تفسير سورة سورة الحجرات

أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

النكت والعيون

أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي (ت 450 هـ)

الناشر

دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان

عدد الأجزاء

6

المحقق

السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم

نبذة عن الكتاب

  • جعل المؤلِّفُ الكتاب مقصورًا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه.
  • جمع بين أقاويل السلف والخلف، موضحاً للمؤتلف من المختلف.
  • ذكر ما سنح للخاطر من محتملات التفسير، وصدرها بقوله: (ويحتمل)، ليتميز ما نقله عما قاله باجتهاده.
  • قدم لهذا التفسير بفصول أيضاً تعتبر من الفصول المهمة، فذكر فيها أسماء القرآن، وتقسيم سور القرآن من الطوال والمئين والمثاني، وتعريف السورة والآية، وبيان معرفة الأحرف السبعة، وكذلك إعجاز القرآن، ثم فصل في النظر إلى جميع ما تتضمنه ألفاظه من المعاني، وما تحتمله من التأويل، وهو فصل مهم جداً.
  • شرح أثر ابن عباس رضي الله عنهما في أقسام التفسير، وذكر كلامًا جيدًا يتعلق بأصول التفسير، ثم شرح الاستعاذة والبسملة، ثم شرع بالفاتحة إلى أن اختتم بالناس.
  • نلاحظ في طريقة المؤلف في كتابه: أنه صاحب تفنن في ترتيب الأقوال، فهو محسن في ترتيب كتابه، بل هذه طريقته في عامة كتبه.
  • اختصر الأسانيد، واكتفى بذكر المُفسِّر، مع أنه استفاد من تفسير يحيى بن سلام (ت:200هـ)، واستفاد من الطبري (ت:310هـ)، واستفاد من الثعلبي (ت:427هـ)، وهذه كلها فيها أسانيد، ومع ذلك لم يذكر الإسناد، وإنما اختصره واكتفى بذكر صاحب التفسير. ثامنًا: يلاحظ أنه أدخل أقوال المتأخرين من المتكلمين من معتزلة وغيرهم، فوقع في تفسيره بعض الأقوال الضعيفة من هذه الجهة، من جهة تأويلات المعتزلة، والماوردي حين كان ينقل ما كان يبين خطأ هذه المذاهب، فهو ينقل أقوال المعتزلة، ولا يشير إلى خطأ هذه الأقوال؛ لأنه لم ينتهج هذا المذهب، وإنما انتهج منهج اختصار هذه التفاسير، ولهذا سنجد عنده أسماء أعلام من المعتزلة مثل: الرماني، ومثل: علي بن محمد بن بحر الأصفهاني، سنجد مثل هذين الاسمين كثيرًا، ابن بحر الذي هو محمد بن بحر الأصفهاني، والرماني هو علي بن عيسى، أحياناً يقول: الرماني، وأحياناً يقول: علي بن عيسى، أحياناً يقول: ابن عيسى، فنقل عن هؤلاء المعتزلة، فصار كتابه مليئًا ومشحونًا بهذه الأقوال الباطلة.
  • هذا الكتاب يُعتَبَر من الكتب التي يكثر فيها القول الشاذ في التفسير، وهو صالح للدراسة من جهة بحث الأقوال الشاذة من خلال تفسير (النكت والعيون)، فإنه سيجد مادة غزيرة جدًّا في هذه الأقوال.
  • يُلاحظ أنه لا يعتني بتداخل الأقوال، لذا فهو يحكي كثيراً من الأقوال وهي متداخلة على أنها قول، مع أنها هذه الأقوال يتداخل بعضها مع بعض.
  • كان الماوردي فقيهاً شافعيًا، وقد أكثر من ذكر مذهب الشافعي في كتابه هذا، وإن كان يذكر أيضاً مذهب العلماء الآخرين، لكنه يكثر من نقل مذهب الشافعي .
  • أشكل المذهب العقدي على من بحث في معتقد الماوردي، وإن كان يعتبر من متكلمي الأشاعرة، وسبب ذلك: أنه ينقل أقوال المعتزلة وغيرهم، حتى أحيانًا ينقل أقوال الرافضة ولا يعلق عليها، فبعضهم يقول: إن فيه رفضاً، وبعضهم يقول: إن فيه اعتزالاً، وإن كان الأصل فيه أنه من متكلمي الأشاعرة، لكن سبب الإشكالية أنه ينقل أقوال هؤلاء ولا يعلق عليها.
  • اعتنى بالمشكلات، اهتم بنقلها، وكل هذا من اعتنائه بالنقل؛ فليس من كلامه هو، وإنما اعتنى بنقل ما يكون للعلماء من المشكلات والإجابة عليها.
  • اعتنى بنقل الفروق اللغوية واستفاد كثيرًا من الرماني في ذلك؛ لأن الرماني في تفسيره اعتنى كثيراً بالفروق اللغوية.
وهذا الكتاب لا يصلح منهجًا للتفسير، وإنما يعتبر مصدرًا يستفيد منه الباحثون، أما أن يكون كتاباً يعتمد في التفسير ويقرأه الإنسان فلا يصلح، إنما يعد من المصادر.

مقدمة التفسير
سورة الحجرات
مدنية في قول الجميع
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل فيَّ كذا، لو أنزل فيَّ كذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. الثاني: أنهم نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، قاله ابن عباس. الثالث: معناه ألا يقتاتوا على الله ورسوله، حتى يقضي الله على لسان رسوله، قاله مجاهد. الرابع: أنها نزلت في قوم ضحوا قبل أن يصلوا مع رسول الله ﷺ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح، قاله الحسن.
— 325 —
الخامس: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر به الله تعالى ورسوله، قال الزجاج. وسبب نزولها ما حكاه الضحاك عن ابن عباس أن النبي ﷺ أنفذ أربعة وعشرين رجلاً من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا وانكفئوا إلى المدينة فلقوا رجلين من بني سليم فسألوهما عن نسبهما فقالا: من بني عامر فقتلوهما، فجاء بنو سليم إلى رسول الله ﷺ وقالوا: إن بيننا وبينك عهداً وقد قتل منا رجلان فوداهما رسول الله ﷺ بمائة بعير ونزلت عليه هذه الآية في قتلة الرجلين. ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ يعني في التقدم المنهي عنه. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بفعلكم. قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبِّيِ﴾ قيل إن رجلين من الصحابة تماريا عنده فارتفعت أصوتهما، فنزلت هذه الآية، فقال أبو بكر رضي الله عنه عند ذلك: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعدها إلا كأخي السرار. ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الجهر بالصوت. روي أن ثابت بن قيس بن شماس قال: يا نبي الله والله لقد خشيت أن أكون قد هلكت، نهانا الله عن الجهر بالقول وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يَا ثَابِتَ أَمَأ تَرْضَى أَن تَعِيشَ حَمِيداً وتُقْتَلَ شَهِيداً وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ) فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة. الثاني: أن النهي عن هذا الجهر هو المنع من دعائه باسمه أو كنيته كما يدعو
— 326 —
بعضهم بعضاً بالاسم والكنية، وهو معنى قوله ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، ولكنْ دعاؤه بالنبوة والرسالة كما قال تعالى ﴿لاَ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. ﴿أن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معناه فتحبط أعمالكم. الثاني: لئلا تحبط أعمالكم. ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ بحبط أعمالكم. قوله عز وجل: ﴿... أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ فيه تأويلان: أحدهما: معناه أخلصها للتقوى، قاله الفراء. الثاني: معناه اختصها للتقوى، قاله الأخفش.
— 327 —
قوله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبِّيِ قيل إن رجلين من الصحابة تماريا عنده فارتفعت أصواتهما، فنزلت هذه الآية، فقال أبو بكر رضي الله عنه عند ذلك : والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعدها إلا كأخي السرار١.
وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ فيه وجهان :
أحدهما : أنه الجهر بالصوت. روي أن ثابت بن قيس بن شماس قال : يا نبي الله والله لقد خشيت أن أكون قد هلكت، نهانا الله عن الجهر بالقول وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال النبي ﷺ :" يَا ثَابِتَ أَمَا تَرْضَى أَن تَعِيشَ حَمِيداً وتُقْتَلَ شَهِيداً٢ وَتَدْخُلَ الجَنَّةَ " ؟ فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة.
الثاني : أن النهي عن هذا الجهر هو المنع من دعائه باسمه أو كنيته كما يدعو بعضهم بعضاً بالاسم والكنية، وهو معنى قوله كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ، ولكنْ دعاؤه بالنبوة والرسالة كما قال تعالى : لاَ تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً
[ النور : ٦٣ ].
أن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ فيه وجهان :
أحدهما : أن معناه فتحبط أعمالكم.
الثاني : لئلا تحبط أعمالكم.
وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ بحبط أعمالكم٣.
١ السرار بالكسر المسارة أي كصاحب المسارة لخفض صوته..
٢ رواه أحمد في مسنده ٨٩٢، وأخرجه ابن جرير كما ذكر السيوطي في أسباب النزول ص ١٩٥..
٣ في الآية أمر بتعظيم النبي ﷺ وتوقيره وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره عليه السلام وعند سماع حديثه عندما يروي لأن له عليه السلام من الحرمة ميتا مثل ما له حيا..
قوله عز وجل :... أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى فيه تأويلان :
أحدهما : معناه أخلصها للتقوى، قاله الفراء.
الثاني : معناه اختصها للتقوى، قاله الأخفش.
﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم﴾ قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية. اختلف في سبب نزولها، فروى معمر عن قتادة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فناداه من وراء الحجرة: يا محمد، إن مدحي زين وشتمي شين، فخرج النبي ﷺ فقال: (وَيْلُكَ ذَاكَ اللَّهُ، ذَاكَ اللَّهُ) فأنزل الله هذه الآية، فهذا قول. وروى زيد بن أرقم قال: أتى ناس النبي ﷺ فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس باتباعه وإن يكن ملكاً نعش في جنابه، فأتوا النبي ﷺ فجعلوا ينادونه، وهو في
— 327 —
حجرته يا محمد، فأنزل الله هذه الآية. قيل: إنهم كانوا من بني تميم. قال مقاتل: كانوا تسعة نفر: قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد بن هشام، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع بن وكيع، وعيينة بن حصن. وفي قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ وجهان: أحدهما: لا يعلمون، فعبر عن العلم بالعقل لأنه من نتائجه، قاله ابن بحر. الثاني: لا يعقلون أفعال العقلاء لتهورهم وقلة أناتهم، وهو محتمل. والحجرات جمع حجر؛ والحجر جمع حجرة. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: لكان أحسن لأدبهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. الثاني: لأطلقت أسراهم بغير فداء، لأن رسول الله ﷺ كان سبى قوماً من بني العنبر، فجاءوا في فداء سبيهم وأسراهم.
— 328 —
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ فيه وجهان :
أحدهما : لكان أحسن لأدبهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الثاني : لأطلقت أسراهم بغير فداء، لأن رسول الله ﷺ كان سبى قوماً من بني العنبر، فجاءوا في فداء سبيهم وأسراهم.
﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم﴾ قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِق بِنَبَإِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ الآية. نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وسبب نزولها ما رواه سعيد عن قتادة
— 328 —
أن نبي الله ﷺ بعث الوليد ابن عقبة مصدقاً لبني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم فرجع إلى النبي ﷺ، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبي الله ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا، أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعادوا إلى نبي الله ﷺ فأخبروه، فنزلت هذه الآية. فكان النبي ﷺ يقول: (التأني من الله والعجلة من الشيطان). وفي هذه الآية دليل على أن خبر الواحد مقبول إذا كان عدلاً. قوله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمْرِ لَعَنِتَّمُ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: لأثمتم، قاله مقاتل. الثاني: لاتهمتم، قاله الكلبي. الثالث: لغويتم. الرابع: لهلكتم. الخامس: لنالتكم شدة ومشقة. قال قتادة: هؤلاء أصحاب النبي ﷺ لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا، فأنتم والله أسخف رأياً وأطيش عقولا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حسنه عندكم، قاله ابن زيد. الثاني: قاله الحسن. بما وصف من الثواب عليه. ﴿وَزَيَّنَةُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بما وعد عليه في الدنيا من النصر وفي الآخرة من الثواب، قاله ابن بحر. الثاني: بالدلالات على صحته. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه الكذب خاصة، قاله ابن زيد. الثاني: كل ما خرج عن الطاعة.
— 329 —
قوله عز وجل : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ منَ الأمْرِ لَعَنِتَّمُ فيه خمسة تأويلات :
أحدها : لأثمتم، قاله مقاتل.
الثاني : لاتهمتم، قاله الكلبي.
الثالث : لغويتم.
الرابع : لهلكتم.
الخامس : لنالتكم شدة ومشقة.
قال قتادة : هؤلاء أصحاب النبي ﷺ لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا، فأنتم والله أسخف رأياً وأطيش عقولا.
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ فيه وجهان :
أحدهما : حسنه عندكم، قاله ابن زيد.
الثاني : قاله الحسن. بما وصف من الثواب عليه.
وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ فيه وجهان :
أحدهما : بما وعد عليه في الدنيا من النصر وفي الآخرة من الثواب، قاله ابن بحر.
الثاني : بالدلالات على صحته.
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ فيه وجهان :
أحدهما : أنه الكذب خاصة، قاله ابن١ زيد.
الثاني : كل ما خرج عن الطاعة٢.
١ وهو قول ابن عباس كذلك..
٢ مشتق من فسقت الرطبة خرجت من قشرها. والفأرة من جحرها..
﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ قوله عز وجل: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ اختلف في سبب نزولها على أربعة أقاويل: أحدها: ما رواه عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول الله ﷺ قتال بالسعف والنعال ونحوه فنزلت هذه الآية فيهم. الثاني: ما رواه سعيد عن قتادة أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته، وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى رسول الله ﷺ فأبى أن يتبعه، فلم يزل بهما الأمر حتى تواقعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال، فنزلت فيهم. الثالث: ما رواه أسباط عن السدي أن رجلاً من الأنصار كانت له امرأة تدعى أم زيد وأن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها، وأن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، فخرج الرجل فاستعان أهله، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت هذه الآية فيهم. الرابع: ما حكاه الكلبي ومقاتل والفراء أنها نزلت في رهط عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس، وسببه أن النبي ﷺ وقف على حمار له على عبد الله بن أبي، وهو في مجلس قومه، فراث حمار النبي صلى الله عليه وسلم، فأمسك عبد الله أنفه وقال: إليك حمارك، فغضب عبد الله بن رواحة، وقال: أتقول هذا لحمار رسول الله ﷺ، فوالله هو أطيب ريحاً منك ومن أبيك، فغضب
— 330 —
قومه، وأعان ابن رواحة قومه حتى اقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم، فأصلح رسول الله ﷺ بينهم. ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ البغي التعدي بالقوة إلى طلب ما ليس بمستحق. ﴿فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي﴾ فيه وجهان: أحدهما: تبغي في التعدي في القتال. الثاني: في العدول عن الصلح، قاله الفراء. ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به، قاله سعيد بن جبير. الثاني: ترجع إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما لهم وعليهم، قاله قتادة. ﴿فَإِن فَآءَتْ﴾ أي رجعت. ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني بالحق. الثاني: بكتاب الله، قاله سعيد بن جبير. ﴿وَأَقْسِطُواْ﴾ معناه واعدلوا. ويحتمل وجهين: أحدهما: اعدلوا في ترك الهوى والممايلة. الثاني: في ترك العقوبة والمؤاخذة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي العادلين قال أبو مالك: في القول والفعل.
— 331 —
﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مَِّن قَوْمٍ﴾ الآية. أما القوم فهم الرجال خاصة، لذلك ذكر بعدهم النساء. ويسمى الرجال قوماً لقيام بعضهم مع
— 331 —
بعض في الأمور، ولأنهم يقومون بالأمور دون النساء، ومنه قول الشاعر:
(وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء)
وفي هذه السخرية المنهي عنها قولان: أحدهما: أنه استهزاء الغني بالفقير إذا سأله، قاله مجاهد. الثاني: أنه استهزاء المسلم بمن أعلن فسقه، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أنه استهزاء الدهاة بأهل السلامة. ﴿عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾ عند الله تعالى. ويحتمل: خيراً منهم معتقداً وأسلم باطناً. ﴿وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرُا مِّنْهُنَّ﴾. ﴿وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ولا تلمزوا أهل دينكم. الثاني: لا تلمزوا بعضكم بعضاً: واللمز: العيب. وفي المراد به هنا ثلاثة أوجه: أحدها: لا يطعن بعضكم على بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد ابن جبير. الثاني: لا تختالوا فيخون بعضكم بعضاً، قاله الحسن. الثالث: لا يلعن بعضكم بعضاً، قاله الضحاك. ﴿وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ في النبز وجهان: أحدهما: أنه اللقب الثابت، قاله المبرد. الثاني: أن النبز القول القبيح، وفيه هنا أربعة أوجه: أحدها: أنه وضع اللقب المكروه على الرجل ودعاؤه به. قال الشعبي: روي أن وفد بني سليم قدموا على النبي ﷺ وللرجل منهم اسمان وثلاثة فكان يدعوا الرجل بالاسم فيقال إنه يكره هذا، فنزلت هذه الآية.
— 332 —
الثاني: أنه تسمية الرجل بالأعمال السيئة بعد الإسلام... يا فاسق... يا سارق، يا زاني، قاله ابن زيد. الثالث: أنه يعيره بعد الإسلام بما سلف من شركه، قاله عكرمة. الرابع: أن يسميه بعد الإسلام باسم دينه قبل الإسلام، لمن أسلم من اليهود... يا يهودي، ومن النصارى... يا نصراني، قاله ابن عباس، والحسن. فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره، وقد وصف النبي ﷺ عدداً من أصحابه بأوصاف فصارت لهم من أجمل الألقاب. واختلف في من نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمسان وكان في أذنه ثقل فكان يدنو من رسول الله ﷺ حتى يسمع حديثه، فجاء ذات يوم وقد أخذ الناس مجالسهم فقال: (تَفَسَّحُواْ) ففعلوا إلا رجلاً كان بين يدي النبي ﷺ فإنه لم يفسح وقال: (قَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعاً) فنبذه ثابت، بلقب كان لأمه مكروهاً، فنزلت، قاله الكلبي والفراء. الثاني: أنا نزلت في كعب بن مالك الأنصاري، وكان على المغنم فقال لعبد الله بن أبي حدرد: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي، فتشاكيا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فنزلت فيهما، حكاه مقاتل. الثالث: أنها نزلت في الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات عند استهزائهم بمن مع رسول الله من الفقراء والموالي فنزل ذلك فيهم. الرابع: أنا نزلت في عائشة وقد عابت أم سلمة. واختلفوا في الذي عابتها به فقال مقاتل: عابتها بالقصر، وقال غيره: عابتها بلباس تشهرت به.
— 333 —
﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾
— 333 —
قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ﴾ يعني ظن السوء. بالمسلم توهماً من غير تعلمه يقيناً. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني ظن السوء. الثاني: أن يتكلم بما ظنه فيكون إثما، فإن لم يتكلم به لم يكن إثماً، قاله مقاتل بن حيان. ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو أن يتبع عثرات المؤمن، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثاني: هو البحث عم خفي حتى يظهر، قاله الأوزاعي. وفي التجسس والتحسس وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد، قاله ابن عباس وقرأ الحسن بالحاء. وقال الشاعر:
(تجنبت سعدى أن تشيد بذكرها إذا زرت سعدى الكاشح المتحسس)
وقال أبو عمرو الشيباني: الجاسوس: صاحب سر الشر، والناموس صاحب سر الخير. والوجه الثاني: أنهما مختلفان. وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن التجسس بالجيم هو البحث، ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور وبالحاء هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. الثاني: أنه بالحاء أن يطلبه لنفسه وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره. والتجسس أن يجس الأخبار لنفسه ولغيره. ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ والغيبة: ذكر العيب بظهر الغيب، قال الحسن: الغيبة ثلاثة كلها في كتاب الله: الغيبة والإفك والبهتان، فأما الغيبة، فأن تقول في
— 334 —
أخيك ما هو فيه. وإما الإفك، فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه. وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة قال: (هُوَ أَن تَقُولَ لأَخِيكَ مَا فِيهِ فَإِن كُنتَ صَادِقَاً فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِن كُنتَ كَاذِباً فَقَدْ بَهَّتَّهُ). ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أي كما يحرم أكل لحمه ميتاً يحرم غيبته حياً. الثاني: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته حياً، قاله قتادة. واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية قال الشاعر:
(فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا)
﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فكرهتم أكل الميتة، كذلك فاكرهوا الغيبة. الثاني: فكرهتم أن يعلم بكم الناس فاكرهوا غيبة الناس.
— 335 —
﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ قصد بهذه الآية. النهي عن التفاخر بالأنساب، وبين التساوي فيها بأن خلقهم من ذكر وأنثى يعني آدم وحواء. ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَرَفُواْ﴾ فبين أن الشعوب والقبائل للتعارف لا للافتخار، وفيها ثلاثة أوجه:
— 335 —
أحدها: أن الشعوب النسب الأبعد والقبائل النسب الأقرب، قاله مجاهد، وقتادة. وقال الشاعر:
(قبائل من شعوب ليس فيهم كريم قد يعد ولا نجيب)
وسموا شعوباً لأن القبائل تشعبت منها. الثاني: أن الشعوب عرب اليمن من قحطان، والقبيلة ربيعة ومضر وسائر عدنان. الثالث: أن الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب. ويحتمل رابعاً: أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب، والقبائل هم المشتركون في الأنساب، قال الشاعر:
(وتفرقوا شعباً فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر)
والشعوب جمع شَعب بفتح الشين، والشِّعب بكسر الشين هو الطريق وجمعه شعاب، فكان اختلاف الجمعين مع اتفاق اللفظين تنبيهاً على اختلاف المعنيين. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ إن أفضلكم، والكرم بالعمل والتقوى لا بالنسب.
— 336 —
{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السماوات
— 336 —
والأرض والله بصير بما تعملون} قوله عز وجل: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا... ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم أقروا ولم يعملوا، فالإسلام قول والإيمان عمل، قاله الزهري. الثاني: أنهم أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم أن اسمهم أعراب، قاله ابن عباس. الثالث: أنهم مَنُّوا على رسول الله صلى الله بإسلامهم فقالوا أسلمنا، لم نقاتلك، فقال الله تعالى لنبيه: قل لهم: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا خوف السيف، قاله قتادة. لأناهم آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، فلم يكونوا مؤمنين، وتركوا القتال فصاروا مستسلمين لا مسلمين، فيكون مأخوذاً من الاستسلام لا من الإسلام كما قال الشاعر: ويكون الإسلام والإيمان في حكم الدين على هذا التأويل واحداً وهو مذهب الفقهاء، لأن كل واحد منهما تصديق وعمل. وإنما يختلفان من وجهين: أحدهما: من أصل الاسمين لأن الإيمان مشتق من الأمن، والإسلام مشتق من السلم. الثاني: أن الإسلام علم لدين محمد ﷺ والإيمان لجميع الأديان، ولذلك امتنع اليهود والنصارى أن يتسموا بالمسلمين، ولم يمتنعوا أن يتسموا بالمؤمنين. قال الفراء: ونزلت هذه الآية في أعراب بني أسد. قوله عز وجل: ﴿... لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: لا يمنعكم من ثواب عملكم شيئاً، قال رؤبة:
— 337 —
(طال النهار على من لا لقاح له إلا الهدية أو ترك بإسلام)
(وليلة ذات سرى سريت ولم يلتني عن سراها ليت)
أي لم يمنعني عن سراها. الثاني: ولا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً، قال الحطيئة:
(أبلغ سراة بني سعد مغلغلة جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً)
أي لا نقصاً ولا كذباً. وفيه قراءتان: ﴿يَلِتْكم﴾ و ﴿يألتكم﴾ وفيها وجهان: أحدها: [أنهما] لغتان معناهما واحد. الثاني: يألتكم أكثر وأبلغ من يلتكم. قوله عز وجل: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُم﴾ الآية. هؤلاء أعراب حول المدينة أظهروا الإسلام خوفاً، وأبطنوا الشرك اعتقاداً فأظهر الله ما أبطنوه وكشف ما كتموه، ودلهم بعلمه بما في السموات والأرض علم علمه بما اعتقدوه، وكانوا قد منوا بإسلامهم على رسول الله ﷺ، وقالوا فضلنا على غيرنا بإسلامنا طوعاً. فقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُونُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ﴾ وهذا صحيح لأنه إن كان إسلامهم حقاً فهو لخلاص أنفسهم فلا مِنَّةَ فيه لهم، وإن كان نفاقاً فهو للدفع عنهم، فالمنة فيه عليهم. ثم قال: ﴿بِلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أن هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله أحق أن يمن عليكم أن هداكم للإيمان حتى آمنتم. وتكون المنة هي التحمد بالنعمة. الثاني: أن الله تعالى ينعم عليكم بهدايته لكم، وتكون المنة هي النعمة. وقد يعبر بالمنة عن النعمة تارة وعن التحمد بها أخرى. ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني فيما قلتم من الإيمان.
— 338 —
سورة ق
مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية وهي قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما﴾ الآية. بسم الله الرحمن الرحيم
— 339 —
قوله عز وجل : قُل أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُم الآية. هؤلاء أعراب حول المدينة أظهروا الإسلام خوفاً، وأبطنوا الشرك اعتقاداً فأظهر الله ما أبطنوه وكشف ما كتموه، ودلهم بعلمه بما في السموات والأرض على علمه بما اعتقدوه، وكانوا قد منوا بإسلامهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا فضلنا١ على غيرنا بإسلامنا طوعاً.
١ فضلنا: ساقطة من ك..
فقال تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ وهذا صحيح لأنه إن كان إسلامهم حقاً فهو لخلاص أنفسهم فلا مِنَّةَ فيه لهم، وإن كان نفاقاً فهو للدفع عنهم، فالمنة فيه عليهم.
ثم قال : بلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أن هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الله أحق أن يمن عليكم أن هداكم للإيمان حتى آمنتم. وتكون المنة هي التحمد بالنعمة.
الثاني : أن الله تعالى ينعم عليكم بهدايته لكم، وتكون المنة هي النعمة. وقد يعبر بالمنة عن النعمة تارة وعن التحمد بها أخرى.
إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ يعني فيما قلتم من الإيمان.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

14 مقطع من التفسير