تفسير سورة سورة الشورى

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

آية رقم ١
هذه الحروف من الحروف المقطَّعة التي تقع في بدايات بعض سور القرآن الكريم، وقد سبق الحديث عنها في أكثر من موضع، ولكنا نُذكّر بأن القرآن كله مبنيّ على الوصل، الوصل في آياته، والوصل في سُوره، والوصل في آخره بأوله.
فأنت تقرأ: مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ [الناس: ٦] هكذا بالكسر لتصلها ببسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة. أما الحروف المقطعة فهي مبنية على الوَقْف، بحيث يُقرأ كلّ حرف على حِدَة تقول هنا (حا ميم عين سين قاف).
وأنت تقرأ في أول البقرة (ألف لام ميم) وتقرأ نفس الحروف في أول سورة الشرح: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] لتعلم أن القرآن ليس كأيِّ كتاب آخر، وأن قراءته تعتمد أولاً على السماع، قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨-١٩].
إذن: حين تتدبر القرآن تجد للقراءة بالوصل حكمة، وللقراءة بالوقف حكمة، ومعلوم أن الحرف هو اللبنة الأولى في بناء الكلمة وبالتالي العبارة، وقد بيَّن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية الوقف على هذه الحروف، فقال: وحروف اللغة قسمان: حروف مبني وهي اللبنات التي تدخل في بناء الكلمات والعبارات، فكلمة كتب تكوَّنت من الكاف والتاء والباء، وهذه الحروف لا تعطي معنىً إلا إذا تركبت مع بعضها لتكوِّن الكلمات، والأخرى حروف معنى مثل كاف التشبيه في الجندي كالأسد، فالكاف هنا أفادت معنى التشبيه، وهذه الحروف لا تعطي معنىً إلا إذا رُكِّبتْ مع غيرها من الكلمات.
واللغة عامة ظاهرة اجتماعية، وهي ألفاظ يُعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم، وبها يتفاهمون، واللغة كما قال العلماء بنت المحاكاة، فما سمعتْه الأذن يحكيه اللسان، فالولد الذي ينشأ في مجتمع عربي يتكلم العربية، ولو كان في مجتمع إنجليزي لتكلَّم الإنجليزية.
إذن: ليست اللغة جنساً ولا دماً، بل ظاهرة اجتماعية تعتمد على السماع، حتى في داخل اللغة الواحدة قد تسمع الكلمة لأول مرة فلا تفهمها ولا تعرف معناها، مع أن ألفاظها عربية لكنها لم تمرّ بسمعك من قبل.
يُرْوى أن أبا علقمة النحوي كان مُغرماً بالفصحى، ولا ينطق إلا بها، فكان يأتي بألفاظ غريبة حتى شَقَّ ذلك على خادمه الذي كان لا يفهم كثيراً من هذه الألفاظ، وفي إحدى الليالي استيقظ من نومه وسأل الخادم: يا غلام أصقعتْ العتاريف؟ لم يفهم الغلام إلا أنه ردَّ في ضيق وقال له: زِقْ فَيْلم فتعجَّب أبو علقمة وقال له: وما زِقْ فَيْلم؟ قال الغلام: وما صقعت العتاريف؟ قال: أردتُ أصاحتْ الديَكة؟ قال: وأنا أردتُ لم تَصِحْ؟
ومن نوادر اللغة أن أحدهم ذهب إلى الطبيب، فقال له الطبيب وكان اسمه أعين: ما بك؟ قال: أكلت من لحوم هذه الجوازيء فطسأت منها طسأة أصابني منها وجع من الوابلة إلى دأْية العنق ولم يزل يَنْمي حتى خالط الحلْب وأَلِمَتْ منه الشراسيف، فقال الطبيب: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمتُ منك شيئاً، فأعاد كالأولى، فردَّ الطبيب وقال له: خُذْ حرقفاً وسلقفاً وسرقفاً وزهزقه وزقزقه بماء روث ثم اشربه، فقال الرجل: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمتُ منك شيئاً. فقال الطبيب: لعن الله أقلَّنا إفهماماً لصاحبه.
إذن: نقول إن اللغة بنت المحاكاة، فهي تعتمد أولاً على السماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فالولد الصغير يتعلم الكلام من أسرته وممن حوله، أما الأخرس فإنه لا يتكلم لأنه لم يسمع؛ لذلك قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٨] فالبَكَم لا يأتي إلا بعد الصَّمم، ولو سلسلنا مسألة تعلُّم الكلام هذه سنصل بها إلى أبينا آدم عليه السلام، فكُلٌّ منا تعلم الكلام من أبيه وأمه ممن حوله، أما آدم عليه السلام فعلَّمه ربه، كما قال سبحانه: وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا [البقرة: ٣١] يعني أسماء الأشياء، فالله سبحانه هو المعلم الأول.
وفي الحروف المقطعة هذه ملحظ هام، فهي تعلِّمنا الإيمان بالغيب، كيف؟ الحق سبحانه وتعالى له في خَلْقه غيب ومشهد، وقد جعل سبحانه للغيب مشهداً يدل عليه، ففي مجال العقائد مثلاً أنا معتقد أن لهذا الكون إلهاً خالقاً، وهذه العقيدة يمكن أنْ أدلِّل عليها بالآيات الكونية الموجودة المشاهدة.
لكن يأتي في العقيدة أيضاً مسائل غيبية ليس لها دليلٌ من المشهد المُحَسِّ، مثل الإيمان بالملائكة وهي غيب، وما دام هناك تكاليف وطاعة ومعصية فلا بدَّ أنْ توجد جنة ونار، وقبلها مرحلة القبر وما فيه من نعيم أو عذاب، كل هذه أمور سمعية لا يُقام عليها دليل عقلي، إنما نؤمن بها لأن الإله الذي آمنا به أخبرنا بوجودها ونحن نثق في خبره.
إذن: كل إيمان عقدي مُشَاهد يأخذ بجانبه إيماناً غيبياً، والإيمان بالغيب هو الأهم لأنه المحكّ في مسألة الإيمان، وهو الدليل على قوة العقيدة، لأن الإيمان بالمشهد يستوي فيه الجميع.
قلنا: هَبْ أن عندك خادماً وقلتَ له: يا فلان ارفع هذا الحجر في الحديقة مثلاً فيقول لك: إنه ثقيل لا أقدر على رفعه تقول له: إنَّ تحته كيس النقود الذي سأعطلك منه راتبك فيسرع إليه ويرفعه، هذا آمن بالغيب أم بالمشهد؟ آمن بالمشهد، لم يثق بك وإنما بكيس النقود.
إذن: المحك الحقيقي للإيمان هو الغيب، لذلك قال تعالى في صفات المؤمنين ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ [البقرة: ٣] لأن المحسَّ والمشَاهد الكل يعرفه ويؤمن به.
كذلك الحال في كلام ربِّ العالمين وفي قرآنه الكريم كلام وحروف لها معنى، وحروف أخرى ليس لها معنى واضح نعرفه ونفهم تفسيره، وهذه هي الحروف المُقطَّعة نؤمن بها ونُصدِّق بها على أنها من الغيب.
وسبق أنْ أوضحنا أن الحروف المقطعة في بدايات السور أخذت نصف حروف المعجم يعني أربعة عشر حرفاً، والمتأمل في هذه الحروف يجد لها نظاماً ورتابة لم تُؤخذ هكذا كيفما اتفق، فلو قسَّمنا حروف الهجاء إلى تسعة حروف في أولها وتسعة في آخرها ويتبقى عشرة في الوسط نجد الحروف المقطعة أخذت فقط حرفين من المجموعة الأولى هما الألف والحا وترك سبعة، وأخذت سبعة من المجموعة الأخيرة وتركت اثنين، وأخذت من الوسط الحروف غير المنقوطة وتركت المنقوط، إذن: لها موازين ولها حكمة.
ونحن نحاول ونفكر في معاني هذه الحروف، ويحوم العقل حول هذه المعاني قد يبلغ بعضها، وقد يقف عاجزاً يقول: الله أعلم بمراده، وكُلُّ عالم يحاول فَهْم هذه الحروف أو استجلاء الحكمة منها مجتهد ومُثَاب، أصاب أو جانبه الصواب.
المهم أن الحق سبحانه يريد منا أن نؤمن بهذه الحروف، وأن نقبلها كما هي، عرفنا معانيها أو لم نعرف، فهي أشبه بأسنان المفتاح الذي يعنيك منها أنْ تفتح لك دون أنْ تعرف لها نظاماً، ويكفي أن صاحبها يعرف أسرارها، وأنها تؤدي لك مهمتها على ما هي.
فصحيح أننا نحوم حول هذه المعاني وقد نصل إلى شيء منها، لكن يظل للقرآن إعجازه، وتظل هذه الحروف محتفظة بعطاء متجدد لا ينفد. والقرآن لما تحدَّى العرب وأعجزهم، البعض فهم من ذلك أنه تقليل من شأن العرب، لكن هذا التحدي يعني براعتهم في هذا المجال وتمكّنهم منه وإلا ما تحداهم القرآن، إذن: تحدَّى القرآن لهم شرف لهم وإعلاء لشأنهم، ويكفي أن الله جعلهم المقياس في هذه المسألة.
والقرآن حين تحدَّى العرب لم يأت بكلمات جديدة ولا بحروف جديدة، فهي نفس الحروف ونفس الخامات التي تتكوَّن منها لغتهم، ومع ذلك ظل كلام الحق سبحانه هو المعجز، ولم يستطيعوا الإتيان بمثله، فوجه الإعجاز هنا أن القرآن كلام الله، الله هو الذي يتكلم، فكلامه مُعْجز لأنه سبحانه يضفي عليه من قدرته، وكلامك أنت أيها العبد غير معجز لأن فيه شيئاً من عجزك.
وسورة الشورى من سُوَر الحواميم. يعني: السور التي بدأتْ بقوله تعالى (حم) وقد رأينا أن هذه الحروف جاءت بحرف واحد مثل (ن) و (ق) و (ص). وجاءت بحرفين مثل (طس). وجاءت على ثلاثة أحرف مثل (الم) و (طسم) وجاءت على أربعة أحرف مثل (المر) و (المص). وعلى خمسة أحرف مثل (حم عسق) و (كهيعص) وهذه الحروف لا تُعرف معانيها، ونؤمن أنها من الغيب الذي يجب علينا التسليم به، وأن نقول في تفسيرها: الله أعلم بمراده.
آية رقم ٢
هذه الحروف من الحروف المقطَّعة التي تقع في بدايات بعض سور القرآن الكريم، وقد سبق الحديث عنها في أكثر من موضع، ولكنا نُذكّر بأن القرآن كله مبنيّ على الوصل، الوصل في آياته، والوصل في سُوره، والوصل في آخره بأوله.
فأنت تقرأ: مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ [الناس: ٦] هكذا بالكسر لتصلها ببسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة. أما الحروف المقطعة فهي مبنية على الوَقْف، بحيث يُقرأ كلّ حرف على حِدَة تقول هنا (حا ميم عين سين قاف).
وأنت تقرأ في أول البقرة (ألف لام ميم) وتقرأ نفس الحروف في أول سورة الشرح: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] لتعلم أن القرآن ليس كأيِّ كتاب آخر، وأن قراءته تعتمد أولاً على السماع، قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨-١٩].
إذن: حين تتدبر القرآن تجد للقراءة بالوصل حكمة، وللقراءة بالوقف حكمة، ومعلوم أن الحرف هو اللبنة الأولى في بناء الكلمة وبالتالي العبارة، وقد بيَّن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية الوقف على هذه الحروف، فقال: وحروف اللغة قسمان: حروف مبني وهي اللبنات التي تدخل في بناء الكلمات والعبارات، فكلمة كتب تكوَّنت من الكاف والتاء والباء، وهذه الحروف لا تعطي معنىً إلا إذا تركبت مع بعضها لتكوِّن الكلمات، والأخرى حروف معنى مثل كاف التشبيه في الجندي كالأسد، فالكاف هنا أفادت معنى التشبيه، وهذه الحروف لا تعطي معنىً إلا إذا رُكِّبتْ مع غيرها من الكلمات.
واللغة عامة ظاهرة اجتماعية، وهي ألفاظ يُعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم، وبها يتفاهمون، واللغة كما قال العلماء بنت المحاكاة، فما سمعتْه الأذن يحكيه اللسان، فالولد الذي ينشأ في مجتمع عربي يتكلم العربية، ولو كان في مجتمع إنجليزي لتكلَّم الإنجليزية.
إذن: ليست اللغة جنساً ولا دماً، بل ظاهرة اجتماعية تعتمد على السماع، حتى في داخل اللغة الواحدة قد تسمع الكلمة لأول مرة فلا تفهمها ولا تعرف معناها، مع أن ألفاظها عربية لكنها لم تمرّ بسمعك من قبل.
يُرْوى أن أبا علقمة النحوي كان مُغرماً بالفصحى، ولا ينطق إلا بها، فكان يأتي بألفاظ غريبة حتى شَقَّ ذلك على خادمه الذي كان لا يفهم كثيراً من هذه الألفاظ، وفي إحدى الليالي استيقظ من نومه وسأل الخادم: يا غلام أصقعتْ العتاريف؟ لم يفهم الغلام إلا أنه ردَّ في ضيق وقال له: زِقْ فَيْلم فتعجَّب أبو علقمة وقال له: وما زِقْ فَيْلم؟ قال الغلام: وما صقعت العتاريف؟ قال: أردتُ أصاحتْ الديَكة؟ قال: وأنا أردتُ لم تَصِحْ؟
ومن نوادر اللغة أن أحدهم ذهب إلى الطبيب، فقال له الطبيب وكان اسمه أعين: ما بك؟ قال: أكلت من لحوم هذه الجوازيء فطسأت منها طسأة أصابني منها وجع من الوابلة إلى دأْية العنق ولم يزل يَنْمي حتى خالط الحلْب وأَلِمَتْ منه الشراسيف، فقال الطبيب: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمتُ منك شيئاً، فأعاد كالأولى، فردَّ الطبيب وقال له: خُذْ حرقفاً وسلقفاً وسرقفاً وزهزقه وزقزقه بماء روث ثم اشربه، فقال الرجل: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمتُ منك شيئاً. فقال الطبيب: لعن الله أقلَّنا إفهماماً لصاحبه.
إذن: نقول إن اللغة بنت المحاكاة، فهي تعتمد أولاً على السماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فالولد الصغير يتعلم الكلام من أسرته وممن حوله، أما الأخرس فإنه لا يتكلم لأنه لم يسمع؛ لذلك قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٨] فالبَكَم لا يأتي إلا بعد الصَّمم، ولو سلسلنا مسألة تعلُّم الكلام هذه سنصل بها إلى أبينا آدم عليه السلام، فكُلٌّ منا تعلم الكلام من أبيه وأمه ممن حوله، أما آدم عليه السلام فعلَّمه ربه، كما قال سبحانه: وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا [البقرة: ٣١] يعني أسماء الأشياء، فالله سبحانه هو المعلم الأول.
وفي الحروف المقطعة هذه ملحظ هام، فهي تعلِّمنا الإيمان بالغيب، كيف؟ الحق سبحانه وتعالى له في خَلْقه غيب ومشهد، وقد جعل سبحانه للغيب مشهداً يدل عليه، ففي مجال العقائد مثلاً أنا معتقد أن لهذا الكون إلهاً خالقاً، وهذه العقيدة يمكن أنْ أدلِّل عليها بالآيات الكونية الموجودة المشاهدة.
لكن يأتي في العقيدة أيضاً مسائل غيبية ليس لها دليلٌ من المشهد المُحَسِّ، مثل الإيمان بالملائكة وهي غيب، وما دام هناك تكاليف وطاعة ومعصية فلا بدَّ أنْ توجد جنة ونار، وقبلها مرحلة القبر وما فيه من نعيم أو عذاب، كل هذه أمور سمعية لا يُقام عليها دليل عقلي، إنما نؤمن بها لأن الإله الذي آمنا به أخبرنا بوجودها ونحن نثق في خبره.
إذن: كل إيمان عقدي مُشَاهد يأخذ بجانبه إيماناً غيبياً، والإيمان بالغيب هو الأهم لأنه المحكّ في مسألة الإيمان، وهو الدليل على قوة العقيدة، لأن الإيمان بالمشهد يستوي فيه الجميع.
قلنا: هَبْ أن عندك خادماً وقلتَ له: يا فلان ارفع هذا الحجر في الحديقة مثلاً فيقول لك: إنه ثقيل لا أقدر على رفعه تقول له: إنَّ تحته كيس النقود الذي سأعطلك منه راتبك فيسرع إليه ويرفعه، هذا آمن بالغيب أم بالمشهد؟ آمن بالمشهد، لم يثق بك وإنما بكيس النقود.
إذن: المحك الحقيقي للإيمان هو الغيب، لذلك قال تعالى في صفات المؤمنين ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ [البقرة: ٣] لأن المحسَّ والمشَاهد الكل يعرفه ويؤمن به.
كذلك الحال في كلام ربِّ العالمين وفي قرآنه الكريم كلام وحروف لها معنى، وحروف أخرى ليس لها معنى واضح نعرفه ونفهم تفسيره، وهذه هي الحروف المُقطَّعة نؤمن بها ونُصدِّق بها على أنها من الغيب.
وسبق أنْ أوضحنا أن الحروف المقطعة في بدايات السور أخذت نصف حروف المعجم يعني أربعة عشر حرفاً، والمتأمل في هذه الحروف يجد لها نظاماً ورتابة لم تُؤخذ هكذا كيفما اتفق، فلو قسَّمنا حروف الهجاء إلى تسعة حروف في أولها وتسعة في آخرها ويتبقى عشرة في الوسط نجد الحروف المقطعة أخذت فقط حرفين من المجموعة الأولى هما الألف والحا وترك سبعة، وأخذت سبعة من المجموعة الأخيرة وتركت اثنين، وأخذت من الوسط الحروف غير المنقوطة وتركت المنقوط، إذن: لها موازين ولها حكمة.
ونحن نحاول ونفكر في معاني هذه الحروف، ويحوم العقل حول هذه المعاني قد يبلغ بعضها، وقد يقف عاجزاً يقول: الله أعلم بمراده، وكُلُّ عالم يحاول فَهْم هذه الحروف أو استجلاء الحكمة منها مجتهد ومُثَاب، أصاب أو جانبه الصواب.
المهم أن الحق سبحانه يريد منا أن نؤمن بهذه الحروف، وأن نقبلها كما هي، عرفنا معانيها أو لم نعرف، فهي أشبه بأسنان المفتاح الذي يعنيك منها أنْ تفتح لك دون أنْ تعرف لها نظاماً، ويكفي أن صاحبها يعرف أسرارها، وأنها تؤدي لك مهمتها على ما هي.
فصحيح أننا نحوم حول هذه المعاني وقد نصل إلى شيء منها، لكن يظل للقرآن إعجازه، وتظل هذه الحروف محتفظة بعطاء متجدد لا ينفد. والقرآن لما تحدَّى العرب وأعجزهم، البعض فهم من ذلك أنه تقليل من شأن العرب، لكن هذا التحدي يعني براعتهم في هذا المجال وتمكّنهم منه وإلا ما تحداهم القرآن، إذن: تحدَّى القرآن لهم شرف لهم وإعلاء لشأنهم، ويكفي أن الله جعلهم المقياس في هذه المسألة.
والقرآن حين تحدَّى العرب لم يأت بكلمات جديدة ولا بحروف جديدة، فهي نفس الحروف ونفس الخامات التي تتكوَّن منها لغتهم، ومع ذلك ظل كلام الحق سبحانه هو المعجز، ولم يستطيعوا الإتيان بمثله، فوجه الإعجاز هنا أن القرآن كلام الله، الله هو الذي يتكلم، فكلامه مُعْجز لأنه سبحانه يضفي عليه من قدرته، وكلامك أنت أيها العبد غير معجز لأن فيه شيئاً من عجزك.
وسورة الشورى من سُوَر الحواميم. يعني: السور التي بدأتْ بقوله تعالى (حم) وقد رأينا أن هذه الحروف جاءت بحرف واحد مثل (ن) و (ق) و (ص). وجاءت بحرفين مثل (طس). وجاءت على ثلاثة أحرف مثل (الم) و (طسم) وجاءت على أربعة أحرف مثل (المر) و (المص). وعلى خمسة أحرف مثل (حم عسق) و (كهيعص) وهذه الحروف لا تُعرف معانيها، ونؤمن أنها من الغيب الذي يجب علينا التسليم به، وأن نقول في تفسيرها: الله أعلم بمراده.
كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
الكاف في كَذَلِكَ حرف معنى يفيد التشبيه و ذَلِكَ إشارة إلى الحروف المقطعة السابقة، يعني بمثل هذه الحروف يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ فهذه الحروف من وحي الله إلى نبيه محمد، وما يأتي بعدها أيضاً من وحي الله.
والوحي: هو إعلام بخفاء من المتكلم للسامع، فلو جاءك ضيف وتريد أن تخبر خادمك بأمر دون أنْ يُحسَّ به الضيف، فإنك تنظر إلى الخادم أو تهمس إليه بطريقة ما يفهم منها ما تريد، فكأنك أوحيتَ إليه بهذا الأمر.
والوحي يقتضي: مُوحِياً، ومُوحَىً إليه، ومُوحَىً به، وقد أخبرنا الحق سبحانه أنه يوحي لمن يشاء من مخلوقاته، يوحي إلى الملائكة: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ.. [الأنفال: ١٢].
ويوحي للرسل: إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.. [النساء: ١٦٣].
ويوحي إلى الصالحين من عباده، كما أوحى إلى الحواريين، وكما أوحى إلى أم موسى، وأوحى للنمل، وأوحى إلى الأرض وهي جماد: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا [الزلزلة: ٥].
كذلك أخبرنا الحق سبحانه أن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعضهم، ومثلهم شياطين الإنس، قال تعالى: وَإِنَّ الشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ.. [الأنعام: ١٢١] أي: من الإنس وقال: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: ١١٢] والوصف العام لكلمة الوحي أنه بخفاء، هذا في المعنى العام لكلمة الوحي، وهو يكون بالخير ويكون بالشر.
أما الوحي الشرعي المقصود هنا فالذي يكون من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بواسطة الملَك جبريل عليه السلام، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١].
إذن: الوحي الشرعي: إعلام من الله لمن اختاره من الرسل بإحدى هذه الوسائل: أن يرسل إليه مَلَكاً أو عن طريق الإلهام، وسبق أنْ أوضحنا أن وارد الرحمن لا يصطدم بوارد الشيطان، لأن وارد الرحمن أقوى لا ينازعه شيء.
ففي قصة أم موسى، قال تعالى: وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ [القصص: ٧] الوحي هنا بمعنى ألهمها، أو نفث في روعها، أو مرَّر بخاطرها أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ هذا أمر العقل لا يقبله، لكنه لما كان من الله لم يعارضه اختيار آخر وأذعنتْ له أم موسى ونفَّذته على الفور.
لذلك لما أراد الحق سبحانه أنْ يعلِّم صحابة رسول الله أمور دينهم أنزل إليهم جبريل في صورة رجل، وأخذ يسأل رسول الله عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان وكان يسأل ويصدق؛ لذلك تعجب منه الصحابة: كيف يسأل ويصدق، ولما انتهى الدرس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنه جبريل جاء يعلمكم أمور دينكم".
وتبين هذه الآية: كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أن الموحي هو الله عز وجل ولم تقل مثلاً ربك، فاختارت لفظ الألوهية لماذا؟ الله هو المعبود بحقٍّ، والمعبود يعني له منهج وله تكاليف فيها أوامر وفيها نواه، فعطاء الألوهية كما قلنا عطاء تكليف، أما عطاء الربوبية فتربيةً ورعاية ومنح دون مقابل.
فالحق سبحانه وتعالى في العطائيْن لا يعود عليه من العباد شيء ولا ينتفع منهم بشيء، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وما جعل التكليف والمنهج إلا لإسعاد العباد وسلامة المجتمع.
كأن الله يقول لنا: أريدكم سعداء في مجتمع نظيف طاهر يقوم على المحبة والسلام، ويخلو من الغل والحسد والنفاق، مجتمع يقول وينبه على الفضيلة ويخلو من الرذيلة، ذلكم لأنكم عبادي وصنعتي، وكل صانع يريد لصنعته الصلاح، ويربأ بها عن الفساد.
لذلك قلنا: إن الرجل العاقل لا يحقد على مَنْ هو أعلى منه في ناحية من النواحي ولا يحسده، وإذا اصطدم بظالم لا يدعو عليه إنما يدعو له، وإذا رأى فساداً أصلحه، وإذا رأى غير المسلمين تمنى لو كانوا مسلمين، لماذا؟ لأنه سيسعد بإصلاح هؤلاء، وسيجني ثمار صلاحهم واستقامتهم، وسيعود عليه خيرهم.
وقوله تعالى: اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إشارة إلى أن الموحي بهذا الوحي والمنزِل لهذا الكتاب ولهذا المنهج (الله) أي: صاحب التكاليف والآمر بها.
الله: عَلَم على واجب الوجود، بعضهم قال: هو مشتق من أله من العبادة، ومألوه يعني معبود، وبعضهم قال: الله عَلَم على الذات، لا تجد فيه إلا صفة العَلَمية على واجب الوجود، وهذا العلم موصوف بكل صفات الكمال، فهو القوي العزيز الجبار المتكبر الرحيم الحكيم الغفور الوهاب القهار. هذه من أسماء الحق سبحانه وهي صفات كمال لاسم الله، لذلك قال تعالى: قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَآءَ الْحُسْنَىٰ [الإسراء: ١١٠].
الحق سبحانه يُعلِّمنا كيف ندعوه في شتى أمورنا، فمَنْ أراد العلم يدعو العليم، ومَنْ أراد القوة يقول يا قوي قوِّني، ومَنْ أراد الحكمة يقول: يا حكيم ألهمني الحكمة، ومَنْ أراد سعة الرزق قال: يا باسط ابْسُطْ لي الرزق، فإذا أراد كلّ هذه الصفات قال: يا الله. فهو الاسم الجامع لكل صفات الكمال.
وهو سبحانه في تكاليفه لكم الْعَزِيزُ يعني: غالب لا يغلب، وله صفات العزة والجبروت والغنى والاستغناء عن الخلق.
ثم هو سبحانه الْحَكِيمُ يعني: حين كلّف كلّف بقدر وبحكمة ذلك لأن القرآن به تكاليف قد يراها البعض شاقة، لكن إذا أخذنا هذه التكاليف بمصاحبة ثمرتها والثواب عليها نجدها سهلة يسيرة لأنها تُدِر عليك نفعاً تهون أمامه كل المشاق.
ألاَ تراك تتعب في الدنيا ثم تجني من الثمار على قدر تعبك، ألاَ ترى أن نفاسة النتيجة على مقدار الكَدِّ؟ أنت في الدنيا مثلاً تزرع الفجل تجده فجلاً، وتستطيع أنْ تأكل منه بعد عدة أيام، وتزرع مثلاً الخيار وتأكل منه بعد أربعين يوماً والأرز مثلا بعد عدة شهور، وتزرع المانجو فلا تعطيك إلا بعد عدة سنوات.
إذن: إذا كلَّفك الله بشيء فيه مشقة، فاعلم أن الثمرة على قدرها، واعلم أن الذي أوحى إلى النبي بهذا التكليف عزيز حكيم، فإنْ كان شاقاً في نظرك فمُكلِّفك به غنيٌّ عنك وعن طاعتك لا يستفيد منه بشيء بل أنت المستفيد، وهو حكيم يعني كلَّفك بما يؤدي إلى سلامة حركتك في المجتمع.
أي: لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض ملكاً لا يتصرف فيه الخليفة، هذه منطقة حرام أنْ يتصرَّف أحد في مُلْك هو لله تعالى وحده، إنما يتصرف الخليفة فيما دون ذلك من الأحداث.
وحين نستقرئ هذه الآية وأمثالها في القرآن نجد الحق سبحانه يقول مرة: لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [الشورى: ٤] ويقول مرة: وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [النحل: ٥٢] ذلك لأن الخلق متفاوت، فهناك خلْق موجود في السماء وفي الأرض وهم الملائكة، وهناك خلق للسماء فقط، هم الملائكة العالون وهناك خَلْق للأرض فقط هم: الجن والإنس.
فحين يقول: لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [الشورى: ٤] يذكر الجنسين، وحين يقول: وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [النحل: ٥٢] يذكر الجنس المشترك بينهما.
نفهم من ذلك أن الكون الذي نعيش فيه ليس مِلْكاً لأحد على الحقيقة، فالملكية لله تعالى وإنْ ملَّك بعضاً شيئاً فهو موقوت، ومن باطن ملكه تعالى حتى لا يغترَّ أصحابُ الأملاك بأملاكهم، أنت مجرد خليفة لستَ مالكاً، هذه الأرض عبارة عن ملعب نحن جميعاً فقط نلعب فيه ولا يملكه منا أحد للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [المائدة: ١٢٠].
وقالوا: اللام للملك كما في: القلم لزيد. وللاختصاص كما لو قلتَ: الحبل للفرس، فالفرس لا يملك الحبل إنما يملكه صاحب الفرس، فالحبل يخص الفرس.
وفي قوله تعالى: لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [الشورى: ٤] تفيد المعنيين، فهي للملك وللاختصاص أو القصر بتقديم الخبر الجار والمجرور له، فالملك هنا لله وحده لا يشاركه في ملكه أحد، تقول: لزيد القلم يعني خاص به ومقصور عليه، أما (القلم لزيد) يمكن أن تقول: ولعمرو.
والهاء ضمير الغائب في (له) تعود على الحق سبحانه، والغيبة هنا هي عين الظهور والحضور، ومن عظمته سبحانه أنه غيب لا يُدرَك بالحواس لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣].
فمن عظمته أنه غيب، كما نقول: الحق هذه الكلمة التي يدعيها الجميع أنه على الحق، وكذلك العدل.. هذه معانٍ نتحدث عنها لكن لا نعرف ما هي؟ ما شكلها؟ فلو كنا لا ندرك مجرد المعاني العالية، فكيف نطمع في إدراك ذات الحق سبحانه؟
وفي موضع آخر قال سبحانه: لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الشورى: ٤٩] إذن: فالله يملك السماوات والأرض، وهي ظرف فيه أشياء هي أيضاً ملك لله لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [الشورى: ٤] وما في السماء أثمن من السماء، وما في الأرض أثمن من الأرض، والعادة أن المظروف أنفسُ من الظرف الذي يحتويه.
فكل ما في السماوات وما في الأرض مِلْكٌ لله ومُسخَّر لخدمة خليفته في أرضه، فالحق سبحانه خلق لك قبل أنْ يخلقك، وأعدَّ لك كَوْناً جاهزاً لاستقبالك فيه مُقوِّمات حياتك، هذا قلنا: إنه عطاء الربوبية.
فربك ربَّاك بالمنهج الذي أنزله من السماء على يد الرسل، وحفظ له أسباب الحياة واستبقاء الحياة بماء ينزل من السماء، وأرض تنبت لك مختلفَ الأطعمة والقوت، وجعل لك الأنهار، وجعل لك الهواء.
وبهذه العناصر الثلاث يتم لك استبقاء الحياة وقلنا: من رحمته تعالى بخَلْقه أنْ جعل حاجتك للطعام، غير حاجتك للشراب، غير حاجتك للتنفس، فالإنسان يصبر على الطعام مثلاً شهراً، ويصبر على الماء عدة أيام، لكنه لا يصبر على الهواء ولو لنِفَس واحد.
لذلك ملَّك الله الطعام لبعض البشر، فإنْ منعه عنك تعيش على المخزون في جسمك، إلى أنْ تحتال عليه بأيِّ وسيلة، وملَّك الماء قليلاً، لأن الصبر عليه أقل من الصبر على الطعام، أما الهواء فلم يُملكه لأحد، تصور لو غضب عليك صاحب الهواء، والله لمتَّ قبل أن تنال رضاه.
وبعد ذلك أعطاك ترف الحياة وما تتحلى به وتتزيَّن، لذلك قال عن البحر: وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [النحل: ١٤] وقال: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً [الأعراف: ٢٦] فالضروري في اللباس ما يستر العورة ثم يأتي الرياش، وهو ما يكون للزينة. وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] لأن لباس الدنيا يستر عورتك. وتحميك في الدنيا، أما لباس التقوى فيسترك في الدنيا وفي الآخرة، ويعطيك حياة أخرى أبقى وأدوم.
هذا كله من ملك الله الذي في الأرض، فإنْ نظرتَ إلى أعلى تجد الهواء وهو نعمة في طياتها نِعَم كثيرة، فالهواء عنصر هام في بقاء الحياة للكائنات الحية، وهو المادة الموصّلة التي ينتقل بها الصوت والصورة التي نراها في (التليفزيون) مثلاً.
ثم تأمل في السماء من شمس وقمر ونجوم وكواكب ومجرات، كلها آيات كونية مِلْكٌ لله تعالى لا يتصرف فيها غيره سبحانه.
وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ [الشورى: ٤] العلي لا تعني أنه عَالٍ في المكان فقط، إنما العلي يعني المتعالي عن كل شيء في الوجود ٱلعَظِيمُ أيضاً لا تعني ضخامة الحجم، إنما العظيم بقيومته وقدرته وصفات كماله.
قوله تعالى: تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ.. [الشورى: ٥] أي: تقترب وتوشك يَتَفَطَّرْنَ [الشورى: ٥] يتشققن إما هيبة لله ومن عظمته سبحانه، كما ورد في الحديث الشريف: وإما تشققت غضباً من الذين قالوا اتخذ الله ولداً.
مِن فَوْقِهِنَّ.. [الشورى: ٥] يجوز من فوق ملائكة الملأ الأعلى، حيث هيبة الملائكة من الله، وتعظيمهم له سبحانه، أو من فوق الأرض حيث البشر أصحاب الذنوب والذين قالوا اتخذ الله ولداً، لأن الحق سبحانه ردَّ عليهم: لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً [مريم: ٨٩] أي: عجيباً وغريباً لا يقبله العقل تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً [مريم: ٩٠].
فالولد إنما يُطلب إنا للمعونة في وقت الضعف والشيخوخة، وإما لبقاء الذكْر، وهذه أمور لا تجوز، ولا تنبغي للحق سبحانه لأنه غَنِي عنها، لذلك قال تعالى: وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: ٩٢] أي: أن الحق سبحانه لو أراد أن يتخذ ولداً لفعل، حيث لا يمنعه من ذلك مانع، إنما جلال الله وعظمته وقيوميته تعالى لا ينبغي لها ذلك، لا يجوز ولا يصح أنْ يكون له ولد، ونَفْي الانبغاء يدل على الكمال.
ومثال ذلك قوله تعالى في شأن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] عندما اتهمه الكفار بأنه شاعر، والمعنى: أنه لا يقول الشعر ليس لأنه عاجز عن قوله، بل عنده أدوات الشعر ويستطيعه، لكنه لا ينبغي أنْ يقوله ولا يصح، لأن الله يُعده لأمر أعظم من شعركم.
فقوله سبحانه وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: ٩٢] تأكيد أنه تعالى لو أراد له ولداً لفعل، لكن هذا أمر لا ينبغي في حقه تعالى لأنه مُنزَّه عنه، لذلك قال في موضع آخر: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] يعني: على فرض أنِ اتخذ ولداً فسأكون أول المؤمنين به.
وقوله: وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥] الملائكة من الغيبيات، والسماء والأرض من الحسيات، فالحسيات غاضبة تكاد تتشقق من هذا القول، أما الملائكة فيسبحون بحمد ربهم ويُنزِّهونه عن اتخاذ الولد، وجاء التسبيح قبل التحميد، التسبيح يعني نفي المماثلة لأيِّ كائن مَنْ كان، أما التحميد فيجب لله تعالى على نعمه ومنحه، فالتسبيح أوْلَى من التحميد ومُقدَّم عليه.
وقوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ [الشورى: ٥] فهم لا يستغفرون لأنفسهم، بل يستغفرون لمن في الأرض، وهذا يعني أنهم بلا ذنوب، ولو كان لهم ذنوب لاستغفروا لأنفسهم من باب أوْلَى. والاستغفار هنا عام لكل مَنْ في الأرض بما فيهم الكفار.
وفي موضع آخر قال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ [غافر: ٧] أما هنا فقال: لِمَن فِي ٱلأَرْضِ [الشورى: ٥] فشمل الجميع، والاستغفار لغير المؤمنين طلب المغفرة لهم وطلب الهداية، وأنْ يلهمهم الله الإيمان به.
أما الحديث الشريف الذي ورد فيه: قالوا: الدعاء بالتلف للممسك هنا لا يتعارض مع استغفار الملائكة لمن في الأرض، لأن المنفق يستغني عن ماله وينفقه في سبيل الله، فحبه لله تعالى أعظم من حبه للمال، أما الممسك فيحب ماله ويبخل به، وحين يدعو عليك الملَك بالتلف فإنما ليُخلصه من مال صرفه عن الله، فتلَفُ هذا المال نعمة أو مصيبة يُثَاب عليها.
إذن: هو دعاء بالخير في كلتا الحالتين.
أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيم [الشورى: ٥] قلنا: إن ألا أداة استفتاح وتنبيه، لأن المتكلم حُرٌّ يتكلم متى شاء، أما السامع فليس حراً في السماع، وقد يغفل عن سماع بعض الكلام، لذلك ينبغي للمتكلم أنْ ينبه السامع وأن يُخرجه من غفلته، لا سيما إنْ كان الكلام مهماً يحرص على أنْ يسمعه السامع دون أنْ يفوته منه شيء، لذلك يقول (ألا) في البداية يعني: انتبه واسمع مني.

ومن ذلك قول الشاعر الجاهلي:

أَلاَ هُبِّي بصَحْنِكِ فَاصْبحينَا  وَلاَ تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدرِينَا
وتذييل الآية: أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيم [الشورى: ٥] يناسب مسألة استغفار الملائكة لمن في الأرض ويقول لك: انتبه فالذي تستغفره غفور ورحيم، غفور يغفر الذنب ويمحو آثاره ورحيم: يعني يرحمك بعده من الوقوع في ذنب آخر.
معنى: مِن دُونِهِ [الشورى: ٦] أي من دون الله أَوْلِيَآءَ يوالونهم ويعبدونهم من دون الله، كالذين عبدوا الشمس والقمر أو الشياطين أو الملائكة ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ [الشورى: ٦] يعني: رقيب يعلم ما فعلوا، ويحصي عليهم ما قالوا، ويحاسبهم على هذا ويجازيهم بما يستحقون، لأنه تعالى إليه المرجع وإليه المصير.
وما دام الأمر كذلك فلا تحزن يا محمد، ولا تُهلك نفسك أسفاً عليهم، فليس عليك هداهم، إنما عليك البلاغ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ [الشورى: ٦] وكيل: فعيل بمعنى مفعول، وما أنت عليهم بموكول أنْ يؤمنوا، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
ومعلوم أن صيغة فعيل تأتي بمعنى فاعل مثل رحيم بمعنى راحم، وبمعنى مفعول مثل قتيل بمعنى مقتول.
قوله تعالى (كذلك) أي: كهذا الوحي الذي سبق أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً [الشورى: ٧] سُمي قرآناً لأنه مقروء، وسُمِّي الكتاب لأنه مكتوب مُسطر في كتاب، ووصِف بأنه عربي لأنه بحروف وبلسان عربي مبين، وعربي منسوب إلى العرب، وقلنا: إن اللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وأنها بنت المحاكاة، فما سمعتْه الأذن يحكيه اللسان.
وليست اللغة جنساً ولا دماً، بدليل أن الولد العربي لو عاش في بيئة أجنبية يتكلم نفس لغتها، لأن اللغة تقليد ومحاكاة تعتمد على التلقِّي والتقليد، حتى في لغتك التي تتكلم بها يطرأ عليك اللفظ فلا تعرف معناه، لماذا؟ لأنك لم تسمعه من قبل.
لذلك نقول: إن التلقين في اللغة دليل على صدق الحق سبحانه فيما قال: وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا [البقرة: ٣١] فالله تعالى هو أول معلم للبشر، وإلا فمَنْ علَّم آدم الأسماء والحروف والكلمات؟
بعض المستشرقين وقف عند هذه الآية، وقال: كيف يكون القرآن عربياً وفيه كلمات كثيرة من غير العربية، فيه من لغة الرومان ومن لغة الفرس والحبشة؟ ونقول: معنى قُرْآناً عَرَبِيّاً [الشورى: ٧] أي: نزل بكلمات دارتْ على ألسنة العرب وتُدُووِلَتْ بينهم قبل نزول القرآن، فصارت من لغتهم، ثم كم هي هذه الكلمات بالنسبة لكلمات القرآن؟
إذن: فالقرآن عربي، والله تعالى يقول: وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] يعني: يتلقون عنه ويفهمون منه، وإلا ما تم البلاغ عن الله.
فإنْ قلتَ: كيف ذلك ومحمد صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ للناس كافة في كل مكان، وفي كل زمان؟ نقول: هذه مهمة أمة محمد من بعده، أنْ تتعلم هذه اللغات، وأن تحمل إليها من دين الله في أيِّ مكان، لأن محمداً خاتم الرسل وآخر الأنبياء، فلا بدَّ أن تحمل الأمة من بعده هذه المهمة، وأنْ تسيح بها في أنحاء العالم.
فالقرآن نزل بالعربية لأنه سبحانه اختار العرب لحمل هذه الرسالة، وسبق في موضع قريب أن تكلمنا عن اختيار العرب بالذات لهذه المهمة، والحكمة من كَوْن رسول الله أمياً في أمة أمية، وإذا كان القرآن معجزاً للعرب بلفظه وأسلوبه، فهو معجز لغير العرب بمعناه، ومعجز بآياته الكونية التي تظهر للناس وتبهرهم من حين لآخر.
تصوَّروا لو أن محمداً كان متعلماً في أمة متعلمة ذات حضارة، ماذا كانوا يقولون، مع كثرة الكفرة والمعاندين والملحدين، والله لو كان الأمر كذلك لقالوا: إن الإسلام قفزة حضارية كالتي حدثتْ في كثير من الأمم.
إذن: نقول: الأمية عيب في كل أمي إلا في رسول الله فهي شرف، لماذا؟ لأنها تعني أنه تلقى كل علومه وكل ثقافاته من أعلى، فهي شرف لارتقاء مصدرها إلى الحق سبحانه.
والعجيب أن من أعداء الإسلام مَنْ يقول بأن محمداً كان متعلماً، وهو الذي كتب القرآن من عنده سبحان الله، أأنتم متعصبون لمحمد أكثر من أتباعه؟ والقرآن صريح في الرد عليهم: وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨].
وبعد هذه الأمية جاء محمد صلى الله عليه وسلم بمنهج أخضع له حضارات العالم، ودانتْ له أعظم حضارتين في هذا الزمن، حضارة فارس في الشرق وحضارة الروم في الغرب، أخضعها له لا بالقوة إنما بأساليبه ومعانيه الراقية التي تنظم حركة الحياة والمجتمع كله، وتنظفه من كل القاذورات والسلبيات التي كانت منتشرة بين هؤلاء.
وقوله تعالى: لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى: ٧] الإنذار هو الإخبار بشرٍّ قبل أوانه والتخويف به قبل موعده، والحكمة أنني حين أخوفك من الأمر قبل حدوثه أعطيك فرصة لتتجنبه.
أُمَّ ٱلْقُرَىٰ [الشورى: ٧]هي مكة، فهي أم القرى، أو أصل القرى، لأن بها أول بيت وُضِع للناس، وآدم من الناس فالبيت إذن وُضِع قبل آدم لذلك فالقول الذي قال بأن الملائكة هي التي وضعتْ هذا البيت قول صحيح.
والمراد بمن حولها: ما حول مكة من قرى وقبائل وتجمُّعات عربية، ولأن مكة هي أم القرى وأصلها، أخذت قريش مكان الصدارة بين قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية، وكانت قريش لها شرف خدمة البيت، فهم سدنته القائمون على أمره تأتيهم كل القبائل في موسم الحج، فتوفر لهم الأمن والحماية والمؤنة، لذلك كانت قوافل قريش التجارية تحظى بالاهتمام والحماية في كل أنحاء الجزيرة في رحلتَي الشتاء والصيف.
إذن: فالبيت هو الذي منح قريشاً هذه المهابة وهذه المنزلة، يقول تعالى: لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ١-٤] فسيادة قريش من سيادة البيت ومن جوارهم له وقيامهم على خدمة حجاجه، ولو انهدم البيت لزالتْ مهابة قريش، وفقدت هذه المكانة.
وقوله تعالى: وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ [الشورى: ٧] أي: تخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة والجمع في هذا اليوم يكون من عدة وجوه: أولاً: البعث حيث يجمع بين الجسم والروح، ويجمع الملائكة في الملأ الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع.
ونلحظ على هذا التعبير القرآني وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ [الشورى: ٧] أنه سكت ولم يذكر مفعول الفعل (تنذر) وهو يتعدَّى إلى مفعولين كما في قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] فذكر المخوف منه على العموم ولم يذكر مفعول أنذر لماذا؟ لأنه سيأتي لها شرح آخر، ففي قوله تعالى وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ.. [غافر: ١٨] أي: أنذر الكافرين وهذا مفعول أول، ويوم الجمع مفعول ثان.
وقوله: لاَ رَيْبَ [الشورى: ٧] لا شك فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ [الشورى: ٧] فما دام هناك تكليف فلا بدَّ أن توجد الطاعة، وأن توجد المعصية، الطائع يُثاب والعاصي يُعاقب، وهذه سنة حتى عند البشر في أمور حياتهم، بدليل أنهم جعلوا لها قانوناً للثواب والعقاب، كذلك في يوم الجمْع الذي لا ريبَ فيه سيكون الناس على قسمين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
في اللغة أسلوب يُسمَّى (الاحتباك) أي: الأمر المحبوك، وهو أن يحذف من الشيء ما يدل عليه غيره على التقابل، ومن ذلك قوله تعالى: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ [آل عمران: ١٣] يعني: أمر عجيب فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا يعني في حرب فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ [آل عمران: ١٣] وهي الفئة المؤمنة وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ [آل عمران: ١٣] أي: تقاتل في سبيل الشيطان.
تأمل هذا النسق القرآني تجده حذف الوصف (مؤمنة) لأنه دلَّ عليها قوله تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ [آل عمران: ١٣] وفي الأخرى ذكر الوصف (كافرة) وحذف المقابل أي تقاتل في سبيل الشيطان، فحذف من إحديهما ما دلتْ عليه الأخرى بالتقابل، وهذا يُسمى الاحتباك.
وقوله تعالى: فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ [الشورى: ٧] تفريق بعد الجمع في قوله: وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ [الشورى: ٧] والتفريق بعد الجمع أسلوب آخر من أساليب القرآن، وهناك الجمع والتفريق والتقسيم.
ومن ذلك قوله سبحانه: يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [هود: ١٠٥] هذا جمع فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١٠٥] هذا تفريق، ثم يقسم ويُفصِّل القول في كل فريق: فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٦-١٠٨].
لكن لماذا هذا التفريق فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ [الشورى: ٧] قالوا: لأن الحق سبحانه خلق الخَلْق وخيَّرهم حين عرض عليهم الأمانة، وهي أمانة التكليف في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب: ٧٢].
يعني: تركنا لهم حرية الاختيار لحمل الأمانة فأشفقتْ كل المخلوقات من حملها، فاختارت أنْ تكون مُسيَّرة يتصرف فيها ربها كيف شاء إلا الإنسان والجن، فقد اختار حمل الأمانة. إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً [الأحزاب: ٧٢] أي: لنفسه جَهُولاً بالعواقب، لأنه قد تضمن نفسك ساعة التحمل، لكنك لا تضمن ساعة الأداء، فقد تحُول ظروفك بينك وبين أداء الأمانة، فلأن الإنسانَ اختار حملَ الأمانة واختار الاختيار كان لا بدَّ أنْ يسأل عن أمانته، وأنْ يحاسب عليها، أحفِظَ أم ضيَّع، وكان لا بدَّ له من دار جزاء وحساب، ففريق في الجنة وفريق في السعير.
يعني: لا تتعجب من أمر الله، فله المشيئة المطلقة في خَلْقه، ولو كانت مشيئته مشيئة قَهْر ما استطاع أحدٌ الخروجَ عليها، ولكانَ الناسُ جميعاً مؤمنين، لكن فَرْقٌ بين الإيمان عن قهر وإجبار، والإيمان عن حب واختيار.
الحق سبحانه لا يريد منا القوالب الجامدة، إنما يريد القلوب المحبَّة، يريدها طواعية مختارة، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك ولله المثل الأعلى برجل عنده عبدان أحدهما حُر طليق، والآخر مربوط إلى سيده بحبل، فحين ينادي السيد يأتيانه ويجيبان نداءه، فأيهما أطوَعُ وأيهما مُحِبٌّ؟
الحق سبحانه وتعالى حين عرض الأمانة على الخَلْق كله وخيَّرهم أثبت الجانبين القهر والقدرة وأثبت المحبة، أثبت القدرة والقهر في أنْ جعل خَلْقاً من خَلْقه هو السماوات والأرض وكل الكائنات عدا الإنس والجن تأتي طائعةً مؤمنةً، وتتنازل عن اختيارها لاختيار ربها وخالقها. ثم أثبت الحب في اختيار الإنس والجن، لأنهم آمنوا حباً وكانوا يقدرون على الكفر.
وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى: ٨] وهم المؤمنون يُدخَلون الجنة بفضل الله وبرحمته لا بأعمالهم، فالأعمال سبب في دخول الجنة. وفي المقابل وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [الشورى: ٨] يعني: سيدخلون النار، لأن الفريق الذي دخل الجنة دخلها بفضل الله ورحمته، وهؤلاء ظالمون، والظلم جزاؤه النار.
مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ [الشورى: ٨] يعني: قريب يُواليهم ويدفع عنهم وَلاَ نَصِيرٍ [الشورى: ٨] ينصرهم ولو من بعيد، يراهم مغلوبين، فيحنّ عليهم وينصرهم.
ثم بيَّن الحق سبحانه علَّةَ ذلك، وأنهم أعرضوا عن عبادة الله الواحد الأحد، واتخذوا من دونه أولياء فاستحقوا هذا الخذلان:
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ... .
بعد أنْ قرر الحق سبحانه أن الظالمين ما لهم من ولي ولا نصير يسوق هذا السؤال: أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ [الشورى: ٩] هل لهم أولياء لا نعلمهم، فالاستفهام هنا للنفي والإنكار، وما داموا ليس لهم أولياء فلماذا لم يتخذوني ولياً لهم، أو يكون المعنى: بل اتخذوا من دونه أولياء، وعليهم أن يتفكروا في ذلك، وأنْ يراجعوا أنفسهم.
فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ [الشورى: ٩] الولي الحق لمَنْ أراد ولياً وناصراً وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الشورى: ٩] جاء هنا بصفتين لا يستطيعهما أحد من أوليائهم إحياء الموتى والقدرة، وهذه الصفات الخاصة به سبحانه نجدها في القرآن دائماً مقرونةً بضمير الفصل للتأكيد على أنها لله وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال: فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الشورى: ٩].
وقال سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٣-٤٤] فهذه أفعالٌ لا يقدر عليها إلا الله وحده، فمعنى أضحك وأبكى أوجد فيك غريزة الضحك وغريزة البكاء، بدليل أنها موجودة في كل بني آدم وفي كل الجنسيات، الضحك واحد عند العرب، وعند الهندي، وعند الروسي ومثله البكاء فهي إذن غريزة، وكذلك مسألة الحياة والموت هي لله وحده لا يقدر عليها أحدٌ سِوَاه.
وفي قصة سيدنا إبراهيم يقول وهو يُعدِّد نِعمَ الله عليه: ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء: ٧٨-٨١].
ففي الأمور التي فيها شبهة فعْلٍ لغير الله يأتي بضمير الفصل (هو) لتأكيد أن الفعل لله وحده كما في فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] لأن الهداية قد تأتي على يد أحد من البشر، وفي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء: ٧٩] فالأب مثلاً قد يظن فيه أنه الذي يُطعمني ويَسْقين، كذلك في يَشْفِينِ [الشعراء: ٨٠] لأن الطبيب قد يظن البعض أن بيده الشفاء، أما في الأفعال التي لا شبهة لتدخّل أحد فيها فيأتي بها دون توكيد لأنها خالصة لله تعالى دون منازع وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء: ٨١].
وإحياء الموتى يُراد به البعث في الآخرة، وقد رأينا مثالاً له في الدنيا كقصة العُزَير التي حكاها القرآن: أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٥٩].
ذلك لأن الشعور بالزمن يأتي من الأحداث، فحين تنعدم الأحداث ينعدم الشعور بالزمن، لذلك لما مات عُزير مائة عام قال لما أحياه الله: لبثتُ يوماً أو بعض يوم، فأراد الحق سبحانه أنْ يُثبتَ له صدقه في يوم أو بعض يوم بنظره إلى طعامه الذي كان معه حيث وجده كما هو لم يتغير ولم يتلف، وأن يثبت صدق الحق سبحانه في المائة عام، فقال له: انظر إلى حمارك وكيف صار عظاماً بالية، وهذا لا يحدث إلا في مائة عام.
وقوله تعالى: وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الشورى: ٩] دلتْ على طلاقة القدرة لله تعالى، وهذه القدرة مُشَاهدة في آياته الكونية في السماوات وفي الأرض وفي الأنفس، كلها تشهد لله بالقدرة المطلقة.
نعم، الله على كل شيء قدير وقد أرانا نماذجَ من إحياء الموتى في الدنيا لنأخذ منها دليلاً على صدقه تعالى في إحياء الموتى في الآخرة، مرت بنا قصة إحياء العزير الذي أماته الله مائة عام.
نموذج آخر في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [البقرة: ٢٤٣].
ومن عظمة الحق سبحانه وقدرته على كل شيء أنْ يُعدى إلى خلقه شيئاً من قدرته، فيجعل مثلاً سيدنا إبراهيم قادراً على إحياء الموتى بإذن الله، القوي من البشر مثلاً حين يرى ضعيفاً يعينه ويعدى إليه أثر قوته فيحمل له متاعه ويظل الضعيف ضعيفاً.
أما الحق سبحانه فإنه حين يُعدِّي قوته إلى عبده يجعله يفعل بنفسه وينقل إليه شيئاً من قدرته ومن صفاته تعالى فتصير القوة فيك ذاتية. تعرفون قصة سيدنا إبراهيم لما أراد أنْ يرى عملية إحياء الموتى بنفسه فطلب من ربه ذلك: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
يعني: يا رب أنا مؤمن ومصدِّق لكن أريد الاطمئنان، أريد الترقي إلى مرتبة أعلى في الإيمان، بعض المستشرقين يقولون في التعليق على هذه الآية: هل الإيمان غير اطمئنان القلب؟ وما دام طلب اطمئنان القلب فالإيمان إذن ناقص.
نقول: سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يقُل: رب هل تحيي الموتى أم لا؟ لقد قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ [البقرة: ٢٦٠] فهو مؤمن بإحياء الله للموتى ومُصدِّق بقدرة الله على ذلك ويريد أن يعرف الكيفية، فالاطمئنان للكيفية لا لإثبات الصفة لله تعالى، كما لو قلتُ لك: كيف بنيتَ هذا المسجد، هل أنا أشكّ في بنائه؟ لا فهو موجود بالفعل لكن أريد أن أعرف الكيفية.
لذلك الحق سبحانه ردَّ على نبيه إبراهيم رداً منطقياً، فكيفية إحياء الموتى لا تُعرف بالكلام إنما بالفعل والممارسة، فجعله يمارس هذا الفعل بنفسه ويزاول عملية إحياء الموتى ويعاينها قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة: ٢٦٠] يعني: تأكد منهن ومن علاماتهن ثم اذبحهن ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ.. [البقرة: ٢٦٠] إذن: أنت الفاعل بنفسك، وهذه من عظمة الخالق سبحانه.
إذن: وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ [الشورى: ٩] يعني: عملية مقصورة عليه سبحانه، حتى وإنْ عداها لمن يشاء من عباده فهو صاحبها وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الشورى: ٩] تجد بعض المخلوقات لها قدرة كما في بعض البشر مثلاً، أو بعض الملائكة التي اتخذوها من دون الله، لكنها قدرة محدودة فإنْ قدرتْ الملائكة مثلاً على فعل شيء عجزتْ عن أشياء، أما الحق سبحانه فقدرته مطلقة لا يعجزها شيء، قدرة كاملة على كل شيء.
الاختلاف هو عدم التقاء الآراء في قضية ما، وينقسم الجمع إلى فريقين أو أكثر، كُلٌّ يؤيد رأيه ويعارض رأي الآخر، ويقابله الوفاق والآراء تختلف إما في نقاش جاد مُثمر يُراد منه الوصول للحقيقة، وإما جدل ولجاجة لا فائدةَ منها ومِراءٌ بالباطل.
لذلك يُعلمنا الحق سبحانه ماذا نفعل حين نختلف، أنْ نردَّ الأمر والحكم لله، لذلك لما اختلفوا مثلاً في الروح وسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥].
كذلك علَّمنا الحق سبحانه أدبَ الخلاف وألاَّ نتعجل في الحكم، وأن نبحثه بموضوعية، فقد يكون المختلفون متفقين في واقع الأمر وهم لا يعلمون وجه هذا الاتفاق، يريد الحرب، فعاد الصحابة وتوجَّهوا إلى بني قريظة، فدخل عليهم وقت المغرب وهم في الطريق فاختلفوا في صلاة العصر، فريق يقول يجب أن نصليها الآن قبل فوات وقتها، وفريق يقول: لا بل نصليها في بني قريظة كما أمر رسول الله.
إذن: رأى تعصَّب للزمان، ورأى تعصَّب للمكان، فمَنْ تعصَّب للزمان صلى في الطريق ومن تعصَّب للمكان صلى في بني قريظة، حتى إذا ما التقوْا برسول الله عرضوا عليه هذا الخلاف، فأقرَّ كلاّ منهم على رأيه، ولم يعارض هذا ولا ذاك.
إذن: كان اختلافاً شكلياً، وهم لا يدرون أنهم جميعاً على الحق، وأنهم في وفاق، إذن: حين نختلف علينا أنْ نردَّ الأمر إلى الله وإلى رسول الله، وأنْ نكون موضوعيين دون تعصُّب، هذا في الخلاف بين المؤمنين.
كذلك إنْ كان الخلاف مع أهل الكتاب اليهود أو النصارى، رُدُّوا خلافكم معهم إلى الله، لأن عندهم كتباً سماوية: التوراة والإنجيل، وفيها تصديق بمحمد خاتم الرسل، وفيها بشارة به، وفيها صفاته وعلاماته، بدليل أن منهم مَنْ آمن بعد بعثة رسول الله، فرُدوا خلافكم معهم إلى الله لتقطعوا عليهم طريق اللجج والعناد والخصومة.
ومعنى فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ [الشورى: ١٠] وأيضاً إلى رسول الله لأنه نائب عن الله في الأحكام، وقد أعطاه الله حَقَّ التشريع بدليل قوله تعالى: وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ [الحشر: ٧] وهذه مَيزة لم ينَلْها أحدٌ من الرسل قبل رسول الله، حيث كان عليهم البلاغ فقط، أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فوّضه ربه في التشريع. لذلك لما قال أحد المجادلين: ما الدليل على أن الصبح ركعتان، والظهر أربع، والمغرب ثلاث؟ قال: الدليل قوله تعالى: وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ [الحشر: ٧].
وكوْنك تحكِّم الحق سبحانه في مسألة خلافية وتعرضها على قول الله وقول رسول الله، هذه الرجعة تُنهي الخلاف وتُنهي المراء، ولا غضاضةَ على أحد أنْ يحتكم إلى قوة أعلى تلتقي عليها القلوب في صفاء ورضا بحكمه تعالى، ألا ترى أن الحكم عليك إنْ جاء من بشر مثلك ربما لا تقبله حتى لو كان صواباً، أما حين يكون الحكم لله فلا غضاضةَ ولا حرج.
ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [الشورى: ١٠] ذَلِكُمُ اسم اشارة للتعظيم، فـ ذا إشارة، واللام للبُعْد، والكاف للخطاب ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي تقولها وأنت فخور بها، مُعتز بالانتساب إليه سبحانه، وكأنه شيء عالٍ فوق كل تصوُّر، والرب قلنا: هو الذي يتولَّى التربية والعطاء، ومنه الفضل والإنعام، وعليه أتوكل في كل أمري وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى: ١٠] أرجع وأعود في الآخرة للحساب والجزاء.
وحين أقول ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي [الشورى: ١٠] فأنا معتز بالربوبية التي تُربي وتعطي، ومعتز بالألوهية التي تكلف، لأن التكليف من تمام التربية، ومقتضى تربيتي أن تكون دنياي سعيدة، لكن الدنيا موقوتة ومنتهية، فالتربية الحقة إذن أنْ أربيك لشيء أبقى وأدوم وهي الآخرة التي لا ينقطع نعيمها ولا أغادرها بموت ولا تغادرني بفناء.
البعض يقول: التربية هنا للمادة، نقول: للمادة وللقيم والروح أيضاً، لذلك يقول تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] ما معنى (يحييكم) هنا ألم يخاطبهم وهم أحياء يسمعون؟ إذن: المراد حياة أخرى غير حياة المادة، المراد حياة القيم والروح، الحياة الخالدة التي لا تفوتك ولا تفوتها.
لذلك يُسمَّى المنهج الذي يمنحك هذه الحياة روحاً قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢] نعم روحاً، تعطيك الحياة الأبدية أما الروح الأولى فتعطيك فقط الحياة الدنيا، ويُسمى كذلك الملك الذي ينزل بالمنهج روحاًَ: نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣].
إذن: نفهم أن الحياة المطلوبة ليستْ هي الحياة الدنيا، إنما الدنيا وسيلة وأداة مُوصِّلة إلى غاية أفضل منها، ولكي أصل إلى هذه الغاية ينبغي عليَّ أن أستقيم على منهج مَنْ سيعطيني هذه الحياة.
إذن ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي [الشورى: ١٠] جمعت بين لفظ الألوهية والعبادة والتكليف وبين لفظ الربوبية التي تُربِّي وتعطي وتمنح.
وتأمل آداء القرآن في مسألة التوكل (عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ) أهل اللغة يسمون هذا الأسلوب أسلوبَ قصر بتقديم الجار والمجرور (عَليْه) مُقدَّم على الفعل (توكَّلْتُ) وهذا يفيد القصر والحصر، فتوكّلي على الله لا على سواه على الله فحسب، أما لو قلت: توكلت على الله يجوز أنْ تزيد عليها: وعلى فلان. فأسلوب القصر يقصر التوكل على الله وحده.
قالوا: والتوكل على الله رصيدُ مَن فقد الأسباب وخرج من حَوْله وقوته إلى قوة ربه وخالقه؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء أسباباً، فإذا عزَّتْ الأسباب نلجأ إلى المسبِّب سبحانه: أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل: ٦٢].
والمضطر هو الذي استنفد كل الأسباب المتاحة، وعندها لا يُسلِم نفسه للأحداث ولا ييأس، إنما يقول: إن لي رباً فوق الأسباب، فهو خالقها ومسبِّبها ولن يتخلى عني حين ألجأ إليه.
وسبق أن ذكرنا لكم قصة سيدنا موسى عليه السلام لما أدركه فرعون وجنوده وحاصروهم عند شاطئ البحر، حتى قال أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] فواقع الأحداث أن البحر أمامهم والعدو خلفهم ولا مفرّ، لكن لموسى مع ربه حسابات أخرى، فقال رداً عليهم: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
وهذا هو التوكل الذي يعتمد على الثقة بالله، توكل المضطر الذي عزَّتْ عليه أسبابه، ولم يَبْقَ له إلا أنْ يلجأ إلى الله، لذلك جاء الجواب من الحق سبحانه معجزةً خالدة باهرة: أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الشعراء: ٦٣-٦٦].
كذلك في وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى: ١٠] أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور على الفعل يعني: أرجع إليه وحده لا إلى أحد سواه. وتلحظ على الأسلوب هنا أن التوكل جاء بصيغة الماضي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [الشورى: ١٠] أما الإنابة فجاءت بصيغة المضارع وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى: ١٠] هذه الدقة في التعبير، لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله.
فطبيعي أن تجد هذه الحبكة والدقة اللغوية، ذلك لأن التوكل عقيدة راسخة من أول الأمر وقبل أنْ تتكلم في التوكل، فهو ناشئ أولاً وموجود، أما الإنابة إليه والرجوع فيكون وقت الحدث في المستقبل حينما نرجع إليه سبحانه.
ثم يتحدث عن حيثية أخرى من حيثيات قدرته تعالى وأنه هو الولي الحق:
فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم... .
ثم يتحدث عن حيثية أخرى من حيثيات قدرته تعالى وأنه هو الولي الحق: فَاطِرُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم....
وقال تعالى في أول سورة فاطر: الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ [فاطر: ١] الفاطر هو الخالق الذي يخلق الشيء على غير مثال سابق، ولا نموذج يُحتذى، كما يحدث مثلاً في عالم الصناعة الآن، فهناك دولة متقدمة صناعياً فتأتي دول أقل منها تأخذ صناعاتها وتُقلِّدها وتصنع على مثالها، صحيح تُطوِّر فيها وتُجدِّد وتضيف لكن للدولة الأولى السَّبْق في النموذج الأول.
فمعنى فَاطِرُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق جَعَلَ لَكُم دلتْ على أن كل الأشياء مخلوقة لخدمة بني آدم هذا الخليفة الذي استخلفه الله في الكون...
وقوله تعالى: جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً يراد بالأزواج هنا الذكورة والأنوثة، كما في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦].
وهذه حقيقة أثبتها العلم الحديث أن الزوجية موجودة في كل شيء حتى في الجمادات، فَهِمْنَاهَا في الموجب والسالب في الكهرباء، ورأيناها في ذرات المادة، قديماً كانوا يعرفونها في الأحياء في الإنسان والحيوان والنبات، وبالتقدم العلمي وجدناها في كل شيء خلقه الله.
وهذا دليل صِدْق قوله تعالى: وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦]...
ومعنى مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً يعني: من نفس النوع ومن نفس جنسكم، والطبيعة تجذب كلاً من النوعين الذكر والأنثى إلى الآخر فيحدث تعايش بينهما ينشأ عنه غريزة هي غريزة الجنس، وهذه يصاحبها متعة. ومن التقاء الذكر والأنثى يحدث النسل، فالإنسان أخدها للنسل وللمتعة معاً، أما الحيوان فأخذها للنسل فقط، فترى الذكر منجذباً إلى الأنثى حتى يحدث الحمل، بعدها لا يقربها.
أما الإنسان فغير ذلك، الإنسان أخذها متعة وبعد ذلك يتهم الحيوان ويقول: شهوة بهيمية، هي في الواقع شهوة إنسانية، فَلِمَ نظلم البهائم؟
ومن نعمه تعالى على خَلْقه أنْ جعل الأزواج من جنس واحد ليتم التوافق والانسجام بين النوعين ويحدث التناسل وبقاء النوع...
وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْواجاً سبق في سورة الأنعام: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣-١٤٤].
إذن: ما دام قال لنا ثمانية أزواج، ثم عدّد أربعة فكلُّ نوع مكوَّن من زوجين زوج وزوج يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أي: في الجعل ويذرؤكم يعني يكثركم، نلحظ أنه تعالى لم يقُلْ يذرأكم به يعني: يُكثركم بالجعل، إنما يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ وفيه تأتي بمعنى بسببه...
وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ له مناسبته هنا، فلما تكلم الحق سبحانه عن الأزواج في كل شيء أراد سبحانه أن يُنزِّه ذاته تعالى عن هذه المسألة، فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ولنفي المماثلة نقول: ليس مثله شيء، أما هنا فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
إذن: جعل لنفسه مثلاً، لأن العرب تنطق بالمثل وتريد به الإنسان نفسه، فإذا حدث من شخص أمرٌ ما يقولون له: مثلك لا يفعل هذا، يعني: أنت لا يصح أنْ تفعله، لأن مثلك لا يفعله، مثلك لا يجبُنُ عند الحرب، لكن لماذا لا يقولون أنت لا تجبن عند الحرب وأتى بالمثل؟
تأمَّل هنا المرحلية اللغوية، حين تقول: زيد مثل الأسد هذا يعني أنه دون الأسد، فأنت شبَّهته بالأعلى في الصفة. إذن: المثل أقلّ من الأصل، ولو فُرض أن الحق له مثل لا نقول: إن الله له مثل لأن مثله أدنى منه. إذن: لا مثْلَ له، وهذا معنى قول الشاعر:
وَلَمْ أَقُلْ مثْلَكَ أعْنِي به سِوَاكَ يَا فَرْداً بلاَ مُشبهِ
إذن: الأسلوب هنا في نفي المثلية أن يقول ليس مثله شيء، إنما أراد سبحانه أن يؤكد هذه المسألة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يعني: لو كان هناك مثل لله لا يكون له شبه، فكيف بالله تعالى؟ وكلمة شَيْءٌ تطلق على جنس الأجناس يعني: كل ما يُقال له شيء فكل ما يُطلق عليه شيء ليس كمثله.
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أتى هنا بصفتين شركة بين الحق سبحانه وبين خَلْقه، فأنت تسمع والله يسمع، وأنت تبصر والله يبصر، لكن ينبغي أن نأخذ هذه الصفات لله تعالى في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فليس السمع كالسمع وليس البصر كالبصر.
معنى السَّمِيعُ أي: للأصوات الْبَصِيرُ للمرئيات.
وفي موضع آخر يقول سبحانه: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [المائدة: ٧١] فالسمع نفسه عمل، والقول عمل والبصر عمل، وسبق أن أوضحنا أن العمل قول وفعل، والقوْلُ خاصٌّ باللسان، والفعل يشمل عمل كل الجوارح عدا اللسان، وبذلك يكون اللسانُ وحده قد أخذ شطر العمل، لأن القول به البلاغ، وبه إعلان الإيمان، وبه يُعبِّر المرء عن نفسه.
وهذه الآية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تُعلِّمنا كيف نُنزِّه الله تعالى عن كل شبيه أو نظير أو مثيل، وتُعلِّمنا أن نأخذ كل وصف مشترك بين الحق وبين الخَلْق في هذا الإطار الإيماني.
أولاً: لاحظ هنا أسلوب القصر في لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الشورى: ١٢] بتقديم الجار والمجرور، فمقاليد السماوات والأرض له وحده ومِلْكه وحده، ومقصورة عليه سبحانه لا يشاركه فيها أحد.
كلمة مَقَالِيدُ [الشورى: ١٢] جمع مقلاد وهو المفتاح؛ لذلك قال تعالى في موضع آخر وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ.. [الأنعام: ٥٩] فله سبحانه مفاتيح الخير في السماوات وفي الأرض، ومعنى مفاتيح أنها تغلق على شيء نافع ومفيد.
والغيب خزينة من هذه الخزائن المغلقة، فحين يعطي الله مفتاحها لأحد ويُطلعه على شيء من الغيب يُجريه على لسانه مكرمة وفضلاً منه تعالى عليه، ولا يعني هذا أنه أصبح عالماً للغيب ويفتح مكتبَ علم الغيب، بل يأخذ حاجته التي أكرمه الله بها ويعطي المفتاح لصاحبه وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ.. [الأنعام: ٥٩] فمَنْ يدَّعي علم الغيب لا يعرف كيف يتأدب مع الله.
ونحن نستخدم هذه الكلمة (مَقَالِيد) في لغتنا العامة الآن فنقول: فلان بيده مقاليد الحكم أو مقاليد الأمور في الشركة أو المصنع، يعني: هو المسئول الذي يملك القرار وبيده مفاتيح العمل وأسراره.
وقوله تعالى: يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ.. [الشورى: ١٢] أي: هنا بمفتاح ومقلاد من هذه المقاليد هو مفتاح الرزق، يبسطه سبحانه لمن يشاء ويُوسعه ويُيسِّره، وأيضاً يقبضه ويُضيقه على مَنْ يشاء من عباده، والمقاليد على الأرزاق تشرح لنا قوله تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: ٢١] يعني: بسط الرزق أو يقبضه بعلم وبقدر وبحكمة.
لا تظن أن الأرزاق توزع هكذا كما اتفق لا، لأن الموزِّع لها عليم بخَلْقه وخبير بأسرارهم وخفاياهم، حكيم يضع الشيء في موضعه، لذلك لا تتعجب حينما ترى الغني المترف الذي يملك الملايين وجاره لا يجد قوت يومه، لا تتعجب حينما ترى مثلاً أصحاب المحلات التجارية، هذا يبيع ويشتري وعنده رزق وفير وبجواره محل مثله لا يدخله أحد، لا تتعجب لأن وراء هذا وذاك حكمة عرفها مَنْ عرفها وجهلها مَنْ جهلها.
ويكفي أنْ تقرأ: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: ٢١] وهنا ذيَّل الآية بقوله: إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى: ١٢] يعلم مَنْ يعطي ومن يمنع، ولذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجلي لنا هذه الحِكَم، يقول: قال الله عز وجل في الحديث القدسي: والحق سبحانه يقول: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
ففَقْر الفقير لحكمة، والغِنَى عند الغني لحكمة، فلا تعترض وتأمل فربما كان المال عندك أداة سطو وبطش وتعدٍّ وطغيان، وربما دعاك المال إلى العصيان أو ولَّد عندك نزوعاً للشر، فحين يمنعك الله هذه الأداة فإنما منعك ليرحمك بالفقر فالغِنَى لا يناسبك، وصلاحك في الفقر، وفي شيء من الرضا بما قَسَمه الله لك، وألاَّ تمدّ عينيك إلى مَنْ هو أعلى منك في متاع الدنيا وزخرفها.
كثيراً ما نرى أولاد الأغنياء فاسدين بسبب كثرة المال في أيديهم، في حين تجد ابن الفقير مُعَافى من هذا، وربما يكون أحسنَ حالاً من ابن الغني، وفي واقعنا نماذج كثيرة من ذلك.
والمؤمن مُطَالب أن يعيش في حدود إمكانياته المادية، والذي يتعب الناس الآن أنك تجد الواحد منا يفرض لنفسه مستوى معيشة معين قبل أن يفرض لنفسه دخلاً يوازي هذا المستوى الذي اختاره لنفسه، فلما يحدث العجز يُضطر للحرام للغش وللسرقة وللرشوة وغيرها من وسائل الكسب الحرام ليغطي نفقات معيشته.
قال تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [الطلاق: ٧].
المؤمن يدخل السوق فيجد فيه ما لذَّ وطاب، الرومي واللحوم والأسماك والفاكهة، وقد تشتاق نفسه إليها لكن يتحلَّى بالرضا ويَقْنع بما في مقدوره، فيشتري كيلو فول أخضر ونصف كيلو جبنة، ويذهب ليأكل في وسط أولاده فيجد لهذه الأكلة البسيطة طعماً ولذة ربما لا يجدها الغني.
أما إن امتدتْ عينه إلى فوقه مستواه فتراه يشتري بالدِّين ويأكل كما يأكل الأغنياء، بل ربما أسرف على نفسه ودخل في منطقة التبذير، ثم بعد أيام يأتي مَنْ يطرق بابه يطالبه بدَيْنه فيجد من مذلة المطالبة أضعاف ما وجد من لذة الطعام.
لذلك الحق سبحانه يخاطب ابن آدم: "يا ابن آدم، خلقتُكَ للعبادة فلا تلعب، وقسمتُ لك رزقك فلا تتعب - ولا يعني هنا تعب الجوارح إنما تعب الفكر والهَمّ وشغل البال - فإنْ رضيتَ بما قسمتُه لك أرحْتُ قلبك وبدنك وكنتَ عندِي محموداً، وإنْ أنت لم تقنع بما قسمتُه لك فوعزتي وجلالي لأسلطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركْضَ الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمتُه لك وكنتَ عندي مذموماً. يا ابن آدم خلقتُ السماوات والأرض ولم أَعْىَ بخلقهن أيُعييني رغيفٌ أسوقه إليك، يا ابن آدم لا تطلب مني رزق غَدٍ كما لا أطالبك بعمل غد، يا ابن آدم أنا لك مُحِبٌّ فبحقي عليك كُنْ لي مُحباً".
وحين يرضى الفقير بما قسمه الله له، ولم يتطلع إلى أعلى من مستواه يقول الله له: رضيتَ بقدري، فالآن أعطيك على قَدْري. لذلك تجد كل عظماء العالم وقادته بدأوا حياتهم في فاقة وفقر مدقع وقد حدثونا عن تاريخ بعض هؤلاء، وكيف أنهم جاءوا من قاع المجتمع.
ولما تتأمل مسألة تضييق الرزق على بعض الخَلْق تجد له حكمة اجتماعية، هذا التفاوت يؤدي إلى نوع من التكامل بين عناصر المجتمع، وتصور لو أن المجتمع كله أغنياء مبسوط لهم الرزقَ، مَنْ سيقوم على خدمتهم؟
مَنْ يصنع لهم ويزرع ويقضي المصالح الأدنى؟ إذن: لا بدَّ من وجود طبقة الفقراء لتقوم بهذا الدور، لا عن تفضُّل إنما عن حاجة يحتاج العامل أجره فيعمل، ويحتاج الخادم أجره فيخدم ويمسح ويكنس، فالحاجة والمنفعة هي التي تربط عناصر المجتمع.
ومن العجيب أنك ترى الآن رجال الأعمال وأصحاب المصالح يشتكون من العمال، يقول لك العامل ما دام معه فلوس وجيبه (مليان) لا يعمل إلى أن ينتهي ما معه من نقود فيعود إلى العمل، وهكذا..
وأذكر من نوادر أستاذنا الشيخ موسى شريفرحمه الله أنْ كان يقول ذات مرة: اللهم ارزق العلماء واغْنهم وافقر الصنّاع، فلما سألناه قال: لأن العالم إنْ لم يكنْ غنياً ربما أذلته فتوى، أما الصانع أو العامل فإنه لا يعمل إلا إذا كان محتاجاً للمال.
وسبق أنْ قلنا: إن الإنسان منا إذا اجتهد في عمله وأخلص له مدة عشر سنين يعيش مرتاحاً باقي عمره، وإنِ اجتهد عشرين سنة ارتاح وأراح أولاده من بعده، وإنِ اجتهد ثلاثين سنة أراح أحفاده، إذن: على قَدْر العمل يكون العطاء.
ثم ينبغي أن نظل على ذكر لتقلُّب الأحوال، والحق سبحانه يقول: وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ.. [آل عمران: ٤٠] فالنعمة وبسطة الرزق عندك اليوم، وقد تصبح عند غيرك أو تمسي.
هذه الآية هي المذكرة التفصيلية أو التفسيرية للآية الثالثة في أول السورة: كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الشورى: ٣] والتفصيل بعد الإجمال أسلوب من أساليب القرآن الكريم.
قوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ.. يعني سَنَّ لكم وبيَّن ووضَّح، ومن هذه المادة شَرَعَ شَرَّع وشريعة يعني طريقة واضحة، والإنسان فيه جانبان المادة والروح. فكما أن الحق سبحانه ضمن له بقاء حياة المادة بالماء والطعام والهواء، كذلك جعل له حياة لروحه حياة بالقيم والأخلاق.
هذه القيم هي منهج الله الذي نزل على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، وبهذا المنهج تحيا القلوب والأرواح كما تحيا الأبدان بالطعام والشراب، وهذا الشرع وهذه القيم ليست جديدة في موكب الرسالات، بل هي سنة الله فيمَنْ سبق كان لهم دين وشرع، كل بما يناسبه.
لذلك قال بعدها: مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً.. يعني: ما أمر به نوحاً وألزمه من التكاليف، واختار نوحاً لأنه كان أول رسول في العموميات، وقد قال بعض العلماء أن نوحاً أُرسل كذلك للناس كافة على اعتبار أن الناس في زمنه كانوا هم ركاب السفينة، فعموميته خاصة بالموجودين معه على السفينة، أما عمومية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت عامة للناس في كل مكان على وجه الأرض.
ثم تأمل هنا دقة الأداء القرآني في مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً.. ما هنا اسم موصول بمعنى الذي، وكان المنطق أن يقول بعدها: وما أوحينا إليك. باسم الموصول (ما) لكن هنا الكلام عن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بالذي وهي أم الموصولات كلها، ومع غيره جاءت (ما) وهي كما يقول النحويون اسم موصول بمعنى الذي، ثم تلاحظ الفعل (وصى) هكذا بالمفرد، إنما مع رسول الله قال: وَالَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ.. بنون الجمع ويسمونها نون العظمة.
ثم بعد ذلك يعود السياق إلى استخدام (ما) مرة أخرى: وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ.. وهذه تدل على خصوصية لسيدنا رسول الله من بين سائر الرسل عليهم جميعاً السلام.
قوله تعالى شرع ووصى، بماذا؟ تأتي بعده (أنْ) ويسمونها أن التفسيرية، يعني: تفسر لنا مدلولَ شرع ووصى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. ومثله قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ.. [القصص: ٧] إذن: وصَّى الله هؤلاء الأنبياء بأن يقيموا الدين وبعدم التفرق فيه والاختلاف.
وإقامة الشيء أي جَعْله قائماً، والقيام هو العمدة في الدلالة على القوة والمقدرة، فالإنسان لا يقوم إلا حال قوته، فإن تعب من القيام قعد، فإنْ تعب من القعود يضطجع، فالحق يريد منا أنْ نجعل الدين قائماً يعني: نقوم به لا نقعد ولا ننام، فالقيام هنا كناية عن الاهتمام به والمحافظة عليه وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. نهى عن الاختلاف فيه...
إذن: قوله سبحانه: أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. لا تأخذوا أرباباً من دون الله، أو لا تتفرقوا في الدين شيعاً وأحزاباً، كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ.. [الأنعام: ١٥٩] فساعة تتشتت الجماعة فِرَقاً اعلم أنهم جميعاً جانبوا الصواب، لأن الحق واحد يجب أنْ نلتفَّ جميعاً حوله.
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.. كلمة كبُر بالضم يعني عَظُم عليهم وشَقَّ عليهم، أما كبَر بالفتح فتُقال للسنِّ فالمشركون عَظُم عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، وشَقَّ عليهم أنْ ينطقوا بكلمة الشهادة لا إله إلا الله، وهم يفهمون جيداً معناها ومقتضاها، فهي عندهم ليستْ كلمة تقولها الألسنة إنما هي منهج حياة لها متطلبات، وإلا لكانوا قالوها.
عَظُم في أنفسهم وشَقَّ عليهم أنْ يكون الناسُ سواسيةً كأسنان المشط لا فرقَ بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهم السادة أصحاب السلطة الزمنية من قديم، فكيف يأتي الإسلام ويُسوِّي بين السادة والعبيد فكبُر عليهم ذلك، وعَظُم في أنفسهم.
لذلك وقفوا في وجه رسول الله وعادوه وأخذوا منه موقفَ اللدد والخصومة، لكن الحق سبحانه يُطمئن رسوله فيقول بعدها: اللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ..
الحق سبحانه وتعالى يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم يقول له: لا تهتم بموقفهم العدائي لك ومصادمتهم لدعوتك، فهذا أمر طبيعي فَوُقُوفُهُم في وجهك شهادة لك أنك على حق، لأنك ستأخذ منهم وتسلبهم السيادة التي كانت لهم، وتمنع الفساد المنتشر في مجتمعهم وهم منتفعون بهذا الفساد، والناس مُستكينة لهم لأنهم مُستضعفون لا حيلةَ لهم.
إذن: عداؤهم لك أمر طبيعي، فهم يسيرون وفق طبيعتهم وأنت تسير وفق طبيعتك، يعني من شيمتهم الأعتداء والعناد والمكابرة، ومن شيمتك التحمُّل للأذى.
فكأنَّ قوله تعالى: اللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ إشارة إلى أن هؤلاء الصناديد المعاندين للدعوة سوف يكون منهم أنصار لها وأعلام في سمائها، فلا تعجل ولا تحزن ولا تهتم، سوف نأخذهم إلى ساحة الإيمان واحداً تلو الآخر، وبالفعل صدق الله فيما أخبر به رسوله، فقد دخل في الإسلام عمر وخالد وعمرو وعكرمة وغيرهم.
كلمة (يجتبي) بمعنى يختار ويصطفي من عباده مَنْ يشاء لنصرة دينه، وهذا الاصطفاء كأنه مقدمة للهداية، لذلك قال بعدها: وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ فيصطفيهم أولاً بأن يبعدهم عن عداوة الدعوة، ويحبِّب إليهم الإيمان كأنه يجهزهم لهذه المهمة...
وقبل أن نترك هذه الآية ينبغي أن نشير إلى الفتنة التي أثارها بعض المستشرقين حول قوله تعالى شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَالَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ.. يقولون: ما الضرورة إذن لمجيء الرسالة الآخرة ما دامت الوصية لجميع الرسل واحدة، ثانياً: قالوا بوجود تعارض بين الآيات، لأن الله تعالى قال في موضع آخر: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً.. [المائدة: ٤٨].
إذن: فلكل نبي شريعة، وعند محمد أشياء غير ما وصى به.
وللرد على الشبهة الأولى نقول: إن الحق سبحانه وتعالى له أشياء ضرورية، ألزم بها جميع الرسل في موكب الرسالات، فهم جميعاً متفقون في هذه الأمور، أولها التوحيد وعدم الشرك بالله، ثم الإيمان بالكتب السماوية وبالرسل، ثم الإيمان بالبعث.
فهذا قَدْر مشترك عند جميع الرسل لا يتغير، لأنها ثوابت الدين وأعمدته، وهي المرادة في قوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَالَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ...
فالوصية هنا بالأشياء الضرورية والثابتة في كل الأديان السماوية، فالتوحيد دعوة كل رسل الله، والصلاة وجدناها في كل الشرائع السابقة، وكذلك الزكاة، لذلك لا يمكن أبداً أنْ تخلو رسالة من الرسالات من هذين الأمرين...
كذلك اتفقت كل الأديان السماوية في تطهير النفس والجوارح من الآثام والمعاصي التي تضر بالنفس وبالمجتمع، لأن التخلية من الآثام تسبق التحلية بالطاعات.
خذ الجوارح من أول القلب إلى القدم تجد كل الأديان السماوية تدعو إلى تطهيرها، فالقلب وهو قائد الجوارح والأم بينها، لذلك قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا إن في الجسد مُضْغة إذا صَلُحَتْ صَلُح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
ومطلوب للقلب عدة أشياء: أولاً: عدم الإشراك بالله، ثم عدم الإصرار على المعصية، ثم لا يأمن مكر الله ولا يقنط من رحمة الله. هذه كلها عقيدة ينبغي أن تستقر في القلب.
كذلك اللسان وهو عمدة البيان والتبليغ يجب أنْ يتطهر من عدة أشياء: أولها: شهادة الزور، ثم قَذْف المحصنات، ثم اليمين الغموس وهو يمين ليس له كفارة، ثم يتطهر اللسان من أنْ يقول الطلاسم التي يقولها السحرة.
تعالَ إلى البطن ينبغي أنْ تتطهر وتبرأ من عدة أشياء: شرب الخمر، أكل الربا، أكل مال اليتيم.
وكذلك اليدان تبرأ من السرقة ومن القتل. وكذلك العورات تبرأ من الزنا وغيره مما حرَّمه الله عليها، وكذلك الرِّجْلان تبرأ من التولي يوم الزحف، ومن السعي إلى كل ما هو محرَّم.
ومن هذه الثوابت عقوق الوالدين، فهو محرم في كل الأديان كذلك وهو عام في كل الجوارح، وقد حرمه الحق سبحانه لأن بر الوالدين تدريب ورياضة لطاعة الله، ذلك لأن الوالدين سبب الوجود المباشر، والحق سبحانه وتعالى سبب الوجود غير المباشر.
فكأن طاعة الوالدين وبرَّهما باب ومدخل لطاعة الله. وهذا البر محفوظ لهما، حتى وإنْ كانا مشركين: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. [لقمان: ١٥].
لذلك الحق سبحانه وتعالى يُعلِّمنا بر الوالدين في موكب الرسالات كلها... إذن: فالحق سبحانه يريد للجميع أنْ يكون نظيفاً طاهراً من كل هذه الآثام، لذلك طهَّر الجوارح كلها وجعلها أداة بناء ومودة وتراحم، وبنى المجتمع على أسس قويمة تكفل لأفراده الحياة السعيدة المطمئنة، وهذا قاسم مشترك في كل ديانات السماء، وهذه الأمور هي المرادة بقوله سبحانه: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً..
أما قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً.. [المائدة: ٤٨] فيُراد بها الشرائع والأحكام الخاصة بكل ديانة، وهذه الشرائع تختلف باختلاف المجتمعات والبيئات والداءات الموجودة والآفات المنتشرة بين القوم، فالشرائع تأتي لمعالجة الآفات في مجتمعها ولذلك تختلف من دين لآخر...
من هذا نعلم أن اعتراض المستشرقين لا محلَّ له، فلكل آية موضوعها.
البيئة المكيَّة كان بها كفار مكة وهم وثنيون يعبدون الأوثان، وكان فيها أهل كتاب يهود أو نصارى، وكان الخلاف بينهما قائماً ومستمراً، ومن غيظ أهل الكتاب من الكفار كانوا يقولون لهم: لقد أطلَّ زمانُ نبي منكم سيأتي ونتبعه ونقتلكم به قتْل عاد وإرم.
والحق سبحانه يخبر عن أهل الكتاب: وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ أي: محمد كَفَرُواْ بِهِ.. [البقرة: ٨٩].
نعم لقد بشرتْ الكتب السماوية بمجيء محمد وزمانه ومكانه، وكان أهل الكتاب يعرفونه وعندهم أوصافه، وقد اعترف منهم كثيرون بأن محمداً على الحق، وأنه نبي مرسل، ومن هؤلاء عبد الله ابن سلام.
الحق سبحانه يقول عنهم وعن معرفتهم لرسول الله بأوصافه: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ.. [البقرة: ١٤٦] لذلك يقول أحدهم: والله إني لأعرف محمداً كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ذلك لأن أوصافه مذكورة في كتبهم. ومع ذلك لما جاءهم بالحق كفروا به وعاندوه.
يقول تعالى: وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ.. [الشورى: ١٤] أي: العلم به في كتبهم التي بشَّرتْ به وذكرتْ أوصافه وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ.. [الشورى: ١٤] وهي وعْده سبحانه بإمهالهم إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى.. [الشورى: ١٤] هو يوم القيامة، لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ.. [الشورى: ١٤] أي حُكِم بينهم بهلاك الكافرين واستئصالهم ونجاة المؤمنين، والحق سبحانه لم يقْضِ بإهلاكهم واستئصالهم، بل أخَّرهم لأنه سيكون منهم مَنْ يؤمن ويصير جندياً من جنود الحق.
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [الشورى: ١٤] قوله تعالى: وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ.. هم اليهود والنصارى المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ.. [الشورى: ١٤] أي من كتابهم مُرِيبٍ [الشورى: ١٤] يدعو إلى الريبة والتردد والحيرة، ذلك لأنهم أخذوا في كتابهم مآخذ عدة أدت بهم إلى هذا الشك وإلى هذه الريبة.
أولاً: نَسُوا بعضه كما أخبر الحق عنهم: وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ.. [المائدة: ١٤] كما أخبر عن اليهود في الآية التي قبلها: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ.. [المائدة: ١٣].
والنسيان يعني عدم الاهتمام بالمنسيِّ، فلو كان مهماً لكانَ على بالهم دائماً وفي بؤرة اهتمامهم، وما لم يُنْسَ من الكتاب تناولوه بالتحريف، ولو كان لهم عذر في النسيان، فما عذرهم في التحريف؟
ثم بعد ذلك كتموا ما أنزل الله، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران: ١٨٧].
ويا ليتهم وقفوا بمسخ كتابهم عند هذا الحد، إنما تمادوا في مسخه إلى أنْ يؤلفوا الكلام من عند أنفسهم، ويقولون هو من عند الله، قال تعالى في حقهم: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: ٧٩].
الإشارة في قوله تعالى: فَلِذَلِكَ.. [الشورى: ١٥] إشارة للكلام السابق، فلأنهم تفرقوا واختلفوا وكتموا الكتاب وحرفوه، ما داموا فعلوا ذلك، فقُمْ أنت بمهمة الدعوة لتصلح ما أفسد هؤلاء، وتقيم ميزان الحياة بالحق وبالعدل، وترد هؤلاء عَمَّا هم فيه.
ولاحظ هنا أن التعبير يجمع بين القول والعمل فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ.. [الشورى: ١٥] يعني: ليكُنْ قولك موافقاً لحركتك، كما قال في موضع آخر: إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ.. [فصلت: ٣٠].
وسبق أنْ قلنا: إن الخط المستقيم هو أقرب طريق بين نقطتين، فاستقم يعني كُنْ على الجادة وعلى الطريق السَّويِّ، وقد سمَّاه القرآن (الصراطَ المستقيم) وسمَّاه (سواء السبيل) وهو الذي يُوصِّلك إلى غايتك من أقرب طريق.
فكأن الحق سبحانه حينما يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك إنما يقول له: استقم، لأن استقامتك على المنهج الذي جئتَ به أدْعَى إلى القبول وإلى تصديقك والاستماع لك.
ومعلومٌ أن التعليم والنصح بالعمل أجْدَى وأنفع من الكلام النظري؛ لذلك لما سأل أحد الصحابة رسول الله فقال: يا رسول الله، قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك قال له: وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم.
وبعد أنْ أمره ربُّه بالاستقامة على منهج الحق نهاه عن اتباع أهواء القوم: وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ.. [الشورى: ١٥] فالهوى سبيل الاختلاف والتفرق، ومن هذه الأهواء قولهم لرسول الله: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، وفيها نزلت سورة الكافرون: وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ.. [الشورى: ١٥] كتاب هنا نكرة أفادتْ الشمول، يعني: آمنتُ بكل كتاب أنزله الله من قبل.
وكأنها رسالة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى: لماذا آمنتم بالديانات السابقة عليكم، ولم تؤمنوا برسالة محمد، وهي ديانة كباقي الديانات، إذن: لكم سوابق في الإيمان، فلماذا وقفتم عند رسالتي وكذبتم؟ كذَّبوا لأن عندهم مسائل يجادلون بها الضعاف من المسلمين.
مثلاً يقولون لهم: ديننا أقدم من دينكم، وكتابنا أقدم من كتابكم، ورسولنا أقدم من رسولكم، وقرآنكم يشهد لنا، ألم يقل القرآن: يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ [البقرة: ١٢٢] فنحن إذن مُفضلون على العالمين بشهادة القرآن.
والأفضلية هنا ليستْ على إطلاقها، بل هي مُقيدة بزمانهم. يعني: فضلتكم على العالمين من أهل زمانكم، وإلا كانوا أفضل من إبراهيم وإسحاق، وهم لا يقولون بذلك.
وقوله تعالى: وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ.. [الشورى: ١٥] العدل أنْ تزن بميزان غير جائر، فكل واحد منهم يأخذ حقه، وأنْ يكون الجميع أمامك سواسية، فمثلاً لا تَنْهَ واحداً وتترك الآخر، ولا تفضل أحداً على أحد في مرآك ولا في مجلسك ولا في نظرك.
لذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس بين أصحابه يُوزِّع نظره عليهم جميعاً، فلا يهتم بواحد دون الآخر.
فالجميع أمامه سواسية، ولو اهتم لواحد بعينه لظنّ أن له أفضلية أو سلطة زمنية أو قوة مركزية، أبداً كانوا جميعاً في نظره سواء، هذه كلها من عدالته صلى الله عليه وسلم بين الناس.
وقوله: ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ.. [الشورى: ١٥] يعني: ليس ربنا وحدنا، إنما هو ربكم أيضاً، وما دام ربنا وربكم فلا بد أن تكون التربية واحدة لنا جميعاً، وقد أنزل لكم منهجاً له زمن، وأنزل عليَّ منهجاً خاتماً.
ومن كمال التربية: لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ.. [الشورى: ١٥] فكلٌّ مُجازَى بعمله لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ.. [الشورى: ١٥] لا حجاج ولا جدال، لماذا؟ لأن الجدل معهم يوصل إلى اللدد والعناد والخصومة ولا يُوصل إلى الحق، والمعنى: أننا لن نلتقي فكُلٌّ منا له طريق.
والحق سبحانه قد تناول هذه المسألة في سورة (الكافرون): قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ١-٦].
إذن: لا مجالَ للجدال لأن المسألة منتهية، الآن علَّمتنا السياسة أن الدول قد تختلف فتقطع العلاقات بينها وبين بعض، ثم تضطرهم ظروف الحياة إلى إعادة العلاقات مرة أخرى وإلى التصالح، أما في مسألة الإيمان والكفر فهما نقيضان لا يمكن أبداً أن يلتقيا.
لذلك لما تدقق في سورة (الكافرون) تجدها تنفي هذا الالتقاء في الحاضر الآن وفي المستقبل، اقرأ: لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ [الكافرون: ١-٣] أي: في الحاضر وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٤-٦] أي: في المستقبل.
وقوله: ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ [الشورى: ١٥] يعني: ما دُمْنا لم نجتمع على الحق في الدنيا فسوف يجمعنا الله جميعاً يوم القيامة للحساب، حيث يجازى كلاً بعمله، ويعطى كل ذي حَقٍّ حقه، وكوْنك تردُّ الأمر في الحكومة إلى عادلٍ، فهذا دليل على أنك على الحق، وكفى بالله حكماً وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ [الشورى: ١٥] المرجع والمآب.
قوله تعالى: وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ.. [الشورى: ١٦] أي يجادلون في دين الله، يجادلون مَنْ؟ يجادلون الذين استجابوا لدعوة الحق مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ.. [الشورى: ١٦] يقولون لهم: ديننا أقدم من دينكم، ورسولنا أقدم من رسولكم، والقرآن يشهد لنا أننا الأفضل في العالمين، يريدون من ذلك الجدل أنْ يردوهم عن إيمانهم.
هؤلاء حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ.. [الشورى: ١٦] يعني: حجة باطلة لا تُقبل عند الله تعالى، ولا يصح أنْ يُلتفت إليها أبداً وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ.. [الشورى: ١٦] أي: غضب من الله، لماذا؟ لأنهم لم يكتفوا بأنهم كافرون في أنفسهم، إنما أرادوا أنْ يأخذوا غيرهم إلى الكفر، وبذلك يحملون أوزارهم وأوزار مَنْ أضلوهم، فاستحقُّوا هذا المصير، وهو غضب الله عليهم، والغضب هو أول مراحل العذاب.
لذلك في حديث قدسي بيَّن الحق سبحانه حال جماعة غضب الله عليهم، ثم أمر بالحجاب عنهم، ثم لعنهم ثم طردهم من رحمته تعالى، ولتوضيح هذه المسألة نقول - ولله المثل الأعلى - مثل رجل عنده شركة فيها موظفون وفيها عمال، فواحد منهم ارتكب خطأ أغضب صاحب الشركة فتغيَّر قلبه من ناحيته لكن تركه في عمله ثم ارتكب خطأ آخر، فقال له: ابتعد عني لا تجعلني أرى وجهك وكأنه ضرب بينه وبينه حجاباً حتى لا يراه، ثم في المرحلة الأخيرة قال: هذا الموظف لا بدَّ أنْ يُطرد من العمل.
كذلك الحق سبحانه غضب على هؤلاء، ثم ضُرب دونهم حجابٌ ثم لعنهم ثم طردهم من رحمته تعالى وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ١٦] أي: في الآخرة.
قوله تعالى: بِالْحَقِّ.. الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والحق غالب لا محالة، وإنْ عَلاَ عليه الباطل في فترة من الفترات فإنما لحكمة، هي أنْ يعض الباطل الناس ليشحنهم بالحمية للحق ويُشوقهم إليه، فالعاقبة للحق مهما طال الباطل وصَالَ وجَالَ، لذلك قلنا: إن الباطل جندي من جنود الحق.
واقرأ هذه الصورة التي رسمها الحق سبحانه يوضح لنا بها الحق والباطل، يقول تعالى: أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
فالحق هو الباقي، والباطل زائل زاهق...
وقوله: (والميزان) أتى بشيء حسِّي وهو الميزان، والميزان هو أداة إقامة الحق... إذن: كلمة الميزان تعني الضوابط التي تضبط ما بين الحق والباطل نقرأ في سورة الحديد لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.. [الحديد: ٢٥] يعني: بالعدل والحق، إذن: جاء الميزان ليعطي كل ذي حق حقه، ويضبط الحقوق لأصحابها، فلا يأخذ أحدٌ أكثر من حقه، ولا يغتصب أحدٌ حقَّ الآخر، ولا يطمع فيما ليس له.
وقوله سبحانه: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ لأنهم سبق أنْ طلبوا من الرسول أن يأتي بها، كما حكى القرآن عنهم: وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأنبياء: ٣٨] طلبوها على وجه الاستهزاء والسخرية والتكذيب بها. والفعل دَرَى يدري أتى مرة بصيغة المضارع هنا وَمَا يُدْرِيكَ.. وأتى بصيغة الماضي في قوله تعالى: الْحَاقَّةُ * مَا الْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١-٣].
معنى وَمَآ أَدْرَاكَ [الحاقة: ٣] في الماضي يعني شيء قديم لم تعرفه من زمان، لكن تعرفه الآن. أما وَمَا يُدْرِيكَ.. يعني: لا أحدَ يخبرك بها إلا نحن لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ.. [الأعراف: ١٨٧]، أما صيغة المستقبل فلم تأتِ أبداً.
قوله تعالى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا.. أي: بالساعة الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا.. ولأنهم لا يعرفونها ولا يؤمنون بها ولا يعرفون ما يحصل فيها يطلبونها من رسول الله، يقولون له: هَاتِ لنا هذه القيامة نريد أنْ نراها، هذا على وجه الاستهزاء بها، ولو علموا شيئاً عن أهوالها ما تجرَّأوا على طلبها وما تهكَّموا بها. هذا حال غير المصدِّقين بيوم القيامة.
أما المؤمنون بها فلهم شأن آخر وَالَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا.. خائفون من أهوالها لما يعلمونه من صدقها ودقة الحساب فيها وشدة كربها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ.. ولم يقُلْ حق إنما قال (الحق) يعني: هي الحق بعينه، فلا مجالَ فيها للتكذيب، ولا حتى للشكِّ في أمرها.
لذلك وصف الذين يجادلون فيها مجرد جدال بأنهم في ضلال بعيد أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فَي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ والمراء: هو الجدل العقيم الذي لا يوصل إلى الحقيقة.
ووصفهم بأنهم في ضلال بعيد، لأن مجرد النظر العقلي يثبت يوم القيامة وضرورته بالنسبة للحياة الدنيا، فلو تأملوا واقع حياتهم لوجدوا أنهم في أمور دنياهم يأخذون بمبدأ الثواب والعقاب، فلا بدَّ لتستقيم الأمور من مجازاة المحسن بإحسانه، ومعاقبة المسيء على إساءته.
في واقع حياتهم تعليم وتلاميذ في المدارس يُجرون لهم اختبارات شهرية يُصوَّب فيها الخطأ بالأحمر ليعرف التلميذ خطأه ويُصححه، أما في امتحان آخر العام فلا تُصوَّب الأخطاء، إنما تُعطى عليها درجة يترتب عليها نجاح أو رسوب، هذا هو الحساب والجزاء.
فإذا كنتم تفعلون ذلك في أمور دنياكم، فلِمَ تكذبون به مع الله عز وجل، وفي البشر في رحلة الحياة المؤمن والكافر والطائع والعاصي والمجرم والمحسن، كيف إذن يتساوى كُلُّ هؤلاء؟
الرجل الذي قال: لن يموت ظَلُومٌ حتى ينتقم الله منه، لأن العقل يقول ذلك ولا يصح أنْ يفلت بجرائمه دون عقاب، فلما رأى ظالماً مات سالماً لم يُصِبْه شيء قال ماذا؟ قال: لا بدّ أن وراء هذه الدنيا حياةً أخرى يُعاقب الظالم على ظلمه، لا بدَّ وإلا فقد فاز المجرمون الظالمون وأفلتوا بجرائمهم، وضاع حَقُّ المظلومين والضعاف في الدنيا وفي الآخرة.
معنى لَطِيفٌ.. [الشورى: ١٩] أي رفيق في معاملة العباد، يعفو عن الكثير ولا يُؤاخذ عبده بأول جريمة؛ لذلك لما جاءوا بامرأة سرقتْ في عهد عمر. قالت له: والله ما سرقت قبل ذلك وهذه أول مرة، فقال لها: كذبت ما كان الله ليفضحك من أول جريمة. ويقول عز وجل: وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] يعني: عن كثير من سيئاتكم ولا يؤاخذكم إلى على البادي منها.
ومن معاني اللطيف أنه الدقيق الذي يتغلغل في الأشياء، وسبق أنْ قلنا في الماديات: إن الشيء كلما دَقَّ وصَغُر عَنُف وصَعُب التحصُّن منه، ومثَّلنا لذلك بمَنْ بنى بيتاً في الخلاء ووضع على الشبابيك شبكةً من الحديد تمنع الذئاب والوحوش، ثم وجد في البيئة ذباباً وناموساً فجاء بشبكة أخرى أدق وأضيق.
وهكذا، فمن صفاته تعالى أنه لطيف يعني: لا يحتجب دونه شيء، ولا يخفى عليه شيء مهما دَقَّ ومهما صَغُر، ونحن نقول للإنسان المهذَّب صاحب الخُلُق: فلان لطيف يعني ليِّن في التعامل.
فمن لطفه سبحانه بنا أنْ جعل لنا توبةً مقبولة، وجعل لنا مواسم للعبادة تُضَاعف فيها الحسنات وتُمحى السيئات، وكأنها (أوكازيونات) للطاعة وتحصيل الحسنات، من لطفه تعالى بنا أنْ جعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، أما السيئة فواحدة.
وقوله تعالى: يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ [الشورى: ١٩] يرزق لأنه الخالق، وهو سبحانه الذي استدعى هذا الخلق لذلك تكفل له برزقه، وهو سبحانه القوي لأن اللطف لا يكون إلا من قوة، وهو سبحانه العزيز الغالب الذي لا يمتنع عنه شيء ولا يغلبه شيء.
المعنى السطحي لكلمة الحرث هي حرث الأرض بالمحراث وإثارتها لبذر النبات فيها، ذلك لأن النبتةَ الصغيرة لا تقْوى على شَقِّ التربة الجامدة فنشق لها التربة ليسهل عليها النمو، ثم هي في حاجة إلى الهواء، والحرث يُقلِّب التربة، ويجعل الهواء يتغلغل فيها.
ولما كان الحرث هو سبب الثمرة سُمِّي بها، فالحرث معناه الثمرة المرجوة من الزرع، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥] وقوله تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ.. [الأنبياء: ٧٨] أي: في الزرع.
فمعنى: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ.. [الشورى: ٢٠] يعني: ثوابها الدائم ونعيمها الخالد في جنات عدن، فالحق سبحانه يوضح لنا الأمور الدينية بصور من واقع حياتنا ليُقرِّبها للأذهان، اقرأ مثلاً: قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١] أفلح مَن أفلح الأرض إذا حرثها وأعدَّها للزراعة، فهو يوشك أنْ يجني الثمرة، كذلك المؤمن فاز بالثواب الدائم والنعيم المقيم.
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ.. [الشورى: ٢٠] يعني: يجده في الآخرة أزيد مما كان ينتظر، وأيضاً لا يُحرم من ثمرتها في الدنيا وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا.. [الشورى: ٢٠] أي: من ثمرات الدنيا، فالإنسان لا يُحرم ثمرةَ جهده وتعبه في الدنيا إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف: ٣٠].
فمَنْ عمل للدنيا لا يُحرم مُتعتها ولذَّتها، لكن حين تُعجَّل له الطيبات في الدنيا يُحرَم منها في الآخرة وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [الشورى: ٢٠] أي لا حظَّ له في ثواب الآخرة، لأنه عمل في دنياه للجاه وللشهرة أو للغنى والثروة، فطالما أخذ بأسباب الشيء يناله حتى لو كان كافراً بالله، والمؤمن إنْ تكاسل وقعد عن السعي يُحرم لأنه لم يأخذ بالأسباب.
والحق سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، ومَنْ كان يريد حرث الدنيا لم يكُنْ الله أبداً في باله، لذلك كثيراً ما يسأل الناس عن العلماء والمخترعين الذين خدموا البشرية باختراعاتهم واكتشافاتهم، ما مصيرهم؟ نقول: مصيرهم النار لأنهم عملوا للبشرية لا لله، عملوا للشهرة وقد أخذوها في الدنيا.
يعني: لماذا كذَّبوا محمداً ولم يؤمنوا بما جاء به؟ ألهم شركاء وضعوا لهم شرعاً ومنهجاً يتبعونه، وديناً يدينون به ويتركون دين محمد؟ والشركاء أي: الأشياء التي عبدوها من دون الله، منهم مَنْ عبد الشمس، ومنهم من عبد القمر أو الشجر أو الحجر أو الملائكة، فهل هذه الآلهة المدَّعاة لها شرع؟ هل قالت لهم: افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا؟
إذن: آلهة بلا منهج وبلا تكاليف فعبادتها باطلة، وهم ما عبدوها إلا لذلك، لأنها بلا منهج وبلا تكاليف، فقط تُرضِي ما في نفوسهم من الرغبة في التديُّن، وما أسهلَ أن يكونَ للإنسان دينٌ بلا تكاليف. والعبادة ما هي إلا طاعة العابد للمعبود في أمره ونهيه، ثم ماذا أعدَّتْ هذه المعبودات لمن أطاعها، وماذا أعدَّتْ لمَنْ عصاها؟
إذن: هذه جمادات لم تقُلْ لكم شيئاً، ولم تأمركم بشيء، ولم تشرع لكم ديناً، بل أنتم شرَّعتم لأنفسكم واتبعتم أهواءكم لإرضاء عاطفة في نفوسكم، آلهتكم من صُنْع أيديكم أو أفكاركم السقيمة الضالة.
لذلك يقول تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [المائدة: ١٠٣].
نعم هؤلاء قوم يفترون على الله الكذب، ويختلقون من عند أنفسهم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فمن أين أتوا بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام؟ هذه أشياء اخترعوها من عندهم افتراً على الله وكذباً...
وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ.. أي: الحكم بعدم إهلاكهم وتأخير عذابهم إلى الآخرة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.. يعني: حُكِم عليهم بالعذاب العاجل.
حين ننظر في الأشياء التي أحلَّها الله والأشياء التي حرَّمها نجدها تعتمد على مراعاة المنفعة ودفع المضرة عن الإنسان، فالحلال فيه نفع والحرام فيه ضرر...
ثم نلحظ على الآية أنها عبَّرتْ عن باطلهم الذي جاءوا به من عند أنفسهم بأنه دين أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ.. فسمي الباطل ديناً تجاوزاً، لأنهم مؤمنون به ويعتبرونه ديناً، كما قال تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] على اعتقادهم، والدين ما يدين به الإنسان.
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الظالم إما يظلم غيره، وإما يظلم نفسه، وهذا أشنع أنواع الظلم، فقد يعقل أن يظلم الإنسان عدوه، إنما يظلم نفسه التي بين جنبيه؟! فكيف يكون ظلم الإنسان لنفسه؟ يظلمها حين يُعرِّضها للعقوبة، ويحرمها من الثواب والنعيم، وأشد أنواع ظلم الإنسان لنفسه أنْ يظلمها في مسألة العقيدة والإيمان بالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].
كلمة تَرَى.. [الشورى: ٢٢] تدل على كل ما يتأتى منه الرؤيا مُشْفِقِينَ.. [الشورى: ٢٢] خائفين مرعوبين مِمَّا كَسَبُواْ.. [الشورى: ٢٢] مما فعلوا من السيئات، قلنا: إن الفعل كسب يكسب من الزيادة على رأس المال أي الربح، وأنها دائماً تأتي في كسْب الخير، أما اكتسب فهي على وزن افتعل فيها افتعال ومحاولة وتأتي في الشر، لكن هنا استخدم كسب للسيئات.
وكما في قوله تعالى: بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ.. [البقرة: ٨١] قالوا: استخدم كسب هنا لأن السيئة أصبحتْ عنده عادةً وأمراً طبيعياً يشبه فعل الخير عند أهل الخير، فهو يفعل السيئة فلا تتعبه لأنه أَلِفها.
قوله: مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ.. [الشورى: ٢٢] تصوير لموقفهم يوم القيامة، لأنهم في الدنيا ما خافوا وما عملوا لهذا اليوم حساباً وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ.. [الشورى: ٢٢] يعني: لا محالة في ذلك لأنه وَعْد الله وحكمه الذي أخبر به.
أو خائفين وهم ما يزالون في سعة الدنيا، وفي هذا دليل على وجود الضمير والنفس اللوامة في الإنسان، فهو يعرف السيئة ويعرف جُرْمه، ويعرف أنه محاسب عليه، لذلك يخاف منه ويؤنبه ضميره.
وفي المقابل وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ [الشورى: ٢٢] هذا إخبار من الله تعالى وهو حق، فعاقبة الإيمان والعمل الصالح روضات الجنات يعني ملاذها وأطيب أماكنها يجدونها يوم القيامة، ويجدونها حتى في الدنيا بالتخيل لها والشوق إليها.
فالشهيد الذي يجود بنفسه في سبيل الله لم يُقدم على ذلك إلا لثقته في هذا النعيم، وأنه إذا قُتِل في سبيل الله سيذهب إلى خير من هذه الحياة.
وقد ذكرنا، لماذا؟ لأنه واثق من صدق الجزاء في قوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].
نعم الشهداء أحياء، وأحياء عند مَنْ؟ عند ربهم، وهذه قمة الشرف والعز والنعيم، وهي خصوصية لم ينلْها غيرهم، فالشهادة نقلتهم من حياة لحياة، فلا يموتون بعد ذلك، ويُبعثون مع الناس وهم أحياء.
وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى حين قال في سيد الشهداء حمزة ابن عبد المطلب عم رسول الله:
أَحَمْزَةُ عَمّ المصْطفى أنتَ سَيِّدٌ  عَلَى شُهَداء الأرض أجمعِهمْ طُرّا
وحَسْبُكَ مِنْ تلْكَ الشَّهادة عِصْمةٌ مِنَ الموت في وصْلِ الحياتين بالأُخْرى

وقوله: فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ.. [الشورى: ٢٢] روضات جمع روضة، وهي الحديقة أو البستان المليء بالخضرة والنضرة والأزهار والثمار، بحيث إذا دخلتها تنفحك بأريج عطرها، وفي خلال ذلك أنهار تجري بالماء العذب.
فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات يعني: في أفضل أماكنها وأطيبها لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ.. [الشورى: ٢٢] فهذه العندية أشرف وأعظم من أيِّ نعيم آخر، فهم في نعيم الجنات وملاذِّها، يفوق ذلك كله أنهم عند ربهم، لذلك ختم الآية بقوله: ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ [الشورى: ٢٢] أي: تفضُّلاً من الله وتكرُّماً عليهم.
والإنسان منا حين يتأمل هذا النعيم الدائم المقيم الذي أعده الحق سبحانه لعباده المؤمنين تهون عليه كلُّ مشاق الطاعات والعبادات، ويرى أنها يسيرة إذا ما قُورنت بالجزاء عليها.
فالإنسان يتعب في الدنيا ويجتهد في طلب العلم عشرات السنين، أو في تعلُّم صنعة أو مهنة ويتحمل مصاعبها وأخطارها، كلّ ذلك ليوفر لنفسه مجرد ضروريات الحياة، فإن اجتهد أكثر وعرق وبذل الجهد، ربما يصل إلى مرحلة الرفاهية، فيكون له خادم يخدمه أو طباخ مثلاً يُعد له الطعام، وهؤلاء يعملون عنده بأجر وربما قصَّروا في أعمالهم، وربما أغضبوك وتمردوا عليك.
لكن حين تعمل للآخرة تجد الأمر مختلفاً تماماً، فالعبادة أمرها يسير، لا تحتاج منك إلى كل هذا الجهد وهذا العرق وسهر الليل وعمل النهار وانشغال البال والذهن، ومع يُسْرها وسهولتها فالجزاء عليها عظيم لا تحدُّه حدود ولا يخطر على بال.
قلنا: إن قصارى ما توصَّل إليه البشر في التقدم العلمي في مجالات الخدمة الفندقية مثلاً أنْ تضغط على زر في ماكينة ينزل لك منها الشاي أو القهوة، وهذه آلة يمكن أنْ تتعطل وخلفها عامل يُعِدُّ لك الشاي أو القهوة، أمَّا في الجنة فالنعيم هناك صَافٍ لا يُنغِّصه شيء ودائم لا ينقطع، لا يحتاج منك إلى طلب ولا ضغط على زر ولا مناداة على خادم، مجرد أن يخطر الشيء ببالك تجده بين يديك، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: واقرأ مثلاً في سورة البقرة: وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ [البقرة: ٢٥].
ففي الجنة إنْ شاء الله سنجد أشياء كنا نأكلها في الدنيا، فنتصور أنها مثل نعيم الدنيا، لكن حين نتذوقها نجدها شيئاً آخر قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً.. [البقرة: ٢٥] ذلك لأن كمالات الحق سبحانه لا تتناهى، فلا تظل على حالة واحدة رتيبة، إنما فيها ارتقاء في النعمة.
إذن: نحن أمام نعيم دائم يهون في سبيله كلُّ تعب وكلُّ مشقة، ووالله لو لم يكُنْ للطاعة جزاء إلا سلامة الإنسان وسعادته في الدنيا لكانتْ كافية، يكفينا من الطاعة راحة البال وهدوء النفس والطمأنينة. وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى فقال:
قَالَ المنجِّمُ وَالطَّبيبُ كلاَهُمَا  لاَ تُبعَثُ الأجْسَادُ قُلْتُ إليكُمَا
إنْ صَحَّ قولكُما فَلَستُ بخاسِر أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالخَسَارُ عليكُمَا

لذلك الحق سبحانه وتعالى لما أراد أنْ يصف لنا الجنة لم يصف الجنة ذاتها إنما مثلاً لها، لأن الجنة وما فيها فوق تصور البشر، وإذا كان فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيكف إذن تُوصَف لنا على حقيقتها؟ لأن الإنسان لا يضع اللفظ إلا لمسمى معلوم عنده، أما الشيء الذي لا نعرفه فلا نعرف بالتالي اللفظ الدَّال عليه، فليس في لغتنا ألفاظ تصف هذا النعيم، لذلك اقرأ: مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ.. [الرعد: ٣٥] فيها كذا وكذا.
ثم إن هذا النعيم المقيم جزاء لمن؟ لمن آمن وقرر الإيمان بالعمل الصالح، ودائماً يقرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠].

ثم يقول الحق سبحانه:

ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ... .
قوله تعالى: ذَلِكَ.. [الشورى: ٢٣] إشارة إلى نعيم الجنة ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [الشورى: ٢٣] والبشارة هي الإخبار بالخير قبل أوانه، ثم ينتقل السياق إلى قضية أخرى متعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الدعوة قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً.. [الشورى: ٢٣] يعني: قل لهم يا محمد: إنني لا أريد منكم أجراً على الدعوة والمهمة التي أقوم بها من أجلكم، وأنت لا تقول هذه الكلمة إلا إذا كنت قد عملتَ عملاً تستحق عليه أجراً بالفعل.
فالمعنى كأنه يقول: إن العمل الذي أقوم به من أجلكم كان يجب أن يكون لي عليه أجر، لأنني أنصحكم وأدلكم على ما ينفعكم، ومع ذلك لا أريد منكم أجراً.
وكل رسل الله قالوا هذه الكلمة، لأن الإنسان عادة يجازي مَنْ أسدى إليه جميلاً أو دلَّه على خير أو أشار عليه مشورة تريحه، لذلك في كثير من مواكب الرسالات نقرأ: وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ.. [هود: ٢٩] نعم على الله، لماذا؟ لأنه عمل عظيم نفيس وشريف، لا يمكن لبشر أنْ يُقدره قدره، أو يعطي عليه ما يستحق من أجر، إذن: لا يعطيني أجري إلا الله الذي بعثني.
قلنا: كل الرسل قالوا هذه الكلمة إلا سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟ قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا دعا أباه آزر، فكيف يطلب منه أجراً؟ كذلك سيدنا موسى أول ما دعا دعا فرعون، وكان له عليه فضل التربية.
إذن: لا أريد منكم أجراً على مهمة الدعوة التي أقوم بها، فأجري فيها على الله الذي بعثني، وهو الذي يُقدِّرها قدرها، شيء واحد أريده منكم إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ.. [الشورى: ٢٣] يعني: مودتكم لقرابتي. والمودة: ميل القلب إلى مَنْ تواده ثم معاملته بما يستحق من تكريم وتقدير.
فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لقد أُرسِلْتُ إلى الناس كافة، وقد قابلتموني بالإيذاء وجابهتموني بالعداء واضطهدتم أصحابي، وألجأتموني إلى غيركم مرة إلى الطائف، ومرة إلى القبائل الأخرى، وألجأتم أصحابي إلى أن يتركوا بلادهم وديارهم، وأنا لي في كل بطن من بطون قريش قرابة حتى في المدينة حيث أخوالي من بني النجار، فلا أقلَّ من أنْ تعطوني حقي في قرابتي، وحق القرابة ألاَّ تؤذوني، فأنا لا أجبركم على الإسلام ولا أفعل ما يدعو إلى الإيذاء، كذلك من حق القرابة ألاَّ تُسْلموني لعدوي، فهذا حقي عليكم.
أو يكون المعنى إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ.. [الشورى: ٢٣] يعني: أقاربي وأهل بيتي، ذلك لأن أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرموا من مُعين على العيش، فليسوا كباقي المسلمين، حيث حُرِّمتْ عليهم أموال الزكاة التي يستحقها الفقير من غيرهم، فلا أقلَّ من أن تعاملوهم بالحسنى وبالمعروف، وتراعوا منزلتهم مني.
لذلك نجد لهم أحاديث كثيرة في إكرام أهل البيت يقولون أن غيرهم قالها، من ذلك: مَنْ مات على حب آل بيت رسول الله مات شهيداً، مات مغفوراً له، مات وتُحيِّيه الملائكة في قبره، مات وفي قبره باب يؤدي به إلى الجنة، ومن أبغض آل محمد فهو آيس من رحمة الله.
قالوا هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلاماً مثل هذا، قال: وهذا معنى آخر من معاني إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ.. [الشورى: ٢٣].
أو يُراد بها معنى ثالث إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ.. [الشورى: ٢٣] قرباكم أنتم يعني كل منكم يودُّ قريبه ويعطيه ويرعى حَقَّ قرابته، ولو أن كل إنسان واجد عنده سعةٌ من الرزق يعطي قرابته ويكفيهم ويساعدهم على المعيشة الكريمة ما وُجد بيننا فقير ولا محتاج، والمجتمع عبارة عن دوائر متداخلة، فلو فعلنا ذلك لَعمَّ خير الله جميع خَلْق الله.
ثم إن الأقارب لهم حَقّ في مالك غير الزكاة، لذلك قال أحد الأغنياء: أنا أعطي أخي الفقير من مال الزكاة، فقلنا له: والله لو يعلم أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبلها، إذن أعطه من نسبة ٩٧. ٥ % لا من ٢. ٥ % اترك هذه النسبة اليسيرة للفقراء الأباعد عنك.
وآخر يقول: أضع مال الزكاة في بناء مدرسة، وآخر يقول: في بناء مستشفى أو مسجد، سبحان الله وهل نسبة ٢. ٥ % تكفي كل هذا؟ اجعلوها لأصحابها كما فرضها الله ليستقيم حال المجتمع، ثم لو فعلنا كل هذا من مال الزكاة ماذا سنفعل في نسبة ٩٧. ٥ %.
إن وضع مال الزكاة في موضعه كما علَّمنا الحق سبحانه يحمي المجتمع ويستر عوراته، فلا تجد فيه عارياً ولا جائعاً ولا مريضاً لا يجد ثمن العلاج، لكن لما عطلنا أحكام الشرع في هذه المسألة ظهرت عورات المجتمع المسلم كما نرى ونشاهد.
الحق سبحانه وتعالى وزَّع خَيْرَه على كل خَلْقه و (هندس) اقتصاد المجتمع، بحيث لو نُفِّذت تعاليمه في هذه المسألة لعاشَ الفقير في نفس مستوى معيشة الغني.
ومن هذه العدالة في توزيع الخير على الناس تجد مثلاً رجلاً غنياً في بلدة ما هي موطنه منذ مولده، ومع ذلك يحنُّ إلى موطن آخر فيذهب إليه ويعمر فيه ويفيض من خيره على أهله، قالوا: إذا رأيتَ مثل هذا الرجل فاعلم أن وجوده فائضٌ عن حاجة أهل بلده، فنقله الله إلى مكان آخر محتاج إليه.
وإذا كنا نفعل هذا مع أقاربنا، فرسول الله أوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، فقرب رسول الله أَوْلَى، لأن رسول الله علم أنه سوف تأتي عهود يُضطهد فيها أهل بيته، والتاريخ شاهد على ذلك، وقد رأيتم آل البيت وقد تشتتوا في سائر البلاد، بل وقُتل منهم مَنْ قُتِل، وتعلمون مدى حبِّ شعب مصر لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك نحب آبا بكر وعمر، وليس بيننا شيعي واحد.
والمودَّة والقربى أول ما تكون تكون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت المودة ميل القلب لمن تهواه، فهذا الميْل له تبعات، فلا تراه محتاجاً وأنت واجد، ولا تراه جاهلاً وأنت متعلم، وهكذا.
ومن المودة في القربى بر الوالدين. وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل بر الوالدين دُرْبة ورياضة للإيمان بالله، لأنهما سبب الوجود المباشر، وهو سبحانه سبب الوجود الأعلى، فقال سبحانه: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً.. [العنكبوت: ٨] وفي آية أخرى وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً.. [الأحقاف: ١٥].
حتى في حال عصيانهما في أعلى منطقة وهي منطقة العقيدة والتوحيد أَمَرَ ببرهما وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. [لقمان: ١٥] وأعطى الاهتمام الأكبر للأم في قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. [العنكبوت: ٨] أي: الاثنين ولم يذكر حيثية للأب، إنما ذكر حيثية الأم فقال حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ.. [لقمان: ١٤] لأن دور الأم كان في حال الصِّغر وعدم التعقُّل لما تفعل، فدورها غائب عنك، سابق لوعيك وإدراكك للأمور، فلما كبرت عرفت دور الأب، لذلك ذكَّرك الحق سبحانه بدور الأم الذي غاب عنك.
ثم نجد القرآن يحتاط فيراعي حقَّ التربية، حتى إنْ ربَّى غير الوالدين فيقول: وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤] فمَنْ ربَّى كان في منزلة الوالدين واستحقَّ البر مثلهما تماماً.
وقوله تعالى: وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً.. [الشورى: ٢٣] يعني: يفعل طاعة لله نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً.. [الشورى: ٢٣] فالأمر لا يقف عند حد المودة، إنما أيضاً ترعاهم فيما يحتاجون إليه إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [الشورى: ٢٣] غفور وشكور صيغة مبالغة من غافر وشاكر، فالحق سبحانه واسع المغفرة كثير الشكر، يغفر لمن تاب إليه ويشكر مَنْ أطاعه، والشكر يكون بالزيادة كما قال سبحانه: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ.. [إبراهيم: ٧].
الكلام هنا عن كفار مكة الذين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كذب القرآن من عند نفسه ونسبه إلى الله أَمْ يَقُولُونَ.. أي الكفار افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِباً.. يعني: جاء بالقرآن من عنده. والافتراء منهم هم، فهم أهل الكلام وأصحاب القصائد والخطب، وما عرفوا عن محمد -وقد عاش بينهم- أنَّ له ريادة في هذا المجال.
إذن: أنتم أصحاب هذا الفن ولسانكم طويل، فلماذا لم تأتوا بمثل ما جاء به؟ ولو حتى بسورة واحدة؟ فلو أن الافتراء وارد في حق محمد فأنتم أوْلَى، فلماذا تحداكم القرآن ولم تأتوا بشيء؟ لا بعشر سور ولا بسورة واحدة.
وفي موضع آخر يرد القرآن عليهم بالمنطق وبالحسنى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ [هود: ٣٥].
لذلك ينتقل سياق الآية من الحديث عن الكافرين وافترائهم على رسول الله إلى مخاطبة الرسول فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ يعني: إنْ حدث منك أن افتريت القرآن وجئتَ به من عند نفسك، فالله قادر أنْ يختم على قلبك يا محمد فتنسى الذي تحفظه، وهل حدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا بل ظل القرآنُ في صدره يتلوه آناء الليل وأطراف النهار ويُعلِّمه للناس.
إذن: محمد لم يكذب القرآن، ولم يفتر على الله بل أنتم المفترون. والقرآن في مواضع كثيرة يكشف افتراءهم ويردُّ عليهم بالعقل وبالمنطق وبالتي هي أحسن، فيحكى كيف يتمحكون في هذه المسألة: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.. [النحل: ١٠٣] فقد اتهموا رسول الله أنه يختلف إلى رجل أعجمي يُعلِّمه القرآن، فيرد عليهم الحق سبحانه: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣].
فالرجل الذي تقولون إن محمداً يتردد عليه ليُعلمه القرآن رجل أعجمي والقرآن بلسان عربي واضح، فأين عقولكم، وإنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً حتى لا ينكشفَ زيفُك وباطلك.
ويحكي القرآن عنهم لوناً آخر من التعنت والعناد: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس: ١٥-١٦].
نعم جاء محمد بالقرآن بعد الأربعين، وهو بين أظهرهم، وما رأوه خطيباً ولا شاعراً، ولم يُعرف عنه شيء من ذلك.
فلما يئسوا قالوا: القرآن لا بأس به، لكن يعيبه أنه نزل على محمد بالذات: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
ثم يفضح الحق سبحانه موقفهم ويُبيِّن غباءهم ولَدَدهم في الباطل، وأن هذه الخصومة ما هي إلا عناد وتكبُّر عن قبول الحق، فيقول: وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢]، فهل هذا كلام عقلاء، أم هو الحقد على محمد بذاته؟
ثم يقول سبحانه: وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ الفعل يمحو وحُذِفت الواو تخفيفاً، والذي يُمحَى هو الباطل الذي قالوه، والافتراء الذي كذبوه على رسول الله، هذا يمحوه الله وفي المقابل وَيُحِقُّ الْحَقَّ.. يثبته ويُقويه بِكَلِمَاتِهِ.. أي المنزلة على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم.
أو يُراد بالكلمات كلمة كُنْ فيكون إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ يعني: عليم بخفايا والذي لا يستطيع الإنسان التعبير عنه باللسان فيكتمه في نيته وفي نفسه، كما قال سبحانه: يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩].
إذن: ظلَّ هؤلاء القوم يعاندون رسول الله ويحقدون عليه ويصادمون دعوته ويتهمونه، إلى أن كشف الله باطلهم وأزهقه، وانتهى أمرهم إما بالإسلام أو الهزيمة أو شملهم عفو رسول الله يوم فتح مكة يوم أنْ قال لهم:"ما تظنون أني فاعل بكم" قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
إذن: جاء نصر الله والفتح، وزهق الباطل، وثبت الحق، وعلا وانتصر، وهل يُعقل أنْ يرسل الله رسولاً لهداية الخلق، ثم يُسلمه لأعدائه أو يخذله في مواجهته للباطل؟
قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
وأخيراً نلحظ على هذه الآية أن البعض ظنَّ أن الفعل يمحو معطوف على (يشأ) وأنه مجزوم مثله بعد إنْ الشرطية وهذا غير صحيح، لأن الفعل "يمحو "جاء كلاماً جديداً مستقلاً بدليل تكرار لفظ الجلالة ورفع "ويحقُّ"، فهو فعل مرفوع وحُذِف الواو تخفيفاً أو لالتقاء ساكنين.
من لُطْف الله بعباده ورحمته بهم أنْ شرع لهم التوبة وجعل بابها مفتوحاً لا يُغلق، والتوبة أمل يتعلق به المسيء ويجد فيه حبل النجاة فيعود وتحسن سيرته ويتقوَّم سلوكه وينتفع به مجتمعه، أما إنْ أغلقنا باب التوبة في وجهه وألجأناه إلى اليأس تمادى في عصيانه فشَقِي وشَقِي به مجتمعه.
والتوبة تعني رجوع المسيء إلى الله، ولها مراحل: شرع الله التوبة ومجرد مشروعيتها فضل من الله، ثم إذا تاب العبد قبلَ الله منه توبته، لذلك قال تعالى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ [التوبة: ١١٨] تاب عليهم. يعني: شرع لهم التوبة ليتوبوا فيقبل توبتهم.
والتوبة ليست كلمة تقال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، إنما التوبة منهج متكامل، وقد بيَّنها لنا الإمام علي رضي الله عنه عندما أقيمت الصلاة فسمع رجلاً في الصف يقول: أستغفر الله العظيم، الله أكبر، فلما انتهى من الصلاة قال له: لقد استعجلتَ في التوبة فتوبتك تحتاج توبة.
إذن: ليست مجرد كلمة، إنما منهج وبرنامج تستعرض فيه أولاً ما فاتك من سيئات وما حدث منك من تفريط، فتندم أولاً على ما بدر منك، وقد ورد في الحديث:"الندم توبة".
وفي قصة بني آدم: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: ٣٠] فعندما هدأتْ عنده سَوْرة الشر والخصومة عاد إلى الصواب فندم على ما فعل، ثم تتذكر ما فاتك من فروض الصلاة فتقضيها أو تجبرها بصلاة النوافل.
ثم ترد المظالم إلى أهلها. فهذه شروط ينبغي توافرها، ثم زدْ على ذلك أن تذوب في الحسنة كما ذُبْتَ في السيئة، وأنْ تذوق مرارة مشقة الطاعة كما ذقتَ حلاوة المعصية.
والقياس في اللغة أن نقول: يقبل التوبة من عباده، لكن الحق يقول عَنْ عِبَادِهِ.. فكأن الحق سبحانه يرد عنهم ذنوبهم حين يقبل منهم التوبة، فتكون النتيجة مغفرة الذنوب التي ارتكبوها لكن الذنوب التي ارتكبوها لها صفات من الحق تطلب حقَّها فيه.
فحين يفعل العبد الذنب تأتي صفة القهار والجبار والمنتقم وهي صفات الجلال، وهذه الصفات تقتضي العقاب، ثم تأتي صفات الجمال من الحق سبحانه صفة الغفور الرحيم التواب.. إلخ...
إذن وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ.. عبَّر بـ (عَنْ) مع أن التوبة منهم، فقال عنهم ليحملهم عنهم...
أي: ويستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات. والفعل وَيَسْتَجِيبُ.. [الشورى: ٢٦] دل على سرعة الاستجابة، لذلك لم يقُلْ يجيب وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ.. [الشورى: ٢٦] تدل أيضاً على أن الاستجابة من الله لهم، وفي المقابل وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ٢٦] والعذاب الشديد للكافرين هو نهاية المطاف، لأن أول ما يُقابلون به: الغضب من الله، ثم الحجاب، ثم اللعنة والإبعاد من رحمته، ثم العذاب.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ... .
هذه الآية تقرر طبيعة في النفس الإنسانية، كما قال سبحانه في موضع آخر: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧] لأن الرزق عندما يكون مبسوطاً ميسَّراً لا يشغل المرء به ولا بالحركة من أجله، فلا يكد ولا يتعب ويتفرغ لأمور أخرى تشغله ومنها البغي.
لذلك لما تحدَّث القرآن عن قارون، وهو أوضح مثال للغَنى الطاغي، قال سبحانه: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ.. [القصص: ٧٦] إذن: النعمة والثراء قد يدعوان الإنسان إلى الطغيان والبغي بغير الحق، وبسطة الرزق تعني سعته وتيسير سُبُله، وهي في هذه الحالة نوع من الابتلاء.
وقوله: وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى: ٢٧] أي: يسوق الرزق بقدر معين وبحساب على مقتضى علمه سبحانه وحكمته في تدبير شئون خلقه، فيعطيهم بحساب بحيث لا يصل العبد إلى مرحلة الطغيان والبغي، وهو سبحانه أعلم بطباع عباده وأعلم بما يصلحهم، لذلك ورد في الحديث القدسي: وقد اهتم الإسلام بالجانب الاقتصادي في حركة الحياة وفرضَ الزكاة من أجل استطراق الخير في المجتمع، وعلَّمنا أن نُفرِّق بين الفقر عن عجز واحتياج، والفقر عن حرفة وخداع، فمَنْ يتخذ الفقر حرفة ليس له نصيب، ولا يصح أنْ تعينه على التكاسل والقعود عن العمل.
أما العاجز فمستحق، لأنه غير قادر على الكسب، لذلك جعل الله له جزءاً في مال القادر يصل إليه، وهو مُعزَّز لا يريق ماء وجهه للقمة العيش، بل يحفظ له الحقُّ سبحانه كرامته، ويجعلك أنت أيها الغني القادر تذهب إليه وتطرق عليه بابه وتعطيه ليعلم أن الله حين سلبه قدرته سَخَّر له قدرات الآخرين.
كذلك مثلاً في فريضة الحج ترى غير المستطيع حزيناً لأنه لم يحج، والواقع أنه أحظُّ عند الله من المستطيع الذي يحج؛ لأن المستطيع قد يؤدي ولا يقبل منه، أما غير المستطيع فقد سقط عنه الفرض أصلاً. ويقولون: إن نسبة تسعين بالمائة من الناس لم يروا البيت يعني لم يطوفوا به، فهل يعني هذا أن الله يحرمهم رؤيته؟ لا بل لهم منه نصيب كما قيل: "من الناس مَنْ يطوف بالبيت، ومن الناس مَنْ يطوف بهم البيت".
ثم إن حالة الفقر هذه أو العجز لا تدوم مداولة بين الناس، كما قال سبحانه: وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ.. [آل عمران: ١٤٠].
وسبق أنْ بيَّنا أن الفقر في المجتمع له حكمة، لأن حركة المجتمع ومصالح الناس لا يمكن أنْ تقوم على التفضُّل، إنما تقوم على الحاجة، فحين تُلجئك الحاجة تعمل ولا تستنكف من العمل الشاق أو الحقير، وإلا فمَنْ سيقوم بهذه الأعمال.
ورأينا العامل حين يرضى بقدر الله فيه ويخلص في عمله يقول الله له: رضيتَ بقدري فسأعطيك على قدري. فتراه بعد فترة أصبح صاحب عمل بعد أنْ كان أجيراً، لأنه أخلص لصاحب العمل ولم يحقد عليه، ولم يكره النعمة عنده.
إذن: الحق سبحانه لا يضيق الرزق ولا يعطي بقدر إلا في مظنة الضرر، فمَنْ علم الله منه أنَّ بسطة الرزق تفسده يُضيِّق عليه منافذ الرزق ليصلحه بالفقر. فالأصل أنه تعالى جواد كريم يبسط رزقه لعباده، لذلك يقول في الآية بعدها:
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ... .
ٱلْغَيْثَ.. [الشورى: ٢٨] المطر ينزل بعد انقطاع وجفاف، فيغيث الناس وينقذهم من الجفاف والجوع والقحط الذي هم فيه مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ.. [الشورى: ٢٨] يئسوا من نزوله.
وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ.. [الشورى: ٢٨] يبسطها لعباده جميعاً وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ.. [الشورى: ٢٨] المتولي أمور عباده المحسن إليهم ٱلْحَمِيدُ [الشورى: ٢٨] أي: المحمود على نعمه التي أسداها إلى الناس وتفضَّل بها عليهم، لأنه أنعم عليك قبل أن يوجدك فخلق لك السماء والأرض والكون كله سخَّره في خدمتك، فطرأتَ على كَوْنٍ مُعَدٍّ وجاهز لاستقبالك، فيه كُلُّ مقومات حياتك.
كلمة آيَاتِهِ.. [الشورى: ٢٩] مفردها آية، وهي الشيء العجيب الذي يدعوك إلى التأمل، كما نقول: فلان آية في الأدب أو في العلم. وقلنا: إن الآيات في القرآن الكريم وردتْ بمعانٍ ثلاثة: آيات كونية تدل على قدرته تعالى وبديع صُنْعه كالشمس والقمر والليل والنهار، وآيات معجزات تدل على صِدْق الرسل في البلاغ عن الله، ثم الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن الكريم.
الحق سبحانه وتعالى هنا يُحدِّثنا عن بعض آياته الكونية وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الشورى: ٢٩] فهما شيء عجيب في الخَلْق دلَّ على قدرة الله وحكمته وطلاقة قدرته، وفي موضع آخر قال: لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].
نعم أكبر، لأن الإنسان يُولد ويموت، يموت طفلاً ويموت شاباً، بل ويموت في بطن أمه، وحتى لو عاش مائة عام سيموت، فأين هو إذن مَنْ خلق السماوات والأرض وما فيهما من آيات كونية تعمر ما يشاء الله؟
إذن: على الإنسان أنْ يتذكر هذه الحقائق ويقول لنفسه: هل يُعقل أن تكون هذه الآيات أطول عمراً مني وهي مُسخَّرة في خدمتي؟ إذن: لا بدَّ أن لي عمراً آخر يناسب منزلتي، وما فضَّلني الله به على هذه المخلوقات، إذن: لي حياة أخرى أبقى فيها وأخلد حين تفنى كل هذه المخلوقات.
وقوله: ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الشورى: ٢٩] يعني: وما فيهما لأنهما ظرف مظروف فيه مخلوقات كثيرة، لذلك قال في موضع آخر: للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [البقرة: ٢٨٤].
ومعنى وَمَا بَثَّ.. [الشورى: ٢٩] أي نشر: فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ.. [الشورى: ٢٩] أي: في السماوات وفي الأرض، فما يدب في الأرض أي: ما يمشي عليها من إنسان وحيوان طير، وما يدبّ في السماء يقصد به الملائكة.
وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ.. [الشورى: ٢٩] يعني: يوم القيامة قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩] أي: قادر، كما قال: يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ.. [الشورى: ٧].
بعض العلماء ذهب إلى وجود مخلوقات أخرى في العلو، وهم أمثالنا مكلَّفون، ففي المجموعة الشمسية عوالم أخرى غير الأرض مثل عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وغيرها. والعظمة في جمع كل هؤلاء.
كلمة أصاب مأخوذة من إصابة السهم للهدف، فإذا كان الرامي حاذقاً أصاب الهدف دون انحراف، فكأن المصائب في الدنيا سهام أُطْلقت بالفعل، وهي لا بدَّ صائبة أصحابها. لذلك يقولون: إن المصيبة ليست ناشئة حال وقوعها، إنما هي مُقدَّرة أزلاً، وسهم أُطلق بالفعل، فوقتها هو مسافة سفر السهم إليك، كما سبق أنْ قُلْنا في مصيبة الموت.
فهو إذن مسألة مفروغ منها وأمر مُسجَّل ومكتوب عليه أزلاً ليس حادثاً، فالكون كله له (ماكيت) مُسجَّل ومُوضَّح به كل شيء. لذلك قال تعالى: مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢] إذن: لا مفرَّ أبداً من المصيبة ولا مهربَ منها، ولا يمكن أبداً أنْ نحتاط لها، لأن السهم الذي أُطلِق لا يُرد.
والمصائب التي تصيب الإنسان على نوعين: نوع لك فيه دَخْل ويد، ونوع لا دخلَ لك فيه، فمثلاً التلميذ الذي يرسب آخر العام لأنه أهمل دروسه ولم يجتهد لا شكَّ أن له دخلاً في هذه المصيبة التي حلَّت به آخر العام، فإذا كنت لا تريد أن تصيبك هذه المصيبة فخُذْ بأسباب النجاح واحذر أسباب الفشل وسوف تجد النجاح.
الأخرى: مصيبة لا دخْلَ لك فيها، كالتلميذ يذاكر ويجتهد ويحفظ دروسه لكن يصيبه دوار ساعة الامتحان أو مرض مفاجئ فلا يستطيع إكمال الامتحان فيرسب، هذا حدث بقدر الله والذي أجرى عليه القدر ربه عز وجل، ولا بدَّ أنَّ له فيه حكمة، لذلك يجب الرضا بهذه المصيبة على أنها قضاء الله وقدره، والمصيبة تهون مهما كانت عظيمة حينما يؤمن المصاب بها أنها من الله لا من أحد سواه.
وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بمثال من الواقع. قلنا: هَبْ أنك جالس فدخل عليك ابنك الصغير ووجهه يسيل منه الدم، وإن أول ما يتبادر إلى ذهنك أن تسأله: مَنْ فعل بك هذا؟ إذن: لم تحكم على الحدث إنما سألتَ عن صاحبه؛ لأن الحدث في ذاته لا يُحزن ولا يُفرح إلا بمصاحبة الفاعل.
فإنْ قال لك الولد: عمِّي فلان ضربني تهدأ. وتقول له: لا بدَّ أنكَ فعلتَ شيئاً يستحق العقاب، أما إنْ قال لك: ضربني فلان جارنا تغضب وتقيم الدنيا ولا تقعدها.
إذن: الحدث إنْ كان من مُحبٍّ قبلناه، وعلمنا أن وراءه مصلحة ورضينا به، وإنْ كان من عدو فلا مصلحةَ فيه واعترضنا عليه.
فالحق سبحانه يريد أنْ يُعلِّمنا كيفية استقبال المصائب وأنَّ كلَّ مصيبة تأتي لها سبب، فإنْ عرفناه كان بها، وإنْ جهلناه قلنا لا بدَّ أن لله فيه حكمة ودخلنا من باب الرضا والتسليم بدل أن ندخل من باب السخط والاعتراض.
فالطالب الذي أصابه دوار ولم يؤدِّ الامتحان يقول في نفسه: لعلَّني كنت مغروراً، فأراد الله أنْ يقضي على غروري، أو لعلَّني كنت سأحصل على مجموع أقل مما أريد، أو لعلَّ الله دفع عني بذلك عيون الحاسدين.
ألم يقل الحق سبحانه في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ.. [القلم: ٥١].
والحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف يعطينا مثالاً ونموذجاً يُعلِّمنا كيف نستقبل الأحداث؟ وكيف نتقبل المصائب؟ فما دام أنه لا دخْلَ لك فيها فلا بدَّ أن لله فيها حكمة، تقرأون قصة العبد الصالح مع سيدنا موسى عليهما السلام، فالعبد الصالح لم يكُنْ نبياً ومع ذلك تعلَّم منه النبي وطلب مصاحبته، فالعبد حينما يرتقي في علاقته بربه يفتح الله عليه فتوحات من عنده ويعلمه علماً لا يعطيه إلا لخاصته.
العبد الصالح كان يعبد الله على منهج سيدنا موسى، ومع ذلك تبعه موسى ليتعلم منه، لأن مهمة الرسول أن يصل المرسل إليه بربه، فإذا ما وصله بربه تركه وشأنه مع الله، وعندها يكون كل عبد (وشطارته) في علاقته بالله تعالى، فهذا العبد الصالح تقرَّب إلى الله ودخل معه سبحانه في وُدٍّ، فكان له معه شأن خاص.
انظر سيدنا موسى يقول للعبد الصالح: قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف: ٦٦-٦٧] ذلك لأنك سترى أموراً لا تعجبك وأفعالاً لا تدرك أنت حكمتها وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف: ٦٨-٧٠].
ثم تبدأ الرحلة وينطلق موسى في صحبة العبد الصالح، وأول حدث بينهما كانت السفينة فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف: ٧١].
هذا أول اعتراض من موسى، لأن الفعل في ظاهره غريب يستحق الاعتراض. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً [الكهف: ٧٢-٧٤] يعني: منكراً.
نعم موسى لم يستطع أن يصبر وهو يرى هذا الفعل العجيب المنكر في نظره قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف: ٧٥-٧٧].
وكانت هذه هي الثالثة، وتحقق الشرط الذي قطعه موسى على نفسه، فقرر العبد الصالح مفارقته، لكن قبل أن يفترقا قال له: تعالَ أوضح لك ما لم يحتمله صبرك في هذه الأحداث: قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: ٧٨-٧٩] أي: يأخذ كل سفينة صالحة.
ولا شكَّ أن خرق السفينة مصيبة لأصحابها في ظاهر الأمر، لكن لله تعالى فيها حكمة، حيث كان وراء هؤلاء المساكين ملك ظالم يأخذ كل سفينة جيدة ويغتصبها، فأردتُ أنْ أُحدِثَ بها عيباً حتى لا يأخذها.
إذن: فنحن هنا لا نقارن بين سفينة مخروقة وسفينة صالحة، إنما بين سفينة مخروقة وعدم وجود سفينة أصلاً، فخرْق السفينة أهونُ بالنسبة لأصحابها من أخذها كلية، ثم بإمكانهم أنْ يُصلحوها بعد ذلك، المهم أنْ تسلم لهم من هذا الملك. وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف: ٨٠-٨١] ففي علم الله تعالى أنه سيكون ولداً عاقاً يُحدث فتنة لأبويه، كما قال سبحانه: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ.. [التغابن: ١٤] فكان في القضاء عليه حكمة.
فإنْ قلت: فما ذنبُ الغلام يُقتل وهو صغير؟ قالوا: لا ذنب له لكنه لم يخْلُ من مصلحة وخير يلحقه هو أيضاً حيث أُخِذ وهو صغير، فقد اختصرنا له الحياة فلم يُعانِ فيها، ولم يقترف شيئاً من سيئاتها، ومات قبل سِنِّ التكليف فلن يُحاسب على شيء، ثم سيكون في عداد الشهداء، ومسكنه في الجنة يتجول فيها حيث أراد ويدخل منها أيَّ مكان حتى على رسول الله، فهو من (دعاميص) الجنة، إذن: فقتله جاء رحمة به. وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً [الكهف: ٨٢].
أولاً عرفنا أن هذه القرية فيها ناس لئآم لا خير فيهم، بدليل أنهم منعوهما الطعام ومَنْع الطعام فيه لُؤْم وخِسَّة، لأن الذي يسأل الطعام غير الذي يسأل المال، الذي يسألك مالاً ربما ليكنزه، أمَّا سؤال الطعام فلا يكون إلا عن حاجة.
لذلك قالوا: أصدق سؤال مَنْ يسألكم طعاماً، فلما منعوهما الطعام كان أمراً عجيباً أنْ يبني لهم العبد الصالح الجدار، فما قصته؟ كان الجدار لغلامين يتيمين في المدينة، وتصوَّر حال اليتيمين بين هؤلاء اللئام، كيف لو ظهر لهم هذا الكنز؟
وقد فهمنا من هذه المسألة أن صلاح الآباء ينفع الأبناء، وأن الغلامين كانا توأماً، بدليل قوله تعالى أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا.. [الكهف: ٨٢] فلو كان أحدهما أكبر من الآخر ربما أخذه لنفسه، وأن العبد الصالح بنى الجدار بناء موقوتاً، بحيث يعيش فقط حتى سِنِّ البلوغ لهذين الغلامين، ثم ينهار فيجدا الكنز ويستطيعا حمايته من هؤلاء اللئام، ثم في بناء الجدار عقاب لهؤلاء البخلاء وقصاص منهم على بخلهم، حيث منعهم من أخذ أموال هذا الكنز.
وأخيراً لم يَفُتْ العبد الصالح أنْ يُبيِّن لسيدنا موسى أنَّ ما فعله لم يكُنْ من عنده، إنما بأمر من الله وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي.. [الكهف: ٨٢] إنما عن أمر الله، إذن: حين تنزل المصيبة وليس لك فيها دَخْل فابحث عن الحكمة منها، ولا بدَّ أنك ستجدها وتهتدي إليها.
والخطاب في وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.. [الشورى: ٣٠] خطاب للعموم يشمل المؤمنين والكفار، الكافر لأنه دخل المعركة فهُزم فإنْ أخذ ماله أو قتل فبكفره، أما المؤمن فقد يكون ارتكب مخالفات ومعاصي تستوجب أنْ يعاقب كما في حدّ الزنا، وحدّ شرب الخمر مثلاً، أو أن يُعزَّز.
والحق سبحانه وتعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يُنبِّه أمته، وأنْ يُعلِّمها كيف تستقبل المصائب، فقال صلى الله عليه وسلم: لذلك يقول أحد العارفين: إنِّي لأعرف مقامي عند ربي من خُلُق دابتي، يعني: حين تحرَن منه دابته أو تتعثَّر يسأل نفسه: ماذا فعلتُ حتى تحرنَ الدابة؟ وسيدتنا أسماء بنت سيدنا أبي بكر كان يلازمها شيء من الصداع، فكانت تمسك برأسها وتقول: بذنبي ويعفو الله عن كثير.
ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان وحدَّد مهمته في الحياة، ووضع له منهجاً يحميه ويُنظم حركته فيها، فإنْ خالف هذا المنهج لا بدَّ أنْ يحدث له عطب، مثل الآلة يصنعها الإنسان، ويضع لها (كتالوجاً) يوضح كيفية استخدامها، فإنْ خالفت هذه التعليمات تعطلتْ الآلة.
فالحق سبحانه يريد منَّا أنْ نعِيَ هذه القضية، ليطمئن المؤمن حين تصيبه مصيبة أو تنزل به نازلة، فيصبر ولا يجزع ولا يتسخط، بل يبحث عن الحكمة أو ينظر في نفسه: ماذا فعلتُ لتنزل بي هذه المصيبة، فهي ولا بدَّ تغسل عني شيئاً اقترفتُه وذنباً ارتكبته.
هذا حال المؤمن الناصح أنْ يعود لنفسه وأنْ يحاسبها؛ لأنه يعلم مما علَّمه الله أن الدنيا دارُ عمل لا دار جزاء، الجزاء في الآخرة ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ.. [غافر: ١٧] إذن: ما يقع لي في الدنيا من ابتلاءات ومصائب ليس جزاءً؛ إنما لفْتُ نظر للعمل الصالح، ولأتعلم من مادية الأشياء أنَّ المخالفة لا بدَّ أنْ يكون لها عقاب.
ثم نحن نشاهد المصائب تحلُّ بالصديق وبالزنديق وتعمُّ الجميع حتى الأنبياء، لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالابتلاءات للأنبياء ليستْ لذنوب ارتكبوها، إنما امتحان في التكليف وأُسْوة للغير، أُسْوة تصلح حال القوم وتُعلِّمهم الصبر عند المصيبة، فحين تنزل بنا المصائب نتذكر مصائب الأنبياء، وكيف أنهم صبروا فنصبر مثلهم، ونصحِّح من سلوكنا مع الله.
وقوله: وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] يعني: كثير من ذنوبنا وخطايانا، ولولا عفوه تعالى ورحمته بخَلْقه ما نجا أحد.
لذلك نقول لمن تصيبه مصيبة (كفارة إنْ شاء الله) يعني: جعلها الله كفارةً لذنوبك، وقد ورد في الحديث القدسي:. نعم يغدق الله عليه الخير في دار الفناء لأنه لا حظَّ له في دار البقاء.
الحق سبحانه وتعالى يخاطب القوم الذين عاندوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصادموا دعوته وجادلوه، يقول لهم: لن تُفلتوا من عدالة السماء، ومَنْ أفلت من عقاب الدنيا منكم لن يفلت من عقاب الآخرة، كما قال سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
وهنا يقول لهم وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ.. [الشورى: ٣١] المُعْجز هو الذي ينسبني للعجز، ويُعجزني يعني: يأتي بأمر لا أقدر أنا عليه، فالحق يقول لهم: لن تعجزونا ولن تهربوا منا أبداً، فأينما كُنتم سنأتي بكم.
لذلك اتضح لنا ذكاء الجن، حينما قالوا: وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً [الجن: ١٢] فالجن وهم أقدر على الهرب من الإنس، ومع ذلك يعترفون أنه لن يستطيع أحد منهم أنْ يهرب أو يفر من الله عز وجل.
لذلكثم إن الحق سبحانه يُملي للظالم ويُمهله، حتى إذا أخذه لم يُفلته، فكوْن الحق سبحانه يُملي لهؤلاء لا يعني أنه عاجز عن أَخذهم، لأنه سبحانه قوي قادر وله طلاقة القدرة، بحيث يأتي بهم متى شاء، أما الضعيف فإنه يستغل أول فرصة للانتقام ولا يُفوِّتها، لأنه يعرف أنها لن تعود، كما قال الشاعر:
وَضَعِيفَة فإذا أصَابَتْ فُرْصةً  قَتلَتْ كذلك قدرة الضُّعَفاءِ
وقوله تعالى: وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [الشورى: ٣١] الولي: القريب أو الصديق المقرَّب منك دائماً، والمفروض فيه أن يدفع عنك المصيبة قبل أن تقع، والنصير: المعين الذي ينصرك ويُعينك إذا وقعتْ بك المصيبة. فالحق سبحانه يُعلمنا أنْ يستقيم فينا أمر التكليف، وأنْ تكون صلتنا بالله مباشرة، وألاَّ نعتقد أننا نَفوت منه سبحانه، وألاَّ نعتقد في أحد من خَلْقه أن يكون ولياً لنا أو نصيراً.
آية رقم ٣٢
الجوار في البحر صفة لشيء معروف هي السفن، فهي التي تجري على صفحة الماء، والآن نرى سفناً عملاقة وبواخرَ ذات أوزان عالية يحملها الماء بإذن الله، كما نجد سيارات النقل والحاويات ذات الأوزان العالية تُحمل على الهواء في العجلات، وهذه من آيات الله أنْ يحمل الخفيف الثقيل.
ومعنى كَٱلأَعْلاَمِ [الشورى: ٣٢] الأعلام: مفردها عَلَم، وهو الجبل، سُمِّي علماً لعُلوِّه وظهوره، لذلك قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
كَأنهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارٌ
فقوْل الخنساء عن أخيها: كَأنه عَلَم في رأْسِهِ نَارٌ. كناية عن أنه مشهور معروف للجميع، ولما سمع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البيت قال: وفي هذه الآية مظهر من مظاهر الإعجاز وآية للنبي صلى الله عليه وسلم، فلو سألنا رجال الاقتصاد والصناعة: متى وُجدت السفن العملاقة المكوَّنة من عدة أدوار والتي تشبه جبلاً يتحرك على صفحة الماء؟ قالوا: في القرن الثامن عشر، إذن: محمد لم يَرَ مثل هذه السفن، فمَنْ أخبره بهذا التطور؟ ومَنْ قال له أنها ستكون كالأعلام؟ إنه الله الذي يعطينا الآيات الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم.
ثم إن الجَواريَ التي تجري في البحر تحتاج إلى طاقة تُجريها، فمن أين هذه الطاقة؟ لما بدأتْ السفن كانت تجري بقوة الهواء أو بقوة دَفْع الماء لها، فإنْ كانت تسير في نفس اتجاه التيار أجراها التيار معه، وإنْ كانت تسير ضد اتجاه التيار استخدموا الهواء في دَفْعها باستخدام القِلْع، فإنْ سكن الريح يظللن رواكد على ظهره.
إذن: هي تجري بأمر الله وتسكن بأمر الله، وإن كانت تسير في نهر وتسبح ضد تيار الماء جاءوا بالعمال وبالحبال ليشدُّوا السفينة وهم على الشاطئ ويسيرون بها:
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ... .
معنى فَيَظْلَلْنَ.. [الشورى: ٣٣] أي السفن رَوَاكِدَ.. [الشورى: ٣٣] ثوابت ساكنة لا تتحرك، قد يُحرِّكها الموج في مكانها لكنها ثابتة لا تسير إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ.. [الشورى: ٣٣] صبار فعَّال وهذه صيغة مبالغة من صابر لأن جريان السفن يحتاج إلى مجهود وإلى مشقة، فلا بدَّ من الصبر الطويل.
وكذلك شَكُورٍ [الشورى: ٣٣] على وزن فعُول، وهي أيضاً صيغة مبالغة من شاكر، فجريان السفن من آيات الله التي تستوجب شكره عليها.
ثم إن هذه الآية جاءتْ بعد قوله تعالى وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.. [الشورى: ٣٠] فالمصائب أيضاً تحتاج إلى الصبَّار الشكور؛ لأن المصيبة حين تنزل بالمرء لا تصيب كلَّ الأعضاء ولا تأتي عليه كله، فالله يصيبك في شيء ويعافيك في أشياء، فالمصاب يحتاج إلى صبر والمعافى يحتاج إلى شكر.
لذلك رُوِي أن سيدنا عبد الله بن جعفر لما ذهب إلى الشام جُرحَتْ رِجْله وهو في الطريق، ولم يجد مَنْ يعالجه لطول المسافة، فقاحتْ وحدث بها تلوث وأصابتها الغرغرينة، فلما بلغ دمشق ونزل في ضيافة الخليفة أتوا له بالأطباء. فقرروا بترها والتمسوا له (مُرقَّد) وهو مثل البنج الآن كي لا يُحس بالألم، لكنه رفض ذلك وقال: والله ما أحبُّ أنْ أغفل عن ربي طرفة عين، وفعلاً قطعوا رِجْله دون تحذير، لأن الذي يتمتع بهذه المعية ويشعر بهذا الشعور حقيقٌ ألاَّ يشعر بألم وهو في معية الله.
هذه المعية التي احتمى بها سيدنا رسول الله وصاحبه في الغار حين قال له: لا تحزن إن الله معنا، أبو بكر يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول له صلى الله عليه وسلم: ذلك لأنهما في معية الله، والله لا تدركه الأبصار، وكذلك من كان في معية الله منحه الله شيئاً من هذه الصفة.
فلما قال سيدنا عبد الله بن جعفر: ما أحبُّ أن أغفل عن ربي طرفة عين قطعوا رِجْله وهو في هذه الحالة فلم يشعر بألمها، فلما أرادوا أنْ يدفنوها أمسك بها وقال: اللهم إنْ كنتَ ابتليتَ في عضو فقد عافيتَ أعضاء. إذن: هذا مثال للعبد الصبار الشكور، صبار على المصيبة شكور على النعمة.
وفي قوله سبحانه: إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ.. [الشورى: ٣٣] لون آخر من الإعجاز القرآني، لأن السفينة قديماً كانت لا تسير إلا بالهواء، فكيف وهي الآن تسير بقوة الوقود أو بالكهرباء ولا تحتاج إلى الريح، فهل يعني استغناء السفن عن الريح أن الآية لم يَعُدْ لها مجال الآن؟ قالوا: لا بل هي خالدة باقية لها معنى يُعتبر إلى قيام الساعة، لأن من معاني كلمة الريح أي القوة أياً كانت.
واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.. [الأنفال: ٤٦] أي: قوتكم، فإن استغنيتم عن الريح بقي معنى القوة، سواء أكانت بالبخار أو غيره.
وقوله إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [الشورى: ٣٣] بعد فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ.. [الشورى: ٣٣] إشارة لأصحاب السفن وركابها، أنها إذا توقفت عن السير بسبب سكون الريح فلا تحزن، واستقبل هذه المسألة بشيء من الصبر، واشكر الله أنْ جاءت الشدة على هذه الصورة، ولم تكُنْ أكثر من ذلك كأن يصيبها عطب أو إعصار أو غير ذلك من المصائب، يعني: اصبر على ما فاتك واشكر على ما بقي لك.
آية رقم ٣٤
معنى يُوبِقْهُنَّ.. [الشورى: ٣٤] يعني إما أن يظللن رواكد على ظهره أو يُغرقهن بِمَا كَسَبُوا.. [الشورى: ٣٤] بما فعلوا من المعاصي كشرب الخمر ولعب القمار وغيره وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ [الشورى: ٣٤] أي: يعفو عن كثير من ذنوبهم فلا يؤاخذهم بها.
وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذه المسألة: هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ * فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ.. [يونس: ٢٢-٢٣].
آية رقم ٣٥
يعني: ما لهم من ملجأ ولا مهرب من عذاب الله، فالذين يجادلون رسول الله في آيات الله ويكذبونه يعلمون قدرة الله عليهم، وأنه سبحانه إنْ شاء أخذهم أخْذَ عزيز مقتدر.
و "حاص" في المكان. أي: ذهب إلى هنا أو هناك، ولا يجد راحة، ونجد في تعبيرنا العامي ما يُصور ذلك وهو قولنا "فلان حايص" أي: لا يجد مكاناً يرتاح فيه. ولا يعرف إلى أين يذهب، فلا مهربَ ولا مَنْجى.
قوله: مِّن شَيْءٍ.. [الشورى: ٣٦] يعني: كل ما يقال له شيء من مُتَع الحياة، كالمال والأولاد والزوجات والمناصب والصحة والجاه... إلخ. كل هذا متاع الحياة الدنيا فحسب تتمتع به في الدنيا، والدنيا بالنسبة لك ليست هي الفترة من آدم إلى قيام الساعة، بل هي مدة بقائك أنت فيها لا دَخْلَ لك بمدة حياة الآخرين، فأنت لا تمر على الدنيا إنما الدنيا هي التي تمر عليك.
إذن: مهما كان متاعك فهو موقوت بعمرك في الدنيا وينتهي وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الشورى: ٣٦] لأنك في الدنيا تتمتع على قدر جهدك فيها وعلى قدر إمكانياتك، أما في الآخرة فالمتعة على قدْر الحق سبحانه، وإنْ كان متاع الدنيا يزول فمتاع الآخرة باقٍ دائم خالد.
إذن: عندما تقيس مستوى النعمة التي تعيشها في الدنيا بمستوى النعمة في الآخرة تعلم أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وحين تعلم هذه الحقيقة ينبغي عليك أن تعمل لها، لأن هذه الخيرية، وهذا البقاء موقوفٌ على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، فهنا عقيدة وعمل بالأسباب.
وفَرْق بين مَنْ يتوكل على الله بأن يأخذ أولاً بالأسباب ثم يتوكل على الله، ومن يتواكل أي يقول توكلت على الله ويترك السَّعْي والأخْذ بالأسباب. إذن: المؤمن يتوكل بقلبه ويعمل بجوارحه.
وقد نزلتْ هذه الآية فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا.. [الشورى: ٣٦] في جماعة من صناديد قريش وعلى رأسهم الوليد ابن المغيرة، لما حسدوا رسول الله وحقدوا عليه لما اصطفاه الله للرسالة فقالوا: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] يعني: عنده كذا وكذا، فردَّ الله عليهم أن هذا كله متاع دنيوي زائل، وما عند الله خير منه وأبقى.
معنى يَجْتَنِبُونَ.. أي: يبتعدون عن الأسباب المؤدية إلى كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ.. الكبائر هي الذنوب الكبيرة التي توعَّد اللهُ فاعلها وجعل لها عقوبة. والفواحش كل ما عظُم فُحْشه وقُبْحه، وهذه كلها ذنوب تُوجب إقامة الحدِّ على فاعلها.
وسبق أنْ قلنا: إن مواكب الرسل المختلفة اتفقتْ في تحريم هذه الكبائر، وحثَّتْ الجوارح النفسية أنْ تتبرأ من عيوبها، فالقلب يتبرأ من الشرك ومن الإصرار على المعصية، وألاَّ يأمن مكر الله، وألاَّ ييأس من رحمة الله.
واللسان يبرأ من شهادة الزور وقوْل الزور وقَذْف المحصنات واليمين الغمُوس الذي يُغمس صاحبه في النار، وهو الحلف كذباً على شيء حصل في الماضي، وهذا اليمين ليس له كفارة، لكن إنْ حلف على شيء في المستقبل، وظهر له ما هو أفضل يسمح الله له إنْ يأتي الأفضل ويُكفِّر عن يمينه.
كذلك البطن تبرأ من شرب الخمر وأكْل مال اليتيم وأكْل الربا. والفَرْج يبرأ من كل اتصال لا يحلّ، واليد تبرأ من السرقة والقتل، والرِّجْل تبرأ من التولِّي يوم الزحف. وفوق هذا كله تبرأ كلُّ هذه الجوارح من عقوق الوالدين.
وقوله تعالى: وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ الغضب فوران الغريزة الغضبية من شيء أغضبك أو أتعبك، وهذا الشيء حدث من شخص ما فتتولد لديك رغبة الانتقام أو مشاعر الحقد والحسد نحوه.
فالحق سبحانه يُعلِّمنا كيف نغفر ونعفو ونصفح، وإذا كنتَ تحب أن يغفر لك فاغفر لمَنْ أساء إليك، وإذا تأملنا أحوال الناس نلاحظ أن عاقبة الصفح والغفران حميدة، وعاقبة البطش والانتقام وخيمة.
لذلك الحق سبحانه وتعالى يرشدنا إلى أن نأخذ جانب العفو، ونحذر سَوْرة الغضب، وألاَّ ننساق معها، وألاَّ نتجاوز الحدود حين تأخذنا هذه السَّوْرة حتى في مسألة القصاص: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى.. [البقرة: ١٧٨].
فبعد أنْ يُشرع لنا القصاص يُذكّرنا بما هو أَوْلَى بنا وأرشد وهو العفو فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ.. [البقرة: ١٧٨] فشرع القصاص ليحفظ الحق لصاحبه، ثم فتح باب العفو.
لذلك نجد الدين يمنع أي شخص أنْ يشفع في حَدّ من حدود الله إلا القتل تجوز فيه الشفاعة، لأن وليَّ المقتول حين يعفو عن القاتل يُفشي الودَّ في المجتمع، ويصير القاتل مُداناً له لأنه يعلم أن روحه رَهْن بهذا العفو.
واقرأ قول الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٤-٣٥].
هذه حقيقة يقررها الخالق سبحانه وهو أعلم بعباده، لذلك نجد البعض في هذه المسألة يقول لك: والله أنا دفعتُ بالتي هي أحسن دون فائدة، نقول له: عليك أنْ تراجع نفسك ومدى صِدْقك في تصرفاتك، فأنت تظن أنك دفعتَ بالتي هي أحسن، لكن الواقع غير ذلك، فأنت تجرِّب مع الله والتجربة مع الله شكٌّ، فلو صدقتَ لصدقتْ الآية معك...
ثم تأمل لماذا أكَّدتْ الآية الفاعل في يَغْفِرُونَ بذكر الضمير المنفصل (هم)؟ فقال تعالى: وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ قال: هم ليؤكد أنهم أصحاب القرار، فالغفران منهم هم، ليس مجاملة لأحد، ولا إجباراً من أحد، لأنك قد ترسل لصاحب الحق مَنْ يشفع لك عنده، فحين يغفر صاحب الحق يكون الجميل للشافع، فلماذا إذن تحرم نفسك الثواب، لماذا لا تجعلها لك خالصة؟
قوله تعالى: وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ [الشورى: ٣٨] أي: بالإيمان وهذه تمثل العقيدة وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الشورى: ٣٨] تمثل العمل والتطبيق.
هذه آية من آيات كثيرة قرنتْ بين الصلاة والزكاة، لأن بهما يستقيم حال المجتمع المؤمن، الزكاة تنازلٌ عن بعض مالك للمحتاجين فأنت إذن تضحي فيها بالمال، كذلك في الصلاة زكاةٌ أبلغ من زكاة المال، لأنك في الصلاة تُضحِّي بالوقت الذي هو مجال العمل وسبب كسب المال.
الجديد في هذه الآية في مسألة الجمع بين الصلاة والزكاة ذِكْر مسألة الشورى بينهما، والمتحدِّث بهذا هو الحق سبحانه، فلا بدَّ لنا أنْ نقف هنا ونتلمَّس الحكمة: لماذا جعل الشورى بين هذين الأمرين اللذين اجتمعا دائماً في آيات الذكر الحكيم؟
نقول: معنى (أقاموا الصلاة) يعني: أدَّوْهَا على أكمل وجه، وهذا يكون في جماعة المسجد، فكأنه ينتهز فرصة الاجتماع هذه ويأمرهم بأنْ يكون أمرهم شورى بينهم، والشورى لا تكون في أمر وصَّانا الله به، ولا في أمر وصَّانا به رسوله صلى الله عليه وسلم، إنما تكون في الأمور الخلافية التي لم يأت فيها نصٌّ، فيكون الحكم فيها شورى بين أهل الاختصاص كما نرى في مسألة الفتوى.
لذلك ندعو إلى أن تكون الفتوى جماعية لا فردية، فلما تتناقش الجماعة لا بدَّ أنْ يصلوا إلى الصواب، ولا مانع أن تدافع عن رأي الجماعة حتى لو كان لك رَأي مخالف.
ثم تأمل وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ.. [الشورى: ٣٨] ولم يقل: تشاور. فعبَّرَ بالمصدر ليؤكد أن أمرهم هو نفسه الشورى، كما تقول: رجل عادل ورجل عَدْل، فجعلته العدل ذاته، وقد ورد أن الإمام علياً رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ترد علينا أمور لا نَرَى لله فيها حكماً، ولا نرى لسنة نبيه فيها حكماً، فماذا نصنع؟ قال صلى الله عليه وسلم: اجمعوا العباد، واجعلوها شورى ولا تقتدوا برأي واحد.
آية رقم ٣٩
معنى إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ [الشورى: ٣٩] لحقهم ظلم واعتداء والبغي: مجاوزة الحد في الظلم هُمْ يَنتَصِرُونَ [الشورى: ٣٩] أي: ينتقمون من الظالم بنفس القدر دون زيادة، وهذه الآية تُقرِّر حكماً لله عز وجل هو جواز الانتقام من الظالم، لكن لا تنتهي المسألة عند هذا الحكم، إنما يُتبِعه الحق سبحانه بحكم آخر لتكتمل الصورة، فيقول تعالى في الآية بعدها:
وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ... .
الحق سبحانه وتعالى رحيم بعباده لطيف بهم، وحينما أجاز لهم الرد بالمثل في القصاص وفي المظالم أراد سبحانه أنْ يُرضي مواجيد المظلوم وعواطفه، وأنْ يريحه بالانتقام من ظالمه، لكن ضيَّق هذا الباب في حين أوسع باب العفو ورغّب فيه، ضيَّق عليك باب الانتقام حينما قال: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ [النحل: ١٢٦].
فالحق سبحانه حينما قال وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا... [الشورى: ٤٠] إنما ليريح قلبك ويُنهي العداوة والبغضاء بين الطرفين، لكن أتضمن حين تنتقم أنْ ترد بالمثل؟ إن المثلية هنا أمر شاقّ جداً لا يقدر أحد عليه، ففي أبسط الأمور لو شخص ضرب الآخر ضربة، أو لطمه لطمة على وجهه، أيستطيع أنْ يردَّ بمثلها دون زيادة؟ ولو زاد عليها لكان هو الآخر ظالماً. إذن: في العفو سَعة ومخرج من هذا الحرج ومن هذا التضييق.
لذلك يُحكى أنه كان في إيطاليا رجل مُرابٍ أقرض شخصاً لأجَل، لكن اشترط عليه إذا لم يُؤدّ في الموعد المحدّد بينهما أنْ يقطع رطلاً من لحمه مقابل هذا الدَّيْن، فلما جاء الموعد ولم يدفع المدين ما عليه رفع الدائنُ أمره إلى القاضي، فأقره القاضي على شرطه وقال له من حقك أنْ تأخذ رطلاً من لحمه لكن تذكَّر إنْ زاد أخذنا الزيادة من لحمك أنت، وإنْ نقص أكملناه من لحمك أنت، فلم يملك المرابي إلا التراجع عن شرطه.
لذلك يقول تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ [الشورى: ٤٠] وكأن الانتقام لا بدَّ وأنْ يجر صاحبه إلى منطقة الظلم.
وعن الإمام علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولك أنْ تتأمل كيف يصلح الخالق الخَلْق بهذه القيم، وما علينا إلا أنْ نُخرجها من المجال النظري إلى التطبيق والعمل.
والسيئة في قوله تعالى: وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا.. [الشورى: ٤٠] يعني: عمل فيه إساءة لك بقول أو فعل، وليست سيئة الذنوب والمعاصي في حَقِّ الله تعالى.
آية رقم ٤١
قوله تعالى وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ.. [الشورى: ٤١] يعني: انتقم من ظالمه فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ [الشورى: ٤١] يعني: لا مؤاخذة عليهم لأنهم ما تعدَّوْا حدود الانتصار للنفس والانتقام لها إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ.. [الشورى: ٤٢] أي: سبيل المؤاخذة عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: ٤٢].
ثم يأخذ الحق سبحانه بأيدي العباد إلى طريق أسلم من الانتقام وأحمد في العاقبة، فيقول تعالى:
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ... .
قوله تعالى وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ.. [الشورى: ٤١] يعني: انتقم من ظالمه فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ [الشورى: ٤١] يعني: لا مؤاخذة عليهم لأنهم ما تعدَّوْا حدود الانتصار للنفس والانتقام لها إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ.. [الشورى: ٤٢] أي: سبيل المؤاخذة عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: ٤٢].
ثم يأخذ الحق سبحانه بأيدي العباد إلى طريق أسلم من الانتقام وأحمد في العاقبة، فيقول تعالى:
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ... .
آية رقم ٤٣
جاء في وصية لقمان لابنه: وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [لقمان: ١٧] هكذا دون توكيد باللام التي هنا وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣].
صحيح أن المعنى العام واحد وهو الدعوة إلى الصبر، لكن فرْق بين الصبر على مصيبة ليس لك فيها غريم، والصبر على مصيبة لك فيها غريم، فوجود الغريم يحتاج إلى قوة في الصبر وتحمُّل، لأنك كلما رأيتَ غريمك هاجتْ عندك دواعي الانتقام، فلقمان يوصي ولده بالصبر على مصيبة ليس فيها غريم، فلم يحتج إلى توكيد.
أمَّا هنا فالكلام عن الصبر حينما يكون لك غريم تفكر في الانتقام منه وردّ السيئة بمثلها، فأنت في حاجة إلى قوة تُعينك على الصبر وطاقة تأخذك من مجال الانتصار للنفس إلى مجال العفو والصفح، لذلك أكَّد الكلام باللام مرتين في الآية.
وقوله تعالى: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ.. [الشورى: ٤٣] يعني: أننا أمام مرحلتين: الصبر على الإساءة ثم غفران الإساءة، فكثير من الناس يصبر على مَنْ أساء إليه لكنه لا يغفر له إساءته، لأن مرحلة الغفران تحتاج إلى قوة إيمان وقوة عزيمة إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣].
يعني: الأمور المهمة التي تحتاج منك إلى عزيمة وثبات وقوة تطفئ بها نار الحقد والثأر والانتقام، وقوة أخرى تستمد منها طاقة للمغفرة، وهذه لا تكون إلا للمؤمن الواثق بأن ما عند الله خيرٌ وأبْقى، وأنه سينال بالعفو ما لم يَنلْهُ بالانتقام.
إذن: الحق سبحانه أباح لك أنْ تنتقم لنفسك، ثم دعاك إلى العفو ورغَّبك فيه، فمتى يكون الانتقام؟ ومتى يكون العفو؟ قالوا: العفو أوْلَى من الانتقام والانتصار للنفس، إلا إذا كان المسيء الظالم من الجاهلين الذين لا يزيدهم العفو إلا تمادياً في الظلم، ولا يزيده حِلْمك عليه إلا طمعاً فيك، فهذا لا بدَّ له من المعاملة بالمثل ليرتدع ولا يتمادى في ظلم الناس.
وقد تنبه إلى هذه الحقيقة كثير من الشعراء العرب القدماء، يقول المتنبي:
مِنَ الحِلْم أنْ تسْتَعْمِل الجهْلَ دُونَه  إذَا اتَّسَعَتْ في الحِلْم طُرقُ المظَالِمِ

وقال أيضاً:

إذَا أنْتَ أكْرمْتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ  وإنْ أنتَ أكْرمْتَ اللئيمَ تمرَّدا
وَوَضعُ النَّدي فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا مُضِرّ كوضْعِ السَّيْفِ فِي موْضعِ النَّدىَ


وقال آخر:

ولاَ خَيْر في حِلْم إذَا لم تكُنْ لَهُ  بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أنْ يُكدَّرا
وفي تاريخ قبائل العرب ما يؤكد ذلك، فبعض القبائل كانت شرسة وقوية لا تقبل الضيم مثل بني مازن، كانت حجة في الانتصار لنفسها، فصار الناس يرهبونها، ولا يجرؤ أحد على التعدي عليها، ومن القبائل التي كانت تجهل وتغتر بعفو مَنْ عفا عنها قبيلة بني اللقيطة من بني ذهل.
أما طيء فكانت قبيلة مسالمة تعفو وتصفح وتقابل السيئة بالإحسان، لذلك طمع فيها بنو ذهل وتمادوا في التعدي عليها حتى فاض بشاعرهم بعد أن استباحوا أرضه وأخذوا إبله، فضاق بما عليه قبيلته من العفو عمَّنْ لا يستحق العفو، فقال في وصفهم:
كَأنَّ ربَّكَ لَمْ يخلُقْ لخَشْيتهِ  سِواهُمُ مِنْ جَمِيع النَّاسِ إنْسَانَا
ويَجْزُونَ مِن ظُلْم أهلِ الظلْمِ مَغْفرةً وَمِنْ إسَاءةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسَانَا

ثم قال قصيدته المشهورة في الأدب العربي:
صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْل  وَقُلْنَا القَوْمُ إخْوَانُ
عَسَى الأيَّامُ أنْ يرجعْنَ قَوْماً كَالذِي كَانُوا
فَلمَّا صرَّح الشرُّ وَأمْسَى وَهْو عُرْيانُ
مَشَيْنَا مشْيةَ الليْثِ غَدَا وَالليْثُ غَضْبَانُ
بِضَرْبٍ فيهِ تَوْهِينٌ وَإضْعَافٌ وإقْرَانُ
وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا وَالزِّقُّ ملآنُ
وَبَعْضُ الحِلْم عنْدَ الجهْلِ للذلَّةِ إذْعَانُ
وَفِي الشَّر نجاةٌ حِينَ لاَ يُنجِيكَ إحْسَانُ


وما أجمل قول الإمام علي رضي الله عنه:

لَئِنْ كُنْتُ مُحتَاجاً إلى الحِلْم إنّني  إلَى الجَهْل في بَعْضِ الأحَايينِ أحْوجُ
وَلي فَرَسٌ للحِلْم بِالحِلْمِ مُلْجَم وَلِيِ فَرَسٌ لِلْجَهْل بالجهْلِ مُسْرَجُ
فَمَنْ رامَ تَقْوِيمي فإنِّي مُقوّم وَمَنْ رامَ تَعْويجِي فَإنِّي مُعْوجُ
قوله تعالى وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ.. [الشورى: ٤٤] يعني: يحكم الله عليه بالضلال، لأن الهدى هدى الله، وهو سبحانه قد بيَّن للناس طريق الخير وطريق الشر بالدلالة على الخير والنهي عن الشر.
وهذه الهداية التي نسميها هداية الدلالة والإرشاد جعلها الحق سبحانه للمؤمن وللكافر، فالله دلَّ الجميع، المؤمن أخذ هذه الهداية فعمل بما فيها وسار على نهجها في الأمر وفي النهي، فزاده الله هدى.
أما الكافر فتجاهل هذه الهداية ولم يعمل بها فزاده اللهُ من الضلال الذي اختاره لنفسه، فالذي يريد شيئاً ويعشقه يزيده الله منه سواء المؤمن أو الكافر، لذلك قال عن المؤمن: وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] أما الكافر فقد ختم على قلبه حتى لا يخرج منه كفره ولا يدخله نور الإيمان.
وقوله: فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ.. [الشورى: ٤٤] أي: يُواليه وينصره مِّن بَعْدِهِ.. [الشورى: ٤٤] أي: من بَعْد الله تعالى وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ [الشورى: ٤٤] هل من طريق للرجوع إلى الدنيا مرة أخرى لنتوب ونعمل العمل الصالح؟ استفهام العاجز الذي لا حيلة له، وما حيلتهم للرجوع وقد عاينوا العذاب الذي طالما كذَّبوه وكفروا به في الدنيا.
والحق سبحانه يُكذِّبهم في هذا الزعم، ففي آية أخرى يقول سبحانه: والخطاب لسيدنا رسول الله: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٧-٢٨].
وفي موضع آخر قال سبحانه في الرد عليهم حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠].
قوله سبحانه: وَتَرَاهُمْ أي الكفار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا على النار خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ أي: خاضعين أذلاء من شدة الخوف، لذلك يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: ٤٥] يعني: يختلسون النظرة ولا يستطيعون المواجهة بأعينهم، فما هم فيه من خزي يكسر أعينهم.
لذلك تقول لخصمك الذي يفتري عليك كذباً (هات عيني في عينك) لماذا؟ لأن المواجهة بالأعين تُظهر الحق، فصاحب الحق عينه قوية جريئة، تستمد قوتها من قوة الحق الذي يُدافع عنه، أما عين المُبطل فمنكسرة ذليلة تتوارى من شعاع الحق الذي يكشف زيفها.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ [الشورى: ٤٥] هذه المقولة يُردِّدها المؤمن الذي نجا من العذاب وفاز بالجنة، يقول: إن الخسارة الحقيقة هي ما فيه هؤلاء، لأنهم خسروا كل شيء أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ [الشورى: ٤٥] يعني: دائم لا ينقطع.
الكلام هنا عن يوم القيامة وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ [الشورى: ٤٦] أي: يدفعون عنهم العذاب الذي حَلّ بهم وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ [الشورى: ٤٦] يعني: ما له من طريق للهداية لأن الله تعالى هو الذي يهدي، يضع نموذجاً للهداية.
وسبق أنْ بيّنا أن الهداية على ضربين: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والمعونة، لذلك رأينا بعض المستشرقين يقفون أمام بعض الآيات يتهمون القرآن بالتعارض بين آياته، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ [فصلت: ١٧] وقوله تعالى: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] وفي موضع آخر: وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢].
فأثبت الهداية مرة ونفاها مرة أخرى، والخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتراض هؤلاء على أسلوب القرآن ناتج عن عدم فهمهم لكلام الله، فالنفي والإثبات هنا لأن الجهة مُنفكة، فمتعلق إثبات الهداية له معنى، ومتعلق نَفْيها له معنى آخر.
وسبق أنْ أوضحنا أن الهداية نوعان: هداية إرشاد وهداية معونة وتوفيق، فرسول الله يملك هداية الإرشاد والدلالة، ولا يملك هداية التوفيق والمعونة، هذه بيد الله وحده يهدي إليه مَنْ يشاء.
فقوله: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] نفى عنه هداية التوفيق والمعونة لأنها لله تعالى، وقوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] أثبت له هداية الإرشاد والدلالة. إذن: الجهة منفكة وليس هناك تعارض بين الموضعين.
واقرأ مثلاً قوله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ [الأنفال: ١٧] في الفعل وأثبته في موضع واحد، لأن الجهة أيضاً منفكة، ولكل فعل منهما معنى.
وكذلك في قوله تعالى: وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم: ٦-٧] يعني: لا يعلمون حقائق الأشياء إنما يعلمون ظاهرها.
وفي واقعنا اليومي نستخدم هذا الأسلوب في نفي الفعل وإثباته في موضع واحد، فلما ترى ولدك يفتح الكتاب وينظر في سطوره وهو منشغل عنه، أو تسأله بعد المذاكرة فلا يجيب فتقول له: ذاكرتَ وما ذاكرتَ، يعني: ذاكرتَ شكلاً ولم تذاكر موضوعاً أو مضموناً.

ثم يقول الحق سبحانه:

ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ... .
ثم يقول الحق سبحانه: اسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ....
هنا أمر بالاستجابة لأمر من؟ لأمر الرب لِرَبِّكُمْ والرب هو الذي خلقك من عدم وأمدَّك من عُدْم، وتولَّى تربيتك ورعايتك وتفضَّل عليك، وهو سبحانه صاحب المنهج ومالك الجزاء وقادر عليه، فإليه وحده المرجع والمآب. إذن: فهو حقيق بالاستجابة إذا أمر وأَوْلى بالطاعة، فالعاقل هو الذي يسارع بالاستجابة لله تعالى.
ونلاحظ هنا أن القرآن عبَّر بالاستجابة، بدل الإجابة، لأن الاستجابة فرع الطلب، لذلك قال سبحانه: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [الشورى: ٢٦] أي: يستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات.
فالحق سبحانه حينما يناديك ويدعوك للصلاة مثلاً يجب أنْ تجيب النداء، لأنه دعاك لمصلحتك أنت، دعاك ليعطيك شحنة إيمانية لوجودك في معية الله، فنداء الله أكبر يعني: تعال حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، تعالَ قابلني.
فالرب سبحانه هو الذي يدعوك للمقابلة، ويرحب بك في بيته وفي معيته ليصلحهم، فإذا لم يجيبوا كانوا آثمين مذنبين عاصين يستحقون العذاب، والحق سبحانه لا يستفيد من ذلك بشيء.
ولو عقدنا مقارنة بين لقاء الحق سبحانه ولقاء رئيس أو مسئول لكان الفرق واضحاً، فأنت الذي تطلب المقابلة، ولو أُتيحت لك حدّد لك الموعد وموضوع الحديث ومكان اللقاء ونهاية اللقاء، فأنت لا تملك من عناصره شيئاً.
أما لقاؤك بربك عز وجل فهو الذي يدعوك لحضرته لا مرة بل خمس مرات في اليوم والليلة، ويفتح لك الباب لأنْ تقول كل ما تريد، وتُنهِي اللقاء متى تحب.
وفي اللقاء يمنحك شحنة إيمانية تُعينك على أمر دينك ودنياك وتصلح ما فسد في نفسك أو خواطرك، وتغفر ما كان منك من صغائر الذنوب وتشرح صدرك ويطمئن بها قلبك.
وقد يسأل سائل: وكيف يحدث لي هذا كله؟
نقول: الله سبحانه غيب، فحين يصلحك يصلحك بغيبه، وحين يعطيك بغيبه من حيث لا تشعر ومن حيث لا تحتسب، لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قام في الصلاة.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن الصلاة:"أرحنا بها يا بلال" وعليك أن تقتدي به، فإذا ضاقت بك الأسباب، وإذا ألمَّ بك هَمّ أو غَمّ فاهرع إلى الصلاة.
وطبيعي أن تكون الاستجابة لأمره تعالى موقوتة بالحياة الدنيا فهي مجال العمل، لذلك قال مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي: يوم القيامة الذي لا يرده أحد، ولا يُؤخِّره عن وقته.
مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ أي: تلجئون إليه ويحميكم من العذاب وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ينكر عذابكم أو يعارضه ويستنكره.
قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُواْ.. [الشورى: ٤٨] أي: عن كل هذه المسائل وتركوك وانصرفوا عن المنهج الذي جئتهم به، ومنه قوله سبحانه: وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ [الإسراء: ٨٣] فإن انصرفوا عنك يا محمد فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ.. [الشورى: ٤٨].
هذه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان دائماً حريصاً على هداية القوم يحزنه إعراضهم وانصرافهم عن الهدى الذي جاء به، وقد كان يشق على نفسه في هذه المسألة حتى يكاد أن يهلكها، لذلك خاطبه ربه في أكثر من موضع يُسلِّيه ويُخفِّف عنه وينهاه أنْ يُحمِّل نفسه فوق طاقتها.
قال تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣] وقال في الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦].
وهنا يقول له: فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً.. [الشورى: ٤٨] يعني: مراقباً لهم مَنْ آمن وَمَنْ كفر، فمهمتك يا محمد هي مجرد البلاغ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ.. [الشورى: ٤٨] وليس لك أنْ تجبر أحداً على الإيمان.
ثم يُقرر الحق سبحانه حقيقة طبع عليها الإنسان وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا.. [الشورى: ٤٨] هذا أمر منطقي أنْ يفرح الإنسانُ بالرحمة وبالخير يُساق إليه، والفرح هنا بمعنى البطر، والإنسان هنا اسمُ جنس يفيد العموم.
وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ [الشورى: ٤٨] لاحظ أن الرحمة لم تُنسب إلى الإنسان لأنها ليستْ من عمل يده، إنما نُسبت إليه السيئة لأنها نتيجة سَعْيه وجني يديه.
إذن: لا تُنسب السيئة إلى الله لأنها بعملك أنت، فإنْ نسبَتها لله فقد كفرتَ به فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ [الشورى: ٤٨] كفور لنعمة الله عليه، ومن كفران النعمة أنْ تنسب الأسباب لغير المسبب.
وكفران النعمة وجحودها طَبْع في الإنسان إلا مَنْ رحم الله، فمثلاً يأتيك رجل يطرق بابك لتتوسط له في مصلحة فتقف إلى جواره وتساعده حتى يقضي مصلحته، الحقيقة أن الله هو الذي يقضي ويُيسِّر، وما أنت إلا سبب، وقد صادف تدخلك فيها وقت قضائها. يعني: كانت ستُقضى بدون واسطة.
إذن: شفاعتك لم تأتِ بالمصلحة للغير إنما صادفتْ القبول، العجيب بعد ذلك أنْ تجد الإنسان مُتغطرساً لا يعترف بالجميل لصاحبه وينسبها لنفسه: أنا عملتُ كذا وكنتُ على استعداد لكذا وكذا، لماذا؟ لأن الجميلَ إحسانٌ، والإحسانُ يجعلك ذليلاً لمن أحسن إليك.
أحسِنْ إلَى النّاسِ تستعبِد قُلُوبَهُم  فَطَالَما اسْتَعْبدَ الإنْسَانَ إحْسَانُ
فمَنْ ينكر الجميل يريد أنْ يتحرر من هذه الذِّلة، وما أشبه مُنكِر الجميل بقارون الذي قال: إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨] وقديماً قالوا: اتَّقِ شر مَنْ أحسنتَ إليه، لماذا؟ لأنك تُذكِّره بحال ضعفه وحاجته للمساعدة.
إذن: فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ [الشورى: ٤٨] أي: للنعمة يحب أنْ ينسبها لنفسه، وفي ذات الوقت يُبعد عنها الشر والسيئة، وكلاهما كُفرانٌ لنعمة الله.
والحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن نعمته يقول: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] أولاً: استخدام (إنْ) التي تفيد الشك، لأن نِعَم الله من الكثرة بحيث لا تُعَدّ، ولا يُقدِم أحد على عَدِّها لأنك لا تقبل على العَد إلا لشيء مظنة الإحصاء، فلا أحدَ يقول مثلاً: أعد حبَّات الرمال.
كذلك نِعَم الله فوق إمكان العَدِّ والإحصاء، ثم جاء بلفظ نِعْمَتَ [إبراهيم: ٣٤] بصيغة المفرد ولم يقل نِعَم، فالنعمة الواحدة لا تُعدُّ، فما بالك بالنِّعَم؟
وهذه الآية وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] جاءت بهذا اللفظ في موضعين من كتاب الله، واحدة خُتمتْ بقوله تعالى: إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] والأخرى بقوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١٨].
فاختلاف تذييل الآيتين له معنى، لأن أمر النعمة له عناصر، مُنعِم وهو الله عز وجل، ومُنعَم عليه وهو العبد، ثم النعمة وهي التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
فصفة المنعِم سبحانه أنه كريم يعطي عبده ويتفضَّل عليه حتى وإنْ جحد النعمة أو كفر بها، لذلك قال: إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١٨] والمنعَم عليه من صفته أنْ يجحد النعمة، وأنْ يكفرَ بها ظلماً وعدواناً، لذلك قال في الأخرى: إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤].
الحق سبحانه يتكلم هنا عن ملكيته تعالى للسماوات وللأرض كظرف للأشياء، وفي أول السورة تكلم عن ملكيته تعالى لما في السماوات وما في الأرض، فقال: لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ العَظِيمُ [الشورى: ٤].
إذن: لله تعالى مُلْك السماوات والأرض وما فيهما من شيء، وهذا الأسلوب
لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الشورى: ٤] و لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الشورى: ٤٩] يُسمى أسلوب قَصْر، حيث قدّم الجار والمجرور على المبتدأ لإفادة القصر، فالمعنى: لله وحده ما في السماوات وما في الأرض مقصور عليه، ولله وحده مُلْك السماوات والأرض، فالمِلكية هنا ليس لها شريكٌ ولا منازعٌ.
ومادة (م ل ك) تُنطق فيها الميم على وجوه ثلاثة: الفتح والضم والكسر، كلمة ملك بالكسر هو كل ما في حوزتك وتتصرَّف فيه، وبالضم وهو التصرّف في ملك مَنْ يملك، وهو المعروف في نظام المملكة، وبالفتح مثل قوله تعالى: مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا.. [طه: ٨٧] يعني: غصْباً عنا وبغير إرادتنا.
أما اللام في ملك فتأتي أيضاً بالكسر مِلك، وهو مَنْ يُملَّك في غيره في تصرفه وفي إرادته، وبالفتح ملَك وهو المخلوق الأعلى من الملائكة. ومِلاَك الأمر. يعني؛ جوهره وحقيقته.
وقوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الشورى: ٤٩] يعني: هو صاحبها وهو خالقها ومُبدعها، لأنك قد تملك ما لا تعمل.
يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ [الشورى: ٤٩] يعني: خلقه وفق إرادته ومشيئته هو، وله طلاقة القدرة في مسألة الخلق لا يعجزه فيها شيء ولا يستعصي عليه أمر.
لذلك يعطينا الدليل على ذلك من واقع حياتنا المشَاهد في المجتمع وكلنا يعرفه، اقرأ: يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً.. [الشورى: ٤٩-٥٠] أولاً لاحظ أن هذه المسألة هبة من الله الخالق سبحانه يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ [الشورى: ٤٩] يعني: ليستْ حقاً لأحد، وليست حقاً لكل مَنْ ملَك أسبابها، فقد تتوافر الحياة الزوجية ولا يأتي لها ثمرة إنجاب ويُبتلَى الزوجان بالعقم وهو أيضاً هبة من الله.
والذي يرضى بهذه الهبة ويؤمن أنها من الله يُعوِّضه الله ويرى من أولاد الآخرين من البر ما لا يراه الآباء، ويتمتع بهذا البر دون تعب ودون مشقة في تربية هؤلاء الأولاد، وفي واقع حياتنا قد يأتي الابن ويكون عاقاً لوالديه.
ثم تلاحظ أن الحق سبحانه قدّم الإناث على الذكور يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ [الشورى: ٤٩] لماذا؟ لأن الإناث كان النوعَ المبغوض غير المرغوب فيه في الجاهلية وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: ٥٨-٥٩].
ولم ينته الأمر عند حَدِّ الكراهية للبنات، بل تعدَّاه إلى قتلهن ووأدهن كما قال سبحانه: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨-٩] ذلك لأن البنت ضعيفة لا تَقْوى على العمل ولا تشارك قومها في حروبهم المستمرة، وهي عِرْض ينبغي المحافظة عليه.
فلما جاء الإسلام غيَّر هذه الصورة تماماً، ورفع من شأن الأنثى، وجعل النساء شقائق الرجال؛ لذلك قدَّم هنا الإناث على الذكور يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ [الشورى: ٤٩] ورقَّق قلوب هؤلاء الغلاظ نحو الأنثى، وحبَّبهم فيها وعلّمهم أنها وعاؤكم الذي خرجتم منه، فهي صاحبة فضل على كل ذكَر.
علَّمهم أن الأنثى لا يستقيم أمرها في مجتمعها إلا حين تُرْعى ويحافظ عليها ويهتم بها وليُّها؛ لأن كراهية الأنثى تحملها على الاعوجاج وتُرغمها على التخلِّي عن دورها، فالبنت حين يحبها أهلها ويكرمونها ويحنُّون عليها تتعود على الكرامة وعزة النفس ولا تقبل الإهانة من أحد، لأنها شبَّت على أنها غالية عند أهلها عزيزة لديهم، فلا يجرؤ أحد على التعدِّي عليها ولو بكلمة.
على خلاف البنت التي هانت على أهلها، وشبَّت بينهم على مشاعر الكراهية والاحتقار، فنراها تهون على نفسها، ونراها رخيصة تفرط في كرامتها وتستميلها ولو بكلمة.
ثم يُرقِّى الحق سبحانه عطاءه للعبد، فيقول أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً.. يعني: يزاوج بين النوعين، فيهب لك الذكور ويهب لك الإناث.
وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً يعني: يحرم هذه الهبة لحكمة أرادها الله.
وحتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يتعالى أحد على أحد يُعلِّمنا ربنا عز وجل أن مسألة الإنجاب هذه أو عدم الإنجاب لا تؤثر على منازل العباد عند الله تعالى، فحين أهَب الذكور أو الإناث أو أزواج بينهما لا يعني هذا رضاي عن عبدي، وحين أحرمه لا يعني هذا سخطي على عبدي، إنما هي سنتي في خَلْقي أنْ أهبَ الذكور وأنْ أهبَ الإناث، وأنْ أجعل مَنْ أشاء عقيماً.
لذلك تجدون هذه السُّنة نافذة حتى في الرسل الذين هم أكرم الخَلْق على الله، فسيدنا لوط وسيدنا شعيب وهبهما اللهُ الإناثَ، وسيدنا إبراهيم وهبه الله الذكور، وسيدنا محمد وهبه الله الذكور والإناث، فكان له عبد الله والقاسم وإبراهيم وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.
إذن: لكم في رسول الله أسْوة حسنة. والذين يستقبلون أقدار الله في هذه المسألة بالرضا، ويرتفع عندهم مقام الإيمان والتسليم، ويؤمنون أن هذه هبة من الله حتى العقم يعتبرونه هبة، هؤلاء يُعوِّضهم الله، فحين ترضى مثلاً بالبنات وتُربِّيهن أحسن تربية، وتُحسن إليهنَّ يجعل الله لك من أزواجهن مَنْ يُعوِّضك عن الولد، وربما كانوا أبرَّ بك من الأبناء بآبائهم.
وتختتم الآية بقوله تعالى: إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ والعليم يهب على قَدْر علمه بالأمور، وبما يصلح عبده وما لا يُصلحه، فهو وحده سبحانه الذي يعلم أن هذا يصلح هنا، وهذا يصلح هنا، ثم هو سبحانه قَدِيرٌ له القدرة المطلقة في مسألة الخَلْق، لا يعجزه شيء ولا تقيده الأسباب.
نعم. هذه وسائل ثلاث لا بدَّ من وجود واحدة منها ليتمَّ اتصال الحق سبحانه بالبشر، ذلك لأن للبشر طبيعة تكوينية لا تَقوَى على مباشرة الأعلى سبحانه، فلله صفات الجلال والكمال المطلق، ولا يمكن أنْ يلتقي الأعلى بالأدنى دون وسائط، منها الإلهام مثل الزبور الذي نزل على سيدنا داود، فلم ينزل عليه بوحي من الله بواسطة رسول كما نزل القرآن، إنما جاء إلهاماً قذفه الله في روع سيدنا داود.
يقول تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ.. [الشورى: ٥١] كما كلم سيدنا موسى أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً.. [الشورى: ٥١] يعني: يرسله بالوحي، والرسول هنا من الملائكة، كما أرسل الله جبريل بالقرآن، وإنْ نزل في صورة بشر ليكون أقربَ إليهم وآنسَ لهم.
فقوله: إِلاَّ وَحْياً.. [الشورى: ٥١] أي: إلهاماً يقذفه الله في قلب مَنْ يشاء، فإنْ قلتَ: فكيف نعرف الإلهام من وسوسة الشيطان؟ قالوا: الإلهام من الله لا يناقضه مخالفة، بل يدخل عليك مُسلَّمة لا جدالَ فيها، وقلنا: إن وارد الرحمن لا يزاحمه وارد الشيطان أبداً.
ومثَّلنا لذلك بقوله تعالى في قصة سيدنا موسى وأمه: وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [القصص: ٧].
هذا وحي من الله بطريق الإلهام، لذلك لم تناقشه أم موسى ولم تجادل فيه، بل أقبلتْ على تنفيذه راضية مطمئنة، وإلاَّ فأيُّ قياس عقلي يقول للأم، إذا خِفْتِ على ولدك فألقيه في اليمِّ.
ونذكر هنا وقفة للمستشرقين حاولوا فيها أنْ يجدوا على القرآن مأخذاً، فقالوا بتكرارها، لأن الحق سبحانه قال في موضع آخر: إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ [طه: ٣٨-٣٩].
والمتأمل في الموضعين يجد الآية الأولى كانت تمهيداً للحدث بدليل فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ.. [القصص: ٧] فإذا للمستقبل، أما قوله تعالى: أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ.. [طه: ٣٩] فكان وقت التنفيذ.
وقوله: أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ.. [الشورى: ٥١] قلنا: كما كلَّم الله سيدنا موسى عليه السلام أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ.. [الشورى: ٥١] الوحي هنا ليس إلهاماً كالأول، إنما وحي مباشر بواسطة رسول من الملائكة، كما حدث في نزول القرآن الكريم على قلب سيدنا رسول الله بواسطة أمين الوحي جبريل، وكان يأتي رسول الله مباشرة ويعطيه ما شاء الله من القرآن.
إلا أن الله تعالى أراد أنْ يُثبِّت هذه المسألة عندهم، فمرة يأتيهم جبريل في صورة رجل حسن المنظر لا يُرى عليه أثر السفر، كما ورد في الحديث، ويسأل رسول الله ويُصدِّقه ليتعلَّم الناسُ منه أمور الدين، فلما انصرف قال سيدنا رسول اللهوهذه المسألة نرد بها على الذين طلبوا أنْ يكونَ الرسولُ من الملائكة، لأن الرسول لو جاء مَلَكاً لجاءهم في صورة رجل ليتمكنوا من التلقِّي منه، ثم إن الرسول أسْوة وقدوة وسلوك، والقدوة لا تتم بالملائكة لأنه إنْ قال لي افعل كذا وكذا لي أن أقول له لا أقدر على ذلك، فأنت مَلَك وأنا بشر لي قدرة محدودة.
إذن: نقول إن القرآن لم يأْت إلهاماً ولا نَفْثاً في الرَِّوع، ولم يأتِ من وراء حجاب، إنما جاء بالوحي المباشر بواسطة الملَك، وقد رأى سيدنا رسول الله جبريل على صورته الحقيقية وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] ومسألة الوحي والتلقي عن الحق سبحانه تقوم كلها على الاصطفاء ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ [الحج: ٧٥].
فليستْ كل الملائكة تتلقَّى عن الله، بل مَنْ اصطفاه الله لذلك، ثم يصطفي من الناس رسلاً تتلقَّى عن الملَك، فالمصطفى من الملائكة ومعه المصطفى من البشر يُمكنهما التلقّي عن الله، وتذكرون أننا مثَّلنا لذلك بـ (الترانس) أي المحول الذي يعطي الجهاز الكهرباء على قدْر حاجته وإمكانياته، ولو ارتفع التيارُ لاحترق الجهاز، كذلك البشر لا يمكن أنْ يتلقوا عن الله مباشرة.
لذلك خُتِمتْ الآيةُ بقوله سبحانه: إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١] يعني: أعلى من أن يخاطب البشر مباشرة، فالله أعلى من ذلك حَكِيمٌ [الشورى: ٥١] في اختياره فيمن يصطفيه للتلقِّي عنه سبحانه.
قوله تعالى: وَكَذَلِكَ.. [الشورى: ٥٢] إشارة إلى ما سبق بيانه في الآية السابقة من وسائل الوحي الثلاثة وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ [الشورى: ٥٢] يا محمد رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢] الروح هنا: هو جبريل عليه السلام أمين الوحي فسمَّى الله جبريل روحاً كما سمى القرآن نفسه روحاً، فشبَّهه بالروح التي يلقيها الحق سبحانه في الإنسان فتدبّ فيه الحياة والحركة بعد أنْ كان قطعة لحم لا حِرَاكَ فيها ولا حياة.
تعرفون أن الإنسان خلقه اللهُ من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، وحين يتكوَّن الجنين في بطن أمه يرسل الله له مَلكاً ينفخ فيه من روحه تعالى بعد ١٢٠ يوماً من حمله، فتسري فيه الحياة، وتعمل الجوارح، وتتحرك الأعضاء.
فكما كانت الروحُ حياةً للأبدان كان القرآنُ حياةً للقلوب وللقيم، من هنا سمَّى الله جبريلَ روحاً، وسمَّى القرآن روحاً، ومن ذلك قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. [الأنفال: ٢٤].
فالحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء حياةَ البدن والمادة، إذن: الحياة هنا حياة الروح، والقلب، حياة القيم والمبادئ؛ لأن الحق سبحانه ما كان ليعطي عبده روحاً تُحرِّك مادته وتُسيِّر جوارحه، ثم يترك قيامه بدون منهج وبدون قيم وبدون أخلاق.
ومن كرامة الإنسان على الله تعالى أن يمنحه هذه الروح التي يحيا بها قلبه وقيمه وأخلاقه؛ لأن حياة البدن والمادة حياة موقوتة فانية تفنى بفناء البدن.
أما حياة القيم والمنهج فحياة باقية دائمة تصل حياتك في الدنيا بحياتك في الآخرة، وهذه هي الحياة المقصودة في قوله سبحانه وتعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. [الأنفال: ٢٤].
وقوله تعالى: مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ.. [الشورى: ٥٢] أي: لا تعرف شيئاً عن القرآن أو لا تعرف الكتابة، ولا تعرف الإيمان يعني الشرائع التفصيلية، وقلنا: إن الأمية شرف في حق رسول الله، وشرف في حَقِّ أمته، فالأمية مذمومة إلا في رسول الله وفي أمة رسول الله.
ولو كان محمداً متعلماً يقرأ ويكتب لقالوا إنه جاء بالقرآن من عند نفسه، ولو كانت أمته أمةَ تعليم وحضارة لَقالُوا عن الإسلام قفزة حضارية يريدون أنْ يسودوا بها العالم.
فمن عظمة محمد أنْ يقول له ربه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] ويُرْوى أنا الخليفة المأمون قال لرجل يريد الذم: أنت أمي، فقال الرجل: إن رسول الله أمي، فقال له المأمون: الأمية في رسول الله شرف، وفيك تلف.
لذلك أمر الحق سبحانه نبيه في موضع آخر أنْ يقول: قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦].
نعم أين عقولكم، فلقد لبث محمد بين أظهركم عمراً قبل الرسالة، وأنتم أدْرَى الناس به، وتعلمون أنه أُمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم تَرَوْهُ من قَبْلَ خطيباً ولا شاعراً، لذلك كان من غبائهم وعنادهم أن اتهموا رسول الله أنه يختلف إلى رجل أعجمي يعلمه القرآن، فكشف القرآن زيفهم وقال: لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣].
إذن: ما نزل على محمد شيء جديد ليس من صنع بشر مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا.. [الشورى: ٥٢] كلمة جَعَلْنَاهُ.. [الشورى: ٥٢] أي: القرآن نُوراً.. [الشورى: ٥٢] ضياءً يزيح ظلام الجهل والكفر، وهذا النور هو الذي يهدي مَنْ يشاء الله له الهداية فيسير في الأرض على هدى وعلى بصيرة بحيث لا يصدم بشيء.
والتصادم يعني الخسارة والهلاك فإنِ اصطدمتَ بما هو أقوى منك حطَّمك، وإنِ اصطدمتَ بما هو أضعف منك حطمته، لذلك قلنا: إننا في واقع حياتنا لا بدّ أنْ نحتفظ بشيء من الضوء، حتى حال النوم نترك (ونَّاسة) خافتة لنهتدي بها في ظلمة الليل حتى لا نتخبط إذا قُمْنا بالليل.
ومن نور المادة نرتقي إلى نور الروح والقلب، وإلى المنهج الذي يُنير حياتنا المعنوية، هذا النور الذي قال الله عنه: وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ [النور: ٤٠].
قلنا: والإنسان ينير مجال حركته في الحياة على قدره، فواحد يُنوِّر حياته بشمعة، وآخر بلمبة جاز، وآخر بالكهرباء وهكذا، لكن إذا سطعتْ الشمس غطى نورها على كل الأنوار كأنها تقول لنا: أطفئوا أنواركم فقد جاءكم نور الله، وحين نرتقي من النور المادي إلى النور القيمي نقول: إذا جاءكم نور المنهج من الله فأوقفوا كل مناهجكم.
وإذا جاءكم الحكم من الله فأوقفوا كلَّ أحكامكم وكل آرائكم ومقترحاتكم، ففي شرع الله ما يغنيكم عن كلِّ هذا، فكما أنك لا تحتاج إلى ضوء مصباحك أثناء النهار، كذلك لا تحتاج إلى أيِّ منهج آخر مع منهج الحق سبحانه فاستغنوا به عن غيره.
فإذا ما قارنت نور الله بنور البشر ظهر لك الفرقُ واضحاً، في النور المادي والمعنوي، فأنت تأتي بالشمعة مثلاً وتضع فيها فتيلاً، وتأتي بالكبريت لتشعلها، ومع ذلك لو هبَّت عليها ريح تُطفئها، واللمبة الكهرباء تحتاج إلى أدوات لصناعتها وإلى (ترانس) ينظم الكهرباء وخلافه وبعد شهر تحتاج غياراً، ولو زاد عليها التيار تحترق وهكذا.
أما الشمس فتضيء العالم كله، لا تحتاج منك إلى مزاولة شيء ولا إلى قطعة غيار ولا صيانة، ثم إن ضوءك يعمر بقدر عمرك، أما ضوء الشمس فباقٍ دائم دوامَ الكون وبقاء الدنيا من قبل آدم وإلى قيام الساعة.
كذلك الفرق واضح في النور المعنوي، فأنتم تروْنَ مناهج البشر وقوانينهم لا تخلو من أخطاء ومن سلبيات، فإنْ ناسبتْ جماعة تعارضتْ مع جماعة أخرى، لذلك نراهم يلجأون إلى تغيير هذه القوانين من حين لآخر، فهي مناهج قاصرة قصور البشر.
أما مناهج السماء فهي كاملة خالية من الأخطاء تراعي كل الظروف، وتصلح لكل زمان ولكل مكان، لأنها جاءتْ من الله العليم بحال خَلْقه، الخبير بما يُصلحهم، وبما يقيم حياتهم.
إذن: الحق سبحانه مَا كان ليمنحنا النور المادي ويحرمنا النور المعنوي لأنه أهمُّ وأقوى في حياتنا من النور المادي، ألاَ ترى أن الأعْمى يستطيع أنْ يتحسَّس طريقه، ويستطيع أنْ يأتي بمَنْ يقوده ويُوصِّله إلى غايته.
أما مَنْ فقد النور المعنوي فتراه يتخبط في متاهات الحياة دون هدى، وينتهي به الحال لا محالة إلى الضياع، ثم إن نور المادة مرتبط بها ويفنى بفنائها، أما نور القيم فبَاقٍ ممتدّ من الدنيا إلى الآخرة، وهو أصل الخلافة في الأرض.
لذلك الحق سبحانه يشرح لنا هذه المسألة في سورة النور، فيقول سبحانه: نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ [النور: ٣٥].
فمعنى نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ [النور: ٣٥] يعني: نور الهداية والقيم على نور المادة لتسير في دنياك على هدى وعلى بصيرة، وتسلم من الانحراف والضلال في الدنيا، ثم يُوصِّلك هذا النور إلى سلامة الآخرة والفوز فيها، وهذا مثل وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [النور: ٣٥] ليوضح لهم ما خَفِي عليهم، فالنور المادي دليل على المعنوي، والمؤمن يرتقي من النور المادي إلى النور المعنوي.
ثم يُبيِّن لنا الحق سبحانه مصدر هذا النور في الآية التي بعدها: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ [النور: ٣٦] يعني: يا مَنْ أردتَ هذا النور المعنوي فالتمسْه في بيوت الله فهي مصدر إشعاعه، التمسْه في الصلاة وفي ذكر الله وفي تنفيذ المنهج الذي جاءك من الله.
فالقرآن إذن نور عام حين نُوظِّفه يعطينا نوراً آخر هو نور الطاعات والعبادات، وأسْمَى مصدر لهذا النور هو المسجد.
لذلك العلماء لمَّا بحثوا في متعلق الجار والمجرور في فِي بُيُوتٍ.. [النور: ٣٦] قالوا هذا مُتعلِّق بقوله نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ [النور: ٣٥] كأنك تقول: نور على نور في بُيوت أذن الله أن تُرفع وهي المساجد. وهذه البيوت متصل فيها تسبيح الصباح بتسبيح المساء، وعُمَّار هذه المساجد يُوصفون بأنهم رِجَالٌ [النور: ٣٧] نعم ومَنِ الرجال إذا لم يكن هؤلاء؟
إذن: الحق سبحانه يعطينا النور المعنوي المتمثل في منهجه تعالى بافعل ولا تفعل، وبهذا المنهج تستقيم بالبشر أمور الحياة، لكن سرعان ما يحدث منهم غفلة أو نسيان أو انفلات من هذا المنهج فيقعون في المعصية، وتطرأ عليهم أقضية جديدة ومشاكل بقدر انفلاتهم وما يُحدثون من الفجور ومخالفة المنهج.
لذلك رأينا الرسل جاء الواحد بعد الآخر بمناهج مُترقِّية، كل منهج منها يناسب القوم ويُصلح العلل الموجودة في هذا الوقت، مع أن هذه الشرائع اتحدتْ جميعها في أمور العقائد والأخلاق، وفي ثوابت الدين مثل الصلاة والزكاة، ثم بعد ذلك يأتي الرسول بأحكام خاصة تناسب حال قومه وتعالج أدواءهم.
والمتأمل في موكب الرسالات يجد الرسالات يجد أنها تتطور يتطوُّر حركة الحياة وما يستجد في حياة الناس من أقضية، نحن مثلاً في الريف نجعل بين الحقول سكة ضيقة تسع مثلاً مرور شخص واحد، أو حماراً محملاً ويُسمُّونها، (مدقّ) غرضه أنْ نصل من خلاله إلى حقولنا لكن إنْ أردنا طريقاً بين قريتين نُوسعه بعض الشيء ليسع سيارة مثلاً، فإن كان بين مدينتين كان أوسع.
وهكذا رأينا تطوراً كبيراً في إنشاء الطرق تطوراً يناسب حركة الحياة التي تطورتْ، انظر مثلاً طريق مصر الإسكندرية الصحراوي تجده طريقاً متسعاً واسعاً ليسع حركة المرور عليه، وهو اتجاهان ذهاب وإياب، به استراحات فيها كل ما تحتاجه لأنه طريق طويل.
الحق سبحانه حدَّثنا عن هذه المسألة فقال: ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً.. [طه: ٥٣] وسيدنا عمر لما أرادوا أن يُخططوا مدينة البصرة قال لهم: اجعلوا الطريق متسعاً لجملين محملين متقابلين، وهذا هو ما نفعله في العصر الحديث.
وفي سورة سبأ قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ [سبأ: ١٨].
القرى الظاهرة هي المحطات في الطريق الطويل والاستراحات التي تجد فيها حاجتك وترتاح فيها، فالطريق الطويل لا بدَّ أنْ يُقسَّم إلى مراحل ليكون السفر مريحاً غير شاق، وكلما ارتقتْ حركة الحياة ترتقي معها هذه الوسائل، حتى أننا نرى في بعض الاستراحات أماكن للراحة وللنوم.
لذلك الحق سبحانه يحكي عن الذين تعدَّوْا وظلموا أنفسهم من الأعيان وأصحاب المراكب الفارهة حتى قالوا: رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا.. [سبأ: ١٩] لماذا مع أن السفر وبُعْد السفر مشقة؟ قالوا: لأنهم أصحاب غِنى ومراكب لا تتوافر لغيرهم، فأرادوا بذلك ألاَّ يقدر على السفر غيرهم، ولا يسلُك هذه الطريق للتجارة إلا الأغنياء.
هذا مثل للارتقاء أيضاً في التشريع، فكلما جَدَّ جديد وكلما وجد أقضية جديدة ارتقى التشريعُ من رسول لآخر ليعالج هذه الأقضية، إلى أنْ جاء التشريع الخاتم الصالح لكل زمان ومكان، والذي قال الله عنه: ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً.. [المائدة: ٣].
وقوله تعالى: وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] الكلام هنا عن القرآن، جعله الله نوراً يهدي الله به مَنْ يشاء من عباده، فأثبت أن الهداية لله بهذا النور المنزَّل في الكتاب المحكم.
ثم أثبت أيضاً الهداية لرسول الله وفوَّضه في أنْ يُشرِّع للناس بدليل قوله تعالى: وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ.. [الحشر: ٧].
فهداية الحق سبحانه في الأصول والثوابت وهي ما ورد في آيات الذكر الحكيم، ثم هداية الرسول في الفروع، وفي بيان هذه الأصول وشرحها، فإنْ جَدَّ في حياتكم جديد، وطرأ عليها من المسائل ما لم يأت بشأنه نَصٌّ، لا من الكتاب ولا من السنة فأجمعوا أمركم وليكون الرأي شورى بينكم، ولا تقضوا في هذه المسائل برأي الفرد، إنما برأي الجماعة.
لذلك ورد في الحديث: وما أجمل ما قاله شوقيرحمه الله :
رَأْيُ الجَمَاعَةِ لاَ تَشْقَى البلادُ بِهِ  رَغْم الخِلاَف ورَأْيُ الفَرْدِ يُشْقِيها
لذلك جعلوا الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي.
فهذه الآية أثبتت الهداية لله تعالى بالقرآن وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا.. [الشورى: ٥٢] وهذه خاصة بالأصول وثوابت الدين التي ورد بها نص في كتاب الله.
ثم أثبتت هداية أيضاً لرسول الله في الفروع، وفي توضيح ما أُجْمِلَ في كتاب الله وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] وأعطتْ سيدنا رسول الله الحق وفوّضته في التشريع للناس، لذلك كانت سنته صلى الله عليه وسلم هي المصدر الثاني للتشريع.
وقلنا: إن هداية الحق سبحانه للعبد هدايةُ بيان وإرشاد ودلالة، فإنْ أطاع استحقَّ هداية التوفيق والمعونة وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] وهداية رسول الله هداية إرشاد وبيان فقط، وقد أوضحنا هذه المسألة.
قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] أي: ترشد وتدل، والصراط المستقيم هو الطريق السَّوي المستقيم الذي يُوصِّلك إلى غايتك في أسرع وقت وبأقل مجهود ودون عناء، لأن الطريق كلما اعوج ازداد زمنه ومشقته، ثم إن هذا الطريق صراط يعني محدد مثل الشعرة، وهذا يعني أنك لا بدّ أنْ تسير عليه بانضباط، لا تنحرف عنه يميناً ولا شمالاً، لذلك قال في موضع آخر سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ [الممتحنة: ١] يعني: وسطه.
والمراد بالصراط المستقيم المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله، هذا المنهج الذي يصحبك في الدنيا لتستقيم به أمور حياتك، ثم يعطيك الجزاء في الآخرة، لذلك الحق سبحانه علّمنا أنْ ندعو ونقول: ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.. [الفاتحة: ٦-٧].

ثم يوضح الحق سبحانه طبيعة هذا الصراط:

صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي... .
ثم يوضح الحق سبحانه طبيعة هذا الصراط: صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي....
قوله تعالى: صِرَاطِ اللَّهِ.. أضاف الصراط إليه سبحانه، فهو صاحبه وواضعه ليس من إنشائكم. يعني: لا دَخْلَ للعبد فيه، وطالما أنه من الله فينبغي عليكم اتباعه والحذر من الانحراف عنه.
ثم يصف الحق سبحانه نفسه بهذه الصفة الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. يعني: صاحب هذا الصراط له ملْك ما في السماوات وما في الأرض، يعني في الدنيا، ثم تصير الأمور إليه وحده في الآخرة.
أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ وهذا أسلوب قصر يعني: إلى الله وحده لا إلى أحد غيره.
إذن: هذا الصراط وهذا المنهج وضعه لكم الذي يملك الدنيا ويملك الآخرة، فمَنْ سار على منهجه في الدنيا لم يُحرم الجزاء في الآخرة.
فالدنيا كلها (من) بداية صائرة إلى غاية هي الآخرة، والغاية هذه إلى الله وحده، فما بين (من) و (إلى) أحسنوا أموركم فيها لأنكم صائرون منها إلى الله، وتذكّروا أن دار العمل موقوتة، وأن دار الجزاء خالدة باقية، هذه دار شَقاء وعَنَت، وهذه دار نعيم، فيها ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، ومَنْ يخطب الحسناء يُغلها المهر.
وتأمل كيف خُتِمتْ هذه السورة بقوله تعالى: أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ (ألاَ) أداة تنبيه، والتنبيه لا يكون إلا لأمر مهم ينبغي الاهتمام به ولا نغفل عنه، قلنا: لأن المتكلم هو الذي يعي كلامه ووقته ولا يغفل عنه، أما المخاطب فقد يغفل عما يُقال فيحتاج إلى تنبيه في الأمور المهمة.
هذا الأمر المهم ما هو؟ هو أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ هذه برقية موجزة في ختام السورة في طياتها كلام كثير، حتى في البشر حينما يوصي الإنسان أولاده مثلاً قبل موته لا يُوصيهم بكل تفاصيل حركة الحياة، إنما بالأمور المهمة.
فقوله سبحانه: أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ يعني: تنبهوا أنّ المسألة كلها من الله وإلى الله، من الله منهج، وإلى الله مرجع ومصير.
فانظر في حركتك واجعلها موافقة لهذا المنهج، واعلم أنك راجع إليه، وأمرك صائر إليه وحده، لأنه سبحانه لم يخلقنا عبثاً، ولن يتركنا سُدى. هذه حقيقة ينبغي ألاَّ تغيب أبداً عن عقولنا.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

53 مقطع من التفسير