وفى هذا العرض أمور:
١- استئذان مصحوب برجاء، وتلطّف..
٢- أن يكون موسى تابعا يقفو أثر متبوعه، ويمشى فى ظله.
٣- أن تكون غاية هذه الصحبة، وتلك المتابعة، تحصيل العلم والمعرفة، فيفيد موسى علما، وينال العبد الصالح أجرا.
٤- هذا العلم الذي عند العبد الصالح ليس من ذات نفسه، بل هو علم علّمه، وإذن فهو مطالب بأن يعلّم كما علّم..
٥- هذا العلم المطلوب تعلّمه، هو مما يكمل به الإنسان ويرشد.. فهو علم يهدى إلى الحق، وإلى الرشاد، لا إلى الضلال والفساد.
ويستمع العبد الصالح إلى هذا العرض من موسى، فيرى أن العلم الذي عنده، والذي يطلب موسى تناول شىء منه، هو علم لا يستسيغه عقله، ولا يقبله منطقه، فيقول له فى وداعة ولطف:
«إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» ؟
652
أي إن العلم الذي معى، هو علم فوق إدراك العقول وتصوراتها،. وإذن فلن يكون مبعث اطمئنان لك، إذ يرفضه عقلك، ويتأبّى عليه منطقك.. والعلم الذي يفيد صاحبه، هو العلم الذي يحيط به عقله، وتتسع له مداركه، فينزل عنده منزل القبول والاطمئنان.. فإذا لم يكن كذلك أضرّ ولم ينفع، وأثار فى النفس قلقا، واضطرابا، وعقد فى سماء الفكر، سحبا من الشكوك والريب.
وإذ يتلقّى موسى هذا الرد، يجد أن الفرصة تكاد تفلت منه، ويرى سعيه الذي سعاه قد جاء بغير طائل.. ولكنه لا بد أن يمضى فى التجربة إلى غايتها، خاصة وقد أثار هذا القول غريزة حبّ الاستطلاع عنده، وأغراه بأن يخوض عباب هذا البحر، ولو خاطر بنفسه.. فقال فى أدب نبوىّ رفيع:
«سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً».. هكذا ينبغى أن يكون أدب الطلب والتحصيل..
وإزاء هذه الرغبة الملحّة من هذا التلميذ الحريص على طلب العلم والمعرفة، يرضى الأستاذ أن يكشف لتلميذه عن بعض ما عنده، ولكنه يشترط لنفسه، كما اشترط التلميذ من قبل لنفسه، أن تكون صحبته غاية لطلب العلم..
فيقول:
«فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً».. أي إن اتبعتنى فعليك أن تلزم الصمت، ولا تنطق بكلمة، ولا تنبس ببنت شفة، حتى أكون أنا الذي يدعوك إلى الكلام فيما أريدك عليه..
وهنا تبدأ الرحلة، فى رحاب هذا العلم الربّاني..
«فَانْطَلَقا.. حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها».. وهكذا تبدأ الجولة الأولى بهذا الحدث، الذي يدور له رأس موسى، ويأخذ عليه العجب كلّ
653
سلطان على نفسه.. فيصرخ فى وجه أستاذه قائلا:
«أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها. ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً» !! فما هكذا يعمل العقلاء، وما هكذا تجرى أعمال أهل الصلاح والتقوى.. إنه عدوان صارخ على الأبرياء.. لا مبرّر له، ولا عذر لمرتكبه! والإمر: المنكر من الأمر..
ويتلقى العبد الصالح هذه الثورة المتوقعة من موسى، فى رفق ولطف..
فلا يزيد على أن يقول له:
«أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؟».
وهنا يتنبّه موسى إلى الشرط الذي كان قد اشترطه عليه صاحبه، وصحبه هو عليه.. فيقول معتذرا فى أدب كريم:
«لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً».. أي هذه هفوة فتجاوز لى عنها.. وخذنى برفق، ولا تشتدّ علىّ، وأنت تعلم من أول الأمر ثقل هذا الذي تلقيه علىّ من علمك..
«فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ» ! وهذه فعلة أشد من سابقتها وقعا، وأفدح خطبا، وأنكر نكرا..
إذ كانت الأولى فى متاع من متاع الدنيا.. أما هذه، فقد وقعت على نفس إنسانية بريئة براءة الطفولة.. لم تقترف إثما، ولم تأت منكرا.. ومن أجل هذا ينسى موسى وجوده كلّه، ولا يذكر الشرط الذي بينه وبين صاحبه، ولا يلتفت إلى زلّته التي زلّها منذ قليل مع أستاذه، واعتذاره له.. فيصرخ صرخة عالية مدوّية:
654
«أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً».. هكذا يلقى فى وجه أستاذه بهذا الاتهام الصريح.. «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً!» وكان فى المرة الأولى قد لقيه بالاتهام فى مواربة وعلى استحياء: «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً».. فالموقف هنا إزاء جريمة صارخة لا يمكن أن يقوم لها- حسب تقديره- عذر أبدا.. وإن كان يمكن أن يقام لخرق السفينة- ولو على سبيل المراء والجدل- عذر..
وهنا، يأخذ الأستاذ تلميذه بشىء من الشدّة، والتأنيب.. فيقول:
«أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» ؟ ففى كلمة «لك» نخسة قوية، ويد تمتد إلى موسى من صاحبه فتعرك أذنه! ولا يجد موسى أمام هذا البعد البعيد الذي بين منطلقه ومنطلق صاحبه، إلا أن يحسم الموقف، ويقطع الشوط الذي إن طال بينهما إلى أبعد من هذا المدى، لم تحمد عاقبته، وربما تصارعا، وتقاتلا إذ لم يعد اللسان أداة قادرة على سدّ هذه الثغرات الهائلة بينهما.. فيقول:
«إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي.. قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً».
لقد وجد موسى لصاحبه العذر فى ضيقه به، ولومه له.. إنه قد صحبه على شرط، وها هو ذا يخرق الشرط مرة، ومرة.. وهو بسبيل أن يخرقه مرات إذا طال الطريق بهما..
«فَانْطَلَقا.. حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ..»
وهذا عمل لا يقبله عقل، ولا يستسيغه منطق.. قرية، ينزلان بها، ويطلبان
655
إلى أهلها أن ينزلاهما فيها منزل الضيفان، فلا يجدان منهم إلا الصدّ، والدّفع..
قرية ماتت فيها كل مشاعر الإنسانية، وذهبت منها كل معانى المروءة.. ومع هذا يجدان فيها خربة، لا يأوى إليها إلا الهوامّ، فيغشيانها، ليجدا فيها من السّكن ما لم يجداه عند أهلها.. ثم يريان فيها جدارا «يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» قد تصدّع بنيانه، وارتعشت أوصاله، وكاد يهوى إلى الأرض.. وهنا يدعو العبد الصالح عزمه وقوته، فيقيم هذا الجدار المتداعى، وإذا هو وقد دبت الحياة فى كيانه، فثبتت قواعده، واعتدل قوامه!! ويرى موسى هذا، فيعجب ويدهش، ويفيض به الكيل، ثم لا يملك أن يحتفظ بما يزمجر فى صدره من مشاعر الغيظ والألم.. فيقول لصاحبه:
«لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» ؟
وفى هذه القولة لم يلق موسى بكل ما عنده.. ولكنّه، وقد عرف أن تلك هى الحاسمة القاطعة لما بينه وبين صاحبه، وإنه ليعزّ عليه أن ينهى هذه الصحبة، التي حرص عليها، وتوقع العلم الكثير المفيد منها- يعزّ عليه أن ينهيها على هذا الوجه، ولم يحصّل علما، ولم يفد معرفة، وإنما كل محصوله منها هو تلك المتناقضات، التي يقع كثير منها فى كل لحظة من لحظات الحياة، وفى كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية، على مختلف مستوياتها..
- نقول إن موسى لم يلق بهذه القولة المستكينة الضارعة، إلا ليجد لها عند صاحبه قبولا، فلا يحتسبها عليه، ولا يعدّها مما ينقض الشرط الذي بينهما، فيمضى به إلى غاية أخرى، لعلها تكشف له علما، أو تجىء إليه بجديد غير هذا الذي ما زال صاحبه يطلع به عليه! ولكن العبد الصالح لا يلتفت إلى المشاعر التي تلبّست بها هذه القولة،
656
بل يأخذها كما هى.. إنها اعتراض ولا شك، وإنها خروج على الشرط الذي اشترطه على صاحبه: «فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً» ! وهنا يسمعها موسى منه.. حكما قاطعا: «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» !.
فقد بلغ الأمر بينهما غايته، ولم يعد ثمة أمل فى أن يلتقيا على طريق واحد..
ولكن.. لم كان هذا العناء الذي عاناه موسى، حتى التقى بهذا الرجل الذي قيل له إنه سيجد عنده من العلم ما لم يجده عند غيره؟ فأين هو هذا العلم؟
إن يكن ما حصّله موسى من تلك التجربة، هو هذا الذي وقع فى نفسه من أحداثها.. فما أغناه عن هذا العلم، الذي بلبل خاطره، وشتت مجتمع رأيه، وألقى فيه ما ألقى من وساوس وظنون! وإنه ما يكاد موسى يستمع إلى شىء من هذه الخواطر، حتى يطلع عليه صاحبه بقوله:
«سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» ! أهكذا الأمر إذن؟
أهناك نبأ وراء هذه الأحداث، غير ما يحدّث به ظاهرها؟ وماذا عسى أن يكون هذا النبأ؟
وإنه لنبأ عظيم! سنرى فيما ينكشف منه علاجا لقضية من أعقد القضايا التي واجهها العقل الإنسانى، وهى مشكلة «القضاء والقدر».. التي نرجو أن نعرض لها- إن شاء الله- بعد أن نرى تأويل العبد الصالح لموسى «ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً».
657
الآيات: (٧٩- ٨٢) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٢]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)
التفسير:
كان لا بدّ للمعلّم أن يكشف لتلميذه عن خفايا هذه التجربة المثيرة، التي أراه منها ظاهرا لا يستقيم على أي منطق، ولا يتفق مع أي عاقل، ولا يلتقى مع تقدير أي إنسان سليم الإدراك.. إنها أمور تدور لها الرءوس، وتضطرب معها العقول.. وإن موسى لفى حيرة بالغة من أمر صاحبه هذا، الذي جاءه ليطلب العلم عنده، بتوجيه من ربّه.. وحيا، أو إلهاما! وقد فعل المعلم ما تقضى به الحكمة، ويعتدل به ميزان التربية السليمة- فلم يدع تلميذه نهبا للوساوس والشكوك، بل إنه ما كاد يؤذنه بالفراق، وبإنهاء هذه التجربة التي أدخله فيها، حتى أخذ يشرح له حقيقة الموقف، ويكشف له عن الوجه الخفيّ من كل حدث من تلك الأحداث الثلاثة.. فكانت قولته له:
«هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» مشفوعة بقوله: «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً».
658
وهنا فى هذه الآيات، تأويل كلّ حدث منها..
وفى كلمة «تأويل» إشارة إلى أن هذه الأحداث- كما بدت فى ظاهرها- لا تعدو أن تكون أشبه بالأحلام، التي لها مفهوم يغاير منطوقها فى صورته، وأن هذا المفهوم لا يعلمه إلا الله والراسخون فى العلم، وذلك كتأويل «يوسف» لرؤيا الملك، التي عجز العلماء عن تأويلها، وقالوا: «أَضْغاثُ أَحْلامٍ، وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ».. (٤٤: يوسف) فالأحداث التي أجراها العبد الصالح بين يدى موسى أشبه بهذه الرّؤى، وإن كانت أبعد فى المفارقة، بين منطوقها ومفهومها.
وتأويل الحدث الأول، هو كما يقول العبد الصالح:
«أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً.»
هكذا الأمر إذن؟
إنه كما يبدو الآن عمل من أعمال البرّ والرحمة لأصحاب السفينة.. وقد كان يرى من قبل عدوانا عليهم، وظلما صارخا لهم..
إن هذا الخرق الذي أحدثه العبد الصالح فى السفينة، قد جعلها سفينة معطوبة، معيبة، لا تصلح للغرض الذي من أجله كان الملك يستولى على السفن، وينتزعها من يد أصحابها، قهرا وقسرا.. وبهذا تخطّت عين الملك هذه السفينة، حين رآها على تلك الحال، وبهذا أيضا سلمت السفينة من هذا العدوان، وبقيت فى أيدى أصحابها المساكين، الذين يعملون عليها، ويرزقون منها.
أما هذا العطب الذي لحق بالسفينة- أيّا كان- فإنه ممكن إصلاحه..
- وفى قوله: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ» لا تعنى كلمة «وَراءَهُمْ» أن الملك نفسه
659
كان على أثرهم، وإنما تعنى أن سلطان الملك قائم عليهم، كما فى قوله تعالى:
«مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» (١٦: إبراهيم) أي أنها مسلطة على هذا الظالم، محيطة به، لا يفلت منها..
هذه واحدة! وقد تلقّاها موسى بأذن واعية، وقلب متفتّح.. فأشرق وجهه، ولمعت عيناه ببريق السّكينة والرضا.. ثم ها هو ذا يصبح كلّه كيانا مستمعا لما يقول صاحبه، فى أمر هذا الغلام الذي سفك دمه، من غير ذنب ظاهر! ويجيئه الجواب فى غير مهل:
«وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً».
ويقع فى نفس موسى شىء من هذا التأويل.!
إنه تأويل مستند إلى احتمالات المستقبل، وقائم على توقعات يمكن أن تقع أو لا تقع!! وكيف لموسى أن يتحقق من إرهاق هذا الغلام لوالديه- بعد أن يكبر- بما يكون منه من طغيان وفجور، وإفساد فى الأرض، وكفر بالله؟
وكيف يحكم على هذا الغلام البريء بما سيكون منه بعد سنين؟ إن ذلك مجرد فرض يفترض! وأكثر من هذا، فإن كلمة «فخشينا» تشعر بأن العبد الصالح نفسه لا يرى الأمر أكثر من مجرد احتمال غير متيقّن.. إنه مجرد خشية.. والخشية قد تقع، وقد لا تقع! ولكن يقوم بين يدى موسى شاهد يدفع هذه الوساوس، ويذهب بتلك الشكوك..
660
فأولا: لقد رأى السفينة التي أعطيها صاحبه، قد سلمت من يد الملك، على حين أخذ كل السّفن التي كانت صالحة للعمل، مثلها، قبل أن يصيبها العطب! فهو إذ يجىء إلى أمر الغلام وما يقال فيه، إنما يجىء إليه ومعه هذا الشعور الذي ملأ قلبه طمأنينة وتسليما لصاحبه، الذي يرى ما لا يراه.
وثانيا: كان موسى يعلم مقدّما أنّه بين يدى عبد من عباد الله الصالحين، قد آتاه الله من العلم ما استحقّ به أن يكون أستاذا لنبىّ من أنبياء الله..
اصطفاه الله لرسالته، وكلّمه تكليما مباشرا، بلا واسطة.. فإنّ من كان هذا شأنه، لا يتّهم فى أخباره، وأفعاله، وإن احتاج المرء إلى تأويلها، وتوضيحها، حتى يطمئن قلبه، وتسكن وساوسه.
وثالثا: يعرف موسى عن يقين أن وراء تحركات الأحداث قوة قادرة قاهرة، هى التي تضبط حركاتها، وتجرى بها إلى قدر معلوم، سواء أكان ذلك مما يتفق مع تقدير الناس لمجريات أمورهم، ومنطلقات سعيهم، أولا يتفق..
وعلى هذا، فإنه ليس بالبعيد المستغرب- عند موسى- أن يكون هذا الذي كرهه من صاحبه وعدّه شرا، هو أمر محبوب فى عاقبته، خير فى مآله الذي يؤول إليه..
- فإذا كان قد وقع فى نفس موسى شىء من هذا التأويل لمقتل الغلام، فإن فى نفس موسى أيضا كثيرا من قوى الإيمان التي تدفع هذه الشكوك التي ساورته..
وأما قول صاحبه: «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً».. فإنه محمول على أمرين:
أولهما: أن هذا الغلام الذي هو شرّ كلّه، وبلاء على الإنسانية، بما يحمل فى كيانه من طغيان، وفساد، وكفر- هذا الغلام- وذلك شأنه- إن
661
تأذّى به المجتمع الذي يعيش فيه، فإن ما ينضح منه من الأذى النفسىّ على أبويه المؤمنين، هو أضعاف مضاعفة لما يجده غيرهما من شروره وآثامه، إذ كان هو غرسهما الذي غرساه، وكان الشرّ الواقع على المجتمع منه، هما- لسبب أو لآخر- شركاء فيه..
فالخشية التي يصورها العبد الصالح هنا، هى خشيته على هذين الأبوين الصالحين المؤمنين، وما يدخل على قلبيهما من حسرة وكمد على مصابهما فى ابنهما هذا، ثم فى مصاب الناس به.. وإذا كان ذلك لم يقع بعد، فهو مما يخشى أن يقع لو ترك الغلام يأخذ مسيرته فى الحياة.. والخشية لا تكون إلا مما لم يقع، لا مما وقع..
وثانيهما: أن هذا الغلام، هو بلاء على نفسه، وأنه نبتة سوء، لو تركت حتى تبلغ مداها، لأوردت صاحبها موارد الهالكين.. فكان موته فى هذه المرحلة من عمره رحمة به، إذ عاجله الموت قبل أن يبلغ مبلغ التكليف، وقبل أن يأتى ما كان يمكن أن يأتى به من آثام.. فالخشية هنا، خشية منه، كما أنها خشية عليه..
أما عزاء هذين الأبوين الصالحين المؤمنين عن فقد هذا الغلام، فهو ما كشف عنه العبد الصالح فى قوله:
«فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً»..
والزكاة: الطهر، والنقاء، والصلاح والتقوى..
والرّحم: الرحمة التي تكون بين المتراحمين، من أبناء وآباء، وإخوة وأصدقاء..
فهذا الولد الذي سيرزقه هذان الأبوان خلفا لابنهما القتيل، سيكون لهما
662
فيه قرة عين، وأنس نفس، ومسرة قلب.. مما يريان فيه من صلاح وتقوى، وما يجدان منه من برّ بهما، وإحسان إليهما..
ثم إن بين يدى موسى- مع هذا كله- مثلا ماثلا له، فيما كان بين نوح وابنه.. فقد جعله الله سبحانه وتعالى فى المغرقين، ولم يقدّر له أن يكون فى الناجين المؤمنين.. لقد أغرقه الله أمام عينى أبيه.. وكان العزاء الذي عزّى الله سبحانه وتعالى به نوحا، قوله سبحانه له،: «يا نُوحُ.. إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ.. إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ» !! (٤٦: هود) فماذا يبدو من فرق بين هذا الغلام الذي قتله العبد الصالح، وبين ابن نوح الذي أغرقه الله؟.. إنه القدر الذي أجرى حكمه على هذين الابنين، ولم ينكشف أمر القدر لنوح إلا بعد أن أنبأه الله فى قوله تعالى: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ».. تماما كما لم ينكشف أمر القدر لموسى إلا بعد أن أنبأه العبد الصالح بقوله: «وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً»..
بقيت مسألة الجدار!.
ويبدو وجه اللقاء بين ظاهرها، وباطنها بعيدا، أبعد من الحدثين السابقين..
ذلك أنه إذا أمكن أن يلتمس لأمر السفينة وجه يحمل عليه ما أحدث العبد الصالح فيها من خرق، وإذا أمكن أن يقال فى قتل الغلام قول- فإنه لا يمكن أن يلتمس لأمر هذا الجدار وجه، ولا أن يقال فيه قول- إذا أخذت الأمور بظاهرها- إلا أن يكون ذلك على سبيل المغالطة والسفسطة..
فإذا قيل إن خرق السفينة كان لشىء من المعابثة أو اللهو، أو لامتحان
663
صبر أصحابها، واستخراج ما عندهم من حكمة وعقل، فى مواجهة هذا التصرف الشاذ.. وإذا قيل إن قتل الغلام كان عن خطأ غير مقصود، أو كان عن فراسة تفرسها فيه العبد الصالح، فرأى فيه- وهو غلام- الرجل الذي سيكونه.
حين يبلغ مبلغ الرجال، ويملأ الدنيا بغيا وعدوانا ومحادّة لله، وكفرا به..
فأخذه بجزاء الذين يحاربون الله، ويسعون فى الأرض فسادا..
نقول إذا أمكن أن يقال هذا أو ذاك، أو غير هذا أو ذاك، فى خرق السفينة، وفى قتل الغلام- فأى قول يمكن أن يقال فى شأن هذا الجدار المتداعى، الذي ينقضه العبد الصالح ثم يعيد بناءه؟
إن الذي كان من الممكن أن يكون من العبد الصالح إزاء أي شىء يراه فاسدا فى أهل هذه القرية، التي استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما- هو أن يدع هذا الفساد على حاله، يعيش فى أهل هذه القرية الظالمة، أو يغريه بهم، ويهيجه عليهم، فيكون العقاب الذي يؤخذون به مسلطا عليهم من قريتهم.. فإذا جاوز الأمر هذا، وأخذ العبد الصالح أهل القرية بالصفح والمغفرة، ثم جاوز هذا أيضا إلى أن يدفع شرا يأتيهم من قبل هذا الجدار المتداعى- فليكن ذلك بهدمه، حتى لا يسقط على من يجلس إليه، أو يمر به! أما أن ينقض هذا الجدار، ثم يقيمه.. فذلك مالا يحتمله أي وارد من واردات الظن، أو الوهم! خاصة، وأن الفعلتين السابقتين كانتا من العبد الصالح، قد وقعتا- فيما يبدو- عدوانا منه بغير حق، وإساءة إلى من لم يقع منه سوء.. ، وكان الظن بالفعلة التي تأتى بعدهما أن تجرى فى هذا الاتجاه، وأن يرمى أهل القرية بصواعق مهلكة أو يتركوا وما هم فيه.. أما أن تقابل إساءتهم بهذا الإحسان، فذلك تيار مضادّ للتيار الذي كانت تجرى فيه سفينة موسى وصاحبه، ومن شأن هذا أن يحدث دوامة تضطرب فيها السفينة اضطرابا مجنونا، ثم لا تلبث أن تهوى إلى القاع!!
664
ولا يترك العبد الصالح لتلميذه فسحة من الوقت، يسير فيها تفكيره فى هذه المدارات التي تزمجر فيها الأعاصير، والزوابع، بل إنه سرعان ما يكشف له وجه الحقيقة سافرا، وإذا موسى يجد هذه الكلمات تنفذ إلى أعماقه، فتنزل على قلبه بردا وسلاما، وتدفع سفينته فى ريح رخاء، إلى شاطىء الطمأنينة والسلامة.
«وَأَمَّا الْجِدارُ. فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ.. وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما.. وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما..».
وماذا يقول موسى بعد هذا القول؟
إن يكن ثمّة قول يقال.. فهو تلك الخاطرة التي تخطر له، وهو يصل مجرى الأحداث بعضها ببعض، فيقول فيما بينه وبين نفسه: إذا كان صلاح الأب قد امتد إلى ولديه، فنفعهما وحفظ لهما كنزهما الذي تركه لهما من بعده- فكيف لا ينفع إيمان الأبوين وصلاحهما، هذا الغلام الذي قتل؟ وكيف لا ينفع صلاح الأبوين فى استنقاذ ولد واحد، على حين ينفع صلاح أب وحده، فى استنقاذ ولدين؟
وما يكاد موسى يلتفت إلى هذا، وإلى غير هذا ممّا ساوره من خطرات، حتى يلقاه أستاذه بقوله:
«رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ..» !
إنها رحمة الله، ينزلها حيث يشاء، ويختصّ بها من يشاء.. حسب ما تقضى به حكمته، ويحكم به علمه فى خلقه.. كما يقول سبحانه: «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ» (٥٦: يوسف) وكما يقول جلّ وعلا: «وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ.. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (١٠٥: البقرة).
والأمر كله فى حقيقته، قائم على الرحمة..
665
فخرق السفينة، كان- كما آل إليه الأمر- رحمة بأصحابها..!
وقتل الغلام، كان- كما آل إليه الأمر- رحمة به، وبأبويه، ورحمة بالناس..!
وإقامة الجدار، كان- كما آل إليه أمره- رحمة بالغلامين اليتيمين! إن أمر الله، وقضاءه فى خلقه.. حيث كان، وعلى أية صورة وقع، هو رحمة.. من ربّ رحيم! وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» (١٥٦: الأعراف).
ورحمة الله إنما تجرى بأسباب، وتنزل حيث تنزل بقوى مسخرة، تدفع بها إلى المواطن المسوقة إليها، بقدر مقدور، وتقرير معلوم.
وهذا حكم يقرره الأستاذ لتلميذه، فيرى من هذا الحكم أن أستاذه ليس إلا سحابة تحمل غيثا، تدفع بها قدرة الله، إلى حيث يراد لها أن تنزل..
فيقول له:
«وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي..!».
إنه لا أمر له مع أمر الله.. وما هو إلا رسول يفعل ما أمر الله به، فيمن أرسله إليه.. شأنه فى هذا شأن تلميذه «موسى» الذي أمر بأن يبلّغ رسالة ربّه إلى من أرسله الله إليهم من عباده! وهنا يصافح الأستاذ تلميذه، مودّعا.. بقوله:
«ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» ! ويفترق الصاحبان- ويأخذ كل منهما طريقه فى الحياة، على ما كانا يعهدان من قبل..!
أما العبد الصالح.. فطريقه قائم على مستوى القدر، المختفى وراء ستر
666
الغيب، المحجب بنور الله، لا يراه إلا بنور من هذا النور.. «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (٤٠: النور).
وأما موسى.. فيأخذ طريقه القائم على مستوى الحياة، وما ينكشف له منها، حسب تقديره، وتفكيره، كإنسان ذى بصيرة مشرقة- إن انكشف له شىء لم ينكشف لغيره، فقد غابت عنه أشياء، وأشياء! وهنا إشارة لا بد منها، إلى هذا الاختلاف الذي جاء عليه النظم فى قول العبد الصالح لموسى، حين وصل الأمر بينهما مداه، فقال له: «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» ثم فى قوله له، بعد أن أنبأه بما لم يستطع عليه صبرا، إذ قال: «ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً».
فهناك قولتان تبدوان وكأنهما على سواء: «تَسْتَطِعْ» و «تسطع» وهما كذلك فى غير القرآن الكريم.. ولكنهما فى كلام الله ليستا على سواء، فى الميزان، الذي جاء عليه النظم القرآنى، وإعجازه القاهر المتحدّى! فكلمة «تستطع» فيها شدة، وقسوة، ومصارحة مكشوفة، بالعجز عن الاستطاعة.. وقد قالها العبد الصالح هكذا صريحة مكشوفة، ليقطع بها الرحلة مع تلميذه..
ولكن حين جلس إلى تلميذه مجلس المعلّم، الذي يكشف لتلميذه، معالم الطريق المظلم أو المشرق، الذي كان يطوّف به فيه- جاءه بهذه الكلمة «تسطع» وقد اقتطع منها هذا المقطع الحادّ، فإذا هى كلمة وديعة رقيقة فيها هروب من المواجهة الصريحة المتحدّية، وعليها مسحة من الحياء والخفر! ومما ينبغى الالتفات إليه أيضا، هذا الاختلاف فى موقف العبد الصالح من
667
الأحداث الثلاثة، ومكانه منها، ودوره فيها..
فهو فى حدث السفينة يقول: «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» مضيفا الفعل إليه، وجعله عن إرادة منه وحده..
وفى قتل الغلام، يقول: «فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً».. مضيفا الفعل هنا إلى ضمير المتكلمين «نا».
أما فى إقامة الجدار، فيقول: «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» مضيفا الفعل إلى الله وحده..
ولا شك أن وراء هذا الاختلاف فى الموقف الذي يأخذه العبد الصالح من هذه القضايا، والدور الذي يبدو فيه على مسرح أحداثها- لا شك أن وراء هذا الاختلاف أسرارا لطيفة، إذا كشف الحجاب عن بعضها، أشرقت منه وجوه وضيئة، من الإعجاز المبين، لآيات الله وكلماته..
فمن تلك الأسرار، لهذا الاختلاف فى موقف العبد الصالح من هذه الأحداث، أنه فى حادث السفينة نسب الفعل إليه بقوله: «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها» وذلك لأن أثر الحدث جاء فى أعقاب الفعل مباشرة، بحيث لم يكن هناك وقت بين خرق السفينة، وصرف نظر الملك أو أعوانه عنها، للعيب الذي كان فيها.. ولو كان هناك وقت بين خرق السفينة، وبين مرور الملك أو أعوانه بها، بحيث يسمح لأصحابها بإصلاح ما أفسد العبد الصالح منها لما سلمت من أخذها من أيدى أصحابها.. ولما كان للخرق الذي أحدثه فيها حكمة..
وذلك أمر إن لم يلحظه موسى فى حينه، ولم يدرك السرّ الذي من أجله سلمت السفينة المعطوبة لأصحابها- فإنه قد وقع منه موقع اليقين حين كشف له صاحبه
668
عنه، وأراه أن هذا العيب هو الذي فوّت على الملك فرصة الاستيلاء عليها..
فهذا، الفعل من العبد الصالح، هو مما يجرى مجرى العادة فى أفعال الناس على مستوى الظاهر.. ولو أمكنت الفرصة أصحاب السفينة أن يحدثوا فيها ما أحدث العبد الصالح لفعلوا، ولكن وسائلهم إلى هذا كانت محدودة، والأمر أسرع من أن ينتظر تلك الوسائل المحدودة القاصرة.. فلما أن فعل العبد الصالح ما فعل لم ينكر عليه أصحاب السفينة فعلته، وإلا لأمسكوا به وبصاحبه.. ولكنهم.. وقد رأوا فى هذا الفعل الحكيم الحاسم ما يحقق إرادة كانت تراودهم ولا يجدون سبيلا لتحقيقها- أمسكوا عن أن يقولوا شيئا، أو يحدثوا أية حركة تنبىء عن أن أمرا قد حدث، حتى لا يفتضح هذا الفعل، الذي ربّما عدّوا صاحبه الذي فعله واحدا من جماعة حركة مضادة للملك، قائمة فى وجه هذا الفعل الظالم الذي يجريه على أصحاب السفن!! إذن.. فالأمر هنا لا يخرج عن أن يكون إرادة بشرية، إزاء أمر عارض، يأخذه الإنسان بتقديره، ويجريه بإرادته..! وحقّ للعبد الصالح أن يقول:
«فأردت» ناسبا الفعل إلى إرادته..
أما فى قتل الغلام، فإن الأمر مختلف، حيث كانت المسافة بعيدة بين دواعى قتله عند العبد الصالح، وبين ظاهر الحال من أمر هذا الغلام.. كما أن الحكمة التي سيكشف عنها العبد الصالح لموسى من قتل هذا الغلام، معلّق تحقيقها بمستقبل بعيد يستغرق من الزمن، مدّة الحمل بطفل، ثم ولادته، ثم بلوغه مبلغ الرجال، حيث يبدو صلاحه، وينكشف معدنه..
وهذا كله من شأنه أن يوقع فى نفس موسى كثيرا من الشكوك والريب حول تقبّل هذا التعليل الذي تعلل به صاحبه لقتل الغلام..
ولهذا جاء إليه صاحبه من عل، فتحدث إليه بلسان الذي يعرض نفسه
669
فى مستوى غير المستوي الذي كان يخاطبه فيه، بعد خرق السفينة..
إنه هنا يملك من العلم ما ينبغى أن يذكره موسى إن كان قد نسيه حين جاءه يطلب التعلم من علمه.. ولهذا قال له بضمير المتكلم المعظم نفسه:
«فَخَشِينا» ولم يقل «فخشيت» ثم قال: «فَأَرَدْنا» ولم يقل «فَأَرَدْتُ»..
إنه هنا- وإن كان عبدا من عبيد الله- يحدّث بنعمة الله عليه، وبما آتاه من رحمته، وما علمه من لدنه من علم، وأنه يستند إلى قوى خفية، ينطق عنها، ويحدّث بجلالها وعظمتها.
وأمام الجدار، فقد رأى العبد الصالح أن يعود فى الحديث عنه إلى مكانه الطبيعي من قدرة الله، وأنه لا إرادة له مع إرادة الله، وأن حديثه عن نفسه بضمير المتكلم المعظم لذاته لم يكن إلا من قبيل التحدث بنعمة الله عليه..
ولهذا قال لصاحبه.. «فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما»..
فنسب الأمر كله إلى الله سبحانه، وأضافه إلى إرادته جلّ شأنه.
هذا وجه من وجوه النظر فى هذا الاختلاف الذي جاء عليه النظم القرآنى لحديث العبد الصالح عن نفسه..
ووجه آخر.. وهو وجه يمكن أن يرى فيه العبد الصالح قد أضاف الفعلين الأولين- خرق السفينة وقتل الغلام- إلى نفسه، لما يبدو فى ظاهرهما من ظلم وعدوان، على حين أضاف إقامة الجدار إلى الله سبحانه وتعالى، إذ كان- كما يبدو- عملا من أعمال الخير والإحسان..
ووجه ثالث..
وهو أن الأحداث الثلاثة، فى مجموعها، تصور مشيئة الله سبحانه وتعالى ومشيئة الإنسان..
670
ففى خرق السفينة.. إرادة مطلقة للإنسان، ومشيئة خالصة له، يتصرف بها كيف يشاء.. هكذا: «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها».
وفى قتل الغلام، تبدو مشيئة الإنسان مختلطة مع مشيئة الله، داخلة فيها..
هكذا: «فَخَشِينا».. «فَأَرَدْنا».. فهذا الضمير يشير إلى أن العبد الصالح ليس وحده هنا، وإنما هو مع مشيئة مشىء، وإرادة مريد! وفى إقامة الجدار.. يتجرد العبد الصالح من كلّ مشيئة وإرادة.. إنه هنا ليس أكثر من أداة منفذة لمشيئة الله، عاملة بإرادته..
وهكذا الإنسان، فى هذه الحياة، وفى كل ما يأخذ أو يدع من أمورها..
إنه يمرّ فى ثلاث مراحل، مع كل أمر يعالجه..
المرحلة الأولى.. يبدأ فيها العمل، وكأنه مطلق من كل قيد يتسلط على إرادته..
والمرحلة الثانية.. يعالج فيها العمل، وهو مصطحب هذا الإحسان بالحرية الكاملة فى أخذ الاتجاه الذي يتجهه.. ولكنه يجد أثناء العمل ما قد يعترض طريقه، فيعثر، أو ينحرف، أو يأخذ طريقا غير هذا الطريق الذي بدأ منه..
والمرحلة الثالثة.. يأخذ فيها العمل صورته النهائية، ويصبح أمرا واقعا، مؤثرا فى حياة صاحبه بما يسرّ أو يسوء، وبما يحمد أو يكره..
وهذه المرحلة الأخيرة التي ينتهى عندها العمل، هى الإرادة العليا، وهى القدر المقدور، الذي لا بد أن يصير إليه الأمر.. مهما تكن إرادة الإنسان على وفق هذه الإرادة أو خلافها..!
تلك هى بعض الأسرار التي لاحت لنا من خلال نظرنا الكليل.. وهناك
671
أسرار لا تحصى، يراها ذوو الأبصار التي اكتحلت بنور الحق، فترى ما لا تراه العيون.
ويحسن بنا هنا أن نقف وقفة قصيرة «مع القضاء والقدر».. حيث كانت قصة موسى والعبد الصالح درسا عمليا لهذه القضية، التي يتحكك بها العقل، ويدور فى فلكها مسير الإنسان ومصيره..
[القضاء.. والقدر.. والإنسان..]
موضوع القضاء والقدر لا يعتبر مشكلة يعالجها العقل، ويلتمس الحلول لها، إلا إذا نظر إليه من جانبين معا: جانب يتصل بالله، وجانب يتصل بالإنسان.. وهذا يعنى أن الذي ينظر فى هذه المشكلة، لا بد أن يكون من المؤمنين بالله، أو على الأقل من المؤمنين بما وراء المادة.. أما المادّيون الذين يقيمون وجودهم، ويسوّون حسابهم على مستوى العالم المادي، فليس القضاء والقدر من المشكلات التي تلقاهم على طريق الحياة، وتوجّه أبصارهم إليها، وتلفت عقولهم نحوها..
وتبدو المشكلة- عند المؤمنين بالله، أو المؤمنين بما وراء المادة- هكذا:
إذا قلنا إنّ الإنسان مخيّر، كان معنى هذا أنه مطلق من كل سلطان، وأن ليس بينه وبين الله، أو بينه وبين أية قوة أخرى غير منظورة- علاقة، تحدّ من مجرى حياته، أو تؤثر فى تصرفاته..
وفى حدود هذا القول، لا مجال للنظر فى القضاء والقدر، حيث يبدو
672
الإنسان خارجا عن دائرة المؤثرات التي تجعل للقضاء والقدر شأنا معه..
وإذا قلنا إن الإنسان مجبر، كان معنى هذا أن شيئا ما وراء الإنسان، يملى عليه، ويؤثّر فى إرادته، أو يعطل مشيئته..
وهنا تبدو الصلة واضحة بين الإنسان وبين القضاء والقدر.. وهى صلة تظهر آثارها فى تصرفاته، وفى موقفه حيال كل أمر يعرض له..
ولكن هاتين المقولتين، لم يسلّم العقل الإنسانى بأيّ منهما، تسليما مطلقا..
إذ كان الواقع العملىّ ينقض كل مقولة منهما، إذا أخذ بها على إطلاقها..
فالإنسان- كما يبدو له- حرّ من جهة، ومقيد من جهة أخرى..
إنه مطلق، تماما- كما يبدو- ولكن يرى أن قوة خفية تأخذ عليه طريقه إلى ما يريد.. قوة غير منظورة، تقيّد إرادته المطلقة تلك..
فهو مختار يفعل ما يشاء، وهو مجبر حيث يفعل أو يفعل به ما لا يشاء! وبين الاختيار والجبر، عاشت الإنسانية حائرة مضطربة، قلقة.. تقول بالاختيار، وتحلم به، وتتمنّاه.. ولكن الواقع يفجؤها بما يلغى هذا الاختيار، ويعطل وجوده.. وإذا هى أي الإنسانية، ريشة فى مهب الريح، يسوقها القدر إلى حيث يشاء..
وتقول بالجبر، فلا يصدّقها الواقع الذي تعيش فيه. والذي ترى صفحته فى آثار تفكيرها، وثمار إرادتها، وعزيمتها..
فلا هى.. أي الإنسانية، فى الاختيار المطلق، ولا هى فى الجبر المطلق..
إنها تعيش متأرجحة بينهما.. هى فى اختيار وجبر معا.. ذلك ما يشعر به كل إنسان فى ذاته، وتشعر به الإنسانية فى مجموعها.. وذلك من الجلاء والوضوح، بحيث لا ينكره إلا أهل الجدل والمراء!!
673
ولكنّ القدر الذي فى الإنسان، من جبر أو اختيار، هو الذي يضع الأمر موضع الخفاء والحيرة.. ويقع من الناس موقعا يثير الجدل والخلاف حقّا.
كم فى الإنسان من جبر؟ وكم فيه من اختيار؟ لا أحد يدرى.. فتلك مسألة تختلف من إنسان إلى إنسان.. بل إنها تختلف فى الإنسان نفسه، حسب الحالة التي يواجهها، وحسب الظروف المحيطة به، والمشاعر المستولية عليه..
على ما سنرى. من خلال هذا البحث.
ما القضاء؟ وما القدر؟
القضاء:
لم يذكر «القضاء» فى القرآن الكريم بلفظه هذا، وإنما ذكرت مشتقاته، فى آيات كثيرة.. فذكر فى صورة فعل كقوله تعالى: «فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ» (١٢: فصلت) وقوله سبحانه: «وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ» (٢٠: غافر) وفى قوله تعالى: «وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» (٢٣: الإسراء) كذلك ورد من مشتقات «القضاء» : اسم المفعول فى قوله تعالى: «وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا» (٢١: مريم) واسم الفاعل فى قوله سبحانه: «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» (٧٢: طه).
والذي ينظر فى هذه الآيات، يجد تقابار واضحا بين المعاني التي تدور حولها مشتقات القضاء، وأنها تلتقى جميعا عند معنى واحد، هو: الفصل، والحسم فى الأمر، وأن قضاء الأمر معناه إنجازه، وحسمه، من جهة قادرة ممكنة
674
مما تقضى به.. منه القضاء، وهو الفصل فى الخصومات، ومنه القاضي الذي يفصل بين المتخاصمين.
وقد ذكر القرطبي فى تفسيره:
«أن «القضاء» يكون بمعنى «الأمر» كقوله تعالى: «وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ»..
ويكون بمعنى «الخلق».. كقوله تعالى: «فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ».
«ويكون بمعنى «الحكم».. كقوله تعالى: «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ»..
«ويكون بمعنى «الفراغ».. كقوله تعالى: «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ» (٤١: يوسف)..
«ويكون بمعنى الإرادة، كقوله سبحانه: «إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٤٧: آل عمران).
«ويكون بمعنى «العهد».. كقوله تعالى: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ».. (٤٤: القصص) والذي ينظر فى هذه المعاني التي ذكرها القرطبي «للقضاء» يرى أنها جميعا تنزع منزعا واحدا، وتلتقى عند معنى واحد، هو الفصل، والحسم.
فالأمر.. والخلق.. والحكم.. والفراغ.. والإرادة.. والعهد..
كلها تنبىء عن حسم الأمر وإنجازه.. قولا، أو فعلا.
القدر:
ورد فى القرآن الكريم، لفظ «ق.. د.. ر» مصدرا، وفعلا، واسم فاعل
675
قال تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» (٤٩: القمر) وقال سبحانه:
«وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ» (١٠: فصلت) ومعنى هذا فى المصدر، ومشتقاته: التقدير، ووضع الشيء فى موضعه المناسب له..
عن عكرمة عن الضحاك، قال فى قوله تعالى: «وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها» أي أرزاق أهلها، وما يصلح لمعاشهم، من التجارات، والأشجار، والمنافع، فى كل بلدة، ما لم يجعله فى الأخرى..
من ذلك نرى أن دائرة القدر أشمل وأعمّ.. من دائرة القضاء..
فالقدر تدبير.. والقضاء حكم..
القدر تصميم.. والقضاء تنفيذ..
يقول الإمام الغزالي..
القدر: اسم لما صدر مقدّرا عن فعل القادر..
والقضاء: هو الخلق..
«والفرق بين القضاء والقدر، أن القدر، أعمّ، والقضاء، أخصّ..
«فتدبير الأوليات قدر..
«وسوق تلك الأقدار بمقاديرها وهيئاتها إلى مقتضياتها، هو القضاء.
«فالقدر.. إذن.. تقدير الأمر بدءا.
«والقضاء.. فصل ذلك الأمر وقطعه، كما يقال: «قضى القاضي»
«١» أما الفيلسوف «ابن سينا» فيرى عكس هذا..
(١) من كتاب فرائد اللآلى من رسائل الغزالي ص ١٥٦.
676
يرى أن القضاء أعمّ من القدر، وسابق عليه..
يقول:
«القضاء.. هو علم الله المتعلّق بالكلّ، على النظام الأكمل الذي يكون فى الوجود.
«والقدر.. هو إفاضة الكائنات على حسب ما فى علمه. فالكلّ صادر عن الله، ومعلوم له، وكلّ ذلك بقضاء وقدر»
«١».
أما ابن عربى.. الفيلسوف المتصوّف، أو الصوفي المتفلسف، فإنه فى التفرقة بين القضاء والقدر، على رأى يتفق ورأى ابن سينا.. فهو يقول:
«القضاء.. حكم الله..
«والقدر.. تقدير ذلك الحكم..
«والتقدير.. تابع للحكم.. والحكم تابع للعلم»
«٢» ونحن على رأينا، الذي يوافق رأى الإمام الغزالي فى أن «القدر» أعم، و «القضاء» أخصّ.. لأن آيات الكتاب الكريم توحى بهذا الفهم لكل من القضاء والقدر.
ونستطيع أن نتصوّر- مجرد تصوّر- إن صح فهمنا هذا- أن القدر، هو الأسباب التي أودعها الله سبحانه فى المخلوقات، بحيث لو جرت إلى غايتها لنتج عنها مسبباتها التي تلازمها، والتي لا تتخلّف أبدا..
فالنار- مثلا- سبب الضوء، والدفء، والإحراق.. فإذا أوقدت
(١) الملل والنحل للشهرستانى.. جزء ٣ ص ١٥٣.
(٢) النصوص.. لابن عربى.
677
النار.. أخرجت ضوءا، وأعطت دفئا، وأحرقت ما يتصل بها من الأشياء التي أودع فيها الخالق من الأسباب ما يجعلها قابلة للاحتراق.. ففى كل شىء قدر، أي أسباب، وكيفيّات تنتج مسببات، فإذا تلاقت تلك الأسباب المودعة فى الأشياء، كانت قضاء.
فالمسببات التي تحدث من تلاقى الأسباب بعضها ببعض، هى القضاء، فإذا تلاقت الأسباب، فتوافقت أو تدافعت فهى فى دائرة القدر.. أما ما يقع من هذا اللقاء بين الأسباب- فى توافقها أو تدافعها- من مسببات فهو القضاء..
فالقدر كون، والقضاء ظهور!
الأسباب والمسببات:
اختلفت آراء المفكرين من الفلاسفة، والفقهاء فى الصلة بين الأسباب ومسبباتها.. واتسعت شقّة الخلاف بينهم حتى بلغت درجة التضادّ.
فبينما ينكر بعضهم التلازم بين السبب والمسبب، إذ يقرر بعضهم حتمية هذا التلازم، وعدم تخلفه فى حال أبدا.. بل إن بعضهم تمادى فى هذا، فجعل الأسباب قوّى عاملة، تعمل فى وعى وبصيرة، وذلك حين رأوها تعطى نتائجها دون أن تنحرف، أو تضلّ.. وكان من هذا أن آمن كثير من هؤلاء، بالطبيعة، وعدّوها كائنا عاقلا.. يحمل فى كيانه مقوّمات وجوده، مستغنيا عن مدبّر يدبّر أمره، ويقوم عليه.. ولا شك أن هذه النظرة إلى الطبيعة وأسرارها، هى نظرة محدودة، قصرت عن أن ترى القدرة القادرة التي تربط عوالم الموجودات كلها برباط وثيق محكم، بحيث تجعل منها كيانا واحدا، يجرى لغاية واحدة، فى حكمة، ونظام.. «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ» (٣: الملك).
هذا، والفلسفة الحديثة تؤيد الرأى القائل بفاعلية الأسباب، وبالترابط بين
678
الأسباب والمسببات.. وما كان للفلسفة الحديثة أن تقرر غير هذا، بعد هذا التقدم العلمىّ، الذي أحرزه الإنسان فى كل مجال.. وليست القوانين التي استخدمها العلم فى كشف أسرار الطبيعة إلّا من نسيج الأسباب وتفاعلها.. فهذا الاطراد فى ظواهر الطبيعة، هو الذي أتاح للعلماء وضع قوانين ثابتة لطبائع الأشياء ولما تحدثه الأسباب من احتكاك بها.. وبهذا أمكن تسخير قوى الأشياء بمقتضى هذه القوانين، كما أمكن التنبؤ بما سيحدث قبل حدوثه، اعتمادا على معرفتنا السابقة بخواصّ الأشياء، وبالآثار التي تحدث عند تحريك أسبابها المودعة فيها.
وقد رأى الأشاعرة- وهم الذين يمثلون الرأى السّنيّ- أن لا تلازم بين الأسباب والمسببات، ورفضوا أن يسلّموا بوجود أي قانون للطبيعة، واستبعدوا البديهة القائلة: بأن الأسباب المتماثلة تولد نتائج متماثلة..
وقد بنوا رأيهم هذا، على أساس أن التلازم بين الأسباب والمسبباب، فيه تحديد لقدرة الله على كل شىء، إذ أن هذا التلازم يحدّ من قدرة الله، ويجعل للأسباب قوة ملزمة لله..
وهذا رأى لا نسلّم به، ولا نرتضييه رأيا يراه المسلم حيث لا نرى فى التلازم بين الأسباب والمسببات ما يراه الأشاعرة، من أن فى ذلك تحديدا لقدرة الله..
فالله سبحانه وتعالى، قد أقام الوجود على نظام، وأجراه على سنن أودعها فيه.. كما يقول سبحانه: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (٤٠: يس).. فإذا كان من نظام الكون الذي أوجده الخالق جل وعلا، أن الشمس تطلع من الشرق، وأن الأرض تدور
679
حولها.. فهل فى هذا تحديد لقدرة الله؟ وهل فى خضوع هذه الأكوان لهذا النظام المودع فيها إلا استجابة لقدرة الله، وخضوع لمشيئته؟
وللفيلسوف المسلم «محمد إقبال» رأى يجرى مع رأى الأشاعرة، فى نتائجه ولكنه يختلف معهم فى مقدماته.
فإقبال يرى أسبابا قائمة فى الأشياء.. ولكنه يرى- مع هذا- أن الأسباب تعمل فى ظل قدرة، حكيمة، عليمة.. ومن ثمّ فإن الحوادث التي تنتجها الأسباب ليست مواليد آلية، جاءت متكررة، وإنما كل حادثة لها ذاتية مستقلة.. إنها خلق جديد، تقوم القدرة الإلهية على إبداعه وتكوينه..
«الأشاعرة» لا يعترفون بوجود أسباب مطلقا.. وإنما يقولون بالخلق المتجدد من غير أسباب! و «إقبال» يقول بالأسباب، ولكنها- فى رأيه- أسباب يقظى واعية، تتخلق منها الحوادث، تخلقا يحفظ لكل حادثة ذاتيتها المستقلة..
فلا تنتظم فى ركب حوادث صماء متتابعة، متماثلة.. لا نهاية لها..!
يقول «إقبال» :
«فتقدير شىء ما، ليس قضاء غاشما يؤثّر فى الأشياء من خارج..
ولكنه القوة الكامنة، التي تحقق وجود الشيء وممكناته التي تقبل التحقّق، والتي تكمن فى أعماق طبيعته، وتحقق بالتالى وجودها فى الخارج، دون إحساس بإكراه من وسيط خارجى..
«ومن ثمّ فإن تكامل وحدة الديمومة، لا تعنى أن هناك حوادث تامة التكوين، أشبه بأن تكون فى أحشاء الحقيقة، لتسقط منها واحدة واحدة، كما تسقط حبات الرمل فى الساعة الرملية!!
680
«والواقع أن كل نشاط خالق، هو نشاط حرّ.. فالخلق يضاد التكرار، الذي هو من خصائص الفعل الآلى..» «١»
والذي نود أن نقرره، هو أن فى كل شىء أسبابا مودعة فيه، وأن الأسباب تنتج مسبباتها، عند تحريكها بأسباب أخرى مناسبة لها..
أما التلازم بين الأسباب والمسببات، فليس يعنينا أن يكون هذا التلازم محكما مصمتا لا يتخلف، أم أن تكون فيه خلخلة تسمح بتخلف المسببات عن الأسباب، ما دمنا نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى، هو خالق الأسباب، وهو خالق المسببات! والتلازم أو غير التلازم هو مما قضت به حكمته، وشاءته مشيئته وعلمه..
ولكن الذي يجب أن نعرفه، وأن نقيم وجودنا عليه، هو أن ملاك أمرنا فى هذه الحياة قائم على أن نحرك الأسباب المودعة فى الأشياء، على الوجه الذي اهتدت إليه عقولنا، وأن ننتظر النتائج المقدرة لهذه الأسباب، على حسب ما نتوقعه ونرجوه منها.
فنحن نبنى حياتنا على المستقبل أكثر من الحاضر الذي نعيش فيه.. وهذا المستقبل إنما نبنيه على أسباب نحركها ونرقب ثمرتها.. إننا نزرع وننتظر الحصاد، وهيهات أن يزرع زارع ولا يجنى ثمرة ما زرع، وهيهات أن نجنى ثمرا دون أن نزرع ما يعطى هذا الثمر!! يقول الفيلسوف «إقبال» :
«فالنفس وهى مطالبة بالعيش فى بيئة مركبة.. لا تستطيع أن تحتفظ
(١) تحديد التفكير الديني الإسلامى.. لإقبال ص ٦١.
681
بوجودها فى تلك البيئة دون أن تردها إلى نظام يعطيها- أي النفس- نوعا من الضمان فيما يتعلق بسلوك الأشياء الموجودة حولها..
«وعلى هذا، فإن نظر النفس إلى بيئتها باعتبارها نظاما (مكونا) من علة ومعلول، هو وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها..
«والواقع أن النفس- بتأويلها للطبيعة على هذا النحو- تفهم بيئتها، وتسيطر عليها، فتحصل بهذا على حريتها، وتزيدها قوة ونماء»
«١».
() ونود هنا أن بعد هذه المقدمة، أن ندير النظر إلى قصة موسى والعبد الصالح..
ففى هذه القصة درس عملىّ ينكشف منه وجه القضاء والقدر، ومدى ما يمكن أن تطوله يد الإنسان، وتبلغه قدرته، تحت سلطان القضاء والقدر، وما يعمل فيه الإنسان من أسباب، وما يقع له من مسببات..
لقد كان موسى فى هذه القصة، ممثلا للإنسانية فى حدودها التي أقامها الله عليها، وفى تصرفاتها مع الأشياء على مقتضى ما تعلم منها بإمكانياتها المحدودة، على حين كان العبد الصالح، ممثلا للعالم العلوي، عالما ما وراء المحسوس، يستملى معارفه من عالم النور.. فيرى بعين الغيب، عواقب الأمور، ويصل إلى نتائجها الحاسمة، قبل أن تتحرك الأسباب، وتتولد المسببات!.
موسى يمثّل الإنسان، من حيث هو كائن محدود القدرة، لا يرى من الأشياء إلا ما على السطح، أو ما وراء السطح بقليل.. أما أعماق الأشياء
(١) تجديد التفكير الديني الإسلامى ص ١٢٤.
682
وأما صميمها، فليس له إليها سبيل مهما يبلغ علمه، ومهما تكن معارفه.. إن له حدودا لا يتجاوزها، وله مجالات لا يخرج عليها، وهو فى هذه الحدود يعمل، وفى هذه المجالات يتحرك- حسب تفكيره وتقديره..
ثم مع هذا، فإن الأشياء تتحرك حركتها المقدورة لها.. وهى حركات قد تتفق مع حركات الإنسان، وقد لا تتفق..
والشيء الذي ينبغى أن نؤكده، هو أن العلم والمعرفة، يكشفان للإنسان من حقائق الأشياء، بقدر ما يحصّل الإنسان منهما.. فكلما ازداد علما ومعرفة اتسعت أمامه الآفاق التي ينظر فيها إلى هذا الوجود، وتكشف له حقائق كثيرة كانت محجوبة عنه وراء هذه الآفاق التي أخفاها عنه الجهل، وضآلة المعرفة..
والذي نودّ أن نؤكده أيضا، هو انه مهما بلغ الإنسان من العلم والمعرفة فلن يبلغ من العلم بحقائق هذا الوجود، إلا قدرا ضئيلا، لا يعدل حبّة رمل من هذا الكون العظيم.. والله سبحانه وتعالى يقول. «وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» (٨٥: الإسراء).
وهنا نستطيع أن نحدد مكان الإنسان من القدر، ونتعرف إلى المجال الذي يعمل فيه كل منهما: الإنسان والقدر..
فالقدر هو «دولاب» ينتظم الوجود كله، وتتحرك كل أجزائه، حسب القوى التي أودعها الخالق جل وعلا فى كل موجود.. وكل موجود يتحرك حركته فى الاتجاه، وفى المدى المقدور له.. وأقرب شبه لهذا ما نرى فى «دولاب» بخارى أو كهربىّ، يدور يجميع أجهزته وأجزائه، ثم إن جميع هذه الأجهزة، وتلك الأجزاء، مع اختلاف حركاتها تحقق آخر الأمر غاية واحدة،
683
وتعمل جميعها لهدف واحد.. فلا يرى الرائي منها إلا حركة واحدة، وإلا اتجاها واحدا.. هكذا يرى المهندس الميكانيكى أو الكهربى حركات الجهاز، الذي يقوم عليه، ويديره.. إنه يعرف وضع كل قطعة منه، كما يعرف وظيفتها ودورها الذي تؤديه..
أما من ينظر إلى هذا الجهاز نظرا سطحيا بغير علم، فإنه لا يرى فيه إلا أشياء صاخبة مضطربة، يضرب بعضها وجه بعض! كذلك هذا الوجود الذي نحن فيه، وهذا العالم الذي تقلّنا أرضه، وتظلنا سماؤه- حيث ننظر، فلا نرى- لعلمنا القاصر.. إلّا فوضى، وإلا اضطرابا، وإلا تخالفا وعنادا بين كل موجود وموجود، الأمر الذي يوقع بين الموجودات هذا الصراع الحادّ المتصل.. سواء فى ذلك عالم الجماد، وعالم الأحياء.. فالبحر تهيجه العواصف وتثيره الرياح، وهو بالتالى يصخب ويموج، ويضرب بأمواجه العاتية فى أصول الجبال، فتتصدع وتنهار.. والجبال بدورها، تتصدى للرياح العاتية فتلطم وجهها، وللسحب السائرة، فتمزّق أوصالها، وتلقى بها تحت أقدامها.. وكذلك الشأن فى عالم النبات والحيوان، والإنسان.. هى فى صراع دائم، فيما بينها وبين الموجودات القريبة أو البعيدة منها.. والإنسان بخاصة يواجه الموجودات كلها، ويدخل معها جميعها فى صراع، لا يلقى معها سلاحه إلا إذا استسلمت له، وأعطته ولاءها..
هكذا يبدو الوجود غارقا فى الفوضى، لمن ينظر إليه نظرا شاردا، لا يستصحب معه فيه عقله، ولا يفتح له قلبه..
أما حقيقة هذا الوجود، فهو نظام محكم دقيق، وتناغم منسجم رائع، وتجاوب بين كل ذرة من ذراته، وكل موجود من موجوداته.. «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ
684
كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ»
(٣- ٤: الملك)..
أرأيت إلى جماعة كبيرة من العازفين على مجموعات متعددة من آلات الموسيقى، يقومون على أداء لحن رائع منسجم متناغم؟
إن الذي لا يحسن لغة الموسيقى، ولا يعطى أذنه وقلبه لهذا اللحن الذي يجتمع من هذه الأنغام التي ترسلها أيدى العازفين، وأفواههم وأرجلهم، من تلك الآلات التي يقومون بالأداء عليها- لا يرى إلّا فوضى مجنونة متخبطة، ولا يسمع إلا ضجيجا وصخبا وتلاطما.. أما حقيقة الأمر، فهو- عند الموسيقى- على خلاف ذلك تماما.. إنه يرى تآلفا وتلاقيا، ويسمع تجاوبا وتناغما، فيجد لذلك روح روحه ونشوة فؤاده، ويقظة وجدانه..
ذلك أشبه شىء بالوجود فى نظر من يعلم ومن لا يعلم! وننظر مرة أخرى إلى ما كان بين موسى والعبد الصالح..
لقد كان موسى يسير فى اتجاهه الإنسانى.. ويأخذ طريقه على قدر ما ينكشف له من عوالم الوجود..
على حين كان العبد الصالح يسير فى اتجاه الدولاب القدرىّ.. ويأخذ الأمور على الوجه الذي تستقيم فيه مع حركة هذا الدولاب القدرىّ.. وقد وقع الصّدام، بل والصراع بين الاتجاهين..
والواقع أنه لم يكن ثمة خلاف بين هذين الاتجاهين.. إذ كل منهما منته إلى نهاية واحدة، يلتقيان عندها..
وكل ما فى الأمر، أن الحركة القدرية فى هذه المرحلة القصيرة التي صحب فيها موسى صاحبه، قد وجدت فى العبد الصالح مفسّرا لها، وكاشفا عن وجهها، ولولا هذا لظلّت فى عينى موسى وفى تفكيره قدرا لا يدرى له مفهوما، ولا يعرف
685
له متأوّلا.. تماما كما يقع لعينى الإنسان منا كلّ يوم من مئات الأحداث، فى نفسه، وفى غيره، دون أن يعرف وجه الحكمة فيها.. ولو أننا وجدنا مثل العبد الصالح من يكشف لنا عما وراء هذه الأحداث، لما أصابنا همّ، ولما بتنا على قلق، لما وقع أو يتوقع من سوء، وما نزل أو ينزل من مكاره، ولظهرت لنا هذه الأحداث آخذة أتمّ وضع وأصلحه لنا، ولنظام الوجود العام كله.. وهذا ما تشير إليه المأثورة الإسلامية: «لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع» ! وإذن.. فالماديون الذين ينكرون القدر، هم محقّون ومبطلون فى آن..
هم محقون، لأن كل ما ينسب إلى القدر، ويضاف إليه، ليس شيئا خارجا على سنن الكون، ولا مطلقا من العلل والأسباب التي تحكم الوجود وتمسك بكل موجود.. وغاية ما فى الأمر، أن هذه العلل، وتلك الأسباب مطوية عنّا، بعيدة عن واقع علمنا، وأنها لو انكشفت لنا لما كان فيها إلا ما نراه فى كل أمر نعلم حقيقته، ونعلم العلل والأسباب المتحكّمة فيه..
وهم مبطلون.. لأن العلم الذي فى أيديهم، والذي يستطيعون به النظر فى الوجود- هو علم قاصر محدود، لا يحمل من الطاقات الضوئية، إلا شعاعات باهتة متكسّرة، لا تنفذ إلى أعماق الوجود، ولا تكشف إلا بعض ما يظهر على حافانه وحواشيه.. وعلى هذا، فإنه ستظل موجودات الوجود كلها- فيما عدا هذه القشور منها- بعيدة عن متناول العلم، مجهولة الأسباب والعلل.. وهى التي تطلع علينا حين تطلع، قدرا مقدورا.. لا نعرف لها تأويلا، ولا ندرى لها تفسيرا! والعبرة الماثلة لنا من قصة موسى والعبد الصالح، هى أن نلزم أنفسنا الأخذ بالأسباب الظاهرة لنا، وأن نصرّف أمورنا بمقتضى هذه الأسباب التي تقع فى
686
تفكيرنا وتقديرنا، وألا نتطلّع إلى ما وراء ذلك.. ففى هذا- وفى هذا وحده- ضمان لاستقامة تصرفاتنا، مع ما يصلح عليه أمرنا، وأمر المجتمع الإنسانى الذي نعيش فيه..
إن القوى المحدودة التي أودعها الله فينا، هى التي تتفق اتفاقا تامّا مع الوجود الذي أقامنا الله عليه، ومع الموجودات التي أوجدنا الله معها..
فجوارحنا، ومدركاتنا، مضبوطة على أعدل وضع يمكن أن يعطينا من الحياة أكبر قدر يمكن أن نأخذه منها، وأن ننتفع به على الوجه الملائم لنا..
ولو خرجت مدركاتنا وحواسنا عن هذا المعدّل- بالزيادة أو النقص- لاضطرب وجودنا، وفسد نظام حياتنا..
فالماء الذي نشربه، والذي نراه نظيفا، سائغا- إذا نظرنا إليه بما وراء أبصارنا- كالمجهر مثلا- رأيناه مسبحا لجيوش كثيرة من الحيوانات.. وهو بهذه النظرة يتحول- فى تصورنا- من طيّب سائغ، إلى ماء تعافه النفس، وتقزّز منه، وتموت عطشا دون أن تقدم على شربة منه..
وكذلك قل فى كل ما نأكل وما نشرب. إننا لا نرى فى مأكولنا ومشروبنا ما نكره، ولكنا إذا نظرنا إليه بعيون مجهريّة، تبين لنا أن هناك عوالم سابحة فيه، من غرائب المخلوقات، تأخذ طريقها إلى جوفنا، دون أن نراها، فلا يهنئونا مع ذلك طعام، ولا يسوغ لنا شراب! وقل مثل هذا فى المسموعات، والمشمومات والمذوقات، إذا نحن جئناها بحواس أقوى أو أضعف من حواسّنا.. إنّها تقع منا موقعا بغيضا كريها..
من الخير إذن، ومن الرحمة بنا أن نعيش فيما خلقنا الله بما خلقنا به، وألّا نذهب إلى أبعد مما قدّر لنا.. بل نجعل الأسباب المعروفة لنا، هى الأساس الذي نتصرف بمقتضاه، فى تعاملنا مع الحياة، وملابستنا للموجودات.. ثم ليكن
687
قبل هذا كلّه، إيماننا بقدرة الخالق، وبتقديره لكل شىء، وأننا إنما نعمل لنحقق إرادته مما أودع فى الكائنات من أسباب، وبما جعل لها من مسببات..
فهذا الإيمان هو الذي يسند الإنسان فى صراعه مع الحياة، وهو الذي يشدّ عزمه، ويدفع به إلى غايات لا يتطلع إليها أولئك الذين فقدوا هذا الإيمان..
وشتّان بين من يعمل، وهو على يقين بأنه فى رعاية ربّ الأرباب، وأقوى الأقوياء، وبين إنسان يعمل معزولا عن الشعور بهذا الإيمان.. يعمل فى حدود جهده البشرى المحدود، دون سند أو ظهير! إن النعمة فى كل صورة يتلقاها المرء عليها، لا يدخل منها على قلب المؤمن بالقدر، زهو ولا خيلاء.. لأنها من عند الله! وإن البلاء، والشدّة، والضرّ.. لا يقع منها على قلب المؤمن بالقدر، يأس ولا قنوط من روح الله.. «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ».. الكافرون بالله، وبما قدّر الله! والقدر بهذا المفهوم لا يخلى الإنسان من مسئولياته، إزاء الحياة، وإزاء التكاليف المنوطة به فيها.. فهو مطالب بأن يجهد جهده، ويبلى بلاءه فى كل أمر يعرض له، وأن يلقاه بكل حوله وحيلته، وأن يجىء إليه بعلله وأسبابه، التي يراها ويقدّرها.. فإن هو فرّط أو قصّر، كان ملوما، وكان أهلا للجزاء الذي يناسب تفريطه، وتقصيره.
فليس إيمان المؤمن بالقدر، وبأنه صائر آخر الأمر إلى المصير المقدور له- ليس هذا الإيمان بالذي يخلى المؤمن من المسئوليات المنوطة به.. فهو مطالب بأن يقدّر ويفكر، ويدبّر، ويعمل بالقدر الذي يسعفه به تفكيره، ويحتمله جهده..
688
وهذا- على الأقل- هو الذي يعفيه من المسئولية أمام عقله وضميره! وفى نظرة الإسلام إلى القدر، تلك النظرة التي يبدو منها القدر غائبا كحاضر- فى هذه النظرة يقوم القدر على الناس، سلطانا رحيما، يفيئون إلى ظلّه الظليل، إذا هم أضناهم السير ولفحهم الهجير وأقعدهم الإعياء! فالقدر فى التفكير الإسلامى، لا يلتقى به المسلم إلا عند آخر المطاف من سعيه الذي سعى، وعمله الذي عمل، لا أن يقدّمه بين يدى كل عمل، فإن هذا من شأنه أن يقعد بالإنسان عن أن يعمل أو أن يسعى، تاركا زمامه للقدر، يتصرّف كيف يشاء..
وفى هذا اللقاء الذي يلتقى فيه الإنسان مع القدر- بعد كل عمل لا قبله- فى هذا اللقاء يلقى الإنسان بوجوده كلّه، وبما أصاب، أو أصيب به- يلقى بهذا كله فى ساحة القدر! فإن يكن قد أصاب خيرا لم يقل قولة قارون من قبل: «إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي» (٧٨: القصص) بل يقول قولة المؤمنين الشاكرين: «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» (٤٠: النمل).
وإن أصابته مصيبة، أو مسه ضر، لم يقل: «أَنَّى هذا؟» (١٦٥: آل عمران).
بل يقول: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (١٥٦: البقرة) أو يقول:
«فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (١٨: يوسف).
أما غير المؤمن، فإنه لا يلتقى بهذا الوجه الكريم فى السراء أبدا، ولا يتلقّى هذا العزاء الجميل فى الضراء أبدا..
689
إنه إن أصاب خيرا، أشر وبطر، وطغى وبغى، وإن أصابته مصيبة احترق بنارها، كمدا وحسرة، دون أن يجد لمصيبته عزاء من إيمان، أو مواساة من قدر! وانظر إلى هذا العزاء الجميل الذي عزّى الله سبحانه وتعالى به النبىّ والمؤمنين فيمن أصيبوا فيهم من الشهداء فى غزوة أحد: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (١٥٦: آل عمران).
و «لو» هذه، هى التي تدمى قلوب الذين لا يؤمنون بالله، ولا يستسلمون لقدر الله، فى أعقاب الشدائد والملمات، وهى التي تنكأ جراحهم كلما عملت يد الزمن على التئامها! وفى الحديث الشريف كما رواه مسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شىء فلا تقل: لو أنى فعلت كان كذا وكذا؟! ولكن قل: قدّر الله، وما شاء الله فعل.. فإن لو تفتح عمل الشيطان».
وهنا أمر نحب أن نقف عنده، وهو أن الرضا، الذي يستقبل به المؤمن ما يقع من مقدرات القدر- ليس هذا الرضا عن قهر وإلزام، وإنما هو عن إرادة واعية مدبّرة مقدّرة.. ذلك أنه ليس من الدين، ولا فى الدين- أعنى الإسلام- ما يحول بين الإنسان وبين حقه الطبيعي، فى معالجة الواقع، وفى محاولة تغييره يكل ما يملك من وسائل كريمة سليمة، ناظرا إلى الله، طامعا فى رحمته، مستمدا العون والتوفيق من لدن رب رحيم كريم..
690
إن الرضا بالواقع الكريه البغيض، ليس فى الإسلام، ولا من الإسلام..
لأن ذلك معناه إهدار لعقل الإنسان أن يفكر، وتعطيل لإرادته أن تعمل ووقوف بالحياة أن تتحرك، بل وتمكين للشر أن يستشرى، واعتراف للباطل أن يقيم حيث شاء.. آمنا مطمئنا، لا يلقاه أحد بإنكار، ولا يزعجه منكر بسوء!..
وكلّا.. فإن هذا غير سبيل الأحياء فى الحياة، كما هو غير سبيل الدّين والمتدينين..
وتاريخ الإسلام، يحكى فصولا طويلة، مثّل فيها هذا الدور الغبىّ الدخيل على الإسلام، فقتل فى الناس الهمم الصادقة، وأطفأ من صدورهم وقدة العزمات المتوثبة لملاقاة البغي وردع الباغين.. وذلك حين قام فى الناس من يدعونهم إلى الاستسلام للقدر، والرضا بالمقدور.. وتلك كلمة حق أريد بها باطل..
إذ كانت أشبه بمخدّر ثقيل، أمات فى الناس مشاعر الإحساس بكل ظلم، فاستساغوا طعمه، واستناموا فى ظلّه، يجترّون كل ما يلقى إليهم من عسف، وما يساق إليهم من بلاء.. وإنه لولا هذا ما استطال حكم أمراء السوء، ولا امتدّ سلطان الملوك والسلاطين الباغين المفسدين، دون أن يلقاهم أحد بنكير، أو يؤاخذهم مؤاخذ بما اقترفوا من مظالم، وما ارتكبوا من آثام..
إن مهمّة الرسل، والمصلحين فى الناس، إنما هى فى صميمها ثورة على أوضاع قائمة جائرة، وحرب على مظالم صارخة، هى فى نظر الحق والعدل منكرات يجب أن تزول، وهى عند البغاة والمتسلطين حق مشروع، ثم هى عند أدعياء الإيمان قدر مقدور! ولا نريد أن ندع هذا البحث فى «القضاء والقدر» قبل أن نذكر رأيا
691
«لابن القيّم» فى هذه القضية، يعتبر- فى رأينا- مقطع الفصل فيها، عند المؤمنين بالله، وبما لله من أحكام فى عباده..
يقول ابن القيّم فى كتابه: «روضة المحبين» :
«فأحكام العالم العلوىّ والسّفلىّ وما فيهما، موافقة للأمر..
إما الأمر الدينىّ، الذي يحبّه الله ويرضاه، وإما الأمر الكونىّ الذي قدّره وقضاه..
«وهو سبحانه لم يقدّره- أي الأمر الكونىّ- سدى، ولا قضاء عبثا، بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة، وما يترتب عليه من أمور، يحبّ غاياتها وإن كره أسبابها ومبادئها..
«فإنه.. سبحانه وتعالى- يحبّ المغفرة، وإن كره معاصى عباده، ويحبّ الستر، وإن كره ما يستر عبده عليه، ويحبّ العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار.. ويحب العفو، وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار.. ويحبّ التوّابين وتوبتهم، وإن كره معاصيهم التي يتوبون إليه منها.. ويحب الجهاد وأهله، بل هم أحبّ خلقه إليه، وإن كره أفعال من يجاهدونهم..
ثم يقول:
«وهذا باب واسع، قد فتح لك، فادخل منه، يطلعك على رياض من المعرفة مونقة، مات من فاتته بحسرتها، وبالله التوفيق.
ثم يقول:
«وسرّ هذا العباب، أنه- سبحانه- كامل فى أسمائه وصفاته، فله الكمال المطلق، من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه ما..
692
وهو- سبحانه- يحبّ أسماءه وصفاته، ويحبّ ظهور آثارها فى خلقه، فإن ذلك من لوازم كماله..
فإنه- سبحانه- وتر يحبّ الوتر.. جميل، يحبّ الجمال.. عليم، يحبّ العلماء.. جواد، يحبّ الأجواد.. قوىّ، والمؤمن القوىّ أحبّ إليه من المؤمن الضعيف.. حيىّ، يحبّ أهل الحياء.. وفىّ، يحبّ أهل الوفاء.. شكور، يحبّ الشاكرين.. صادق، يحبّ الصادقين.. محسن، يحبّ المحسنين..
«فإذا كان- سبحانه- يحبّ العفو، والمغفرة، والحلم، والصفح، والستر- لم يكن بدّ من تقدير الأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها، ويستدلّ بها عباده على كمال أسمائه وصفاته، ويكون ذلك أدعى إلى محبته، وحمده، وتمجيده، والثناء عليه بما هو أهله.. فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق.. وإن فاتت من بعضهم، فذلك الفوت سبب لكمالها وظهورها..
«فتضمّن ذلك الفوت المكروه له- سبحانه- أمرا هو أحبّ إليه من عدمه! «فتأمّل، هذا الموضع حق التأمل..
«وهذا ينكشف يوم القيامة للخليقة بأجمعهم، حين يجمعهم فى صعيد واحد، ويوصّل لكل نفس ما ينبغى إيصاله إليها من الخير والشرّ، واللذة والألم، حتى مثقال الذّرة، ويوصّل كلّ نفس إلى غاياتها التي تشهد هى أنّها أولى بها..
«فحينئذ ينطق الكون بأجمعه، بحمده، تبارك وتعالى، قالا (أي قولا) وحالا، كما قال سبحانه وتعالى: «وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»
فحذف
693
فاعل القول، لأنه غير معيّن، بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه.. فيحمده أهل السموات، وأهل الأرض، والأبرار والفجّار، والجنّ والإنس.. حتى أهل النار! قال (الحسن البصري) وغيره: «لقد دخلوا النار وإن حمده لفى قلوبهم»..
«وهذا- والله أعلم- هو السر، الذي حذف لأجله الفاعل، فى قوله:
«قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها»
وقوله: «وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ» كأنّ الخلق كله، نطق بذلك وقاله لهم.. والله تعالى أعلم بالصواب» ا. هـ
الآيات: (٨٣- ٩٨) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ٩٨]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧)
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢)
حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧)
قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)
694
التفسير:
الذّكر: الخبر، والحديث عن الأمر بما يذكّر به.
مكنّا له فى الأرض: جعلنا له مكانا ذا سلطان فيها..
السبب: ما يتوصل به إلى أمر من الأمور.. وهو فى الأصل: الحبل الذي يصل شيئا بشىء.. ويقال للباب الذي يدخل منه إلى المكان: سبب..
عين حمئة: الحمأة: الطين الأسود، والعين الحمئة: التي اسودّ ما فيها من طين.. وقرىء: «عين حامية» أي شديدة الحرارة.. كما فى قوله تعالى:
«وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ».
(٨- ١١: القارعة) السّدّان: مثنىّ سدّ، والسدّ: الحاجز بين الشيئين، ويسمى الجبل سدّا، لأنه يحجز بين ما بين يديه وما خلفه.
زبر الحديد: القطع العظيمة منه.. واحدتها زبرة: كغرفة.
الصّدفان: مثنىّ صدف، والصّدف جانب الجبل، ولا يقال له صدف حتى يكون فى مقابله صدف آخر.. فكأن أحدهما صادف الآخر، وقابله.
695
القطر: النحاس المذاب، لأنه يقطر كما يقطر الماء.
أن يظهروه: أي أن يتسلقوه، ويركبوا ظهره، لملامسته وارتفاعه..
النقب: الثقب والخرق فى الجدار، ينفذ من جانبه إلى الجانب الآخر..
[ذو القرنين.. من هو؟ وما شأنه؟]
فى الخمس عشرة آية السابقة قصّة رجل ذى شأن عجيب، بين يديه قوّى، ومعه سلطان، قلّ أن يقع مثلهما ليد إنسان.. وسمى ذا القرنين لبلوغه المشرق والمغرب، فكأنه حاز قربى الدنيا.
ومن أجل هذا كانت المناسبة قوية بين قصة هذا الرجل، وبين قصة العبد الصالح.. صاحب موسى، فجاءت هذه القصة وراء قصّة العبد الصالح، تالية لها.
ثم إنه- مع هذا- يوجد بين القصّتين، أكثر من وجه من وجوه الشبه..
فأولا: العبد الصالح، وذو القرنين، كلاهما ممن اختصه الله سبحانه وتعالى بشىء من فضله ورحمته..
فالله سبحانه وتعالى يقول عن العبد الصالح: «عَبْداً مِنْ عِبادِنا.. آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً».
ويقول جل شأنه فى ذى القرنين: «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً».
والفرق بين الرجلين فيما اختصهما الله تعالى به، أن ما أصاب العبد الصالح من فضل الله، كان علما لدنّيّا، ارتقى به فوق مستوى العلم البشرى، على حين أن ما أصاب ذا القرنين كان تمكينا فى الأرض، وهداية إلى الأسباب التي تدعم هذا التمكين، وتحرسه من الآفات التي تجعل من تلك القوة الممكنة،
696
أن تكون أداة بغى وعدوان.. فكان بهذا على مستوى من الحكمة والتدبير وحسن السياسة للملك، بما يكاد يتفرد به بين أصحاب الملك والسلطان..
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن العبد الصالح نسيج وحده فى العلم الذي معه، وإن ذا القرنين، نسيج وحده كذلك فى دنيا الملوك والسلاطين، أصحاب الجاه والسلطان..
وثانيا: الأحداث التي اشتملت عليها كلتا القصتين..
ففى كل منهما ثلاثة أحداث، هى التي كشف عنها القرآن من أمر صاحبى القصة..
فخرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار.. هى الأحداث الثلاثة التي جرت على يد العبد الصالح..
وبلوغ مغرب الشمس، وبلوغ مشرقها، وإقامة السدّ.. هى أحداث ثلاثة، من أحداث ذى القرنين..
ثالثا: تحركات الرجلين..
كانت لكل منهما ثلاثة منطلقات.. كل منطلق إلى غاية من الغايات الثلاث، التي تولد من كل غاية منها حدث..
فالعبد الصالح، ينطلق فى كل مرّة، ومعه صاحبه موسى.. وكأن موسى هو السبب الذي كان عنه منطلقه إلى كل غاية من غاياته الثلاث: «فانطلقا»..
«فانطلقا».. «فانطلقا».
وذو القرنين، ينطلق فى كل مرة، ومعه سبب، يتبعه سبب، حتى يبلغ غايته.. «فَأَتْبَعَ سَبَباً».. «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً».. «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً» !
697
ورابعا: أسباب العبد الصالح، تجرى على مستوى قدرى، فوق مستوى البشر..
أما أسباب ذى القرنين فتجرى على مستوى العقل البشرى، حيث يأخذ الأمور بأسبابها الظاهرة التي تبدو لعين العاقل، البصير، العالم..
ومع هذا، فإن أسباب كلّ منهما تلتقى عند نهايتها بما هو مطلوب ومحمود..
وهذا يعنى أن مستوى البشرية، يستطيع أن يرتفع بما يكتسب من العلم والمعرفة إلى حيث يجرى فى طريق مستقيم، تتكشف فيه لبصيرته مواقع الحق والخير، فلا يخطىء الغاية، ولا يضل السبيل..
وهذا يعنى من جهة أخرى أن العلم المكتسب: إذا صادف قلبا سليما، وعقلا حكيما، ونفسا مطمئنة، كان أشبه بما يفاض على الإنسان فيضا، مما يفتح الله للناس من رحمته، فضلا، وكرما، من غير كسب! ذلك أن فى الإنسان- كل إنسان- قبسة من العالم العلوىّ إذا أمدّها الإنسان بالسعي والجدّ فى تحصيل المعرفة، ونفخ فيها من روحه وعزمه، ظلت مضيئة مشرقة، ثم ازدادت مع السعى والجدّ ضياء وإشراقا..
أما إذا أهمل الإنسان هذه القبسة العلوية التي فى كيانه، ولم يمدّها من ذات نفسه بالوقود المناسب لها، خبت، ثم انطفأت وخمدت! «تساؤلات.. وتصورات» وفى أحداث القصة أمور لفتت إليها الأنظار، وأثارت كثيرا من التساؤلات، التي أدت بدورها إلى كثير من المقولات المتضاربة، الناجمة فى
698
أكثرها عن تصورات وأوهام: دون أن يكون لها مستند من واقع، ولا قبول من عقل، ولا إجازة من منطق..
ومن هذه التساؤلات، والمقولات، ما دار حول ذى القرنين والأسباب التي معه، ومغرب الشمس ومطلعها، ويأجوج ومأجوج، والسدّ الذي أقيم دونهم..
فكل أمر من هذه الأمور أصبح قضية، كثر المتخاصمون فيها، وكثرت مدّعيات كل طرف من أطراف الخصومة عليها، بحيث كان على من يريد النظر فى أية قضية منها، أو أن يتعرف على وجه الرأى فيها- أن يستمع إلى عشرات الأقوال المتناقضة، التي يدعمها أصحابها بأحاديث تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبآراء تستند إلى الأجلاء الأعلام من صحابة رسول الله رضوان الله عليهم، كعلىّ بن أبى طالب، وعمر بن الخطاب، وابن عباس..
وغيرهم..
ولا نريد أن نشغل أنفسنا بهذه المقولات، ما صح منها وما لم يصح..
وذلك لأمرين:
أولهما: أن أية مقولة تقال فى هذه الأمور، لا تزيد من قيمتها، ولا تنقص من قدرها فى ميزان العبرة والعظة الماثلة منها.. إذ لا تعدو هذه المقولات التي قيلت أو تقال فى هذه المسميات أن تكون ذيولا وإضافات، لا تغير شيئا من ذات المسمّى.. تماما كالاسم الذي يطلق على المسمى.. إنه ليس أكثر من إشارة يشار بها إليه، أو رمز يستدل به عليه!! أما ذاته وحقيقته، فلا يؤثر فيها الاسم الذي يطلق عليها، ولا يغير من صفتها شيئا..
وثانيهما: أن هذه المقولات مبثوثة فى كتب التفاسير، والحديث، والقصص.. بحيث لا يحتاج الأمر فى الوقوف عليها عند من يهمّه أمرها، إلى
699
كبير مشقة.. فما هى إلا أن يمد يده إلى أي كتاب منها حتى يقع على ما يريد وأكثر مما يريد! وعلى هذا، فإننا سنقتصر على إشارة دالة على كل مشخص من هذه المشخصات، حسب مفهومنا له..
فأولا:
(ذو القرنين)
هو الإسكندر الأكبر، ملك مقدونيا، من بارد اليونان.. والذي استطاع أن يضم بلاد اليونان كلها إلى ملكه الذي ورثه عن أبيه، ثم استطاع كذلك أن يوسع دائرة مملكته شرقا وغربا، حتى ضمّ إليه بفتوحاته معظم العالم المعمور الذي كان معروفا فى وقته.. فبلغ الصين والهند شرقا، ودارت فى فلك دولته قرطاجنة، ومصر، والشام، والعراق، وإيران، وأفغانستان، والهند، وأطراف الصين..
أما سبب امتداد ملكه جهة الشرق لا الغرب، فلأن الشرق فى ذلك الحين، كان هو مركز النشاط الإنسانى، ومطلع العلوم والفنون، والآداب، وكان هو الذي يناظر بلاد اليونان التي كانت الشعلة المضيئة فى الظلام المنعقد على أوربا فى ذلك الحين.. ولهذا كان الاحتكاك دائما فى هذه العصور الغابرة، واقعا بين بلاد اليونان، وفارس، وما بينهما..
وقد تتلمذ الإسكندر على الفيلسوف اليوناني العظيم، أو المعلم الأول «أرسطو».. وساعده نبوغه العبقري على أن يهضم فلسفة «أرسطو» فى فترة قصيرة، وأن يتمثلها تمثيلا صحيحا، وأن يصفّيها من كلّ شائبة.. فكانت تلك الفلسفة غذاء صالحا لهذا العقل السليم المتفتح لاستقبال كل ما يمدّه
700
بطاقات من النور، تزداد بها بصيرته نفوذا إلى أعماق الأشياء، والوصول إلى لبابها..
فالإسكندر، بذكائه وعبقريته، وباستعداده الموروث للملك والسلطان- استطاع أن يحوّل فلسفة «أرسطو» إلى واقع عملىّ، وإلى قوة منطلقة معه لتحقيق آماله الكبيرة، وبناء هذه الدولة العظيمة التي تحركت لها همته، على أساس وطيد، من العدل والإحسان..
وذو القرنين- كما يذكره القرآن- رجل مؤمن بالله، التقى فيه هذا الإيمان بطبيعة قوية، تنفى الخبث، وتعاف المنكر من الأمور، وتأبى أن تنزل إلى ما يمسّ المروءة، ويجور على الشرف والكرامة..
فكانت خطواته كلّها قائمة على طريق الحق، والعدل، والخير..
والإسكندر، أشبه الناس بذي القرنين هذا فقد كان مؤمنا بالله، وقد فتح له الطريق إلى هذا الإيمان أستاذه «أرسطو»، الذي كان موحّدا، يقول بالصانع الأول، وبالعقل الأول، وبالمحرّك الأول، وبالسبب الأول.. إلى غير ذلك من المقولات، التي تجعل على الوجود قوة عاقلة، يدور فى فلكها كل موجود! وإذا كانت تصورات «أرسطو» لله سبحانه وتعالى يحفّها الغموض، فإنها تصورات فى صميمها، تبلغ بمن يأخذ طريقه معها على هدى وبصيرة- إلى التصوّر الصحيح لله سبحانه وتعالى..
وليس بالبعيد أن يكون «الإسكندر» قد اهتدى فى طريقه إلى الله بما لم يهتد إليه أستاذه، فآمن بإله متفرد بكل كمال، منزّه عن كل نقص.. لا يشاركه أحد فى ملكه، مما كان يقول به أستاذه، وتقول به الفلسفة اليونانية، من العقول السبعة، النابعة من العقل الأول، والعاملة معه..!
701
وعلى أىّ، فإن ذا القرنين، سواءا كان هو الإسكندر الأكبر، أو غيره من عباد الله، فإنه على صفتين:
أولهما: أنه ذو سلطان متمكن، وأنه- بما آتاه الله من عقل وحكمة، ومن ملك وسلطان- قد اجتمع له من الأسباب ما يمكّن له من الحصول على مسببات لم تجتمع ليد أحد غيره، وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً» وليس المراد بقوله تعالى: «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» العموم والشمول، لجميع الأشياء.. وإنما المراد به كل شىء يصلح به أمره، ويقوم عليه سلطانه.. ومثل هذا قوله تعالى على لسان الهدهد عن ملكة سبأ: «وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ» (٢٣: النمل) ومثله قوله تعالى على لسان سليمان: «يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (١٦: النمل).. فالمراد بكل شىء فى الموضعين: ما يصلح عليه الأمر، ويتم به نظام الحياة فى المستوي الطيب الكريم..
وثانية الصفتين اللتين يتصف بهما ذو القرنين: أنه مؤمن بالله وأنه أقام هذا الملك الواسع العريض على الحق، والعدل والإحسان، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً»
فهو فى هذه الآيات يخاطب من الله وحيا أو إلهاما، كما أنه فى هذه الآية أيضا يقوم داعية لله يدعو إلى الإيمان بالله.. ثم هو مؤمن بالآخرة وبالجزاء الأخروي، يأخذ الكافرين بالله بالبأساء والضراء فى الدنيا، ثم يدعهم ليلقوا فى الآخرة العذاب الشديد النّكر الذي لا تعرفه الحياة، ولا يذوق مثله الأحياء فى الدنيا..
ومما يدل على إيمانه بالله، ما تكرر على لسانه من إضافته إلى ربّه..
702
فيقول: «ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ».. ويقول: «هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي»..
ويقول: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا».
[الأسباب التي بين يدى ذى القرنين]
والأسباب هى الوسائل التي يتوسل بها إلى نتائج ومسببات.. وقد تكون هذه النتائج، وتلك المسببات أسبابا إلى نتائج ومسببات.. وهكذا..
أسباب يتوسل بها إلى مسببات، ثم مسبّبات تكون وسائل يتوسل بها إلى مسببات.. ثم تكون هذه المسببات، وسائل إلى مسببات.. فى سلسلة تتصل حلقاتها، ويتكون من كل حلقة منها سلسلة من الأسباب والمسببات..
بحيث ترتبط أحداث الحياة كلها بهذه السلاسل، وتلك الحلقات، كما ترتبط بالشجرة أغصانها، وفروعها، وأوراقها.
وما آتاه الله سبحانه وتعالى ذا القرنين من أسباب لكل شىء..
هى تلك الوسائل السليمة الصحيحة، المؤدّية إلى مسبّبات طيبة كريمة، قائمة على الخير والإحسان..
وقد يكون للشىء أكثر من سبب، وأكثر من وسيلة يتوسل بها إليه..
وبعض هذه الأسباب سليم كريم، وبعضها ملتو خبيث..
فالحصول على المال مثلا، يمكن أن يتوسل إليه بالعمل الجادّ، وبالكسب الحلال، كما يمكن أن يتوسّل إليه بأسباب كثيرة فاسدة، كالسّرقة، والغصب، والاحتيال، والنصب، والغشّ، والرّبا.. ونحو هذا..
وفى قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً» إشارة إلى أن الأسباب التي وضعها الله سبحانه وتعالى فى يد ذى القرنين، وأقام نظره وقوله عليها، هى الأسباب السليمة الصحيحة المعزولة عن الأسباب الفاسدة الظالمة.. وهذا
703
هو السرّ فى النظم الذي جاء عليه النظم القرآنى، من إفراد كلمة «سبب»، ليكون ذلك إشارة دالة على أنه سبب واحد، متخيّر من بين كل الأسباب، وأنه السبب الصالح السليم فيها، أو هو أصلح وأسلم الأسباب.. ويكون معنى النظم: «وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً».. أي آتيناه سببا من كل شىء يعالجه، ويعمل فيه، وهو السبب الموصّل إليه على أكمل صورة وأعدلها.. وفى تنكير السبب، ما يغنى عن وصفه، إذ أن هذا التنكير يحمل فى كيانه- مع هذا الأسلوب الذي عليه النظم القرآنى- تنويها به، ورفعا لقدره، واستعلاء بمكانته بين الأسباب المتداخلة معه فى الوصول إلى الغاية المتّجه إليها..
(مغرب الشمس.. ومطلعها)
تحدثت الآيات عن بلوغ ذى القرنين مغرب الشمس، ومطلع الشمس..
وأنه تحرك غربا حتى بلغ مغرب الشمس، وتحرّك شرقا حتى بلغ مطلعها..
وقد حمل ذلك كثيرا من المفسّرين على الخوض فى تحديد المكان الذي تغرب فيه الشمس، والمكان الذي تطلع منه.. وكثير من الخائضين فى هذا الأمر كانوا على علم من هذا الذي نعلمه نحن اليوم من أمر الفلك، وأن الشمس لا تغرب أبدا.. وأنها إذا غربت من أفق من آفاق الأرض كانت فى شروق على أفق آخر من آفاقها..!
وإذا كان القرآن الكريم قد تحدث عن غروب الشمس وشروقها، فهو حديث منظور فيه إلى الواقع المشاهد من حياتنا، فى تعاملنا مع الشمس.. فنحن نراها تغرب وتشرق كل يوم، على الأفق الذي نعيش فيه من الأرض..
فذو القرنين، يرى- كما نرى- الشمس تغرب وتشرق كلّ يوم.. وقد ذكر القرآن الكريم وصفا للمكان الذي بلغه ذو القرنين غربا، والذي كانت
704
تغرب فيه الشمس، على مستوى نظره: «وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ» أي أنها كانت فى نظره تسقط وتختفى عند عين حمئة: أي عين ماء فيها طين قد اسودّ كثيرا، وكأنه الحمم.. أو هى «عين حامية» كما قرىء بها.. أي شديدة الحرارة.. وكما وصف القرآن الكريم هنا طبيعة الأرض التي تغرب فيها الشمس، وصف المجتمع البشرى الذي كان يعيش هناك، فقال تعالى: «وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً»..
فهم قوم غير مؤمنين بالله..
أما مطلع الشمس، فلم يصف القرآن طبيعة الأرض التي تطلع منها، وإنما وصف طبيعة الجماعة الإنسانية كانت التي تقيم هناك.. فقال تعالى: «وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً..» أي أنهم على حال من البدائية، بحيث لا يرتفعون كثيرا عن مستوى الحيوان. فهم عراة أو شبه عراة.. لا تكنّهم بيوت مصنوعة، ولا تسترهم ثياب منسوجة.. يأوون إلى الكهوف والمغارات.
ولهذا اختلف موقف ذى القرنين من الجماعة البشرية، هنا وهناك.. فالجماعة التي وجدها عند مغرب الشمس، كانت على مستوى من الفهم والإدراك، ولديها ما يؤهلها لأن تتحمل التكاليف، وتدعى إلى الإيمان بالله..
ولهذا، وقف عندها ذو القرنين، وامتثل ما أمره الله فيها بقوله سبحانه:
«يا ذَا الْقَرْنَيْنِ: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً» فكان موقف ذى القرنين هنا جامعا الأمرين معا.. «أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً»..
أما الجماعة التي وجدها عند مطلع الشمس، وهى الجماعة التي كانت فى مرحلة الطفولة الإنسانية، فقد تجاوزها، ولم يقف طويلا عندها، ولم يعرض عليها
705
الإيمان بالله، إذ كانت بحيث لا تعقل تلك الدعوة، ولا تجد لها مفهوما، فهى- والحال كذلك- لم تبلغ مبلغ التكليف بعد، وقد تركها تعالج أمورها على ما يقع فى تصورها الطفولىّ، حتى ينضجها الزمن، ويبلغ بها مبلغ الرجال! ولا نقع فيما وقع فيه الذين سبقونا من المفسّرين من الرجم بالغيب حول تحديد المكان الذي غربت عنده، أو طلعت منه، شمس ذى القرنين.. ويكفى أن نشير إلى أنّهما لم يكونا أقصى الأرض غربا، أو أقصاها شرقا.. فقد صرّح القرآن الكريم، بأن ذا القرنين، بعد أن بلغ مطلع الشمس، جاوز هذا المكان، حتى بلغ بين السّدّين.. أي الجبلين، أو الحاجزين، إذ كان كل منهما يحجز ما وراءه عما هو أمامه.. وفى هذا يقول الله تعالى: «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا».. وقرىء «يَفْقَهُونَ» بضمّ الياء، وكلا القراءتين على معنى سواء، فى أن القوم ما زالوا فى درجة متأخرة من الإنسانية، وأنهم وإن ارتفعوا قليلا عن هؤلاء القوم الذين صادفهم عند مطلع الشمس إلا أنهم ما زالوا فى مرحلة الصّبا، لا يحتملون تبعات التكاليف، ولهذا كان موقفه منهم موقفا وسطا، فلم يدعهم إلى الإيمان بالله، لأنهم دون مستوى هذه الدعوة، ولم يتركهم وشأنهم، بل أخذهم بشىء من الوقاية والرعاية، حتى يرشدوا ويبلغوا مبلغ الرجال، وهم على وشك أن يبلغوه فأقام لهم هذا السدّ الذي يحميهم من عواصف الشر التي تهبّ عليهم من جيرانهم: «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ».
(يأجوج.. ومأجوج)
لم يشر القرآن إلى يأجوج ومأجوج بأكثر من هذا الوصف الذي يصفهم به جيرانهم، وأنهم مفسدون فى الأرض، وهم لهذا يطلبون من ذى القرنين أن
706
يجعل بينهم وبين هؤلاء المفسدين سدّا، يدفع عنهم عدوانهم..
«قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا».
- «إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ».. هذا هو كل ما كشف عنه القرآن من «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ».
ولكن يظهر أن غرابة الاسم «يأجوج» ومزاوجته مع «مأجوج» الذي يشبهه فى غرابته، قد أغرى المفسّرين، وغيرهم من أصحاب السّير بأن يخلعوا على المسمّى من الصفات الغريبة، والأوصاف العجيبة، مالا يكاد يقع لخيال الذين ألفوا ليالى «ألف ليلة وليلة» : فهم- أي يأجوج ومأجوج- بين طويل يبلغ طوله عشرات الأمتار، أو قصير لا يجاوز ذراعا! وقل مثل هذا فى أفواههم، وأسنانهم، ورءوسهم، وشعورهم، مما لا يكاد يكون إلا فى عالم الشياطين والمردة، فى تصورات الذين يتحدثون عنهما..
إن «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» هذين الاسمين فى غرابتهما، وازدواجهما كانا مادة خصبة لتوليد الصور الغريبة، وتأليف الروايات المختلفة، حتى يستقيم المسمّى على دلالة الاسم، وحتى لقد سمح الخيال بأن يقال: إن هذين الاسمين عربيان، وإن يأجوج، مشتق من أجيج النار، وهو هذا الصوت الرهيب الذي تشهق به النار حين يتأجج وقودها ويندلع لهيبها.. كما أن مأجوج، مشتق من الموج والاضطراب.. يقال ماج البحر: أي اضطرب وهاج..!
ولعلّ أغرب ما قيل فى هذا المقام من مقولات، أن آدم كان قد احتلم، فوقعت نطفته على الأرض، وكان أن تخلّق من هذه النطفة كائن هو الأب الأكبر لهؤلاء القوم!!
707
وهذا وكثير كثير غيره مما قيل فى يأجوج ومأجوج، هو- كما قلنا- بعيد غاية البعد عن منطوق القرآن، كما أنه بعيد غاية البعد عن الحقيقة الممكن تصورها.. فما عرف فى التاريخ البعيد، أو القريب، جماعة بشرية لها شىء من هذه الأوصاف.. وما عرف فى أبناء آدم هذا التفاوت البعيد فى الصفات الجسدية، وإن وجد بينهم تغاير فى الألوان، وفى الأخلاق والعادات، وتفاوت فى العقول والملكات.. ولكن مع هذا التغاير وذلك التفاوت- لا يبدو منهم جميعا ما يقطع نسب بعضهم عن بعض، ولا يدفع نسبة بعضهم إلى بعض..
وعلى هذا، فإنا نقول بأن «يأجوج ومأجوج» هما جماعة أو جماعات من تلك القبائل المتخلفة، التي تسكن الآجام والغابات، وتأوى إلى الكهوف والمغارات، والتي لم تبعد كثيرا عن حياة الحيوانات المتوحشة المفترسة، وتسبب كثيرا من القلق والإزعاج للجماعات القريبة منها والتي أخذت حظا من المدنية والعمران..
وحسبنا أن نذكر هنا المغول وما أحدثوا من إفساد للحضارة الإسلامية، مما لم تحدثه أعظم الزلازل، وأعتى الأوبئة وأشدها هولا وفتكا..!
(السد، وما أقيم منه)
كان السدّ الذي أقامه ذو القرنين، استجابة للقوم الذين لقاهم بين السدين- كان أقل أحداث هذه القصة إثارة للبحث، وتوليدا للصور والخيالات..
وذلك أن القرآن الكريم قد تحدث عن هذا السدّ بشىء من التفصيل، لم يدع لأصحاب الخيال أن ينطلقوا بخيالاتهم فيه إلى مدى بعيد..
وفى هذا يقول الله تعالى:
«قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ.. فَهَلْ
708
نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا؟».
«قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً».
«آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ.. حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا.. حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً»..
هذه هى قصة إقامة «الردم» كما سماه ذو القرنين، أو «السد» كما طلبه القوم..
إن مادته من قطع الحديد، التي جمعها القوم من كل مكان. وجعلوا منها جسرا كبيرا يسدّ الفراغ الذي كان بين الجبلين، والذي كان ينفذ منه يأجوج ومأجوج إلى القوم..
وقد أمر ذو القرنين القوم أن يوقدوا على هذا الحديد، النار، وأن يستعملوا المنافيخ كى يشتدّ اشتعال النار. وينصهر الحديد..
فلما تم له ذلك، دعا القوم إلى أن يأتوا (بالقطر) وهو النحاس المذاب، فيفرغوه فوق هذا الحديد المنصهر، فيمسك بعضه ببعض، كما يفعل الملاط بأحجار البناء..
ولا شك أن الحديد لم يكن هو كل مادة البناء التي بنى بها «الردم»..
وإنما كان هو العنصر القوى فيها، بل هو كذلك العنصر الغريب غير المألوف فى البناء..
ولهذا اختص بالذكر.. وهناك الأحجار، والرمال، وغيرها مما اتخذ فى مادة البناء مع الحديد، والتي بها أمكن تسوية السدّ، وإلا لو كان السدّ حديدا حالصا لا حتاج إلى مالا تحتمله الطاقة البشرية، وخاصة فى هذا الزمن البعيد، مع تلك الوسائل البدائية المحدودة للحصول عليه..
709
ومن تمام هذا التدبير الحكيم فى إقامة «الردم» أن يختبر، وأن يرى منه القوم ثمرة هذا الجهد العظيم الشاق الذي بذلوه فيه..
وقد رأى القوم رأى العين الأثر العظيم الذي كان لهذا «الردم».. فقد مضت الأيام، والشهور، دون أن يطرقهم طارق من هذا الشرّ الذي كان يبغتهم مصبحين وممسين، وكذلك رغم المحاولات التي بذلها يأجوج ومأجوج، لتسلقه، أو إحداث نقب أو ثقب فيه، ينفذون منه، كما يقول تعالى:
«فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً» هذا هو الذي نطق به لسان الحال، وتحدث به القوم..
وحين رأى ذو القرنين هذا قال:
«هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا».
أي أن هذا الرّدم، هو رحمة من رحمة الله ساقها الله سبحانه وتعالى، إلى هؤلاء القوم على يديه..
ووعد الله هنا، قد يكون مرادا به يوم القيامة، وقد يكون مرادا به الأجل المقدور فى علم الله لبقاء هذا الرّدم.. والرأى الأول هو الأولى، إذ كانت الآية التالية لهذه تومىء إليه، وهو قوله تعالى: «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً»..
وهذا يعنى أن هذا الرّدم قد صار أشبه بجبل من تلك الجبال المتصلة به من طرفيه، وأنه باق ما بقيت فإذا جاءت أشراط الساعة، دك هذا الردم ودكت الجبال كلها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة أخرى:
«وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» (١٤: الحاقة).
710
وهكذا تنتهى مسيرة ذى القرنين، يصحبه فيها عقل حكيم، وقلب سليم، متخذا إلى غاياته الأسباب المستقيمة مع العدل والإحسان..
إنه يضع فى مسيرته تلك آثار أقدام الإنسان الرشيد، المهتدى بعقله، الموقظ لضميره.. فكاد الإنسان بتحريك ملكاته، وإطلاق قوى الخير فيه- كاد- يتعادل ميزانه مع ميزان الإنسان الذي يتلقى فيوض العلم العلوي ويقيم خطواته على هديها..
وهكذا يستطيع الإنسان أن يثبت أنه كائن له إلى العالم العلوي سبيل، وأن بينه وبين الملأ الأعلى طريقا يصل ما بين الأرض والسماء..!!
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى ما بين قصة ذى القرنين، وقصة العبد الصالح من تلاق وتوافق فى أكثر من وجه.. كما أشرنا إلى ذلك من قبل..
والذي نود أن نشير إليه هنا من وجوه هذا التلاقي والتوافق، هو ما جاء فى قصة العبد الصالح من قوله لموسى، حين أراد فراقه: «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» فلما نبأه بتأويل هذا قال له: «ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً»..
وهنا فى قصة ذى القرنين يجىء قوله تعالى: «فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً».
فيجىء فعل الاستطاعة فى القصتين، بتاء المطاوعة مرة، ويجىء بغير التاء مرة أخرى..
وقد قلنا إن هذه التاء تدل على زيادة فى الشدة والقسوة، حيث يفترق بها فعل عن فعل..
711
وهنا- فى قصة ذى القرنين- نجد نفس الشيء.. حيث أن القوم أرادوا أن يصعدوا السدّ صعودا فما «اسْتَطاعُوا».. وأما حين أرادوا أن يحدثوا فيه نقبا فما «اسْتَطاعُوا».. ومعالجة النقب أشدّ صعوبة من محاولة التسلق..!!
الآيات: (٩٩- ١١٠) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٩ الى ١١٠]
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣)
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨)
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)
712
التفسير:
قوله تعالى: «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً».
هو معطوف على قوله تعالى: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا».. أي أنه إذا جاء الأجل الموقوت عند الله لقيام- هذا السدّ وبقائه- دكّ هذا الرّدم الذي أقامه ذو القرنين، وانطلقت جماعات يأجوج ومأجوج إلى ما كانت تنطلق إليه من قبل، ونفذت إلى هؤلاء القوم الذين احتموا من عدوانهم بهذا الردم.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ..» (٩٦- ٩٧: الأنبياء).
- فقوله تعالى: «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» يبيّن ما سيقع فى هذا اليوم، أي اليوم الذي يأذن فيه الله سبحانه وتعالى بزوال هذا السدّ من مكانه، ونهاية دوره.. ففى هذا اليوم- وهو أيام وأعوام- تتبدل معالم الأرض، وينهال هذا الردم، ويفتح السدّ فيما بين يأجوج ومأجوج، وبين الجماعات المتحضرة التي كانت فى حماية بهذا السدّ من فسادها.. وعندئذ يختلط بعضهم ببعض، ويموج بعضهم فى بعض، وتعصف بهم عواصف الشرّ والفساد حتى يفنى بعضهم بعضا. ثم بعد قليل أو كثير من الزمن، ينفخ فى الصور، فيبعث الموتى من قبورهم، ويساقون إلى المحشر، وعندئذ يرى الكافرون جهنم بارزة، يتلظى لهيبها.. كما يقول سبحانه: «وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً» (٥٣: الكهف).
713
- وقوله تعالى: «الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً» هو وصف كاشف لهؤلاء الكافرين، الذين عرضت عليهم جهنم عرضا تنخلع منه قلوبهم فزعا، وتمتلىء به نفوسهم رعبا.. فهؤلاء الكافرون كانوا فى غفلة عن الله، وعن دعوة الحق التي كان يحملها إليهم رسل الله.. إذ كانت أعينهم فى غطاء عن ذكر الله، فلم ينظروا فيما خلق الله فى السموات والأرض.. ثم إنهم إذ عموا عن آيات الله، ولم تتجه إليها عقولهم، ولم تتفتح لها قلوبهم- أصمّوا آذانهم عن آيات الله التي يحدثهم بها رسل الله..
- وفى قوله تعالى: «وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً» إشارة إلى ما ختم الله به على سمعهم.. فهم- والحال كذلك- مصابون بهذا الصمم عن كل ما هو حق وعدل، وخير.. أما ما كان من واردات السوء، والشرّ، فهم أسمع الناس له، وأكثرهم استجابة لندائه..
قوله تعالى: «أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ.. إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا».
المراد بالذين كفروا هنا، هم اليهود والنصارى، ومن كان على شاكلتهم، ممن ألّهوا غير الله، من عباده، كما قالت اليهود عزير ابن الله، وكما قالت النصارى، المسيح ابن الله..
فهؤلاء، وإن كانوا أهل كتاب، قد خرجوا على تعاليم كتبهم، وأفسدوا المعتقد الصحيح، الذي جاءهم به رسل الله، فاتخذوا من عباد الله آلهة، وجعلوا ولاءهم لهم، من دون الله..
وفى النظم القرآنى حذف دلّ عليه السّياق، وتقديره: أحسب الذين
714
كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء، ثم لا يلقون جزاء هذا العمل الفاسد الأثيم؟ كلا.. «إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا» وإذ كانوا يعملهم هذا قد دخلوا مداخل الكفر، وأصبحوا فى زمرة الكافرين، فإن جزاءهم هو جزاء الكافرين، ولا جزاء للكافرين إلّا جهنم التي جعلها الله المنزل الذي ينزلونه يوم الدّين..
قوله تعالى:
«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً».
الاستفهام هنا خبرى، يراد به الكشف عن المجرمين، وعن الطريق الذي ركبوه، حتى وصلوا إلى هذا الذي هم فيه من كفر وضلال.
وفى سوق الخبر فى مساق الاستفهام، إثارة الانتباه إلى ما وراء هذا الاستفهام من جواب عليه.. ولو جاء الخبر مباشرا لما كان له هذا الوقع على النفس، حين تتلقاه بعد هذا الاستفهام المثير لحبّ الاستطلاع! والآيتان تقرران حكما هو: أن أخسر الناس أعمالا، وأبخسهم حظا بما عملوا، هم هؤلاء الذين يركبون الطريق المعوج، طريق الضلال، وهى فى حسابهم وتقديرهم أنها طريق خير وفلاح.. فمثل هؤلاء لا يرجى لفسادهم صلاح أبدا، إذ لا تكون منهم لفتة إلى أنفسهم، ولا نظر إلى ما هم فيه من سوء، حيث يرون أنهم على أحسن حال وأقوم سبيل! إن الذي يركب الشرّ، وهو عالم أنه على طريق الشر، لا يعيش مع نفسه
715
فى حال من السّلم والرضا، بل يظل هكذا قلقا، مضطربا، من تلك الحال التي هو عليها.. وقد يبلغ به الأمر إلى حد يستطيع معه أن يكسر القيد الذي قيّده به ضعفه، فى مواجهة شهوات نفسه الأمارة بالسوء، وعندها يجد أنّه قادر على التحرك فى الاتجاه الصحيح الذي كان يهمّ به، ولا يستطيعه.. فما أكثر ما يعرف الناس أنهم على غير طريق الهدى، وأن ما هم فيه من ضلال، هو من واردات الضعف المستولى عليهم، وأنهم- والحال كذلك- يودّون لو كانت بهم قوة تمكن لهم من تخطى هذه الحدود التي أقامهم فيها ضعف العزيمة، وغلبة الهوى.. كما يقول الشاعر:
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه وقد حيل بين العير والنزوان
أما من يركب الضلال، ويأتى المنكر، وهو على هذا الفهم السقيم، الذي يزين له الباطل، ويبيح له المنكر- فإنه لن ينتهى أبدا عن غيه، ولن يفيق أبدا من سكرة ضلاله.. وفى هذا يقول الحق تبارك وتعالى:
«أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» (٨: فاطر) ويقول سبحانه: «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (١٢: يونس).
فهؤلاء الذين زين لهم سوء عملهم، فلم يروا ما هم فيه من كفر وضلال، فمضوا فى كفرهم وضلالهم، ولم يستمعوا لنصح ناصح، ولم يستجيبوا لدعوة داع يدعوهم إلى الهدى، وينذرهم بلقاء يومهم هذا- هؤلاء الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، لن يقام لأعمالهم وزن يوم القيامة: «إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (١٣٩: الأعراف).
وفى الآيتين إشارة إلى هذا المعتقد الفاسد الذي يعتقده المعتقدون بألوهية عزير، والمسيح.. فهم- مع هذا المعتقد- على يقين بأنهم على الحق، وأنهم
716
إنما يرجعون فى معتقدهم هذا إلى نصوص من كتبهم المقدسة، التي أوّلوها هذا التأويل الفاسد، الذي أقام لهم من عباد الله آلهة يعبدونها من دون الله.
- وفى قوله تعالى: «ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ» الإشارة إلى الجزاء الذي يجازى به هؤلاء الكافرون.. فاسم الإشارة مبتدأ، وجزاؤهم خبر، وجهنّم بيان لهذا الجزاء، وكأنه جواب عن سؤال هو: ما جزاؤهم هذا؟ فكان الجواب:
جهنم..
وهذا الجزاء سببه كفرهم بالله، واتخاذهم آياته ورسله هزوا.. فقد استهزءوا بآيات الله التي بين أيديهم، فحرفوا وبدلوا فيها، وتأوّلوا ما أبقوا عليه منها تأويلا فاسدا.. وكما استهزءوا بآيات الله بهذا المسخ الذي غيّروا به وجوهها، استهزءوا برسل الله، إذ غيّروا وجوههم، وألبسوها أقنعة تثير الضحك والسخرية، حيث يبدو الإنسان مسخا هزيلا، وشبحا باهتا، ودخانا متصاعدا يمثل إنسانا قدماه على الأرض، ورأسه فى السماء! قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا».
فى هاتين الآيتين، عرض للصورة الكريمة، التي يكون عليها المؤمنون يوم القيامة، وللجزاء الكريم الذي يلقونه يوم الجزاء.. فعلى حين يصلى الكافرون العذاب الأليم، ينعم المؤمنون بنعيم الجنّة ورضوان الله، وفى هذا ما يزيد من حسرة الكافرين، ويضاعف من عذابهم، بالقدر الذي يزيد من نعيم المؤمنين، ويضاعف من سرورهم ورضوانهم.
قوله تعالى:
717
«قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً»..
هو بيان لقدرة الله، ونفوذ سلطانه، وتفرده بالألوهية.. وأن كلماته، وهى التي تنفذ بها مشيئته فى خلقه، لا تنفد أبدا، يقول الحق جلّ وعلا للأمر «كُنْ فَيَكُونُ».. وهذا يعنى دوام الأمر والخلق أبدا.. كما يقول سبحانه:
«أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.. تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (٥٤: الأعراف).
- وقوله تعالى: «لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي» هو مثل قوله تعالى:
«وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ» (٢٧: لقمان) وهذا كله تصوير لقدرة الله، وبسطة سلطانه، وقيوميته على كل شىء.
قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً».
بهذه الآية تختم سورة الكهف، بتقرير بشريّة الرسول، وأنه وجميع رسل الله، ليسوا إلا خلقا من خلق الله، وعبيدا من عبيده، اختصهم الله برحمته، واصطفاهم لرسالته..
وكما تقرر الآية بشريّة الرسول، تقرّر الطريق السّوىّ الذي ينبغى أن يستقيم عليه الإنسان كى يكون فى عباده الله الصالحين المؤمنين.. وهذا الطريق إنما يقوم على الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح، الذي لا يجد الإنسان غيره فى هذا اليوم، مركبا يدفع به إلى شاطىء الأمن والسلام، ويفتح له أبواب الجنة والرضوان..
718
ويلتقى ختام السورة مع بدئها.. فى تقرير وحدانية الله، وتنزيهه عن الشريك والولد.. فقد جاء بدؤها: «لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً» وهكذا يجىء ختامها: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً».
فإذا ادعى المدّعون من أهل الكتاب، أو غيرهم، أن لله ولدا، من هؤلاء الذين اصطفاهم الله لرسالته، وآتاهم من فضله، ما زاغت به عيون الضالين، حتى حسبوا أن هذا الاصطفاء وهذا الفضل، هو لقرابة أو نسب لله- إذا ادعى المدّعون الضالون نسبة أحد إلى الله، فإن محمدا براء من هذا، وبرىء ممن يضعه بهذا الموضع.. فما هو إلّا بشر من البشر، وإنسان من الناس، وعبد من عباد الله، وأنه إذا كان يدعو الناس إلى الله بكلمات الله التي معه، فذلك من فضل الله عليه، وهذه الكلمات التي يدعو بها إنما هى وحي أوحاه الله إليه، لهداية الناس، وخيرهم وسلامتهم.
719
Icon