تفسير سورة سورة إبراهيم

إبراهيم القطان

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تيسير التفسير

إبراهيم القطان (ت 1404 هـ)

﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد﴾.
ألف. لام. را. لقد أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب المؤلف من جنس هذه الأحرف لتخرجَ به البشريةَ من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وذلك بإذن الله وتوفيقه ولطفه بهم، وتقودهم الى الطريق الى الله.
﴿الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
إن العزيزَ الحميد هو الله، مالكُ ما في السموات وما في الأرض، الغنيُّ عن الناس، والمسيطر على الكون وما فيه، والويل والعذاب للكافرين يوم القيامة لأنهم لم يستجيبوا لدعوة الرسول الكريم.
ثم وصف الله أولئك الكافرين بصفات ثلاث.
الأولى: ﴿الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة﴾.
يختارون الحياة الدنيا ومتعها ولذّاتِها دون ان يعملوا لآخرتهم شيئا.
والثانية: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ يمنعونِ الناس عن شريعة الله.
والثالث: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ ويردون ان تكون الشريعة معوجّة لا استقامة فيها لينفّروا الناس منها.
﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ أولئك الموصوفون بهذه الصفات قد ضلّوا عن الحق، وبعُدوا عن الطريق المستقيم.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر: «الله» بالرفع، والباقون «الله» بالجر كما هو في المصحف.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الحكيم﴾.
وفي ذلك نعمةٌ من الله وإحسانٌ إلى عباده، فهو يرسل كل رسول الى قومه بلسانهم الذي يفهمونه، وليس على الرسول هدايتُهم، فالله تعالى يضلّ من يشاء لعدم استعداه، ويهدي من يشاء لحسن استداده، وهو العزيز الحكيم، فلا يهدي ولا يُضل إلا لحكمة.
أيام الله: وقائعه في الأمم السابقة. يسومونكم: يذيقونكم أشد العذاب. ويستحيون: يبقون نساءكم أحياء والاسترقاق. تأذَّن: أعلم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
يذكُر الله تعإلى هنا بعضَ قَصصَ الأنبياء، وما لا قوه من أقوامهم من الأذى والتمرَد والعناد تسليةً للرسول الكريم والمؤمنين، وأنّ المقصودَ من إرسالِ الرسُل هو هدايةُ الناس وإخراجهم من الظُلمات والضلال إلى النور والإيمان.
ولقد أرسلْنا موسى مؤيَّداً بمعجزاتنا، وقلنا له: يا موسى، أخرج قومك من ظلمات الكفر والجهل الى نور العلم والإيمان، وذكّرهم بوقائع الله في الأمم السابقة، ان في لك التنبيه والتذكير دلائل عظيمةً على وحدانية الله، تدعو كلَّ من تحلَّى بالصبر والشكر الى الايمان.
﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
واذكر أيها النبي لقومك لعلّهم يعتبرون: اذكر ما قاله موسى لقومه يذكّرهم بنعمة الله عليهم يوم أنجاهم من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون. فقد كان هؤلاء يذبحون الذكور من أولادهم حتى لايتكاثروا، ويُبقون الإناث أحياء للخدمة والاسترقاق... وفي ذلك كله ابتلاء واختبار شديد.
ويمضي موسى يبين لقومه ما رتّبه الله جزاءً على الشكر والكفران:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
واذكروا يا بني إسرائيلَ حين أَعلمَكم ربُّكم أن الشكر على ما أنعمَ يجلبُ زيادةَ الخير، وأن جحود النعمة يوجبُ العذابَ الشديد.
﴿وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
ان الله تعالى غنيُّ بذاتِه محمودٌ بذاته لا بحمدِ الناس وشكرهم، وإذا كفر جميعُ أهل الأرض فلن يضروا الله شيئا، انه غني حميد.
ردوا أيديهم في أفواهم: جعلوا أيديهم على أفواههم من التعجب او الغيظ. وهذا تفعله العرب. مريب: مقلق. سلطان: حجة.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
ويستمر موسى في بيانه وتذكيره لقومه فيقول: ألم يصِلْكم خبرُ الأقوام الماضين من قبلِكم مثل قوم نوح وعاد وثمود، والأمم الذين جاءوا من بعدِهم، أمم كثيرة لا يعلمها إلا الله، وقد جاءتهم رسُلهم بالحجج الظاهرة والمعجزات فوضعوا أيديَهم على أفواهِهم استغراباً واستنكارا وقالوا للرسل: إنّا كفرنا بما جئتم به من أديان جديدة، وأنا لَنَشُكُّ في كل ما تدعوننا إليه من الإيمان والتوحيد.
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ السماوات والأرض﴾.
قالت لهم رسُلهم: أفي وجودِ الله شك! إنه خالقُ السماوات والأرض على غير مثال، وهو ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم بعضَ ذنوبكم، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ويؤخركم الى وقت محدَّد معلوم لديه.
فردّ أولئك المنكِرون الجاحدون على الرسل بتعنّت:
﴿قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آباؤنا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾.
كيف نصدِّقكم وأنتم بشر مثلنا لا فضلَ لكنم علينا، وتريدون ان تمنعونا من عبادِة الآلهة التي كان آباؤُنا يعبدونها!؟ إن كنتم صادقين في دعواكم فأْتونا بدليلٍ ظاهر واضح.
﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾.
فكان جوابُ رسُلهم: نعم إننا بشر مثلكم، ولكن الله يصطفي من يشاءُ من عباده فيخصّهم بالنبوةَ والرسالة، ولي في قُدْرَتِنا أن نأتيَكم بآيةٍ معجزة أو حُجّةٍ إلا بتَيسيرِ الله ومشيئته.
﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ على مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾.
لقد أجابهم الأنبياءُ على أقوالهم وما فيها من عناد بأن قولوا: إنا قد أبلَغْناكم رسالتَنا، ونحن لا نخاف في سبيلها أحدا، بل نتوكّل على الله، وأيُّ عذرٍ لنا في تركِ التوكل عليه! لقد هدانا إلى الحق، وأنارَ لنا سبلَ الخير، وسنصبرُ على أذاكم.
ثم ختموا كلامهم بمدح التوكل وبيان ان إيذاءهم لا يثنيهم عن تبليغ رسالة ربهم فقالوا: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾.
الملة: الدين والشريعة. استفتحوا: طلبوا النصر. كل جبار عنيدك كل عال متكبر معاند. ماء صديد: ماء قبيح الطعم في جهنم. لا يكاد يسيغه: لا يستطيع ان يبلعه. عذاب غليظ: شديد.
بعد ان ذكر اللهُ ما دار من الحوار والجَدَل بين الرسُل وأَقوامهم، وبيّن الحججَ المقْنعة التي جاء بها الرسل الكرام، ولم يستطع الذين كفروا ان يردّوا عليها- لم يجودا وسيلةً إلا استعمال القوّة مع أنبيائهم، وتلك حجة المغلوب، فخيّروا رسُلَهم بين أمرين: الخرود من الديار، أو العودة إلى ملّة الآباء والأجداد. فأوحى الله تعالى الى أنبيائه أن العاقبة لهم.
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين﴾.
وقال الطغاة من زعماء الكافرين لما أعْيَتْهُم الحيلةُ، وعجزوا عن مقاومة الدليل.. قالوا لرسلهم: لكم احد امرين، إما ان نُخرجَكم من أرضِنا، أو أن تعودوا إلى عبادةِ الأوثان، ديننا القائم، فأوحى الله الى رسُله مثبتا لهمك لا تخافوا، سنُهلك الظالمين.
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
إننا سنجعلكم تسكنون ارضهم بعد إهلاكهم... هكذا أفعل بمن خاف موقفه بني يديّ يوم القيامة، وخاف وعيد فاتّقاني بطاعتي، فلم يفسد في الأرض، ولم يظلم الناس.
ووقف الطغاة المتجبّرون، ووقف الرسُل المتواضِعون ومعهم قوة الله، ودعا كلاهما بالنصر والفتح، وكانت العاقبة للرسُل.
﴿واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
وطلب الرسُلُ على أقوامهم من الله لما يئسوا من إيمانهم، وطلبت تلك الأقوامُ النصر لنفسِها، فنصر اللهُ رسلضه، وخسِر كلُّ جبار متكبر عنيد.
﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾.
إن جهنم لذلك الجبَّار الخاسر بالمرصاد، سيصلاها يوم القيامة وشرابُه فيها ماء كريه.
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.
إنها صورةٌ مرعبة وخيبة أمل لهؤلاء الكفار المعاندين، يتجرّعون ذلك الماء الكريه فلا يكادون يستسيغونه لقذراته، وتحيط بهم أسبابُ الموت من كل جهة، وما هم بميتين في جهنم، ولهم عذابٌ مؤلم شديد.
برزوا: ظهروا جميعا يوم القيامة. تبع: جمع تابع. مغنون عنا: دافعون عنا. محيص: مهرب.
﴿مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾.
مثلُ أعمالِ الكافرين التي كانوا يعملونها في الدّنيا كَمثَلِ رمادٍ حملتْهُ الريحُ في يومٍ عاصف وأسرعت بالذهابِ به فلم يبقَ له أثر، وهم لا يستفيدون شيئاً يوم القيامة مما عملوا في الدنيا.
﴿ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾.
ومثل هذا السعي والعملِ على غير أساسٍ ولا استقامة، هو الضلالُ البعيد عن الحق.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض بالحق إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
ألم تعلم أيها الرسول أن الله خلقَ السمواتِ والأرضَ لتقومَ على الحقّ بمقتضى حكمته، ومن قَدَرَ على هذا العمل العظيم لهو قادرٌ على إهلاك الكافرين، والإتيان بخلقٍ جديد غيرهم.
﴿وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾.
وليس بممتنعٍ على الله ولا متعذِّرٍ ان يستخْلِفَ قوماً مكان قوم من قريشٍ او غيرهم من المعاندين الجاحدين.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «خالق السماوات والأرض» والباقون «خلق» كما هو في المصحف.
﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾.
هذه صورة حيّة لموقف هؤلاء المجرمين وأتباعهم والحوارِ بينهم، فحين يقفون جميعاً بين يدي الله يوم القيامة، يقول الضعفاءُ التابعون للزعماءِ المستكبرين: لقد كُنا تابعين لكم في تكذيب الرسُل ومحاربتهم، فهل تدافعون عنا اليومَ في هذا الموقف الرهيب؟ فيقول المستكبرون: لو أن الله هدانا لأرشدناكم، ولكن ليس بيدِنا أيةُ حيلة، ولي لنا مهربٌ ولا خلاصٌ مما نحن فيه جميعا، وسِيّان الجزعُ والصبر، فلا نجاةَ لنا من عذاب الله.
ما كان لي عليكم من سلطان: من تسلط. ما أنا بمصرخكم: ما انا بمغيثكم. استصرخني: استغاثني.
﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾.
وجاء دورُ الشيطان، كل عظَمته وحِيَله قد ذهب الآن، وهو يقف موقف الذليل وتنصل من أتباعه. انه يعترف بصراحةٍ أنه كان كذّابا، وعد أتباعه كذباً وزوراً ويسترسل قائلا:
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾.
ما كان لي عليكم قوةٌ أُجبِركم بها على اتّباعي، لقد دعوتُكم إلى الضلال فأسرعتم الى إجابتي، فلا تلوموني بِوَسْوَستي ولوموا أنفسَكم لأنكم استجبتم لي.
ثم يتبرأ منهم وتنصّل.
﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾.
أنا لا أستطيع اليوم ان أُغيثكم، ولا انتم تستطيعون إغاثتي من العذاب.
ثم يتبرّأ من كفرهم وإشراكهم ويكفرُ بهذا الإشراك فيقول:
﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فأنا لا أقبلُ أن أكونَ شريكاً لله فيما أشركتُموني فيه من قبلِ هذا اليوم، ان الكافرين لهم عذابٌ شديد مؤلم.
ثم لمَّا جَمَعَ الله تعالى الخلْقَ وذكر ما لقيَ الأشقياءُ وصَفَهم بأسوأ حال، ذكر حال السّعاداء، وما أعدَّ لهم من نعيمٍ مقيم في ذلك اليوم فقال:
﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾.
وهكذا يقابل الله تعالى بين حال الأشقياء والسّعداء، ويبيّن ان الذين آمنوا وصدّقوا وعملوا الأعمالَ الصالحة في جنّاته ناعمين مسرورين، خالين فيها على أحسن حالٍ بإذن الله تعالى، تحييهم الملائكةُ بالسلام، وهو شعارُ الإسلام.
قراءات:
قرأ حمزة: «وما انتم بمصرخيِّ» بكسر الياء المشددة. والباقون بفتحها. «بمصرخيَّ» كما هو في المصحف.
كلمة طيبة: كلمة الحق ويدخل فيها الإيمان وجميع الأعمال الصالحة. كلمة خبيثة: الباطل ويدخل فيه كل شر.
بعد ان بيّن اللهُ حالَ الأشقياء وحالَ السعداء ومآل كلٍ منهم ضربَ هنا مثلا يبيّن فيه الحقَّ من الباطل، ويوضح الفرقَ بين الفئتين.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء﴾.
هنا شبّه اللهُ تعالى كلمةَ الإيمان التي هي كلمةُ الحقّ بشجرةٍ طيبةٍ ثبتت جذورها في الأرض وارتفعت أغصانها في السماء، فهي:
﴿تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
فهي تعطي ثمرها الدائم في كل وتق بإذن ربّها. كذلك تكون الهداَيةُ إذا ملأت قلباً فاضت منه على غيره وملأت قلوباً كثيرة ويبيّن الله الأمثال للناس ليتعظوا ويؤمنوا.
﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾.
وان الكلمة الخبيثة، كلمةَ الباطل، كالشجرة الخبيثة التي لا تنفع الناس، لي لها قرارٌ ثابت وقد اقتُلعت من فوق الأرضِ لأن جذورها غير قوية، فكما ان هذه الشجرة لا ثبات لها ولا دوام، فكذلك الباطلُ لا يدوم ولا يثبت.
وبعد ان وصف الكلمة الطيبة بالوصف الجميل أخبر بفوزِ أصحابها في الدنيا والآخرة:
﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة وَيُضِلُّ الله الظالمين وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ﴾.
يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا بكلمةِ الإيمان المستقرَّة في الضمائر، الثابتة في قلوبهم، المثمرةِ بالعمل الصالح، والفوزِ في الآخرة، ويُضلُّ الظالمينَ بظُلمهم وشِركهم، وبفعل ما يشاءُ بإرادته المطلقة.
وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات، وقد استغرقت الشطر الأكبر من سورة إبراهيم. والكملةُ الطيبة تحتوي دائما على الحقيقة الكبرى، حقيقة الرسالة الواحدة التي لاتتبدّل، وحقيقة الدعوة التي لا تتغير، وحقيقة التوحيد لله.
دار البور: دار الهلاك. يصْلونها: يدخلونها ويقاسون حرها. أندادا: أمثالا. لا بيع فيه ولا خلال: لا فدية ولا صداقة تنفع او تشفع.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾.
الم تَرَ وتعلم يكف تصرَّف هؤلاء القومُ! لقد تنكروا لنعمة الله الممثَّلة في دعوة رسوله إلى الإيمان ونبذوها (وأولئك هم السادة من قريش وكبراء قومهم)، بعد ما رأوا ما حلَّ بمن قبلَهم. وقد عرض القرآن عليهم مشاهدَ تلك القصة التي مرت في هذه السورة!! لقد استبدوا بنعمة دعوة الرسول إياهم كفرا، وأنزلوا أتباعَهم من قومهم دارَ الهلاك، جهنم يدخُلونها ويقاسُون حَرَّها وبئس المنزل والقرار.
﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار﴾.
وجعلوا لله الواحدِ في العبادة نظراءَ، ليُضلوا الناس عن دينه القويم فقل لهم أيها الرسول، تمتّعوا قليلاً في هذه الحياةِ إلى الأجلِ الذي قدّرنه الله لكم، وعاقبتُكم ومصيركُم إلى جهنّم.
﴿قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾.
بعد ان هدّد الله الكفارَ على جحودهم وانغماسهم في اللذات خاطبَ نبيَّه الكريمَ أن يأمر المؤمنين من عبادهِ أن أحسِنوا وأقيموا الصلاةَ وأنفقوا بعض ما رزقكم ربُّكم في وجوه البِر في السر والعلَن، من قبلِ أن يأتي يومُ القيامة الذي لا تنفع فيه صداقة ولا شفاعة ولا بيعٌ ولا عمل، أنا ينفع ما تقدّمون من أعمال طيبة.
الفلك: السفينة للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. دائبين: دائمين في الحركة لظلوم: ظالم لنفسه. كفار: شديد الكفر والجحود.
في هذه الآيات الكريمة يذكِّر اللهُ تعالى بنعمهِ الكثيرة التي لا تُحصى، فإنه خلَق السمواتِ والأرضَ لبني الإنسان ليتمتع بخيراتها، وأَنزل من السماءِ غيثاً عميماً أحيا به الشجر والزرعَ فأثمرت لكم رِزقاً تأكلون منه وتعيشون به، وسخّر لكم السفنَ لتجريَ في البحر بأمرِه، تحملُ أرزاقكم وتحملكم، وسخر لكم الأنهارَ العذبة لتنتفعوا بها في رَيِّ الأنفس والزروع.
﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ﴾.
لا يفتُران عن الدوران، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ يتعاقبان، تستريحون في اللّيل، وتعملون في النهار ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ وهيّأ لكم كل ما تحتاجون، سواء أسألتُموه ام لم تسألوه... لأنه قد وضع فيه هذه الدنيا منافع يجهلُها الناس وهي معدَّة لهم، فلم يسأل الله أحدٌ قديما ان يعطيَهم الطائرات والكهرباء وغير ذلك من الأشياء الجديدة، ولم يزل هناك عجائب ستظهر فيما بعد، ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾. ان حاولتم ان تعدُّوا نعمةَ الله فإنكم لا تستطيعون حَصْرَها، فهي أكبرُ وأكثر من ان يحصيّها البشر.
وبعد هذا كلّه تجعلون لله أنداداً، ولا تشكرون نِعَم الله ﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ فالإنسان الذي بدّل نعمة الله كُفراً بعد كل هذه النعم لهو شديد الظلم والجحود.
واجنُبني: وأبعِدني. تهوي اليهم: تسرع شوقاً وحبا.
في هذه الآيات يتجلى النموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر في شخصية أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، فهو يدعو الله تعإلى ان يجعل مكة بلداً آمناً مطمئنّاً، ويسأله ان يبعده هو وأبناءه عن عبادة الأصنام، ثم يذكر مساوئ الأصنام وكل ما عُبد من دون الله بقوله:
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾
ويبين الدين الحق الذي هو عليه ويتابع الدعاء فيقول:
﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
فأما من تبع طريقي فهو منّي، ينتسب إليّ ويلتقي معي، وأما من عصاني منهم فأُفوّض أمره إليك، فأنتَ غفور رحيم.
وهنا تتجلّى رحمة ابراهيم وعطفه ورأفته، فهو لم يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله، كما أنه لا يستعجل العذاب لهم، وإنما يَكِلُهم الى غفران الله ورحمته.
﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة﴾.
وهنا يمضي في دعائه: بأنه أسكنَ من ذرتيه بمكة، وهي بوادٍ قاحلٍ لا زرعَ فيه عند بيت الله المحرّم، ثم يبين الوظيفةَ التي أسكنَهُم في هذا المكان القف ليقوموا بها، وهي عبادةُ الله وإقامة الصلاة على حقيقتها.
ثم يدعو تلك الدعوة اللطيفة التي استجابها الله، بقوله: ﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ﴾ اي تميل بشوقٍ إلى ذلك البيتِ العتيق وأهله في ذلك الجديب، ﴿وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ وقد أجاب الله دعاءه، فألهم الناس الحجَّ منذ آلاف السنين إلى ما شاء الله، وفي أي وقت ذهب الإنسان الى الحجاز يجِد فيه أنواع الثمار والخيرات. وفي هذا إظهارٌ لقدرة الله وصِدق وعده.
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾.
إنك يا ربنا تعلَم ما تُخفي نفوسنا وما تظهره مجاهرةً به، فليس يخفى عليك شيء في هذا الكون.
ثم يتوجه ابراهيم الى الله ويذكر نعمة الله عليه، فيلهج لسانه بالحمد والشكر فيقول:
﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعاء﴾.
فإن هِبةَ الذرّية على الكِبَر أوقعُ في النفس، فهو يحمد اللهَ تعالى على هذه النِعم ويطمع في رحمته.
﴿رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾.
بعد الحمد والشكر الذي قدّمه على ما وهبه الله من الذرّية على الكِبَر، يطلب ابراهيم من ربّه ان يُعينه على مداومة شكره بإقامةِ الصلاة هو وذرّيته، وان يتقبّل دعاءَه. والدعاءُ هو العبادة كما جاء في الحديث الصحيح.
﴿رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب﴾.
بهذا الدعاء يختم ابراهيمُ شكره وتضرّعه الى الله، ويطلب المغفرةَ له ولوالديه ولجميع المؤمنين، يوم القيامة.
تشخص: ترتفع. مهطعين: مسرعين إلى الداعي. مقنعي رؤوسِهم: رافعين رؤوسهم كثيرا. لا يرتد اليهم طرفهم: لا يرجع، كأن أبصارهم جامدة من الهول. وأفئدتهم هواء: خالية من العقل والفهم لفرط الدهش والحيرة. من زوال: من انتقال.
﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾.
الخطاب في صورته للنبيّ ﷺ، والمراد به جميع الناس. وفيه تسليةٌ للمؤمنين، وتهديد للكافرين... فإن الله لا يغفل عما يعمل الظالمون في محاربة الإسلام. ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾.
إنما يُمْهِلهم ويمتّعهم بكثيرٍ من لذات الحياة، ليوم شديد الهول تبقى فيه أبصارُهم شاخصةً مفتوحة من الفزع.
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾.
إنها صورةٌ رهيبة وهم معروضون رافعين لرؤوسهم، وطرفهم جامد لا يتحرك من شدة الهول، وأفئدتهم خاوية مضطربة لا إدراك فيها ولا وعي... هذا هو اليوم الذي يؤخّرهم الله إليه، والذي ينتظُرهم بعد الإمهال.
﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.
وانذِر الناس أيها الرسول أنه إذا جاء اليوم فلا اعتذارَ ولا نكال، يوم يقول الظالمون الجاحدون حين يرون ذلك الهول: ربّنا ارجعْنا الى الدنيا، وأمهلْنا أمداً قريبا حتى نجيب فيه دعوة الرسل الى توحيدك، فيأتيهم الرد: ألم تَحلِفوا في الدنيا أنكم إذا متُّم لا تُخرَجون لبعثٍ ولا حساب، فكيف ترون الآن، وأين قولكم «ما لنا من زوال» ؟!
﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال﴾.
وسكنتم في الدنيا في مساكن الذين ظَلموا أنفسَهم بالكفر والمعاصي من الأمم قبلكم، وقد ظهر لكم بمشاهدة آثارِهم كيف عاقبناهم، وضربنا لكم الأمثالَ الواضحة، ثم بعد لك كله تُقسِمون «ما لكم من زوال» فلم ترعووا ولم تتوبوا من كفركم، والآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم العذاب.
قراءات:
قرأ أبو عمرو: «إنما نؤخرهم» بالنون والباقون «يؤخرهم».
مقرنين: مربوطين. في الأصفاد: في القيود. سرابيلهم: ثيابهم. من قطران: نوع من الزيوت شديدة الاشتعال اسود اللون تدهن به الإبل عندما يصيبها الجرب. تغشى وجوههم النار: تعلوها وتغطيها. هذا بلاغ للناس: كفاية في الموعظة.
﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾.
ولقد مكروا ودبّروا في إبطال الحق وبالرسول الكريم، وعند الله علمُ مكرهم، وان كان مكرهم من القوة والتأثير حتى لَيؤدي إلى زوال الجبال، والله تعإلى محيطٌ بهم وبمكرِهم.
قراءات:
قرأ الكسائي: «لتزول» بفتح اللام الأولى، وضم اللام الأخيرة. وقرأ الباقون: «لتزول» بكسر اللام الاولى وفتح اللام الاخيرة كما هو في المصحف.
﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾.
لا تظنَّ أيها الرسول ان الله تعالى مخلفٌ رُسُلَه ما وعدَهم به من النصر، فما لهذا المكرِ من أثر، وما يعوق تحقيقَ وعد الله لرسله بالنصر، وأخذِ هؤلاء الماكرين أخْذَ عزيز مقتدر، ان الله شديدُ الانتقام لا يدع الظالمَ يفلت، ولا يدع الماكر ينجو.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾.
ان الله تعالى سينتقم من هؤلاء الكفارِ يومَ القيامة يوم تتبدَّل الأرضُ والسموات. ولا ندري كيف يتم هذا، ولا طبيعةَ الأرض الجديدة وطبيعةَ السموات، وكلُّ ما بعدَ الموت شيء غير عاديّ بالنسبة إلينا واللهُ أعلمُ بذلك.
﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾ خرجوا من قبورهم، ووقفوا مكشوفين بارزين لا يستُرهم ساترٌ بينَ يدي الله الواحد القهار.
وبعد ان وصف نفسه بكونه القهار، بين عجز المجرمين وذلتهم فقال:
﴿وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ وهي صورة عن مَشاهدِ يوم القيامة فيها منظرٌ واقعي للمجرمين كأنك تراه، وهم يخبُّون في قُيودِهم.
﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾.
وهذا مشهد آخر لباسهم فيه من هذا الزيت القبيح، والنارُ تغشى وجوههم، وفي ذلك ما فيه من الذل والتحقير.
﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾.
لقد فعل الله بهم ذلك ليؤديّ الى كل نفس جزاءَها بما فعلت، إن خيراً فخير وان شرا فشر، ان الله سريع الحساب يوم القيامة.
﴿هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾.
هنا يختم الله السورة بمثل ما بدأت... بإعلانٍ لجميع البشرية في الكون أجمع.
هذا القرآن بلاغ لجميع الناس، لنُصحِهم وإنذارِ هم من عذاب الله، وليكون لديهم العلمُ الحقيقي أن الله إلهٌ واحد عِدة آلهة كما يقول المشركون، وليتذكَّر أولو العقول عظَمةَ ربهم، ويتَّعظوا فيبتعدوا عما فيه هلاكهم، ويرجعوا الى ربهم في كل أحوالهم.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

12 مقطع من التفسير