تفسير سورة المرسلات

التفسير المظهري
تفسير سورة سورة المرسلات من كتاب التفسير المظهري .
لمؤلفه المظهري . المتوفي سنة 1216 هـ
سورة المرسلات
مكية وهي خمسون آية

﴿ والمرسلات عرفا ١ فالعاصفات عصفا ٢ والناشرات نشرا ٣ فالفارقات فرقا ٤ فالملقيات ذكرا ٥ ﴾ أدغم عمرو عمر والخلاد التاء في الذال وأظهر الجمهور، قال مقاتل معنى الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه وهي رواية عن مسروق عن ابن مسعود فعرفا حينئذ مفعول له ويحتمل أن يكون عرفا حالا بمعنى متتابعات من عرف الفرس يعني أرسلت للأحكام متتابعات فعصفن إلى عصر من عصف الرياح في امتثال ما أمروا به ونشرن الشرائع في الأرض بنشر الكتب وإنزالها ونشرن أن أحين النفوس الموتى بالجهل بما أوتين من العلم ففرقن بين الحق والباطل فألقينا إلى الأنبياء ذكر أي وحيا أو اليقين في قلوب المؤمنين ذكر الله سبحانه، وقال مجاهد وقتادة هي الرياح المرسلات أرسلت متتابعة وقيل عرفا كثير العاصفات شديدة الهبوب عصفا الناشرات السحاب في الجو نشر الفارقات بين السحاب بالقصر فرقا أو فارقات السحاب بعد المطر فالملقيات ذكر أي تستبين لذلك فإن العاقل إذا شاهد هبوبها ورثارها ذكر الله تعالى وكمال قدرته وشكره على نعمة المطر بعد ما قنطوا، ويحتمل أن يكون المراد به آيات القرآن المرسلات إلى محمد صلى الله عليه وسلم بكل عرف أي معروف فعم من الكتاب والأديان بالنسخ ونشرن آثار الهدى والأحكام في الشرق والغرب وفرقن بين الحق والباطل فأيقن ذكر الله بين العالمين أو المراد بها نفوس الأنبياء المرسلات إلى الخلق للهداية والإرشاد وتبليغ الأحكام فعصفن وأسرعن امتثال الأوامر والانتهاء عن المناهي ونشرن الهداية وفرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكر الله تعالى في قلوب الأمة وألسنتهم.
﴿ عذرا ﴾ روي عن أبي بكر عن عاصم ضم الذال وهي قراءة الحسن والمشهور عنه وعن سائر القراء السكون ﴿ أو نذرا ﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر بضم الذال والباقون بإسكانها وهما بسكون الذال مصدران العذر أو أمحى إساءة وأنذر إذا خوف وبالضم جمعان للعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإنذار أو المعنى العاذر والمنذر ونصبهما على أولين بالعلية أي عذر المؤمنين إمحاء لإساتهم ونذر للكفار تخويفا لهم والرياح سبب بوعيد الكفار بالعذاب إذا أسند والمطر إلى الأنواء مثلا، أو هما منصوبان بالبدلية من ذكر على أن المراد به الوحي وعلى الثالث بالحالية.
﴿ إنما توعدون ﴾ من القيامة والجزاء ﴿ لواقع ﴾ كائن لا محالة الجملة جواب للقسم.
﴿ فإذا النجوم طمست ٨ ﴾ محقت وذهبت بنورها جواب إذا محذوف وهو العامل فيها أي يفصل بين أهل الجنة وأهل النار.
﴿ وإذا السماء فرجت ٩ ﴾ أي شقت فصارت لها فرجا.
﴿ وإذا الجبال نسفت ١٠ ﴾ قلعت من أماكنها وإذا مليت.
﴿ وإذا الرسل أقتت ١١ ﴾ قرأ أبو عمرو وقتت بالواو وعن أبي جعفر رواية بالواو بالهمزة كالجمهور عوضا عن الواو أي أظهرت وقت جمعهم وشهادتهم على الأمم.
﴿ لأي يوم ﴾ متعلق بما بعده وقدم عليه لاقتضاء صدر الكلام ﴿ أجلت ﴾ أخرت وضرب الأجل لذلك الوقت استفهام استعير للتعجب والتهويل.
﴿ ليوم الفصل ١٣ ﴾ بدل من لأي يوم وبيان له وجملة لأي يوم معترضة، ويحتمل أن يكون ثاني مفعولي أقتت لتضمينه معنى أعلمت.
﴿ وما أدراك ما يوم الفصل ١٤ ﴾ تعجيب آخر وتعظيم أمره يعني أنه شيء أعظم لا تعلم كنهه ولم تر مثله.
﴿ ويل ﴾ مصدر بمعنى حلول الشر والهلاك في الأصل منصوب على المصدرية بإضمار فعله عدل به إلى الرفع يجعله مبتدأ لدلالته على ثبت الهلاك والشر والجملة دعائية، أخرج أحمد والترمذي وابن جرير ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي وابن أبي الدنيا وهناد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الويل واد في جهنم يهوي إليه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره )١ وأخرج البيهقي وابن المنذر عن مسعود قال : الويل واد في جهنم يسيل صديد أهل النار جعل الله للمكذبين وأخرج ابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير نحوه، وأخرج البيهقي وابن جرير وابن المبارك عن عطاء بن يسار قال : الويل واد من صديد جهنم لو سيرت فيه الجبال لانذابت من حره، وأخرجه ابن جرير عن عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الويل جبل في النار ) وأخرج البزار بسند ضعيف عن سعيد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن في النار حجرا يقال له ويل يصعد عليه العرفاء وينزلون ) ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم إذا النجوم طمست إلى آخره ﴿ للمكذبين ﴾ ليوم الفصل ظرف مستقر خبر لويل يومئذ متعلق به ويحتمل أن يكون ظرفا مستقرا صفة لويل.
١ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنبياء (٣١٦٤)..
﴿ ألم نهلك ﴾ بالعذاب المكذبين أو ﴿ الأولين ﴾ نحو قوم نوح وعاد وثمود، استفهام تقرير.
﴿ ثم نتبعهم الآخرين ١٧ ﴾ يعني كفار مكة السالكين سبيل الأولين في تكذيب الرسل عطف على مضمون ألم نهلك يعني أهلكنا أولين ثم نتبعهم الآخرين.
﴿ كذلك ﴾ صفة مصدر محذوف أي فعلا مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل بالمجرمين ﴾ أي نجس المجرمين.
﴿ ويل يومئذ للمكذبين ١٩ ﴾ بما أوعدنا.
﴿ ألم نخلقكم ﴾ استفهام تقرير أي خلقناكم ﴿ من ماء مهين ﴾ حقير قدرا وهي النطفة.
﴿ فجعلناه ﴾ أي الماء ﴿ في قرار مكين ﴾ ما يتمكن فيه وهو الرحم ظرف مستقر مفعول ثان لجعلناه إن كان ناقصا بمعنى صيرناه وإلا فظرف لغو متعلق به وجملة جعلناه معطوفة على مضمون ألم نخلقكم الفاء للتفسير لا للتعقيب أو محمول على القلب في التركيب.
﴿ إلى قدر معلوم ٢٢ ﴾ متعلق بقوله في قرار مكين إن كان ظرف مستقرا وإلا فبفعل محذوف أي مؤخرا أي مقادر من الوقت المعلوم عرفا أدناه ستة أشهر وأكثره سنتين أو معلوم عند الله مدة لبثه.
﴿ فقدرنا ﴾ قرأ نافع والكسائي بالتشديد من التقدير أي فقدرنا مدة لبثه في بطن أمه وقت ولادته وعمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد، عن ابن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما النطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها )١ متفق عليه والباقون من القراء قرؤوا بالتخفيف من القدرة يعني فقدرنا يعني إيجاده وأعد أمه وإعادته ﴿ فنعم القادرون ﴾ فنحن أي على كل شيء، ويحتمل أن يكون القادر بمعنى المقدر قراءة نافع.
١ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٠٨)، وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (٢٦٤٣)..
﴿ ويل يومئذ للمكذبين ٢٤ ﴾ بقدرتنا وهم الكفار أو بتقديرنا وهم القدرية مجوس هذه الأمة.
﴿ ألم نجعل الأرض ﴾ استفهام تقرير ﴿ كفاتا ﴾ اسم لما يكفت فيه بضم أو مصدر نعت به مبالغة أو جمع كافت كصيام وصائم أو جمع كفت بمعنى الوفاء أجرى الجمع على الأرض باعتبار أقطاعها.
﴿ أحياء وأمواتا ٢٦ ﴾ حال من المفعول المحذوف لكفاتا إن كان مشتقا وإلا فالفعل محذوف دل عليه كفاتا يعني نكفت الناس أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وأمواتا في بطنها بخروجهم كذا قال الفراء وإنما حذف المفعول للعمل به، ويحتمل أن يكون مفعولين لكذلك أي نكفت الأحياء والأموات وتنكيرهما للتفخيم أو لأن أحياء الناس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات ويحتمل أن يكونا ثاني مفعول نجعل وكفاتا حال منهما قدم عليهما لتنكيرهما ويحتمل أن يكونا حالين عن مفعول نجعل يعني الأرض أو كفاتا والمراد بالأحياء والأموات ما ينبت من الأرض وما لا ينبت.
﴿ وجعلنا ﴾ عطف على مضمون لم نجعل ﴿ فيها ﴾ أي في الأرض ﴿ رواسي ﴾ جبال ﴿ شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ﴾ عاليات والتنكير للتعظيم نابعات من الأرض.
﴿ ويل يومئذ للمكذبين ٢٨ ﴾ بأمثال هذه النعم قال مقاتل وهذه الأمور المذكورة كلها أعجب من البعث.
﴿ انطلقوا ﴾ جملة مستأنفة كأن في جواب ما يصنع بالمكذبين يومئذ وتقديره، يقال لهم يومئذ انطلقوا أي سيروا ﴿ إلى ما كنتم به تكذبون ﴾ في الدنيا نار جهنم.
﴿ انطلقوا ﴾ بدل من الأول تأكيد وفيه بيان لما يسيرون إليه ﴿ إلى ظل ذي ثلاث شعب ﴾ قال المفسرون أريد به دخان جهنم قال البيضاوي وغيره الدخان العظيم إذ يرتفع يتفرق ذوائب وفي خصوصية شعب دخان جهنم بالثلاث ذكر البيضاوي وغيره وجوها لا ترضيه، وعندي وجه الخصوصية بالثلاث أن أسباب الدخول في نار جهنم منحصرة في ثلاث أحدها الكفر بالله وتكذيب الرسل صريحا وعبارة كقول الكفار افترى على الله كذبا ثانيها اتباع الهوى وتكذيب الرسل وآيات الله اقتضاء كقول أهل الهواء عن المجسمة والقدرية والروافض والخوارج والمرجئة على خلاف ظواهر النصوص القطعية بتأويلات فاسدة على خلاف الإجماع كما أم المجسمة يكذبون، قوله تعالى :﴿ وجوه يومئذ ناضرة ٢٢ ﴾١ وما دلت من الآيات على وزن الأعمال والصراط ونحو ذلك والروافض والخوارج يكذبون ما تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مدح أبي بكر وعمر وعثمان وعلي تواترا معنويا ثالثها اتباع الشهوات في ارتكاب الكبائر والصغائر وترك الواجبات فهذه الأمور الثلاثة تصلح أن تكونا أسبابا لانشعاب دخان جهنم إلى ثلاث شعب قال البغوي قيل يخرج عنق من النار فيشعب ثلاث شعب أما النور فتقف على رؤوس المؤمنين والدخان تقف على رؤوس المنافقين واللهب تقف على رؤوس الكافرين، قلت : وأيضا يكون هذا القول مرفوعا لكونه لا يدرك بالرأي فتأويله أن عبر عن شعبة من شعب الثلاث الدخان جهنم بالنور لخفته في الظلمة بالنسبة إلى أختيه وإلا فما معنى النور في نار جهنم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أوقد على نار جهنم ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة )٢ أخرج الترمذي والبيهقي عن أبي هريرة فهذه الشعبة الخفيفة الظلمة بالنسبة إلى أختيها تقف على رؤوس عصاة المؤمنين من أهل النار وعن الشعبة. . . الثانية بالدخان لكثرة أجزاء النار فيها وشدة ظلمتها فهي تقف على رؤوس المنافقين والمراد بالمنافقين ههنا هم أهل الهواء الذين يدعون الإيمان ويلزمهم الكفر وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وليس المراد بالمنافقين ها هنا الذين قالوا آمنا بأفواههم في العلانية دون السر ولم تؤمن قلوبهم فإنهم أشد من الكفر من الجاهرين وهم في الدرك الأسفل من النار، وقد ذكرنا في تفسير سورة البقرة وجه إطلاق المنافقين على أهل الهواء وتطبيق ما ضرب الله تعالى به مثل المنافقين عليهم وعن الشعبة الثالثة باللهب لكمال احتراقها وشدة التهابها فهي تقف على رؤوس الكافرين. قلت : ويمكن أن يقال المراد بالظل نار جهنم نفسها عبر عنها بالظل مجازا لظلمته واسوداده فإن الظل لا يخلو من الظلمة وفيه استهزاء وتهكم بالكفار كما في ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ٤٩ ﴾٣ وفي ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾٤ فمعنى قوله تعالى :﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ٣٠ ﴾ انطلقوا إلى نار جهنم التي هي ذي ثلاث طرق موصلة إليها أحدها تكذيب الرسل صريحا ثانيها تكذيبهم اقتضاء ثالثها ارتكاب المعاصي لما ذكرنا.
١ ؟؟؟؟؟.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة جهنم (٢٥٩١)..
٣ سورة الدخان، الآية: ٤٩..
٤ سورة لقمان، الآية: ٧..
﴿ لا ظليل ﴾ كظل العرش وظل الجنة للمؤمنين صفة الظل بعد صفة ﴿ ولا يغني من اللهب ﴾ أي لا يرد لهب جهنم صفة لموصوف محذوف أي ولا ظل يغني من اللهب ويحتمل أن يكون معطوفا على ظليل على طريقة فالق الإصباح وجعل الليل فيكون صفة ثالثة لظل مذكورة في هاتين الصفتين، تهكم بهم وروي أوهم لفظ الظل من وقاية الحر والإغناء من اللهب.
﴿ إنها ﴾ الضمير راجع إلى ظل من حيث المعنى إن كان المراد به النار كما ذكرت وإلا فهو راجع إلى غير مذكور دل عليه الكلام أي جهنم ﴿ ترمي ﴾ تعليل لعدم الإغناء ﴿ بشرر ﴾ جمع شررة وهي ما تطاير من النار ﴿ كالقصر ﴾ أي كل شررة في عظمها كالقصر أي كبيت من حجر أو قرية أو حصن كذا قي القاموس فهو مفرد، وقيل هو جمع قصرة بمعنى أصل النخل أو الشجر الغليظ.
﴿ كأنه ﴾ أي انقصرا فرد الضمير نظرا إلى لفظه ﴿ جاملات ﴾ جملة كأنه صفة ثانية لشرر، قرأ حفص وحمزة والكسائي جملة بغير ألف وهو جمع جمل والباقون جمالات بالألف على أنه جمع جمال فهو جمع الجمع ﴿ صفر ﴾ جمع أصفر فإن الشرر لما فيه من النار به يكون أصفر وقيل : معناه أسود كما جاء في الحديث ( إن شرر نار جهنم سود كالقير ) والعرب تسمي واد الإبل صفر الضر به إلى الصفرة والأول تشبيه في العظمة وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط وسرعة الحركة.
﴿ ويل يومئذ للمكذبين ٣٤ ﴾ بالنار والعذاب.
﴿ هذا يوم لا ينطقون ٣٥ ﴾ أي الكفار نطقا يفيدهم أو لا ينطقون شيئا من فرط الدهشة والحيرة وهذا في بعض المواقف وينطقون في بعضها.
﴿ ولا يؤذن لهم ﴾ في الاعتذار عطف على لا ينطقون ﴿ فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين ﴾ عطف على لا يؤذن فيدل على نفي الإذن والاعتذار مطلقا ولعله لم يجعل جوابا عن النفي كيلا يدل على أن عدم اعتذارهم بعد الإذن فيوهم أن لهم عذرا، لقال حينئذ أي عذرا لمن أعرض عن منعم وكفر بأياديه ونعمه.
﴿ هذا يوم الفصل ﴾ بين أهل الجنة وأهل النار ﴿ جمعناكم ﴾ خبر ثان لهذا وحال عن يوم الفصل والعامل معنى الإشارة والعائد محذوف أي جمعناكم فيه تعليل يعني هذا يوم الفصل لأنا جمعناكم فيه للفصل بين المؤمن والمكذب وتقرير وبيان للفصل ﴿ والأولين فإن كان لكم كيد ﴾.
﴿ فإن كان لكم كيد ﴾حيلة لدفع العذاب كما كنتم تكيدون بالمؤمنين في الدنيا كما كنتم تقولون أيعجز كل عشرة منكم أن يبطش بواحد من تسعة عشر خزنة ﴿ فكيدون ﴾ الياء محذوفة أي فكيدوني الآن توبيخ وتعجيز جملة الشرطية بتقدير. فيقال لكم معطوفة على جمعناكم.
﴿ ويل يومئذ للمكذبين ٤٠ ﴾ بالعذاب إذ لا حيلة لهم يومئذ في تخليص أنفسهم من العذاب.
﴿ إن المتقين ﴾ من الشركة ومن المعاصي مطلقا على تفاوت درجاتهم ﴿ في ظلال ﴾ كناية عن تكاثف أشجار الجنة كقوله زيد طويل النجاد بمعنى طويل القامة وإن لم يكن له نجاد وإلا فلا شمس حتى يتصور الظل ﴿ وعيون ﴾ جارية من ماء غير آسن ولبن لم يتغير طعمه وخمر لذة للشاربين وعسل.
﴿ وفواكه مما يشتهون ٤٢ ﴾ أي لذيذة مشتهاة وفيه إشعار بأن المآكل والمشارب في الجنة بحسب شهواتهم بخلاف الدنيا فإن فيها يحسب ما يجد الناس.
﴿ كلوا واشربوا ﴾ حال من ضمير المرفوع في الظرف أي مستقرون في ظلل حال كونهم مقولا لهم ذلك أو جملة معترضة بتأويل يقال لهم ﴿ هنيئا ﴾ صفة المصدر المحذوف أي أكلا هنيئا أو حال أي مهنئين والهنأ ما لا يلحق فيه مشقة ولا يعقبه خامة ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ من عقد القلب بالإيمانيات ومعالجته الطاعات، وجملة إن المتقين مستأنفة كأنه في جواب سائل يسأل عن حال غير المكذبين بعد ما سمع حال المكذبين.
﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين ٤٤ ﴾ كذلك في محل النصب على المصدرية لما بعده والجملة الفعلية خبر إن والاسمية تأكيد لما يبق فإن المراد بالمحسنين هم المتقون لا ما هو أخص منه وإلا يلزم تشبيه إلا على بالأدنى وفيه حث على الإنسان يعني فأحسنوا أيها الناس يجزينكم كما ذكرنا والإحسان بالمعنى الأخص ( أن تعبد ربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )١ كذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواب جبرائيل سأل عنه رواه الشيخان في الصحيحين عن عمر بن الخطاب.
١ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (٥٠)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١٠)..
﴿ ويل يومئذ للمكذبين ٤٥ ﴾ بالجنة حيث يحرمون من النعيم.
﴿ كلوا وتمتعوا ﴾ كلام مستأنف خطاب للمكذبين في الدنيا على وجه التهديد ﴿ قليلا ﴾ منصوب على المصدرية وعلى الظرفية أي أكلا قليلا أو زمانا قليلا ما دمتم في الدنيا ثم ينقطع ذلك عنكم ﴿ إنكم مجرمون ﴾ تعليل للتهديد.
﴿ ويل يومئذ للمكذبين ٤٧ ﴾ حيث عرضوا أنفسهم على العذاب الأليم لأجل التمتع القليل.
أخرج ابن المنذر عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر وقد ثقيف بالإيمان والصلاة فقالوا ولكن لا نحبي فإنها مسبة، في القاموس التجبية وضع يديه على ركبة أو على الأرض أو الإكباب على وجهه قولهم فإنها مسبة إلى عار فنزلت ﴿ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ٤٨ ﴾ فهذه جملة معترضة لذم الكفار ويحتمل أن يكون معطوفة على المجرمون على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة يعني أنكم مجرمون وأنهم لا تركعون إذا دعيتم إلى الصلاة ويحتمل أن يكون معطوفة على مضمون المكذبين، يعني ويل الذين كذبوا ولم يصلوا عند الدعاء إليها.
﴿ ويل يومئذ للمكذبين ٤٩ ﴾ بالأوامر والنواهي.
﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد القرآن ﴿ يؤمنون ﴾ استفهام إنكاري أي لا يؤمنون بشيء من الحجج إذ لم يؤمنوا بالقرآن الذي هو مشتمل على وجوه من الإعجاز نظما ومعنى وعلى الحجج الواضحة والبراهين الساطعة ولما كان سياق هذه السورة على التخويف والتهديد غالبا كما إن كان سياق سورة الإنسان على اللطف لتطيع غالبا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت ) رواه الحاكم وصححه عن ابن عباس وابن مردويه عن سعيد.
Icon