تفسير سورة سورة الزمر

الشعراوي

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

آية رقم ١
تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
فَرْق بين تنزيل وإنزال ونزول؛ النزول هو الحدث الذي يأتي بشيء من أعلى إلى أدنى، والإنزال يدل على أن الذي أنزل أعلى من المُنزل إليه، أما التنزيل فيدل على النزول على فترات بحسب الأحوال.
فقوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] يعني: أنزلناه جملةً واحدة في أول رسالة محمد، ليباشر القرآنُ مهمته في الوجود، ثم نُزِّل بعد ذلك مُنجَّماً حَسْب الحاجة.
قال تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً [الإسراء: ١٠٥].
يعني: أنزلناه بالحق بداية، وظلَّ على الحق لم يستطع أحد أنْ يُغيِّره أو يُفسده؛ لأنه حقٌّ.
وهذه المادة نزل أو نزَّل أو أنزل، تدل كلها على عُلُو المنزِّل ودُنُو المنزل إليه، وتدل على أن شرف المنزَّل من شرف مَنْ أنزله، وتدل أيضاً على أن مَنْ أنزل المنهج القويم للمخلوق يريد أنْ يكرمه وأنْ يعلوَ به. إذن: دَلَّ الإنزال على شرف المنزِّل وعلو مكانته، وعلى شرف ما أُنزل وعلى شرف مَن اختاره الله، وجعله أهلاً لأنْ يُوجه إليه هذا الخير.
ومن ذلك قوله تعالى في أمة محمد: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]...
و (الكتاب) أي: القرآن. فمرة يقول: الكتاب. ومرة: القرآن، دليل على أنه سيأخذ الوَصْفين معاً، فهو كتاب بمعنى مسجل ومكتوب يعني لا يُنكر، وهو قرآن بمعنى مقروء، فهو مُسجَّل في السطور ومحفوظ في الصدور، وهذه ستكون حجة علينا.
وقد علمنا الدقة التي اتبعها الصحابة في جمع القرآن من صدور الحفظة، فكانوا لا يكتبون آية إلا إذا قرأها اثنان من الحفظة واتفقا على صحتها، كذلك يشهد على صحتها اثنان بعد الكتابة، فدَلَّت هذه الدقة على حيثيات قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
وكلمة (الكتاب) هكذا بأل التعريفية تدل على أنه الكتاب الكامل في الكتب، ولا تنصرف هذه الكلمة إلا إلى القرآن الكريم.
وقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١] دل على أن التنزيل من أعلى لأدنى، لكن لماذا قال مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١] ولم يقُل: من الرب؟ لأن هذا الكتاب جاء بمنهج للتربية، والرب هو المتولي للخَلْق وللتربية. قالوا: لأن الربوبية عطاء يشمل الجميع المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فالرب خلق الجميع الخَلْق المادي وأمدَّ الجميع، فالكل في عطاء الربوبية سواء.
أما المنهج الذي نزل به الكتاب، فهو منهج إيماني وخُلُقي وتعبُّدي من عطاء الألوهية، لا من عطاء الربوبية، لذلك قال في الكتاب: مِنَ اللَّهِ [الزمر: ١].
والله عَلَم على واجب الوجود، أما الأسماء الحسنى فهي أوصاف بلغت العظمة؛ لأنها لله تعالى وغلبتْ عليه، فصارت أسماء قال تعالى: وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] والجامع لها كلها لفظ الجلالة الله، فحين تقول الله كأنك ناديتَ الله بجميع أسمائه الحسنى؛ لذلك أمرنا أنْ نبدأ العمل بقول باسم الله، والعمل يحتاج إلى قوة وإلى علم وإلى حكمة وإلى عزة.. إلخ.
فلو كنتَ مُقبلاً على عمل يحتاج إلى عشرين صفة مثلاً فهل تقول: باسم القوي، باسم العليم، باسم الحكيم.. لا، لأن في وُسْعك أن تجمع كلَّ هذه الصفات في قولك باسم الله؛ لأن لفظ الجلالة هي الكلمة الجامعة لكل صفات الكمال، وتناسب كل ما يحتاجه العمل، وكل ما يتعلق بالفعل، مما تعرفه أنت ومما لا تعرفه.
لذلك قالوا: إياك أنْ تدعَ هذه الكلمة في بداية العمل...
إذن: قال سبحانه: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لأن الكتاب نزل بمنهج وقيَم، ولم يقل: من الرب لأن الربَّ وصفٌ خاص بالمادة وبالقالب.
وقوله: الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ العزيز هو: الغني عن الخَلْق الذي لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وجاء هذا الوصف بعد تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لمناسبة، فكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني متطوع بهذا المنهج الذي أنزلته عليكم، وأريد به سعادتكم في الدنيا ونعيمكم في الآخرة، أما طاعتكم لمنهجي فلا تزيد في ملكي شيئاً، لأنني الغني عنكم، فأنا العزيز عن خَلْقي...
إذن: قُلْ باسم الله، واعلم أنه عزيز عن هذه... فالحق سبحانه هو العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغلب، وهو سبحانه يخلع من هذه الصفة على مَنْ يؤمن به، فللمؤمن عزة من عزة الله، أما غير المؤمن فيبحث عن عزة بالإثم استكباراً بلا رصيد... والحق سبحانه مع أنه الْعَزِيزِ.. الذي يَغلب ولا يُغلب، فهو سبحانه الْحَكِيمِ أي: الذي يضع الشيء في موضعه. ومن هذه الحكمة أنه سبحانه لا يطبع المؤمنَ على العزة الدائمة، ولا على الذِّلة الدائمة، كذلك لا يطبعه على الرحمة الدائمة، ولا على الشدة الدائمة، بل ينفعل للأحداث الإيمانية، كما قال سبحانه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وقال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤].
ومع أن هذه طباع في النفس إلا أنها مُعدَّلة بمنهج مَنْ خلقها، فإنْ كان الموقف يحتاج إلى رحمة فالمؤمن رحيم، وإنْ كان الموقف يحتاج إلى شدة. فالمؤمن شديد. إذن: هذا مظهر من مظاهر حكمة الخالق سبحانه، فإنْ قلتَ: هذه طباع، نعم طباع لكن مُعدَّلة بمنهج مَنْ خلقها.
الحق هو الأمر الثابت الذي لا تأتي أغيار الزمن فتنقضه، وما دام الحق ثابتاً لا يتغير فلا يغرنك عُلُوُّ الباطل إنْ علا يوماً من الأيام؛ لأن عُلُو الباطل من ثبات الحق، فالباطل حين يعلو يعضُّ الناسَ، ويشقى به الخَلْقُ، ويكتوون بناره، وعندها يتطلعون للحق ويتشوَّقون إليه.
فكأن الباطل جندي من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان. فالله تعالى لا يسلم الحق أبداً، ولكن يتركه فترة حتى يعلوَ الباطلُ عليه ليبلوَ غيرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غار هو عليه.
فَاعْبُدِ اللَّهَ يعني: ما دُمْنا قد أنزلنا إليك الكتاب بالحق فانظر ماذا في الكتاب، فيه منهج افعل كذا ولا تفعل كذا، فيه تكليفٌ للجوارح، ولابُدَّ أنْ يسبق العمل بالتكليف اقتناعُ القلب بالمكلف والإيمان به.
فأنت حين تقف أمام قضية صعبة تعجز عن التفكير فيها، أو أخذ قرار تذهب إلى مَنْ شُهِد له بالحكمة أو العلم والرأي ليفكر لك ويُعينك على أمرك، فمثل هذا الرجل تأتمنه وتسلم له زمام أمرك؛ لأن رأيه يصلحك.
إذن: لا بُدَّ قبل العمل بافعل ولا تفعل أن تثقَ وتتيقن بمن كلَّفك، وهذا هو الإيمان الذي ينبغي أن يسبق العملَ. لذلك نقول: لا ينفع إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان، واقرأ قول الله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤].
لذلك قال تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ فشرْطُ العبادة الإخلاص، والعبادة تعني طاعة العابد لأمر معبوده ونَهيه، وهذا التحديد لمعنى العبادة يُبطل عبادةَ كلِّ ما سِوَى الله تعالى، فالذين عبدوا غير الله من شمس أو قمر أو نجوم أو أشجار أو أحجار عبدوا آلهة -كما يزعمون- بلا منهج وبلا تكاليف.
إذن: فكلمة العبادة هنا خطأ وهي باطلة، فماذا قالت لهم هذه الآلهة؟ بِمَ أمرتْهُمْ وعَمَّ نَهَتْهم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن كفر بها؟ فأول ما يُبطل عبادة غير الله أنها آلهة بلا منهج وبلا تكاليف.
أما الذين قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىۤ [الزمر: ٣] فالله سبحانه نهى عن هذه الزُّلْفى، ونهى أنْ يكون بينه وبين عباده واسطة أو وسيلة...
ومعنى مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ يعني: اجعل الدينَ خالصاً لوجه الله، وامنع الرياء لأن الذي ترائيه لا يملك لك من ثواب العمل شيئاً، فالمرائي الذي يرائي مثلاً في صدقته ينفع المحتاج بالصدقة، وهو لا ينتفع بها؛ لأن الله تركه يأخذ أجره مِمَّن يرائيه، والعبد مثلك لا يملك لك شيئاً.
وفَرْق في المعنى بين مُخْلِص بالكسر، ومُخْلَص بالفتح: المخلَص هو مَنْ يسبق عطاء الله لَه بالإخلاص فيخلص، أما المخلص فيصل بعطاء إخلاصه إلى عطاء الله. قلنا زمان: من الناس مَنْ يَصل بطاعة الله إلى كرامة الله يعني: ألحَّ في الطاعة وداوم طَرْق الباب حتى فُتِح له.
وآخر يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، يعني: ربه يختاره للطاعة ويخطفه من الخلق أو من المعصية إلى الطاعة...
ثم يقول سبحانه: أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ بعد أن خاطب الحق سبحانه نبيه بقوله: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ [الزمر: ٢] أراد سبحانه أنْ ينبه الأذهان إلى أهمية الإخلاص لله تعالى، فجاء بهذا الحرف الدال على الاستفتاح (ألا).
وهذا الأسلوب يتبعه العربي في كلامه، لأن المتكلم أمير نفسه يتكلم في أيِّ وقت شاء، وهو يعي ما يقول وله خيار فيما يقول أمَّا السامع فليس له خيار فربما كان مشغولاً عن المتكلم فيفوته بعض الكلام؛ لذلك على المتكلم أنْ ينبهه من غفلته، وأنْ يُهيِّئه لأنْ يسمع، لا سيما إنْ كان الكلام مهماً أو نفيساً لا ينبغي أن يفوتك منه شيء؛ لذلك قال سبحانه: أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣].
ونلحظ أيضاً هنا أسلوبَ القصر في تقديم الجار والمجرور لِلَّهِ [الزمر: ٣] على المبتدأ الدين الخالص، فلم يَقُلْ سبحانه الدين الخالص لله، لأنها تحتمل أن نقول: ولغيره، أمَّا قوله لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣] أي: له وحده، فقصرت إخلاص الدين على الله تعالى دون غيره، تقول: هذا المال لزيد. ولزيد هذا المال.
لكن، لماذا لله الدين الخالص؟ قالوا: لأن الدينَ شرعُ الله هو الذي شرعه، وهو سبحانه الذي يُجازي عليه، فاحذر إذن أنْ يكون عملك بمنهج الله مقصوداً به غير الله؛ لأن غير الله لم يشرع لك، ولا يستطيع أنْ يعطيك أجر العمل. فكأن الله تعالى يريد أنْ يُحَصِّن حركة الإنسان في كل شيء، بحيث تعود عليه كل حركاته بالخير؛ لذلك دَلَّهُ على الطريق الذي يؤدي به إلى الخير، وهو طريق إخلاص العبادة لله وحده.
ثم يذكر سبحانه مقابل إخلاص العبادة لله، فيقول: وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قائلين ومبررين موقفهم حين تبيَّن لهم كذبهم في عبادة ما دون الله، وحين تقول لهم إن هذه الآلهة لا ترى ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وحين تضيق عليهم الخناق يقولون مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىۤ.
والذي يُقرِّبك إلى الله لا بُدَّ أنْ يكون مشهوداً بالتبعية لله تعالى، وهذه الآلهة التي تعبدونها ليست مشهودة بالتبعية لله تعالى، بل هي من صُنْعكم أنتم ومن نَحْت أيديكم، وإذا أطاحت به الريح أقمتموه في مكانه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه.
إذن: فعبادتكم لها باطلة، وأنتم كاذبون في هذه العبادة إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ كلمة الحكم لله كلمة ترهب، لأن حكمَ الله هو الحق الذي لا يُحابي أحداً، فالمؤمن حين يسمع هذه الكلمة يطمئن، لأنه سيأتي يوم لا يكون الحكم فيه إلا لله كما قال سبحانه: (إن الحكم إلا لله) أي: لله وحده لا لغيره، لذلك أنت لا تقول لخصمك: أنا حكَّمت الله بيني وبينك إلا وأنت واثق أن الحق معك...
ثم إن حكم الله سيأتي في وقت لا حكمَ فيه إلا لله إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ [الأنعام: ٥٧].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ نعم لا يهديه الله، لأن الكاذب الكفَّار ليس أهلاً لعطاء الهداية؛ لأن الله تعالى هدى الكل هدايةَ الدلالة والإرشاد، فمَنْ آمن منهم زاده هداية المعونة والتوفيق، قال سبحانه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧].
تبين الآيةُ طبيعة خَلْق الإنسان الذي أراده خليفة في الأرض، فقال: خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ هو آدم عليه السلام ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا أي: حواء، ومنهما كانت الذرية وجاء التناسل.
وما دام الله تعالى خلق هذا المخلوق ليكون خليفةً يعمر الأرض فلا بُدَّ أنْ يكونوا من جنس واحد ليتم لهم الإلْف والانسجام وتجمعهم حركة الحياة.
وإلا لو كان هذا الخليفة من أجناس متعددة، فمجموعة مثلاً من الإنس، وأخرى من الجن، وأخرى من الحيوان ما استقامتْ بهم الحياة، ولا تساندتْ حركتهم. إذن: الجنس الواحد تتوفر فيه المودة والإلْف والمحبة والانسجام بين عناصره لأن لكل جنس قانونَهُ ونظامه والتقاءاته ومعاشرته، ولو أن الإنسان خُلِق من أجناس مختلفة لتعذَّر عليه الائتلاف واتحاد الحركة والأنس في المعيشة.
وأيضاً، فإن الخالق سبحانه خلق الإنسان من جنس واحد ليثبت التساوي في الأصل، فلا يكون لأحد مَزيّة على أحد، لأنه خلق من جنس أعلى، وإنما ليكون التفاضل والمزية بمقدار توافق هذا المخلوق مع منهج الله، وهذه القضية أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:"لا فضلَ لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى".
والحق سبحانه يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣] يعني: لا فضلَ لأحدكم على الآخر إلا بحسنه فيما يستقبل عن ربه. وإنما تأتي الألوان والأشكال مختلفة لتناسب بيئة المعيشة، فالبيئات الحارة مثلاً يميل أهلها إلى السواد، والبيئات الباردة إلى البياض، كذلك الحال في اختلاف الألسنة بحسب البيئات أيضاً. أما الأصل فنحن جميعاً نُرَدُّ إلى آدم، وآدم خُلِق من تراب، وذريته خُلِقَتْ من بعده بالتكاثر.
حتى في الرسالة قال الله تعالى: لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] يعني: ليس غريباً عنكم، وليس من جنس غير جنسكم، فلم يكُنْ من الملائكة مثلاً مع أنها أعلى درجة إلا أن الرسول الملَك لا تتحقق فيه القدوة والأسوة المرادة من الرسول، كذلك لم يأْتِ فارسياً ولا رومياً يختلف لسانه عن لسانكم، إنما جاء عربياً من أوسطكم، ومن أعظم قبائلكم.
إذن: البشر جميعاً في هذا الكون يعودون إلى نفس واحدة هي آدم عليه السلام، وقد أوضح لنا الحق سبحانه كيف خلق آدم بالشكل المعروف. وقال سبحانه: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر: ٢٩]...
ثم يقول تعالى، وهو يُعدِّد بعض نِعَمه على خَلْقه: وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ وسبق أن قلنا في صدر هذه السورة: إن الإنزال لا تنظر فيه إلى جهة العلو فحسب كما في إنزال المنهج والقيم، إنما ينظر أيضاً إلى المنزل سبحانه، فالإنزال يكون بمعنى الإيجاد، والأنعام من النعم الموجودة في الأرض لكنها من عند مَنْ؟ من عند الله فكأنه أنزلها، والإنزال هنا ناسبه حرف الجر لَكُمْ ولم يقُلْ: عليكم لأن الأنعام شيء منفصل عن الإنسان.
وقد ورد تفصيل هذه الثمانية في سورة الأنعام، ومع أن نِعَم الله علينا كثيرة إلا أنه خَصَّ هنا الأنعام بالذات، لأنها الجنسُ القريب من الإنسان من حيث الخَلْق، بعدها النبات ثم الجماد. وكلمة الزوج. البعض يظن أنها تعني اثنين معاً، وهذا خطأ لأن الزوج تعني: واحد ومعه مثله، ومن ذلك قوله تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩] ومثلها كلمة توأم.
وقوله: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ معنى خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ بيان لأطوار الخلق التي يمر بها الجنين في بطن أمه، فهو يتقلب في بطنها بين ماء مَهِين، يستقر في الرحم نطفة، ثم علقة ثم مضغة، ثم يتكوَّن منها العظام، ثم يكسو العظام لحماً، هذه أطوار الخَلْق المرادة في قوله تعالى: خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ.
قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٢-١٤].
هذه هي الأطوار التي يمرُّ بها الإنسان منذ أنْ يصلَ إلى رَحِم الأم، وهذا يعني أن هناك طَوْراً يسبق هذه الأطوار، هو طوْر التقاء عنصر الذكورة بعنصر الأنوثة، أو التقاء الحيوان المنوي بالبويضة وتلقيحها؛ لأنه لا يصل إلى الرحم إلا بويضة مُلقَّحة دخلها ميكروب الذكورة.
وفي سورة الحج بيَّن سبحانه أن المضغة منها مُخلَّقة وغير مُخلَّقة: يٰأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى [الحج: ٥].
فالمضغة المخلّقة هي الجزء الذي خُلِّقتْ منه الأعضاء والجوارح، وغير المخلَّقة هي الجزء الذي استقر في الجسم بدون تخليق ليظل احتياطياً للجسم... أو صيدلية صيانة، فإذا ما حدث في الجسم عطب قامتْ المضغة غير المخلَّقة بإصلاحه، كما نرى مثلاً في الجروح، فالجرح بعد فترة يندمل وتبني فيه أنسجته حتى تعودَ كما كانت، من أين؟ من المضغة غير المخلَّقة...
فقوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ أي: الخلق الثاني، فالخَلْق الأول خلق آدم عليه السلام من تراب، وقد أخبرنا الله به، لأن أحداً لم يره، كما قال سبحانه: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
فإذا طلع علينا مَنْ يقول إن الإنسان أصله قرد تطوَّر إلى إنسان نعلم أنه من المضلِّين الذين أخبرنا الله عنهم، ولا بُدَّ أن نعلم كذبه، والرد على هذا الهراء ميسور، لأن الإنسان إنْ كان متطوراً عن قرد، فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا على مَرِّ التاريخ كله لم نَرَ قرداً تطور وارتقى حتى إلى ما يقرب من الإنسان.
إذن: هذا كذب وباطل، لأن الخالق سبحانه خلق الأجناس كلها، وجعل من كُلٍّ زوجين اثنين، يتم التكاثر وليتم الانفصال، قال تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩].
وقوله سبحانه: فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ بيان للقرار المكين الذي يستقر فيه الإنسان في بطن أمه، قال تعالى: فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ [المرسلات: ٢١-٢٢] والمكين هو المستقرّ في المكان، فبطن الأم مكان، والجنين في البطن مكين.
ولما تكلم العلماء في معنى الظلمات الثلاث قالوا: هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.
وكلمة الظلمة نفهم منها عدة أمور.
أولاً: الظلمة تعني عدم وجود النور، وهي مرتبطة بالليل.
ثانياً: الليل دائماً رطب عن النهار؛ لأن النهار فيه حرارةُ الشمس وحرارةُ الأنفاس الناشئة عن الحركة، أما الأنفاس في الليل فهادئة، لأنها لمجرد استبقاء الحياة، وليست ناشئة عن حركة العمل والجهد المبذول.
ثالثاً: كذلك في الظلمة سكون، وهدوء لا يتوفر في النهار.
إذن: في الظلمة عدم نور، وفيها برودة، وفيها سكون، وهذه الأمور الثلاثة ضرورية لنمو الجنين، وتكوُّن أعضائه في بطن أمه، لأنه في بطن أمه خلْقٌ ضعيف غير مكتمل الأعضاء والجوارح، لا يَقْوى على تحمُّل الحرارة، ولا تحمُّل الضوء، ولا تحمُّل الأصوات المزعجة، لذلك جعل له الخالق سبحانه عوازلَ تقيه هذه الأشياء، لذلك قال سبحانه: فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ.
والأقرب للصواب أن هذه الظلمات الثلاثة في الرحم وليس منها ظلمة البطن؛ لأن الحق سبحانه يُحدِّثنا عن القرار المكين الخاص بالجنين، فيقول: فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ بيان للظرف العام الذي يقع فيه الظرف الخاص بالجنين وهو الرحم، فالبطن ظرف كبير يحوي الرحم والأمعاء والمعدة والكبد والطحال والبنكرياس.. إلخ لذلك حدد الظرف الخاص بالجنين فقال بعدها: فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ.
إذن: الظلمات الثلاث عبارة عن عوازل وأغشية تحمي الطفل، وكلها داخل الرحم، وإذا كان الإنسان المكتمل الناضج تزعجه الأصوات، وربما أتلفت طبلة أذنه مثلاً، وتؤذيه الأضواء العالية، حتى لا يَقْوى نظره على مواجهتها، فهل يطيق الجنين مثل هذه الأشياء، وهو لم تكتمل أعضاؤه بعد؟
ومعلوم أن الطفل يُولد بجلد رقيق لا يتحمل الحرارة، ويُولد ولم تكتمل فيه بعض الأعضاء والجوارح، فالجهاز العصبي مثلاً لا يكتمل إلا بعد عدة سنوات، والجهاز العقلي لا ينضج إلا بعد سِنِّ البلوغ، والعين لا تؤدي مهمتها في الرؤية إلا بعد ثلاثة أيام.
فالجنين يحتاج إلى حماية؛ لذلك جعله الله في ظرف داخل ظرف داخل ظرف، كما أنك تجعل أوراقك المهمة مثلاً في ملف، والملف في الخزينة، والخزينة في غرفة، فقوله فِي دليل على العناية بهذا المخلوق، وتوفير ما يناسبه من الظروف المحيطة به.
وقوله سبحانه: ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ [الزمر: ٦] كلمة ذَٰلِكُمُ [الزمر: ٦] عبارة عن اسم الإشارة (ذا) وضمير المخاطبين، والإشارة هنا للحق -تبارك وتعالى...
وجاءت هذه الإشارة إلى الحق سبحانه بعد أنْ تكلم عن بعض أسراره في خَلْق الإنسان، وعن الظلمات الثلاث في رحم الأم، وكلها في مجال الخَلْق والتربية والتكوين الأول للإنسان، وهذه المسألة يناسبها صفة الربوبية التي تتولى الخَلْق والتربية، فالربُّ هو الخالق وهو المربّي، أما كلمة الله فهي للألوهية، والألوهية تكليف، لأن الله يعني المعبود بطاعة أوامره واجتناب نواهيه، والجنين في بطن الأم بعيد عن مسألة التكليف، فلماذا اختار هنا وفي هذا المقام لفظ الألوهية (الله) فقال: ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ.
ولم يقل: ذلكم ربكم الله- كما يقول بعض المستشرقين؟
قالوا: لنفهم أنه سبحانه لا يخلقنا ولا يربينا لنكون مثل الدواب في الكون، إنما يخلقنا ويُربينا لهدف ولمنهج تكليفي نسير عليه؛ ذلك ليجعلنا نأنس بكلمة الله قبل كلمة رب، وفي هذا إشارة إلى أن الهدفَ من التكليف صلاح المجتمع وصلاحكم فيما بينكم، فالخالق سبحانه لم يخلقنا عبثاً ولم يتركنا هَمَلاً وخلْقاً ضائعاً لا هدفَ له.
لذلك في صدر سورة الرحمن يُبيِّن الحق سبحانه أن تعليمَ المنهج قبل تكوين الخَلْق، وأن الخَلْق لا يُعَدُّ نعمة إلا إذا تَمَّ في ظل منهج الخالق، فصاحب الصنعة لا بُدَّ أنْ يحدد مهمتها قبل أنْ يصنعها، قال تعالى: الرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ [الرحمن: ١-٤].
وقوله تعالى: لَهُ الْمُلْكُ مادة (ملك) منها المُلك والملك والملكوت: المِلْك بالكسر هو ما تملكه ولو كان يسيراً، والمُلْك بالضم أنْ تملك مَنْ يملك، والمِلك والمُلك في عالم المشاهدة، أما الملكوت فهو ما لا نشاهده من مُلْك الله، ولا يُطلع الله عليه إلا مَنْ اصطفاه من أنبيائه ورسله وأهل طاعته ممَّنْ صفَتْ فطرتهم الإيمانية وسَلِمَ لهم جهاز الاستقبال عن الله، هؤلاء يُطلِعهم الله على بعض ملكوته، لذلك لما وفَّى سيدنا إبراهيم وأذعن لأمر ربه أراه هذا الملكوت: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الأنعام: ٧٥].
ومثل مُلك وملكوت نقول: رحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت.
ومعنى لَهُ الْمُلْكُ.. يعني: إنْ كنتم قد شهدتم مُلْكاً واسعاً فاعلموا أنه لمن خلقكم، ومن العجيب أنه مخلوق من أجلكم أنتم وقد خلقه الله لكم قبل أنْ يخلقكم؛ لأن الإنسان الأول طرأ على كَوْن مُعَدٍّ لاستقباله بكل ما يلزمه من مُقوِّمات الحياة بدايةً من الأرض والسماء والشمس والقمر والنجوم إلى أصغر شيء في الكون.
وقوله بعدها: لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. يعني: أن هذا الخَلْق العجيب لله وحده ولم يَدَّعه أحد لنفسه، وما دام أن أحداً لم يدَّع الخَلْقَ لنفسه فليس لأحد أنْ يدَّعي أنه واضح المنهج الذي يعيش به الإنسانُ في الكون؛ لأن الذي خلق هو الذي يضع المنهج، والذي صنع هو الذي يضع قانون الصيانة لصنعته.
فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ أي: كيف تنصرفون عن عبادة الله الخالق إلى عبادة غيره ممن ليس لهم من الخَلْق شيء؟ كيف تنصرفون عن ربٍّ خلق وربَّى ولا يزال فلم يتركنا ولم يسلم خَلْقه لأحد غيره، وليس عنده استعداد لأنْ يسلمه أبداً.
بعد أنْ حَنَّنَ الحق سبحانه الخَلْق بذكر الربوبية التي خلقت وربتْ، وأمرتْ، وبذكر الألوهية التي ضمنتْ صلاح البلاد والعباد، بيَّن سبحانه أنه الغني عن خَلْقه، فقال تعالى: إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ يعني: غني عن إيمانكم ولا تنفعه طاعاتكم.
فهو سبحانه جعل التكاليف لصلاح حالكم لا لمنفعة تعود عليه سبحانه، فأنتم خَلْقه وصَنْعته، والصانع يريد أنْ يرى صنعته على أحسن حال، يرى العبد المؤمن في المجتمع المؤمن الذي تتساند حركته لا تتعاند، وتتفق توجهاته لا تتضارب، الخالق سبحانه لا يحب أنْ يرى خَلْقه يتصارعون، واحد يبني والآخر يهدم.
إذن: هذا هو الهدف من الخَلْق ومن المنهج؛ لأن الله تعالى بصفات الكمال فيه خلق الخَلْق، ولم يزدْه الخَلْق صفة واحدة لم تكُن له من قبل، إذن: لا حاجة له إليكم. إنما أنتم صنعته ويريد لكم الخير...
ومعنى قوله تعالى: إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ... وقوله سبحانه: وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ دليل على محبته سبحانه لخَلْقه، فكأنه تعالى يقول: أنا غني عنكم، لكن لا أحب أنْ تكونوا كافرين؛ لأنني أريد أن أباهي بكم ملائكتي الذين قالوا عنكم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: ٣٠]...
فالحق سبحانه لا يرضى لعباده الكفر لأنهم خَلْقه وصَنْعته، وهو سبحانه حريص على ما يُصلحهم، حريص على أنْ يكونوا مؤمنين لتستقيم أمورهم، وتمتد نِعَمه عليهم من الدنيا إلى الآخرة، فكما أنعم عليهم في الدنيا بِنعم موقوتة يريد أنْ يُنعم عليهم في الآخرة ونِعَم الآخرة باقية خالدة...
وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ فإن تشكروا يرضى لكم الشكر، ويعجبه منكم، ويحبه لكم، ويجزيكم عليه خيراً، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ.. [إبراهيم: ٧]، فالشكر على النعمة يعطينا مزيداً من النعمة، فنشكر عليها فتعطينا المزيد، وهكذا يظل الشكر دائماً والنعمة دائمة...
ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ يعني: إنْ كنتُ قد بدأتُ خَلْقكم بالإكرام لكم، وقابلتم هذا الإكرام بالجحود، ولم تؤدوا حَقّه بالإيمان بي والطاعة لمنهجي، فاعلموا أنكم سترجعون إليَّ ولن تفلتوا مني فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ أي: يخبركم بما كان منكم.
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر: ٧] إذن: تذكروا دائماً هذه المسألة، واحسبوا حسابها قبل فوات الأوان.
وهذه الآية تحذير من الحق سبحانه، وبيان للعقوبة من شأنه أنْ يردع الناسَ عن الجرائم، فلا تقع ولا تحدث العقوبة أصلاً، وهذا من رحمة الخالق بالخَلْق، فهو سبحانه يريد لهم الخير، ويريد لهم أنْ ينعموا بنعمه في الآخرة، كما نَعِموا بنعمه في الدنيا.
(الضُّر) هو ما يُخرِج الإنسان عن سلامته في نفسه، أو فيمَنْ يعول أو فيما يملك، والإنسان حينما يصيبه الضُّر يُفقِده ركيزة التعالي؛ لأنه لا يسلِّم نفسه بلا ثمن، ويعرف أنه لا أحدَ يرفع عنه ضُرَّه إلا الله، فيتوجه إليه وحده ولا يغشَّ نفسه...
كذلك الإنسان إذا مسَّه الضر وعزَّتْ عليه أسبابه لا يلجأ إلا إلى ربه بعد أنْ انهدَّتْ فيه حيثية كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧] وبعد أنْ سقط عنه قناع التعالي والغطرسة...
فالإنسان ساعةَ يصيبه الضر، وهو يعلم أن الضر لا يرفعه إلا الله، ولا يصرفه إلا خالق السماوات والأرض، فإنه لا يتوجه إلا إليه، لمن تعتقد مواجيده أنه قادر على رَفْع هذا الضر، حتى لو كان كافراً بالله، غيرَ مؤمن به فإنه إذا مسَّه الضر يقول: يا رب، والعجيب أن الله يقبله ويغيثه ولا يرده أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوۤءَ [النمل: ٦٢].
ويكفيك أنك لم تجد إلا أنا ولا تقول إلا يا رب. لذلك قال سبحانه: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٦٧] يعني: إنْ دعوتَ غير الله لا يستطيع الوصول، ويضل الطريق إليك، ولا يجيبك إلا الله.
ومعنى مُنِيباً إِلَيْهِ راجعاً إليه. ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ [الزمر: ٨] يعني: أعطاه نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ [الزمر: ٨] أثار العلماءُ ضجة ومعركة حول الاسم الموصول (ما) هنا وقالوا: لماذا لم يقل نسي مَنْ لأن مَنْ تدل على العاقل، أما (مَا) فلغير العاقل، على معنى أن (مَا) هنا تعود إلى الله تعالى.
ونقول: القرآن يسير على غير هذا، واقرأ: قُلْ يٰأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ [الكافرون: ١-٣] فـ (ما) أطلقت على الله تعالى. إذن: (ما) هنا في معناها الصحيح، وإنْ غابت عنكم حكمة ذلك، نعم مَنْ للعاقل، وما لغير العاقل، لكن الحق سبحانه لم يصف نفسه بالعقل؛ لأن العقل صفتك أنت، فجاء بالصفة التي لا تمنع عدم وجود العقل، ولو قال مَنْ لأدخل الحق سبحانه فيمن يعقل، وهو سبحانه لم يصِف نفسه بأنه عاقل، إنما عالم وعلاَّم.
ويمكن تفادي هذا الإشكال لو وجَّهنا (ما) توجيهاً آخر، فيكون المعنى: نسي الضر الذي كان سبباً في رجوعه إلى الله، لا نسي مَنْ أنقذه، وكشف عنه ضُرَّه، وتكون مَا بمعناها اللغوي لغير العاقل.
وقوله: وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ أنداد: جمع ند، وهو الشبيه أو المثيل والنظير، وهؤلاء الكفار رجعوا لله تعالى أنداداً مع علمهم أنه الإله الحق سبحانه، ومع علمهم أنه ضَلَّ مَنْ تدعون إلا إياه، ليرضوا في أنفسهم مواجيد الفطرة الإيمانية، فالواحد منهم يريد أنْ يكون له إله يعبده، لكن إله على هواه، إله ليس له تكاليف، وليس في عبادته مشقة على النفس، إله بلا منهج: لا افعل، ولا لا تفعل.
وقوله لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ البعض قرأها بالفتح (ليَضل) ونقول: هو لم يفعل ذلك إلا لأنه ضَالٌّ في نفسه، فالأقرب بالضم (ليُضل) أي: يُضل غيره.
ثم يقول سبحانه (قُل) أي: رُدَّ يا محمد. وقُلْ: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ لكن ما وجه التمتُّع بالكفر؟ قلنا: أن يعبدَ إلهاً بلا منهج وبلا تكاليف، إلهاً لا يمنعه من شُرْب الخمر ولا يقيد شهوات نفسه إلهاً لا يأمره بالصدق ولا بالأمانة.. إلخ بل يتركه يربع في الكون يتمتع به كما يشاء.
وقال: قَلِيلاً لأن التمتُّع هنا موقوت بالدنيا ومدة بقائه فيها، وقلنا: إن الدنيا بالنسبة للإنسان هي مدة بقائه فيها لا مدتها منذ خَلْق آدم إلى قيام الساعة.
وكلمة مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ الصحبة هنا تدل على التعارف والمودة الحميمة بين النار وأهلها؛ لذلك يقول تعالى في خطاب النار: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق: ٣٠] يعني: هاتوا أحبابي وأصحابي، وإليَّ بالمزيد منهم.
ثم يقول الحق سبحانه: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ الَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ....
كلمة (أم) تفيد التخيير بين أمرين، تقول هذا أم هذا، فلا بُدّ أن يكون لها مقابل، فما مقابل أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ الَّيلِ.. [الزمر: ٩] المقابل لذلك في قوله تعالى قبلها: وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ.. [الزمر: ٨].
فالمعنى أيهما أحسن من صفته إذا مسَّه الضر يضرع إلى الله، فإذا كشف عنه الضر جعل لله أنداداً، أمَّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه.
ومعنى: قَانِتٌ.. دائم الخضوع والعبادة...
وقوله: يَحْذَرُ الآخِرَةَ يعني: يخاف منها ومن القهر فيها وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ لأن رحمته سبقت غضبه، لم يقل يأمن مقابل يحذر إنما ذكر أولاً ما يُخوِّف من الآخرة إنْ عصى، والمراد يحذر النار في الآخرة، لكن لما تكلَّم عن رحمة الله جعلها مباشرة، فقال وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ولم يقل: ويرجو الجنة.
والمؤمن حين يرجو لا يرجو عمله وسَعْيه في الدنيا، إنما يرجو وينتظر رحمة الله، لأنه لا ينجو بعمله، لأن أيَّ إنسان مهما كان صالحاً حين تحاسبه حساباً دقيقاً لا بُدَّ أنْ يخرج بذنوب وإدانة.
إذن: فالكفيل فينا جميعاً والذي يسعنا رحمة الله، كما جاء في الحديث الشريف:"لا يدخل أحدٌ الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أنْ يتغمدني الله برحمته".
فإياك إذن أنْ تغترَّ بعملك، لأن التكاليف كلها لصالحك أنت، ولا يعود على الله منها شيء، فحين يجازيك عليها في الآخرة فهو تفضُّل من الله ونعمة.
ثم يقول سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ بعد أن عقد الحق سبحانه مقارنة بين الإنسان إذا مسَّه ضُر دعا ربه منيباً إليه، ثم إذا خوَّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، ومَنْ هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذَرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه.
أراد سبحانه أن يؤكد هذا المعنى، وأنْ يبين لنا أن أصحاب العلم الحقيقي لا يستوون، وأصحاب العلم غير الحقيقي قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ فالذي رجع إلى الكفر بعد أنْ كشف الله عنه ضُره لم يعلم العلم الحقيقي، لأنه لو علمه ما رجع إلى الكفر ولاستقلَّ المطلوب منه في الدنيا إذا قارنه بما أعدّ له من جزاء في الآخرة.
أما الذي هو قانِتٌ آناءَ الليل ساجداً وقائماً، يحذَرُ الآخرة، ويرجو رحمة ربه، فقد علم العلم الحقيقي، فالقنوت بالليل فيه مسائل كثيرة: أولاً: أنه أبعد عن الرياء والسمعة، ثانياً: أن كل جوارحه تفرغتْ للقاء ربه، فالعين مثلاً في ظلمة الليل تستريح من المرائي التي تشغل الإنسان وتأخذ انتباهه؛ لأن كل مرأى يأخذ جزءاً من خواطرك، فهذا راح وهذا جاء وهذا قال وهذا..
أما الليل فسكونٌ لا انشغال فيه، فالجوارح كلها خالصة لوجه الله، لا تشغلها المرائي والأصوات. وهذا الجو يوفر لك وقفة حقيقية وخاشعة بين يدي الله.
وفي القنوت تترك النوم وتحرم نفسك راحتها، لتقوم بين يدَيْ ربك ساجداً أو قائماً؛ هذه صفة أهل القنوت الذين يقضون الليل في مناجاة ربهم، وهذا هو حال المرتحل في كتاب الله الذي لا ينتهي إلى السين من "والناس "حتى يبدأ في "بسم الله الرحمن الرحيم "في أوله؛ لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن القرآن كله مبني على الوصْل، لا على الوقف.
فهل يستوي مَنْ هذا حاله مع مَنْ كفر بالله؟ هذا علم وعمل، ولذلك لم يعلم أو علم ولم يُوظِّف علمه فيما ينفعه. ثم إن العبد حينما يعلم ويعمل بعلمه يُفيض الله عليه بالمزيد...
لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي:"ما تقرب إليَّ عبدي بمثل ما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينه"...
وقوله سبحانه إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ.
أي: أصحاب العقول المفكرة التي تبحث في المحسَّات، وتتأمل في الآيات؛ لأن للإنسان حواسَّ تدرك، وعقلاً يرجح ويختار، فيأخذ هذه بالسمع، وهذه بالبصر، وهذه بالأنف ثم يعرضها على العقل لينظرَ ما فيها من الخير وما فيها من الشر، فإنْ كان العقل صحيحاً رجح الخير، واختار من البدائل أجداها فائدة، وأهمها نفعاً.
التقوى أنْ تحترز من المعاصي، وأنْ تجعل بينك وبين صفات الجلال من الله وقاية، فالله جبار قهار ذو انتقام، فاجعل بينك وبين هذه الصفات وقاية تحميك.
وقوله الَّذِينَ آمَنُواْ للعقائد اتَّقُواْ رَبَّكُمْ أي: في التكاليف لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ أي: حسنة في الآخرة، فلم يقل: للذين أحسنوا حسنةً في هذه الدنيا؛ لأن الكفار يتمتعون في الدنيا بحسنات كثيرة من المال والجاه والعلم.. الخ.
فإنْ فسَّرنا الحسنة على أنها النعيم، فالنعيم الذي يكون سبباً في صَرْف الإنسان عن ربه لا يُعَدُّ حسنة إنما سيئة، إذن: فالحسنة المرادة هنا في الآخرة. وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ لكن ما علاقة وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ.. بقوله اتَّقُواْ رَبَّكُمْ.
قالوا: يعني: إنْ صادفتَ متاعبَ في أرضك التي تعيش فيها، فإنَّ أرضَ الله واسعةٌ، فالتمس حمايةَ نفسك ودينك في أرض أخرى، كما قال سبحانه: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً [النساء: ١٠٠].
وقال في نفس المعنى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا.. [النساء: ٩٧].
إذن: حين تضيق بك أرضك، وحين يضيق عليك الخناق بها، فالتمس أرضاً أخرى تأمن فيها على نفسك وعلى دينك، وعلى تطبيق منهج الله دون معاند، ودون معارض.
ولو تنبهنا إلى آية في سورة الرحمن لوجدنا فيها حلاً لكل مشاكل الدنيا المعاصرة، هي قوله تعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن: ١٠].
يعني: جعل الأرض كل الأرض دون تحديد تحت تصرف كل الأنام دون تحديد أيضاً، فكلُّ إنسان له في أرض الله نصيب، فإذا ضاق به مكان فله حَقٌّ في مكان آخر. لكن قوانين البشر ومصالحهم غَيَّرَتْ هذه الصورة، ووضعت العقبات والعراقيل والإجراءات المعقدة في طريق هذه الحرية التي كفلها الخالق سبحانه للحركة على أرضه.
لذلك وجدنا أن مشكلة العالم الاقتصادية تكمن في وجود أرض بلا رجال، أو رجال بلا أرض، ولو تركنا الأرض لله كما خلقها الله لعباده، لو جعلنا الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام لقضَيْنا على كل مشاكل الدنيا...
ثم يقول سبحانه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠] الحث على الصبر بعد قوله وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ [الزمر: ١٠] دلَّ على أنه لا بُدَّ أَنْ تُوجَد في الحياة صِعَاب ومشاكل ومتاعب تحتاج إلى صبر...
فالحق سبحانه يريد منا أنْ نتحمل منهج الله، وأن نقوم به لنسعد أنفسنا، ثم نتسامى في الإيمان، ونحاول أن نسعد غيرنا ليحدث استِطراقٌ للخير في المجتمع؛ لِذلك قال صلى الله عليه وسلم:"نَضّر اللهُ امرءاً سمع مَقالتي فَوَعاهَا، ثُمَّ أدَّاها إلى مَنْ لم يَسْمَعْها، فَرُبَّ مُبلِّغْ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ".
إذن: فنقْلُ الخير إلى الغير فيه خير لك أنت، وسوف يعود عليك نفعه، لأنه حين تحجب عِلْم الخير عن الغير سيكون هذا الغير في شَرٍّ، وسوف يتعبك هذا الشر وينالك شيء منه، فمن مصلحتك أنت أنْ يعمَّ الخيرُ الآخرين، ومن مصلحتك أنْ يكون غيرك خَيِّراً، لا يسرق ولا يَسُبّ ولا يخون، ولا يتعدى على الآخرين، فنقْل علم الخير إلى الغير مُفيد لناقله، ليكفّ شرَّ ذي الشر عنه على الأقل.
والصابر هو الذي يصبر على الشدائد والمحن التي تُخرِجه عن: سلامة الجوارح، وسلامة المال، وسلامة الأهل، والصابر واثق بأن إيلاَمه وإيذاءه يعطيه خيراً من النعيم الذي فقده قبل الإيلام والإيذاء، لأن الله قال: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وإذا كانت التكاليفُ لها حساب عند الله، فالصلاة لها حساب، والزكاة لها حساب.. إلخ أما الصبر فإن أجره بغير حساب يعني: غير معلوم...
والصبر عدم تشكيك في رحمة الله، وعدم اعتراض على حكمه وقضائه...
آية رقم ١١
قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
نلحظ في هذه الآية تكرارَ الفعل أمرت، وهذا يدل على أننا أمام أمرين، كل منهما مستقل عن الآخر، فالأمر الأول قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر: ١١-١٢] وهذا أمر ليقين الإيمان وليقين العبادة، بحيث نتوجه بها خالصة لله.
والخلوص لله على مراحل، فواحد يعبد الله لانتظار جزائه وطمعاً في جنته، وآخر يعبده خوفاً من ناره، وآخر يعبده لذاته سبحانه، ولأنه يستحق أنْ يُعبد، وأنْ يُحبَّ لذاته.
لذلك قال سبحانه في آخر سورة الكهف: فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ [الكهف: ١١٠] لا جنة ربه ولا جزاء ربه، إنما يريد اللقاء، ويريد الأُنْس بالله، فلا تشغله النعمة، إنما تشغله معية المنعم سبحانه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً [الكهف: ١١٠] والجنة أحد.
إذن: الأمر الأول خاصٌّ بالعقائد، أما الأمر الآخر: وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر: ١٢] فهو للتكاليف الإسلامية بافعل ولا تفعل، لكن كيف يقول رسول الله.
آية رقم ١٢
... كيف يقول رسول الله وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ أليس هو أولهم بالفعل؟ لأن أول تكليف كان له هو ساعةَ نزل عليه الوحي، وقبل أنْ يُبلِّغه إلى أصحابه، إذن: مرت عليه فترة كان هو صلى الله عليه وسلم أول مَنْ أسلم لله، أول مَنْ أسلم منهجه لله، قبل أنْ يبلغ هذا المنهج، هذا إنْ أردناها حقيقة أولية.
وأيضاً له أولية في تنفيذ الأحكام أمام الناس بعد أنْ يبلغهم المنهج، حتى يعلموا أن الرسالة لم تكُنْ لتدليل الرسل، إنما كانت لإقامة الأُسْوة فيهم، فإذا عمل الرسلُ أنفسهم على منهج الله علّموا الناس جميعاً أن هذا المنهج خير، بدليل أنهم ألزموا أنفسهم به تطبيقاً قبل أنْ يلزموا الناس، كالذي قال: لم آمركم أمراً أنا عنه بنَجْوة.
شيء آخر: أن الله تعالى سلب الرسول، وسلب أهل بيته ما أعطاه لعامة المسلمين، فالميت يرثه أهله، ورسول الله لا يرثه أحد من أهله، ولعامة فقراء المسلمين أن يأخذوا من أموال الزكاة والصدقة، أما آل البيت فقد حرم عليهم الأخذ منها.
إذن: تحمُّل رسولُ الله المشاق في سبيل الرسالة، ولم تكُنْ بالنسبة له رفاهية ولا تدليلاً، كذلك تحمَّل معه أهل بيته، ونالهم جزء من هذه المشاق، ولولا أن إشراق الجزاء في نفوسهم يعطيهم الأمل والثقة في الجنة، هذه الثقة التي جعلتهم وكأنهم ينظرون إلى أهل الجنة في الجنة ينعَّمون وإلى أهل النار في النار يعذبون، لولا هذا ما صبروا على هذه المتاعب والمشاق.
لذلك يقول سبحانه حينما يخاطب نساء النبي: يٰنِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ [الأحزاب: ٣٢] فلأنكُنَّ نساء النبي فلا بُدَّ أنْ تكُنَّ أول مَنْ ينفذ منهج الرسول لتتحقق بكُنَّ القدوة، وليعلم الناس أن الرسول ما جاء جباراً يأمرهم بما لا يأتمر به، أو ينهاهم عما لا ينتهي عنه، بل هو في التنفيذ سابقهم وإمامهم وقدوتهم هو وأهل بيته، إذن: كان صلى الله عليه وسلم أول المسلمين بالفعل.
وللعلماء كلام طويل في مسألة أوَّل المسلمين؛ لأنها وردتْ أيضاً على لسان سيدنا موسى عليه السلام، قال وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] أي: مسلمي زمانه، أما رسول الله فأول المسلمين في زمنه وفي زمن غيره، نقول لتقريب هذه المسألة: إن الأولية هنا أولية تفوق، والتفوق قد يكون تفوقاً إضافياً كما نقول: فلان الأول على كلية الحقوق هذا العام، فالتفوق هنا خاص بالعام الذي نتحدث عنه، وربما جاء في أعوام أخرى مَنْ تفوق عليه، وحصل على درجات أعلى منه، وقد يكون التفوق عاماً كما لو قلنا: فلان الأول على كلية الحقوق منذ أنشئت.
إذن: قد تكون الأولية في الزمن، وقد تكون الأولية في مقارنة الأزمان بعضها ببعض، فإذا قال رسول من الرسل: أنا أول المسلمين، فالمراد أول المسلمين في زمانه، وإذا قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنا أول المسلمين فالمراد أول المسلمين من لدن آدم إلى قيام الساعة، يعني: أنا وإنْ تأخر زمني إلا أنني الأول إذا أخذنا الرتبة ساعة التكليف، ثم إن غيري من الرسل بُعِثَ إلى زمن بعينه في مكان بعينه، وأنا بُعثْتُ للناسِ كافة في كل زمان ومكان، ثم إنني خاتم الرسل، فلا رسالة بعدي ولا معقبَ من الرسل على رسالتي، هذه كلها حيثيات الأولية عند رسول الله، وهي حيثيات ظاهرة لا تُنكَر.
لذلك نجد الأولية دائماً على لسان رسول الله كما في قوله تعالى: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] يعني: أول مَنْ يُصدِّق هذه المسألة.
آية رقم ١٣
سبحان الله، أيقول رسول الله إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ فكأنه يقول: أنا لم آخذ هذه المنزلة حكماً مطلقاً أنني نبي مُكرَّم، بل أنا كعامة الناس إنْ عصيتُ ربي تعرضتُ للعقاب، يعني تقديم الله لي أولاً واصطفاؤه لي لا يشفع لي إنْ حدثتْ مني معصية.
... قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ نفهم أن هؤلاء المشركين خسروا أنفسهم يوم القيامة، لأنهم ظلموا أنفسهم بالكفر وبالشرك، لكن كيف يخسرون أهليهم أيضاً؟ قالوا: لأن أهليهم هم أولادهم وذريتهم؛ وهؤلاء إما أنْ يؤمنوا، وإما أنْ يظلوا على كفرهم مع الآباء، فإنْ ظلُّوا على كفرهم فهم خاسرون كآبائهم، وإنْ آمنوا فلن يكونوا مع الآباء، وسيحرمون رؤيتهم، لأن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. إذن: الخسارة ملازمة لهم في كلتا الحالتين.
وكلمة الخسارة هنا أكَّدها الحق سبحانه بالمفعول المطلق ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ثم وصف الخسران بأنه مبين أي: بيِّن واضح ومحيط؛ لأن التاجر متى يكون خاسراً؟ إما أنْ يعود إليه رأس ماله دون زيادة، وفي هذه الحالة يكون قد خسر جهده وتعبه في تجارته، وإما أنْ تتعدى الخسارة إلى رأس المال فيخسر تعبه وجهده، ويخسر جزءاً من رأس المال، وهذا هو الخسران المبين، أي: المحيط بكل شيء فقوله تعالى: أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يعني المحيط الذي أحاط بأهله وماله وتعبه وسَعْيه.
يبين سبحانه عاقبة الكافرين، فيقول: لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: ١٦] كلمة ظلل جمع ظلة، وهي ما يُظِلُّ الإنسان، ويقيه حرارة الشمس، ففي الظل يلتمس الإنسانُ الراحة وطراوةَ الهواء، أما هؤلاء فعليهم ظُلَل لا ظلة واحدة من النار، والنار لا تكون أبداً ظلة.
إذن: هذا أسلوب تهكم بالكافرين، وليت هذه الظلل من جهة واحدة، إنما من فوقهم، ومن تحتهم، والإنسان عادة حينما يأتيه الشر من جهة ينأى إلى الجهة المقابلة، وفي موضع آخر قال سبحانه: لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: ٤١].
إذن: فالنار محيطة بهم لا مهربَ منها، ولا مفرَّ. ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَاتَّقُونِ تأمل رحمة الله بعباده، حتى في مقام ذكر النار والعذاب، فالنار ليس المراد بها تعذيب الخَلْق، إنما تخويفهم وزَجْرهم حتى لا يقفوا هذا الموقف، ولا يتعرضوا لهذا العذاب، وأنت لا تصنع ذلك إلا مع مَنْ تحب، كما تُخوِّف ولدك من الرسوب، وتبين له عاقبة الإهمال، وما سيتعرض له من الذلة والإهانة والاحتقار، إنْ هو فشل في دراسته.
إذن: حظه تعالى من ذكر النار أنْ يُخوّف بها، حتى لا يقع الخَلْق في الأسباب المؤدية إليها، والعاقل ساعة تخوفه يخاف، وساعة تزجره ينزجر ويرتدع، ويُعد هذا التخويف نعمةً من أعظم نعم الله عليه...
لذلك قال بعدها: يٰعِبَادِ فَاتَّقُونِ أي: اجعلوا تخويفي لكم رحمة بكم لا إرهاباً لكم، والإنسان حين يوازن بين المسائل ويقارن بين حال أهل الجنة وحال أهل النار لا بُدَّ أنْ يرعوى، وأنْ يرجع إلى الجادة، وعندها يكون أهلاً لرحمة الله ومغفرته. إذن: من نعم الله علينا أنْ يُخوِّفنا، وأنْ يُحذِّرنا الشر قبل وقوعه، وألاَّ يأخذنا على غِرَّة، أو يتركنا في غفلة.
كلمة الطاغوت مبالغة من طاغٍ، والطاغوت هو الظالم الذي يزيده احترام الناس لظلمه، أو خوفهم منه يزيده ظلماً وغطرسة، والطاغوت لا بدّ أنْ يكون له توجيه وتعالٍ، لذلك لا يقال للأصنام طواغيت، لأنها لا تعلو بذاتها، وليس لها توجيهات، إنما يعلو بها عُبَّادها، إذن: الطاغوت لا يكون إلا من البشر، ولو كان حاكمين فقط، وإلا فما وَجْه الطغيان في الأصنام؟ الأصنام لا قالت ولا ظلمت...
[و] الطاغوت ما صار طاغوتاً إلا لأن الناسَ خافوه ولم يَرُدُّوا طغيانه، ولم يجابهوه، بل وافقوه وداهنوه، فاستشرى به الطغيان.
البعض يرى أن الطاغوت كل ما عُبد من دون الله، لكن ينبغي أنْ نضيفَ إلى ذلك: وهو رَاضٍ بهذه العبادة، وبناءً على هذا التعريف لا تُعَدُّ الأصنامُ طواغيتَ، ولا يُعَدُّ عيسى -عليه السلام- طاغوتاً، ولا يُعَدُّ أولياءُ الله طواغيتَ كما يدَّعي البعض؛ لأن الناس فُتِنَوا فيهم، ولا ذنب لهم في ذلك.
وقوله: وَأَنَابُوۤاْ إِلَى اللَّهِ.. أي: رجعوا إلى عبادته وحده لا شريك له لَهُمُ الْبُشْرَىٰ أي: بالجنة لأنهم وقفوا في وجه الطغيان، وردُّوا الظلم ولم يقبلوه، والله تعالى يريد من المجتمع المسلم أنْ يقف في وجه كل طاغية، وأن يُعدِّل سلوك كل منحرف، وأنْ يقاطع أهل الفساد ويعزلهم عن المجتمع وحركة الحياة فيه.
ومثَّلنا لذلك بالفتوة الذي يحمل السلاح ويهدد الناس في نفوسهم وفي أرزاقهم وأعراضهم، بل ومنهم مَنْ يتحدى القانون والسلطة والنظام، إنه ما وصل إلى هذه الدرجة إلا لأن المجتمع تخلى عن دوره في الإصلاح والتصدي لأهل الشر...
ونفهم من قوله تعالى: وَأَنَابُوۤاْ إِلَى اللَّهِ.. أي: رجعوا إليه، نفهم منها أنهم كانوا مع الله أولاً ثم انحرفوا عنه، كيف؟ قالوا: لأن كلَّ إنسان كان مع الله على فطرة الإيمان الأولى عندما أخذ اللهُ الميثاقَ على الخَلْق جميعاً فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ.. [الأعراف: ١٧٢] لكن منهم مَنْ ظلَّ على هذا العهد وعلى هذه الفطرة السليمة، ومنهم مَنْ انحرف عنها ونسيها.
لذلك كثيراً ما يقول القرآن (وذكر) أي: بالعهد الأول، فمعنى وَأَنَابُوۤاْ إِلَى اللَّهِ يعني: رجعوا إلى الإيمان الفطري وإلى العهد الأول، أو رجعوا إلى الله للجزاء يوم القيامة.
وقوله سبحانه: لَهُمُ الْبُشْرَىٰ البشرى الخبر السَّار الذي نخبر به قبل أوانه، والبُشْرى تنقسم إلى قسمين: إزالة عطب وألم، أو تحقيق مراد وأمل، فالذين اجتنبوا الطاغوت فلم يعبدوها وأنابوا إلى الله تحقَّق لهم الأمران معاً، لأنهم أولاً برئوا من النار وآلامها، ثم تحقَّق مرادهم بدخول الجنة كما قال سبحانه: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. [آل عمران: ١٨٥].
لذلك قال بعدها: فَبَشِّرْ عِبَادِ [الزمر: ١٧] أي بهذه البشرى السارة...
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ القول لا بدَّ أنْ يكون من قائل، فإذا استمعوا القول من قائل يتبعون أحسن ما قيل، وأن ما قيل يكون من أحسن قائل، وإذا نظرنا إلى أحسن قائل لا نجد إلا الحق سبحانه وتعالى، فإذا أمر الله بحكم فاتبعوه فقوله أحسن القول، وأمره أنفع أمر.
والحق سبحانه لا يستفيد من أوامره لكم، ولا تضره معصيتكم، فأنتم إذن المنتفعون بالمنهج، المستفيدون من تنفيذه، ثم أنتم خَلْق الله وصَنْعته، ويعز عليه سبحانه أن تنحرف هذه الصنعة أو تعذَّب.
ثم يريد سبحانه من منهجه وشرعه أنْ يُديمَ عليكم عطاءه ونعمه، وأن تكون نعمة الدنيا موصولة لكم بنعمة الآخرة...
أو: أحسن ما قيل يعني الإسلام، فالإسلام جاء والناس أصناف شتَّى: كفرة لا يؤمنون بإله، ومشركون يؤمنون بإله معه غيره، وأتباع ديانات كان لها كتب ورسل سابقون كاليهود والنصارى. فهؤلاء الذين عاصروا الإسلام إنْ يستمعوا يستمعوا لقول هذا وقول ذاك، يستمعوا للكفار والملاحدة وللمشركين ولأصحاب الكتب السابقة.
فكأن الحق سبحانه يقول: اعرضوا هذه الأقوال على عقولكم، واختاروا أحسنها ولا تتعصبوا لقول دون أنْ تبحثوه وتقارنوه بغيره، فإن فعلتم ذلك وإنْ توفرت لكم هذه الموضوعية فلن تجدوا إلا الإسلام أحسن الأقوال والأَوْلَى بالاتباع، فهو الدين الذي جمع للناس كلَّ خير، ونأى بهم عن كل شر.
وهو الدين الذي جاء مهيمناً على جميع الأديان قبله، وكتابه المهيمن على كل الكتب قبله، وجاء الإسلام ديناً عاماً في الزمان وفي المكان؛ لذلك هو الدين الخاتم الذي لا دينَ بعده، ولا كتابَ بعد كتابه، ولا رسول بعد رسوله.
ودينٌ هذه صفاته لا بدَّ أن يكون قد استوفى كلّ شروط الكمال، كما قال سبحانه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلٰمَ دِيناً.. [المائدة: ٣] فالإسلام إذن أحسن الأديان، وأحسن الأقوال، وأحسن ما نتبعه.
ثم تستمر الآيات في وَصْف المؤمنين الذين اجتنبوا الطاغوت أنْ يعبدوها، والذين أنابوا إلى الله والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ هداهم يعني دلَّهم وأرشدهم، فلما اتبعوا دلالته وإرشاده ولم يكُنْ في نفوسهم عناد لهذه الدلالة أعطاهم هدايةَ التوفيق والإيمان فآمنوا...
كذلك الحق سبحانه يعطي عبده هداية الدلالة والإرشاد، وهذه للمؤمن وللكافر، فمَنْ أطاع في الأولى أخذ الثانية، وهي هداية المعونة، وهذه للمؤمن دون الكافر، فكأن الله تعالى يقول لعبده المؤمن: أنت آمنت بي، وسمعتَ كلامي، وأطعتَ فسوف أعينك على الطاعة، وأخفف أمرها عليك، وأُعسِّر عليك أمر المعصية.
وهذه من أعظم نِعَم الله على العبد أنْ يُيسِّر له أمر الطاعة، ويُعينه على مشقاتها، وفي المقابل يقفل دونه أبواب المعصية ودواعيها. وهذا معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧].
فمعنى (زادهم هدى) يعني: أعطاهم هداية المعونة على الإيمان.
وقوله: وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ أي: أصحاب العقول المفكرة المعتبرة، لأنهم نشروا أمامهم كل الأقوال، وبحثوها وقارنوا بينها، وأخذوا أحسنها الذي يحقق لهم السعادة والمصلحة والانسجام في حركة الحياة بلا تعاند، بل حركة مستقيمة متساندة تنفي من القلوب: الحقد والغل والحسد، وتمنع الانحراف من: سرقة وغش ورشوة واغتصاب.. إلخ.
فمَنْ يصادم مثل هذا المنهج؟ ومَنْ يرفضه؟ إنه منهج مستقيم لا يملك العقل السليم إلا الإذعان له والسير على هَدْيه، لذلك سمى الله هؤلاء الذين اختاروا هذا المنهج سماهم أُوْلُواْ الأَلْبَابِ [الزمر: ١٨] أي أصحاب العقول، والعقل مهمته أن يعقل الفكر فلا يشطح، بل يعرض المسائل ويختار من البدائل ما يصلحه، لكن آفة الرأي الهوى، فالهوى هو الذي يصرفك عن مقول العقل إلى مقول الهوى.
قول آخر يقول: المراد بقوله تعالى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أنه خاصٌّ بمَنْ يستمعون أقوال الإسلام، فيتبعون أحسن هذه الأقوال؛ لذلك جاء بصيغة التفضيل (أحسن) فكأن في الإسلام (قول حسن) و (أحسن)، فهذا الرأي لا يأخذ المسألة على العموم، إنما يجعلها خاصة بأقوال الإسلام، وهي كلها مُتصفة بالحُسْن، لكن منها حسن وأحسن، وأصحاب العقول المتأملة يختارون منها الأحسن.
ومثال ذلك: شرع الإسلامُ مثلاً القصاصَ من القاتل وشرع الدية عليه، وشرع أيضاً العفو، فقال سبحانه: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ.. [البقرة: ١٧٨] فمن أخذ بالقصاص أو الدية أخذ بالحسن، ومَنْ تسامى إلى العفو أخذ بالأحسن.
كذلك في قوله تعالى: إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ.. [البقرة: ٢٧١] فإنْ أبديتَ الصدقة فأنت غير آثم، بل هو أمر حسن، لكن الأحسن منه أنْ تخفيها.
التقدير هنا أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ.. كمن ضاق صدره عن الإسلام، إذن: لا بُدَّ أنْ نذكر هذا المقابل لأنهما لا يستويان فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ.. تدل على أننا أخذنا الضيق من القسوة، فالذي ضاق صدره عن الإسلام ضاق صدره لقسوة قلبه.
وهذه مثل قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ الَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] والمعنى: أهذا كمَنْ لم يقنت؟ وعليك أنت أنْ تجيب: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، كمَنْ قسا قلبُه وضاق صدره عن دين الله وهداية الله؟
ومعنى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ.. أي: جعل الضيق واسعاً، وتقول لصاحبك: وسّع صدرك يعني: اجعله مُتسعاً لمناقشة كل القضايا، ومن معاني سعة الصدر ألاَّ تشغله بالخزعبلات، وألاَّ تزحمه بالباطل، حتى يكون لك أُنْس به، وعندها يطرد الباطل الحق كما قلنا في مسألة الحيز.
فالحيز الواحد لا يتسع إلا لشيء واحد، فالماء مثلاً يطرد الهواء حين تملأ زجاجة بالماء.
ومن شَرْح الصدر أن يكون لديك عدالة اختيار حين تختار بين البدائل، عليك أن تصفي قلبك، وأن تُخرج منه كل ما يشغله، ثم تبحث القضايا المعروضة عليك، فما وجدته مناسباً تُدخِله قلبك ليستقر فيه حتى يصير عقيدةً راسخة لا تقبل المناقشة مرة أخرى، لأن الله تعالى خلق لنا حواسَّ تدرك: عينٌ ترى، وأذنٌ تسمع، ولسان ينطق.
وبهذا الحواس نأخذ المعلومات. ثم نعرضها على العقل ليختار منها ويبحث فيها، فما وجده صالحاً أسقطه في القلب، وهذه هي العقيدة التي تستقر في القلب، ولا تطفو لتُبحث من جديد.
لذلك احذر الران الذي يترسب على القلب حتى يغلقه، فلا يكون فيه مكان للحق، والنبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذه المسألة في حديث أبي ذر -رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً -وفي رواية: عَوْذاً عَوْذاً- فأيما قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تكون على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرباداً -وهذا الذي يقول الله فيه: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]- كالكوز مُجخياً -منكوساً- لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً".
والفتن هنا هي الشُّبَه التي تعرض للناس في الدين، والرسول صلى الله عليه وسلم يشبهها بالحصير الذي يُنسج عوداً بجوار عود، حتى يكون كالحصيرة التي نجلس عليها، أو عَوْذاً يعني: نستعيذ بالله من هذه الفتن، أو عوْداً أي مرة بعد مرة.
إذن: إنْ أردتَ بحث قضية الإيمان فاشرح صدرك أولاً، ووسِّعه بأنْ تُخرج ما فيه من اعتقادات، لذلك يقول سبحانه: أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ.. والنور له مصادر، إما نور مادي كالشمس والقمر والنجوم، وهذه الأنوار التي اكتشفها الإنسان حديثاً، أو نور معنوي وهو المقصود هنا، نور القيم والمنهج فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ.. أي: نور الهداية الذي عناه القرآن الكريم في قوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ.. [النور: ٣٦-٣٧]...
فالحق سبحانه أعطاكم النور الحسيِّ الذي يعينكم على حركة الحياة، ليرى الإنسانُ مواضع قدمه فلا يحطم الأشياء ولا تحطمه إذا ما اصطدم بها، والنور المعنوي للقيم وللروح...
وقوله سبحانه: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ويل لهم لأن قسوة قلوبهم حالتْ بينهم وبين الإيمان، فويل لهم ساعةَ يعرفون أن لهم ربّاً كفروا به، وتفاجئهم هذه الحقيقة التي طالما أنكروها.
وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه القضية في قوله سبحانه: مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ.. [إبراهيم: ١٨].
والمعنى: أنهم حبطت أعمالهم وخاب سعيهم.
وقال أيضاً: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
فويل لهم ساعة يعرفون أنهم كفروا بالله وضاق صدرهم عن أن يتسع لنور الإيمان، فالويْل لهم حاضر قبل أنْ يأتيهم العقاب.
وقوله: أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ أي: بيِّن واضح، والضلال هو عدم الاهتداء في المهيع الذي يسير فيه، كالسائر مثلاً في صحراء وضلَّ فيها الطريق، إن ضلاله يبدأ بانحرافه عن الطريق الصحيح ولو بسنتيمترات، لأنها لا بدّ أنْ تنتهي به إلى مساحات شاسعة في الضلال... فالمعنى: أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ أي: لا يهتدون إلى شيء أبداً.
يقول الله تعالى: ما دُمتم ستتبعون الأحسن وتختارونه فأنا مُنزِلٌ عليكم أحسن الحديث، نعم هو أحسن الحديث لأنه كلامُ الله وكلام الله صفته، وهو كامل الكمال المطلق، وقد جعله الله مُعْجزاً، وتولى سبحانه حفظه بنفسه ولم يكل حفظه للخلق.
وفي عُرْف البشر أن الإنسان لا يحفظ إلا ما كان حجة له ولا يحفظ الحجة عليه، أما الحق سبحانه فيحفظ القرآن وهو حجة عليه سبحانه لخَلْقه، فكل ما أتى في القرآن ضمن الحق سبحانه حدوثه، كما أخبرنا الله به لأنه هو منزله وهو حافظه.
والمراد بأحسن الحديث القرآن الكريم، ومعنى مُّتَشَابِهاً [الزمر: ٢٣] أي: يشبه بعضُه بعضاً في الحُسْن أو في البلاغة أو في الموضوع، فإياك أن تقول: هذه الآية أبلغ من هذه، لأن كل آية بليغة في موضوعها...
وقوله: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ.. وهذه صفة العبد الذي يخشى ربه ويراقبه ويعمل لنظره إليه حساباً، لأنه دائماً يعرض سلوكه على ربه، فإن رأى فيه مخالفة عاد إلى كلام الله وتذكَّر وعيده فيحدث عنده قشعريرة في جلده من خشية ربه، وهي أنْ يجفّ الجلد ويقعقع وتحدث رعشة في البدن من خوف العذاب، ومن خوف غضب الله، ثم يعود فيتذكر رحمة ربه التي سبقتْ غضبه، وعفوه الذي سبق عقوبته، فيعود إلى حالته الأولى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ.
إذن: المؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، وقلبه بين هذين الأمرين، فساعةَ يتذكر العقاب على المخالفة يقشعر جلده خوفاً، وساعة يتذكر رحمة ربه يلين جلده ويهدأ قلبه، ولِمَ لا وربه قد قال: قُلْ يٰعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣].
(ذلك) وهذا هو الذي يحدث للمؤمن هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: ٢٣] وقد وقف كثيرون عند هذه الآية يقولون: ما دام أن الله هو الذي يُضل فَلِمَ يُعذّب الضال؟ ومعنى وَمَن يُضْلِلِ يعني: يعلم ضلاله، ويعلم أنه لن يسمع كلامه ولن يتبع منهجه، وقد خلقه الله تعالى مختاراً إنْ شاء آمن وإنْ شاء كفر، إذن: فالكافر ما كفر غَصْباً عن الله، إنما هل رضي الله منه ذلك؟
وقوله: فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ يعني: إياكم أنْ تستدركوا على الله بأحكام بشرية تُصنِّفها لكم عقول الذين يستنكفون أنْ يأخذوا عن الله، فما دام الله قال فلا يصح أنْ نستدركَ عليه سبحانه؛ لأنه لا يمكن أنْ نأتي بهدي أحسن من هُدَى الله.
الاستفهام في (أفمن) مثل سابقه في قوله تعالى: أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ.. [الزمر: ٢٢] لذلك لا بدّ أن نقدر هنا المقابل، فالمعنى: أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: كمن لا يعذب، ويمكن أنْ نرقي المسألة فنقول: كمن يُنعّم؟ ولك أنت أن تحكم.
ومعنى سُوۤءَ الْعَذَابِ أي: العذاب الشديد السيئ، وتأمل يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ الْعَذَابِ معلوم أن الوجه أشرف أعضاء الإنسان، وبه تتميز سمات الخلق؛ لذلك يقول سبحانه: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [الفتح: ٢٩].
ولولا سمات الوجوه لتساوت الأبدان وتشابهت بعضها ببعض، لذلك يهتم الإنسان بوجهه ويدافع عنه ويحميه أولاً، ومثّلنا لذلك برجل يسير في الطريق، فمرّت بجواره سيارة مثلاً نثرت عليه وعلى ملابسه الطين، بالله ما أول شيء يحرص على نظافته وإزالة الأذى عنه؟ إنه يمسح أول ما يمسح وجهه، ثم يلتفت إلى ملابسه، لأن الوجه هو أشرف الأعضاء وأشهرها وأكرمها، وهو المُحَافَظ عليه قبل كل الجوارح.
إذن: ما بالك بعذاب لا يجد الإنسان ما يتقيه به إلا وجهه؟ نعم يتقي العذاب بوجهه، لأن يديه مغلولة، وقدمه مُكبلة، فلا مهربَ له ولا خلاصَ، فلا يملك إلا أنْ يتقي العذاب ويدفعه عن نفسه بأعزّ ما يملك، وبأشرف أعضائه وهو الوجه.
وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ قوله في العذاب (ذُوقُوا) تهكم بهم، واختار الذوق وهو جارحة من الجوارح التي تؤدي مهمة في جسم الإنسان مثل العين والأذن، إنما اختار الذوق خاصة، لأن الذوقَ هو الحاسة الملازمة للإنسان، وبه قوام الحياة، حيث بالتذوق ندخل الطعام والشراب، ونتمتع به ونجد له لذة تفوق الملاذّ الأخرى.
أما العين والأذن مثلاً، فقد ترَى أو تسمع ما لا يعجبك، أما في التذوق فإنك تختار ما يعجبك وتجد له لذة، وهنا يريد الحق سبحانه أن يعمم الذوق في الجسم كله، فجميع البدن يذوق العذاب.
وقلنا: إن اللسان هو جارحة التذوق بمراحله وما حوله يذوق ويُميِّز الطعوم، فإذا ما تجاوز الطعامُ هذه المنطقة فلا يشعر الإنسان له بأيِّ مذاق، ولذلك رأينا صناع الدواء يُغلفون الدواء المرّ بمادة مُستساغة مقبولة، تساعد على مرور الدواء من منطقة التذوق دون أنْ نشعر بمرارته.
وإذا نظرتَ إلى الجوارح كلها تجد أنها مُتعلقة بالغير، فأنا أسمع غيري وأرى غيري، وألمس غيري أو بعضي، أما الذوق فخاص بالإنسان نفسه، فلا يذوق إنسانٌ لآخر؛ لذلك اختار الله سبحانه هذه الجارحة في إظهار شدة العذاب وألمه ذُوقُواْ وفي موضع آخر (ذُقْ). لا رؤية ولا سماع ولا شم ولا لمس، إنما بالذوق الذي هو خاص بصاحبه، وكأن لكل واحد منهم مذاقاً يناسب عذابه.
وإذا كان للذوق منطقة خاصة هي اللسان بمراحله وما حوله، فالذوق هنا أراده الله عاماً وشاملاً، ليس في منطقة الذوق، ولكن الجسم كله يذوق العذاب، بدليل قوله سبحانه: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ.. [النساء: ٥٦] فالإذاقة هنا تعدَّت منطقة الذوق إلى الجسم كله.
وإذا ما نظرنا إلى قوله تعالى -بالاعتبار- في القرية التي كانت آمنة مطمئنة فكفرتْ بأنْعُم الله، قال الله فيها: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ.. [النحل: ١١٢] فكأن الإذاقة تلبسهم وتحيط بهم من كل ناحية...
وقوله تعالى: مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ مادة (كسب) في القرآن الكريم جاءت كما قلنا على صيغتين: كسب واكتسب، وقد بيَّن الحق سبحانه متعلق كل منهما في قوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.. [البقرة: ٢٨٦] فكسب للخير واكتسب للشر؛ لأن كسب على وزن فعل، والخير يأتي من صاحبه طبيعياً لا تكلُّف فيه ولا افتعال، أما اكتسب فعلى وزن افتعل فيها افتعال، والافتعال لا يكون إلا في الشر، فالخير لا يحتاج منك إلى حيل وافتعال، بل يأتي طبيعياً على خلاف الشر.
وقد أوضحنا هذه المسألة بالرجل يجلس مع زوجته وبناته، وينظر إلى جمالهن نظراً طبيعياً لا يحتاط فيه لشيء ولا يخشى فيه شيئاً، أما إن أراد أن ينظر إلى امرأة جميلة في الشارع مثلاً، فإنه يتلصص لذلك ويحتال، هذا هو الافتعال.
لكن القرآن الكريم خالف هذه القاعدة في مواضع، منها هذه الآية وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ولم يقل تكتسبون، فاستخدم كسب في الشر، وفي موضع آخر أيضاً قال: بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٨١].
فلماذا عَدَل القرآن عن اكتسب إلى كسب؟ قالوا: لأن الإنسان والعياذ بالله قد يتعوّد المعصية ويألف المخالفة حتى تصير له عادة يفعلها فِعْلاً طبيعياً ويأنس بها وكأنها طاعة، وهذا الذي نسميه (فاقد) ولأنه ألفها وتعوَّد عليها بل ويفرح بها عبَّر القرآنُ عنها بكسب التي هي للخير، ونقل الاكتساب إلى محل الكسب.
لذلك فرَّق القرآن بين مَنْ يفتعل المعصية ويقصدها ويسعى إليها، ومَنْ تقع عليه المعصية دون إعداد لها، واقرأ قول الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٧-١٨].
معنى (بِجَهَالَةٍ) أي: من غير قصد لها ولا ترتيب ولا بحث عنها، وإنْ حدث منهم السوء لا يفرحون به، بل يألمون ويندمون، أما النوع الآخر فيرتكب السيئات عن قصد ولا يبالي، وربما فرح بها وجاهر بها.
... وقوله سبحانه: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا.. الضرب قلنا: هو إيقاع شيء فوق شيء بقوة وشدة ليحدث فيه أثراً، ومن ذلك الضرب في الأرض أي: حرثها والاعتناء بها لتعطيك من خيرها، وضَرْب المثل يكون لأنه في ظاهره غريب، فنقول لك: لا تستغربه فهو مثل كذا وكذا فيتضح المقال ويزول الاستغراب، والمثَل يشبه المختلف فيه بالمتفق عليه...
ومادة مثل في القرآن الكريم وردتْ إحدى وأربعين مرة بلفظ مثل، واثنتين وعشرين مرة بلفظ مثلاً، وثلاث مرات بلفظ مثلهم. وقوله تعالى: مِن كُلِّ مَثَلٍ.. يفيد العموم، يعني: لوَّنا لهم الأمثال لنُبين لهم قواعد الدين بما يشاهدونه من الماديات لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: يتأملون هذه الأمثال، ويضعون كل مثَل مقابل مثاله، وليأخذوا من المشاهد دليلاً على ما غاب، ومن المتفق عليه دليلاً على المختلف فيه.
آية رقم ٢٨
وقوله سبحانه: قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ.. [الزمر: ٢٨] أي: أن هذه الأمثال جاءت قرآناً عربياً مبيناً واضحاً لا عوجَ فيه، وهو كتاب يُقرأ ويكتب وتتكرر تلاوته في العبادة، وهو محفوظ لا يناله تحريف أو تبديل والذي يحفظه قائله سبحانه، إذن: فهذه الأمثال باقية ببقاء القرآن خالدة بخلوده ستظل أمامكم تفيدون منها، كلما عرضتْ لكم قضايا الحياة وجدتم الحلّ لها.
وقوله: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ.. [الزمر: ٢٨] ليس مائلاً إلى جهة من الجهات، بل هو مستقيم، لأنه التشريع الحقّ من الله الذي لا يُحابي أحداً ولا يجامل أحداً حتى رسله، واقرأ قوله سبحانه لنبيه وخيْر رسله محمد إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً [الإسراء: ٧٥].
وفي سورة الكهف وصف القرآن بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً.. [الكهف: ١-٢].
وقوله: لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: ٢٨] أي: يتقون صفات الجلال من الله تعالى ومُتعلقاتها من التعذيب بأيِّ لون من ألوان العذاب.
هذا مَثَل ضربه الله لبيان قضية التوحيد، ويوضح من خلاله الفرق بين عبد لسيد واحد، وعبد لعدة أسياد، وهذه صورة مكوَّنة من عدة عناصر، فالرجل مملوك لشركاء، وليْتهم متفقون على شيء، إنما متشاكسون مختلفون، كل منهم يأمر بشيء، فإنْ أرضى هذا أغضب ذاك، وإنْ أطاع سيداً عصى الآخر.
إذن: كيف يبدد نفسه؟ وكيف له أن يستريح فهو دائما في حيرة من أمره؟ أما الآخر، فعبدٌ لسيد واحد، أمره واحد، وهو مرتبط بسيده، قاصرٌ خدمته عليه.
هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً.. [الزمر: ٢٩] ويترك الحق سبحانه لك أنْ تجيب أنت على هذا التساؤل هَلْ يَسْتَوِيَانِ.. [الزمر: ٢٩] لا نملك إلا أنْ نقول: لا يستويان أبداً، ونُقِر نحن بهذه الحقيقة، وهذا هو مقصد القرآن أنْ نُقِر نحن بها، لا أن تُلقى إلينا كخبر من الله تعالى، وهذا الذي نحكم به يقوله كلُّ عاقل، ولا يردّه أحد.
فالعبد المملوك لسيِّد واحد، كمَنْ آمن بالله تعالى وأخلص له العبادة وحده سبحانه، والعبد المملوك لشركاء متشاكسين مثال للعبد الذي أشرك مع الله في العبادة، وعليك أنت أنْ تعتبر.
وقوله سبحانه: الْحَمْدُ للَّهِ.. [الزمر: ٢٩] أي: الحمد لله على أنْ ضرب لنا الأمثال، وأوضح لنا الأمورَ لنأخذ المعقول المعنوي بالمُحَسِّ المادي، فالذي يعبد الله وحده لا شريك له يعيش مرتاحَ البال، هادئ النفس، مطمئن القلب، على خلاف مَنْ يعبد آلهةً متعددة، فهو مشتّتُ النفس، غير مستقر البال، إنْ أرضى سيداً أغضب الآخر، وليس لديه القوة التي تعينه على إرضاء الجميع.
فالحمد لله الذي نزَّل القرآن عربياً، لا عِوَجَ فيه، والحمد لله الذي ضرب لنا فيه الأمثال التوضيحية التي تُقَرِّب ما تقف فيه العقول بالذي تتفق فيه العقول.
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩] أي: لا يعلمون هذه القضية، لا يعلمون أن الإيمانَ بالإله الواحد الحق والعبودية الخالصة له سبحانه فيها سعادة العبد وراحته، وأن العبوديةَ لآلهة شتى في شقاوة العبد وتعبه.
وهم لا يعلمون هذه الحقيقة لأنهم ما وضعوا قضية الإيمان بالربوبية موضعَ البحث العقلي، بل أخذوها هكذا بلا تأمُّل، المهم عنده أنْ يكون لهم إله ليس له أوامر ولا نواهٍ، إله بلا منهج وبلا تكاليف، وما أحسنَ هذا الإله الذي تأخذه على مزاجك، ووفقاً لهواك.
وقوله سبحانه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩] طمأن أهل الإيمان وأهل التوحيد، فهم وإنْ كانوا القلة إلا أنهم موجودون، فالخير لا يُعدم مهما كان قليلاً، ومن ذلك قوله تعالى: ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ [الواقعة: ١٣-١٤].
وقال في أصحاب اليمين: ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ [الواقعة: ٣٩-٤٠] فالخير إذن في هذه الأمة.
آية رقم ٣٤
قوله: لَهُم مَّا يَشَآءُونَ أي: متوفر لهم كلّ ما يشاءون، لكن عند مَنْ؟ عِندَ رَبِّهِمْ حين تكون لا عندية إلا لله وحده، هذه العندية هي معنى قوله تعالى: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦].
فالعندية تكون للناس في الدنيا، فهذا موظف عند هذا، وهذا خادم عند هذا، أما في الآخرة فالعندية لله وحده، وفي هذه العندية ينال المؤمن ما اشتهاه في الدنيا ولم يحصل عليه في الآخرة يقول الله لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ولم يقُلْ لهم ما يشاءون، بل ما يشاءون عندي أنا. أي: بلا أسباب، لأن الأسباب كانت في الدنيا، وما تريده بالأسباب قد لا يتحقق لك، وإنْ كان في يدك لأن الله يزاول سلطانه بواسطة خلفائه في الأرض، فيجعل هذا سبباً في رزق هذا، وهذا يعين هذا، والأسباب قد تتخلف أما في الآخرة فلا أسبابَ، بل هو عطاء الله المباشر بلا سبب...
فإنْ كانت للمؤمن مشيئات لا تتحقق في الدنيا فهي مُدَّخرة له في الآخرة عند ربه، هذه المشيئات التي لا تتحقق يسترها شيء واحد أن أكرم المشيئة أنْ تشاء من الله أنْ ينصر دينه، وقد تحققت هذه المشيئة.
إذن: فالمشيئة التي لا تتحقق هي التي تعود على نفسك، أما المشيئة التي تطابق الإيمان بمنهج الله فهي لا بُدَّ متحققة كما تحققت مثلاً في بدر.
فالحق -سبحانه وتعالى- يريد منا حين نكون مؤمنين به ومُصدِّقين لرسوله ألاَّ تكون لنا مشيئة في غير ديننا؛ لأن المشيئة في غير الدين يمكن أن تكون في أيدي الناس فلا يحققوها لك، وربما مات المؤمن قبل أنْ يرى مشيئته بنصر الله فيدخر له ذلك في الآخرة.
إذن: المهم عنده أن تكونَ المشيئة خاصة بنصر دين الله على مَنْ يكذبه ويخالفه، وهذه المشيئة متحققة بدليل: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧٣].
وقوله: ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ صحيح هناك عمل، وهناك فضل، وتشريع الجزاء على العمل من الفضل؛ لأن ربنا حينما يثيبني على شيء يعود عليَّ بالنفع يُعد هذا الجزاء زيادة، والأصل أن يقول لي: لقد أخذتَ جزاءك منفعةً بالعمل الذي عملته؛ لأن خالقك أعطاك كل الأسباب، أعطاك الجوارح التي تعمل بها، وأعطاك الأرض والمال والهواء والماء والطعام، فإنْ أثابك على العمل كان من فضله.
والمحسن درجةٌ أعلى من المؤمن، فالمؤمن يأخذ ما فرضه الله عليه ويُنفِّذه دون زيادة، أما المحسن فهو الذي يؤدي ما فرض الله عليه ويزيد عليه من جنس ما فرض الله، فمثلاً يصلي الصلوات الخمس ثم يزيد عليها ما شاء من النوافل من صلاة الليل، كما قال سبحانه في المحسنين: كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
ولم يقل هنا (حق معلوم) لأن الحق المعلوم هو الزكاة، أما في هذا المقام فالعبد يُزكِّي ماله، ثم يزيد على ذلك ما شاء من التطوع والصدقات، وهذه الزيادات ما طلبها منك ربك، إنما تؤديها محبةً وتقرباً إليه سبحانه.
إذن: كلمة الإحسان عند الله فيها نفس معنى الإحسان للناس. تقول: أحسنت إلى فلان حين تعطيه أكثر من حقه. وحين يجازي الله المحسنَ إنما يعطيه جزاءَ إحسانه، فإذا كان العبد يحسن فالله أوْلَى وأكرم.
والحق سبحانه أعطانا المثَل الحسِّي للإحسان في الأرض، وما تُخرجه من ثمراتها فأنت تضع فيها حبة القمح مثلاً، فتعطيك في المقابل سبعمائة حبة، فإذا كان هذا هو عطاء الأرض المخلوقة لله تعالى، فما بالك بعطاء الخالق سبحانه؟ فالمعنى: لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ لماذا؟ لأنهم كانوا محسنين، وهذا جزاء الإحسان.
وقوله: لِيُكَـفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ هذا أيضاً من العطاء الخاص بدرجة الإحسان، فكلمة أسوأ تدلّ على المبالغة وأقل منها السيئة، فعندنا سيئة وأسوأ منها، ولا شكَّ أن السيئة تنصرف إلى الصغائر، والأسوأ تنصرف إلى الكبائر، فكأن الذي دخل في مقام الإحسان ضمن أن مقام الإحسان يكون له مثل مقاصَّة تُسقط عنه ذنوبه، ليست الصغائر فحسب إنما الكبائر أيضاً؛ لأن الذي يُكفّر الأسوأ يُكفِّر السيئة من باب أَوْلَى، هذا لأنك أدخلتَ نفسك في مقام لم يُطلب منك لمجرد المحبة لمن كلفك.
بل هناك عطاء أعظم من ذلك، هو أن المسألة لا تنتهي عند تكفير الذنوب والسيئات، إنما تُبدَّل إلى حسنات، كما قال سبحانه: فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.. [الفرقان: ٧٠].
فتأمّل درجات العطاء من الله، والربح في التجارة معه سبحانه.
وبنفس الإكرام والتفضل يجازي اللهُ المحسنين على حسناتهم وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ [الزمر: ٣٥] فكما غفر لهم الأسوأ يجازيهم أحسن الذي كانوا يعملون، أيْ: بأحسن من عملهم.
هذا العطاء من الله، وهذا التكرم والتفضل منه على عباده شجَّع الشارد من دعوة الإيمان وحَثَّه على العودة إلى حظيرة الإيمان، فليس هناك ما يحول بينه وبين ربه، وليس في الطريق حجر عَثْرة مهما كَثُرَت الذنوب ما دام بابُ التوبة مفتوحاً.
والحق سبحانه حينما شَرَع التوبة للعاصين المذنبين شرعها لينقذهم من شراسة المعصية، فلو قلنا للعاصي: ليس لك توبة ماذا يفعل [ييأس فيتمادى] يعني: يئس من الإصلاح فتمادى في الفساد وبالغ في الضلال، والحق سبحانه لا يريد لعباده ذلك، ففتح لهم بابَ التوبة ليعطفهم إلى دين الله، فلا يزداد الانحرافُ في المجتمع، ولا تستشري فيه المعصيةُ.
بعد أن أخبر رسول الله القومَ بهذا المنهج الإلهي في الجزاء قال المعاندون لرسول الله: نخاف عليك يا محمد أنْ تمسَّك آلهتنا بسوء وقد أغضبتها، سبحان الله يقولون هذا وهم يعلمون أنها حجارة لا تضر ولا تنفع، ولما مسَّهم الضر ما وجدوا غير الله يلجئون إليه؛ ولذلك نزل قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ....
يعني: يا محمد، لا تهتم بهذا الهراء فالله حَسْبك وكافيك، والذي يدل على ذلك أن رسول الله كان يحرسه القوم من المؤمنين مخافة أن يناله المشركون بسوء، ففوجئوا في يوم أن رسول الله يسرحهم ويُنهي هذه الحراسة ويصرفها.
ولو لم يكُنْ رسول الله واثقاً أن الذي أمره بصرف الحراس كفيلٌ بحفظه وحمايته لما فعل ذلك في نفسه؛ لذلك رأينا المرأة الدنماركية وهي تقرأ في سيرته صلى الله عليه وسلم، أنه أعظم العظماء الذين تركوا بصمة واضحة في التاريخ، وقلبوا ميزان الدنيا، فلما جاءت عند هذه الحادثة وقرأت أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] وقرأت: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] قالت: والله ما فعل محمد ذلك إلا وهو واثقٌ من حماية ربه له، ولو خدع الناسَ جميعاً ما خدع نفسه، وآمنتْ بسبب هذه المسألة.
قوله سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ يحلو للبعض أن يقول المعنى: أليس الله كافياً عبده، ويعتبرون الباء زائدة، وهذا غير صحيح، فليس في كلام الله تعالى حرف زائد، فالهمزة هنا استفهام إنكاري، والإنكار يفيد النفي، بعدها ليس للنفي ونفي النفي إثبات.
يعني: ننكر أن الله ليس بكافٍ عبده، وما دُمْنا ننكر أن الله ليس بكافٍ عبده، فالنتيجة أن الله تعالى كافٍ عبده.
والحق سبحانه وتعالى: له اسم هو الله، وله صفات هي التي عرفناها بالأسماء الحسنى، ومن أسمائه الحسنى الكافي، فالمعنى إذن: أليس الله موصوفاً بكاف عبده، فكيف إذن نقول: إن الباء زائدة؟
إن القول بزيادة الباء هنا يناقضُ بلاغةَ القرآن، ولا يصح أن نقول: إن في القرآن حرفاً زائداً، البعض يتأدّبون مع كلام الله ويقولون: بل هو حرف صلة، وآخرون يقولون: حرف لربط الوجود، ولسنا في حاجة إلى كل هذه التأويلات...
أما الذين قالوا بزيادة الباء في بِكَافٍ فقد اعتبروا (ليس) من أخوات كان التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، فلفظ الجلالة اسمها مرفوع وكافٍ خبرها، فالتقدير: أليس الله كافياً عبده، وهذا ينافي جلال القرآن وبلاغته.
وقوله: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ أي: بالأصنام وَمَن يُضْـلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ يعني: دعهم يقولون ما يقولون فقد أَضلهم الله فمَنْ يهديهم؟
أراد الحق سبحانه أنْ يُسفِّه أحلامهم في أنْ يعبدوا أصناماً، وأراد سبحانه أنْ يقيم عليهم الدليل والحجة على بطلان هذه العبادة، وأنْ يكون هذا الدليلُ إقراراً منهم لا خبراً منه سبحانه، وقلنا: إن إثبات الحكم إما أن يكون خبراً منك، أو إقراراً من المقابل. والإقرار -كما قلنا- سيد الأدلة، وأنت لا تترك للمخاطب أنْ يحكم هو إلا إذا كنت واثقاً أنه سيقول ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك: ألم أُحْسن إليك يوم كذا وكذا؟ لا تقولها إلا وأنت واثقٌ أنه لا يستطيع أنْ ينكر.
لذلك فالحق سبحانه يسألهم هنا عن عمدة الكون في الخَلْق أو الظرف الأعلى الذي يحوي المخلوقات كلها وهو السماوات والأرض، فالإنسان خُلِق له الكون قبل أنْ يُخلق، فطرأ على أرض فيها زرع ونبات وماء وهواء وتربة صالحة، وطرأ على سماء فيها الكواكب والنجوم والشمس والقمر.
فقال سبحانه: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.. [الزمر: ٣٨] لا بدّ أنْ يقولوا الله، والله وحده لأنهم أداروا فكرهم فلم يجدوا أحداً ادعى هذا الخَلْق، ولم يأتِ ببال أحد من الكافرين أو المعاندين أو المنكرين لوجود الله لم يأت على باله أنْ يدّعي هذا الادعاء.
ولو تتبعنا خَلْق الإنسان من لَدُنْ آدم عليه السلام ومَنْ جاء من ذريته نجده طرأ على هذا الكون بسمائه وأرضه، فلو سألناه: أأنت خلقت السماء والأرض؟ لا يستطيع أنْ يقول: أنا خلقتهما.
فاسألهم أنت يا محمد هذا السؤال: مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ [الزمر: ٣٨] ولا بدّ أنْ يقولوا (الله) لأنه ما مرّت فترة على موجود ليس في وجوده أرض وسماء، حتى يُقال إنه أوجدها لما جاء، بل الجميع طارئ على هذا الكون.
ومثلهما تماماً: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] لأن أول مخلوق خُلِق وأوجد لا يستطيع أحد أنْ يقول له: أنا خلقتك، ولا يقدر هو أنْ يقول خلقتُ نفسي.
وقولهم في الجواب هنا (الله) يلفتنا إلى مسألة أخرى، فالله لفظ دائر على ألسنتهم ويفهمون مدلوله وإلا ما نطقوا به، ذلك لأن المعاني توجَد أولاً، ثم تُوضع لها الألفاظ التي تدلّ عليها، ومثَّلْنا لذلك (بالتليفزيون) مثلاً، فقبل أنْ يوجد ما كنّا نعرف هذا الاسم، لكن لما وُجِد وضعنا له الاسم، إذن: كلمة الله كيف دخلتْ لغة الناس؟
إذن: فلفظ الجلالة الله له مدلوله، وهو الحق سبحانه موجود قبل أنْ يُوجد هذا اللفظ. لذلك نقول لمن ينكر وجودَ الله تعالى: كلامك متناقض، فقوْلك الله غير موجود لا يستقيم، لأن الله مبتدأ محكومٌ عليه وغير موجود خبر محكوم به، فكيف تقول إنه غير موجود، والمعنى يُوجد قبل لفظه؟
وكلمة الله ما وُجدَتْ في لغة إلا لأنه سبحانه موجود، موجود قبل الاسم ونحن ما عرفنا الاسم إلا لما أخبرنا به صاحبه؛ لأن عمل العقل في الإيمان أنْ يدلَّك على أن وراء هذا الكون خالقاً أوجده، لكن ما هذه القوة؟ وماذا تريد من الخَلْق؟ هذه ليستْ مهمة العقل، فالعقل لا يصل إليها، إنما نعرفها بالبلاغ عن هذا الخالق.
تذكرون أننا مثَّلنا هذه المسألة قلنا: نحن مثلاً جالسون في منزل ثم دقَّ جرس الباب، ساعة سمعنا الجرس اتفقنا جميعاً على أن أحداً بالباب، لأن كل حدث لا بُدَّ أنّ له محدثاً، لكن مَنْ هو؟ ماذا يريد؟ لا نعرف إلا إذا أخبرنا هو بماهيته وقال: أنا فلان، وأريد كذا وكذا.
إذن: فالعقل بالنسبة للوجود الأعلى لا يدرك مُشخَّصات الوجود الأعلى، إنما فقط يؤمن بوجوده ويستدل عليه، وهو سبحانه يخبرنا باسمه وصفاته ومنهجه ومطلوباته، فالبلاغ لا بُدَّ أنْ يكون من صاحب الشأن.
ومن خيبة الفلاسفة في البحث أنهم أرادوا أنْ يُدخِلوا العقل لا في المعقول فقط، إنما في تصور المعقول، والتصور ليس مهمتهم لأنك لا تستطيع أنْ تتصوَّر شكلَ هذا المعقول، أنت تعقل الموجود فقط ثم تترك للوجود أنْ يتكلم عن نفسه...
فالحق سبحانه قال وأخبر أنه هو الذي خلق هذا الخَلْق، فهذا الوجود لا يوجد إلا إذا أوجده واجد وأنا الذي أوجدته، ولم يَقُم لهذه الدَّعْوى معارض إذن: تثبت الدعوى لصاحبها إلى أنْ يُوجدَ معارض.
لذلك سبق أنْ قلنا: إن كلمة الكفر هي نفسها دليلُ الإيمان، لأن الكفر معناه الستر، ولا يستر إلا موجود، فكأن الكفر طارئ على الإيمان، كأن الأصل في الفطرة السليمة الإيمان، ثم طرأ عليه الكفر ليستره.
وبعد أنْ قالوا (الله) وأقروا الحجة الأولى في أنه سبحانه خالق السماوات والأرض قال لهم قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.. [الزمر: ٣٨] يعني: أخبروني فأمَّنهم أن يقولوا هم وأنْ يخبروا عن الذين يدعونهم من دون الله أي الأصنام إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ.. [الزمر: ٣٨] أي: الأصنام كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ.. [الزمر: ٣٨] الجواب لا يكون إلا بالنفي، لأن الأصنام أولاً لا تسمع ضراعة مَنْ يتضرع لها، ولا يدركون مطلوبه، فكيف يجيبونه في كشف الضر عنه؟
وفي المقابل: أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ.. [الزمر: ٣٨] أي: الأصنام مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ [الزمر: ٣٨] الجواب أيضاً بالنفي، إذن: ثبت النفع لله بإقرارهم، وثبت البطلان لآلهتهم، لكن إنْ تلجلجوا بعد ذلك فلم يجيبوك لأن الجواب سيلزمهم الحجة فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ.. [الزمر: ٣٨] أي: في إيجاد النافع في خَلْق السماوات والأرض، وحَسْبي الله في دفع الضر عني، فهو يكفيني.
وهذا معنى قوله تعالى في الآية السابقة: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] كافيه يعني: يعطيه النعمة نعمة الوجود أولاً، ثم نعمة امتداد هذا الوجود واستبقاء الحياة، ثم نعمة استبقاء النوع، وبعد ذلك يرفع عنه الضر إنْ أصابه ونزل به، والإنسان إذا مسَّه الضر في نفسه لا يتجه إلى إله باطل أبداً، لأنه لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، لذلك قال سبحانه: ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٦٧].
وقوله: عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٨] هنا أسلوب قَصْر، يقصر التوكل على الله وحده، وهذا هو التوكل الحقيقي؛ لأن المتوكل على شيء يجعل لقوته رصيداً إذا ذهبتْ هذه القوة، لذلك فالعاقل هو الذي يتوكل على مَنْ يغيثه ويُعينه وإذا احتاج إليه وجده، وقلنا: خاب مَنْ توكل على مثله لأنك تتوكل عليه، وتأمل عنده قضاء حاجاتك، وبعد أيام تقرأ نَعْيه في الجرائد، لذلك يُعلمنا ربنا سبحانه كيف نتوكل، فيقول: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ [الفرقان: ٥٨].
وفرْق بين التوكل والتواكل؛ لأنه يد الله مُدَّتْ قديماً بالأسباب للخَلْق، أسباب استبقاء الحياة بالطعام والشراب، وأسباب استبقاء النوع بالتزاوج.
الحق سبحانه حينما ضمن لنا هذه الأسباب جعل لنا دوراً فيها، فالأرض مثلاً أمامك، والشمس تشرق عليها، والهواء يهبُّ عليها، والمطر يسقيها، وعليك أنت أنْ تستغلَّ هذه الأسباب بأنْ تحرثَ الأرضَ وتبذر البذور وترعاها لتعطيك الأرض من خيراتها، ولا تنتظر أنْ تجلس في بيتك والأسباب تأتيك بالطعام تضعه على مائدتك؛ لأن ربك خلقك وخلق لك الجوارح، وجعلها تنفعل لإرادتك فيدُكَ يمكن أن تضرب بها، ويمكن أن تمسح بها على رأس يتيم، لسانك يمكن أنْ تنطق به كلمة التوحيد، ويمكن أن تنْطق به ما ينافيها.
لكن تذكَّر أن جوارحك خاضعة لمرادك في الدنيا فقط، أما في الآخرة فلا ولاية لك عليها، لأنها ستكون في ولاية خالقها، يوم يقول سبحانه: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦] وعندها تتحرر جوارحك من ولايتك وتشهد عليك: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤].
هذه الأسباب وهذه الجوارح التي خلقها الله لك ما خلقها لتعطلها أنت، فإنْ كان العمل في إمكانك وطلبته من غيرك، فهذا هو التواكل، أنْ تهمل أسباب الله وتغفل عن هذه المملكة التي جعلها الله تدين لك وتطاوعك، وتأتمر بأمرك لمجرد الإرادة، هذه عزة متَّعكَ الله بها في ذاتك، فكيف تذلّ نفسك بالتوكل على مثلك؟ وكيف ترد يد الله الممدودة إليك؟
فإنْ أخذتَ بالأسباب، وأعملتَ عقلك وجوارحك فيما أعطاه اللهُ لك فأنت متوكل، وحقيقة التوكل أنْ تعمل بالجوارح وتتوكل على الله بالقلب، وتوقَّع أنْ يصيبك الابتلاء فتعمل وتأخذ بالأسباب ولا تعطيك، كالذي يزرع الأرض وتأتي جائحة فتقضي على المحصول مثلاً.
هنا تأمل هذا النداء: يٰقَوْمِ فبعد عنادهم وإصرارهم على باطلهم وعدم قبولهم للحجج والبراهين ما يزال الحق سبحانه يتحنَّن إليهم، فيأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يناديهم بهذا النداء الحبيب: (يا قوم) يعني: أنا لستُ غريباً عنكم، وأنتم أهلي وعشيرتي التي أعيشُ بينها.
لما دعاهم رسول الله فلم يستجيبوا ولم تفلح معهم الحجج والبراهين التي تثبت بطلان عبادتهم للأصنام، أمره ربه أنْ يقول لهم: يٰقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ.. معنى: اعملوا على مكانتكم كما تقول لمن لم يستجب لك: اعمل ما بدا لك.
فالمعنى: اعملوا على مكانتكم. يعني: خذوا كلّ إمكانياتكم ضدي. لماذا؟ لأنه متوكل على ربِّه وهو كافيه، فهو لا يقولها مجازفةً ولا استكباراً، إنما يقولها برصيد من قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦].
وكلمة مَكَانَتِكُـمْ [الزمر: ٣٩] عندنا مكان ومكانة، المكان هو: الحيز الذي يشغله الشيء. والمكين هو: الذي يشغل المكان، فالكوب مثلاً مكان والماء فيه مكين، فأنت ذاتك لك مكان تشغله حتى لو اضطهدك أحدٌ فأخرجك منه لا بُدَّ أنْ يذهب بك إلى مكان آخر.
فإذا اتسع بك هذا المكان وصارتْ لك سلطة على مكان أوسع منه لك فيه سلطان وأمر ونهي فهذه مكانة، فيقال لمن اتَّسع جاهه وسلطانه: له مكانة. فالتاء الزائدة هنا يسمونها تاء المبالغة...
إذن: فكلمة المكانة هي ما لك عليه سلطانٌ وولاية تُعينك على مرادك...
وقوله: إِنِّي عَامِلٌ يعني: أنتم اعملوا على مكانتكم واستطاعتكم في العناد والاضطهاد والإيذاء، فأنا عامل على مكانتي من الدعوة والنُّصْح لكم والحرص على هدايتكم، فهذه رسالتي ولن أتخلَّى عنها، وسوف أبالغ في نَشْرها وأتحمل اضطهادكم لي ولأصحابي، ولن يُثنيني شيء عن مرادي.
وقوله: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ المعلوم هنا: مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ [الزمر: ٤٠] أي: في الدنيا وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [الزمر: ٤٠] أي: في الآخرة، وتأمل هنا كلمة سوف التي تدل على الاستقبال، فلم يَقُلْ حالاً الآن، لأن الإسلام بدأ غريباً وانتشر أول ما انتشر بين الضعفاء والعبيد الذين اضطهدوا وماتوا وأُوذُوا وأُخرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيل دعوة الحق.
فأراد الحق سبحانه أن يُمحِّصَ أهل الإيمان الذين يحملون هذه الدعوة، وأنْ يُميز منهم ضعافَ العقيدة، وينفي عنهم أهل الخور والنفاق الذين لا يصلحون لحمل هذه الرسالة، لذلك كان الوحي كل فترة ينزل على رسول الله بأمر عزيز، وكلما نزل أمر من هذه الأمور نفى بعضهم حتى لم يَبْقَ حول رسول الله إلا صِحَاح الإيمان أقوياء العقيدة.
وفي هذه الآية تهديدٌ من رسول الله للقوم المكذِّبين بأحداث سوف تأتي، هذا التهديد دليلٌ على ثقته صلى الله عليه وسلم بأن مَنْ أوحى إليه بهذا التهديد قادرٌ على أن يُبرزه كما أخبر به، وإلا لما قاله رسول الله، لأن الزمن سيكشف صدق هذا التهديد أو عدم صدقه...
وقلنا: إن صدق الرسول في أمور تتعلق بأمته شيء، وصدقه فيما يتعلق بذاته شيء آخر، صدقه فيما يتعلق بذاته آكد، وذكرنا قصة المرأة التي أسلمتْ حينما قرأتْ تفسير قوله تعالى لرسوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] فلما أعطاه ربه الأمان وأنه لن يُغتال من جانب الناس صرف صلى الله عليه وسلم حُراسه ولم يُبْق عليهم مع هذا الوعد، فوقفتْ هذه المرأة وقفةً عقلية وقالت: لو أنه خدع الناس جميعاً ما خدع نفسه، إذن: هذه ثقة من رسول الله بوعد الله.
وقوله تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ولم يقل ترون أو تنظرون؛ لأن العلم أوسع وأعمّ من النظر، فالأحداث التي ستأتي ربما تكون بعيدة من مَرْآهم تَحدث في أماكن أخرى يراها البعض ولا يراها البعض، أما العلم فينقل إليك ما تقع عليه جوارحك، وما تقع عليه جوارح الآخرين.
إذن: بالعلم تأخذ علم الغير، أنت حينما ترى وتعقل تهتدي إلى الحكم بتصوّر العقل، وبالعلم تستفيد بما عقله الآخرون. إذن: فالعلم أوسع دائرةً من معطيات العقل والجوارح.
وقوله: وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [الزمر: ٤٠] كلمة مقيم جاءت لترد على كلام سبق أنْ قالوه هم، لأن الحروب عندهم كانت تستمر طويلاً حتى أربعين سنة، وتكون بينهم سجالاً يوم لك ويوم عليك، فربما ظنوا العذاب كذلك فترة وتنتهي، فأراد أنْ يؤكد لهم أن العذاب إذا حَلَّ بهم فليس فيه سجال كسجال الحرب، إنما هو مقيم دائم.
نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى مرة يتحدث عن ذاته سبحانه بضمير الجمع (إنَّا) ومرة بالمفرد (إني) أو (إنني)، فإنْ كان الكلام في قضية التوحيد جاء بالضمير المفرد كما في قوله سبحانه لسيدنا موسى: إِنَّنِيۤ أَنَا اللَّهُ [طه: ١٤] لأنه يريد أنْ يقرر قضية التوحيد، ويؤكد سبحانه أنه إله واحد لا شريك له. فإن كان الكلام عن أمر لله فيه عمل ولخلفائه في الأرض عمل يأتي بالجمع كما هنا إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّـاسِ [الزمر: ٤١].
وتأملوا حرف الجر في (عليك) وفي (للناس) فلحروف الجر في اللغة معَانٍ واسعة، كلمة (عليك) تدلُّ على أنني أحملك المسئولية أمَّا اللام في (للناس) فتدلّ على النفع لهم، كما نقول في الحسابات: له، عليه، فله تعطي نَفْعاً وعليه تعطي تبعات.
فكأن الحق سبحانه يقول: يا قوم يا مَنْ تسمعون لدعوة محمد اعلموا أنها لصالحكم وتعود عليكم بالنفع والغنيمة، فقد أنزلنا عليه حملاً ثقيلاً سيتعبه في ذاته وفي أهله، وسيُعرِّضه للسخرية والإيذاء والتآمر.. الخ.
فالكتاب نزل عليك يا محمد بتبعاته ومسئولياته، فتحمله وكُنْ من أولي العزم من الرسل الذين سبقوك، مع أنهم أخذوا حيِّزاً محدوداً في الزمان وفي المكان، أما أنت فأخذتَ حيِّزاً غير محدود، لا في الزمان ولا في المكان، فحين تتحمّل المشاق في سبيل دعوتك، فاعلم أنك ستتحمل من الشدائد على قدر عموم رسالتك.
إذن: فدعوة الإسلام خيرها لكم ومتاعبها يتحملها رسول الله، هذا معنى إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّـاسِ [الزمر: ٤١] أي: في صالحهم.
وحين نُوسع الحروف ونقف على معانيها نأخذ مثلاً قوله تعالى في أول سورة البقرة: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ [البقرة: ٥].
فالمؤمنون على الهدى، و (على) تفيد الاستعلاء وكأنه مطيّة تحملهم وتريحهم لا تتعبهم وتُوصِّلهم إلى غايتهم، هكذا جاء الهدى ليريح الناس ويحملهم إلى أشرف الغايات، فالزموه لأنه ما جاء ليُحملكم ما لا تطيقون، إنما جاء ليخدمكم.
وقوله سبحانه: بِالْحَقِّ [الزمر: ٤١] الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والحق يعني وضع الشيء في موضعه، فإذا زحزحتهُ عن موضعه فأنا الطارئ عليه، والحق لا بُدَّ أنْ يعود إلى موضعه مرة أخرى، وإنما هي ابتلاءات واختبارات لنُمحِّص جنود الحق لتكون عندهم الأهلية لأنْ يحملوا الدعوة إلى أنْ تقوم الساعة.
والحق سبحانه يعلمنا: إنْ رأيتَ الباطل علا وارتفع فخُذْ لك واقعة، وخُذْ لك عبرةً من الأشياء المحسَّة التي تقع تحت بصرك في أصل الحياة وهو الماء، فالماء ينزل من السماء على قمم الجبال فيأخذ معه إلى الوديان القش والحصى والزبد، فتتكون طبقة كم الريم تعلو الماء وهي حقيرة لا قيمةَ لها حتى إذا ما هبَّتْ الرياح أزاحتْ هذا الزبد هنا وهناك وبقيتْ صفحة الماء نظيفة ناصعة، هكذا يكون علو الباطل عُلواً مؤقتاً، وسرعان ما يعود الحق إلى نصابه.
والحق سبحانه ما سمح للباطل بأنْ يعلوَ إلا يظهر للناس ميزة الحق، فحين يُعضّ الناسُ بالباطل، وحين يؤلمهم يضجون منه ويشتاقون للحق، فكأن الباطل جندٌ من جنود الحق.
وقوله سبحانه: فَـمَنِ اهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ [الزمر: ٤١] أي: لصالحها، لأن المشرع سبحانه حين شرع لنا وبعث لنا الرسل وأنزل الكتب ما انتفع من ذلك بشيء، وهو سبحانه لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، لأنه بصفات الكمال المطلق أوجدك، بل وأوجد لك قبل أنْ يستدعيك للوجود، فبصفة الكمال فيه خلق، فهو سبحانه خالق قبل أنْ يخلق شيئاً، كما تقول: فلان شاعر، يعني شاعر قبل أنْ تسمع منه شعراً، لأنه ما قال الشعر إلا لأنه شاعر.
إذن: الحق سبحانه لا ينتفع من عبادة الناس بشيء، والفائدة كلها تعود عليهم هم، لأنهم صنعته، والصانع يريد لصنعته أنْ تكون على ما يرام وعلى خير حال من بدايتها إلى نهايتها إليه سبحانه.
وما دام الشرع والمنهج جاء لصالح البشر، فمَن اهتدى فالهداية تعود إليه، ومَنْ ضَلَّ فضلاله عليه فَـمَنِ اهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [الزمر: ٤١] وتأمل هنا أيضاً معنى حرف الجر في فَلِنَفْسِهِ [الزمر: ٤١] وحرف الجر (عليها)، فنَفْع الهداية لك، وضرر المعصية عليك.
وقوله: وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ [الزمر: ٤١] أي: ما أنت يا محمد عليهم بوكيل، والوكيل هو مَنْ يكون حُرُّ التصرف فيمن وكل عنهم، بحيث يستطيع أنْ يجبرهم، وأن يحملهم على ما يريد هو.
والحق سبحانه وتعالى ما أراد لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك كما قال سبحانه في موضع آخر: وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: ٤٥] إنما أراد له أنْ يكون داعياً الحسنى، بحيث يأتي إليه الناس بالحب طواعيةً، ولو شاء لجعلهم كالملائكة وطبعهم على الطاعة...
وقوله سبحانه: وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ [الزمر: ٤١] فيه تسليةٌ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنّ ربه يقول له: لا تُتعب نفسك، ولا تُحملها فوق طاقتها، فما عليك إلا البلاغ، فإن نالك شيء من أذاهم فاعلم أنه لا يُنقص من مكانتك عندهم، فأنت عندهم الصادق الأمين، وهم يعلمون أنك على الحق، ومنزلتك عندهم كبيرة، ورأيهم فيك من أحسن الآراء، فلا تحزن لقولهم فيك: شاعر وساحر ومجنون: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
فكأنَّ الحق سبحْانه جعل المسألة عنده سبحانه وأعفى منها رسول الله، فأنت يا محمد لا غبارَ عليك، وما كذبك المكذِّبون الظالمون إلا لأنهم جحدوا بآياتي.
... وقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا الأنفس جمع النفس، والنفس هي مجموع التقاء مادة الجسد بالروح، بحيث تنشأ منهما الأغيار الموجودة في الجوارح، فالمادة وحدها لا تُسمَّى نفساً، والروح وحدها لا تُسمَّى نفساً.
ومعنى يَتَوَفَّى الأَنفُسَ أي: يقبضها إليه سبحانه. وتوفِّي الأنفس له ظاهرتان: النوم والموت، ففي النوم يسلب الإنسان الوعي والتمييز، وتبقى فيه الروح لإدارة حركة الحياة فيه واستبقائها، فإذا استيقظ من نومه عاد إليه وَعْيه وعقله وتمييزه، أما في الموت فالله يتوفَّى الكل: الوعي، والتمييز، والأصل: وهو الروح والجسد، فالجسم في النوم لا يزاول شيئاً حتى المخ الذي يجب أنْ يظل عاملاً لا يعمل في النائم إلا كلّ سبع ثوان.
ولذلك لما تتوقف حركة الجسم تنخفض فيه درجة الحرارة ويحتاج إلى تدفئة، لذلك ننصح النائم بأنْ يتغطى لأن الحركة مفقودة، وينبغي أن نحفظ للجسم حرارته، البعض يظن أن الغطاء هو الذي يُدفئ النائم، لكن العكس هو الصحيح فحرارة الجسم هي التي تُدفئ الغطاء، وعمل الغطاء أنْ يحفظ لك حرارة الجسم حتى لا تتبدد، بدليل أنك تذهب إلى فراشك فتجده بارداً، وحين تستيقظ من نومك تجده دافئاً.
وقلنا: إن الإنسان يمرُّ بحالات: يقظة، نوم، موت، بعث. ولكل مرحلة من هذه المراحل قانونٌ خاص، فإياك أنْ تخلط قانوناً بقانون، فمثلاً الإنسان منا وهو نائم يفقد الوعي والتمييز، ومع ذلك يصبح فيذكر رُؤْيا رآها فيها أشكال وأشخاص وألوان يستطيع التمييز بينها وكأنها يقظة، فبأيِّ شيء أدرك هذه المدركات وميَّز بين الألوان وعينه مغمضة؟
قالوا: لأن للنائم أدواتٍ ووعياً غير التي له في اليقظة، فيرى لكن ليس بالعين.
إذن: في حالة الموت يكون له وعي آخر، البعض يتعجب وربما ينكر أنْ يضم القبرُ الواحد جسدين أحدهما يُنعِّم والآخر يُعذَّب، فلماذا لا تنكر مثل هذا في النوم مثلاً، فأنت تنام مع غيرك في فراش واحد يرى هو أنه في رحلة ممتعة فيها مَا لَذَّ وطابَ، وترى أنت أنك فيه تُضرب أو تمر بحادث مؤلم، لا هو يدري بك ولا أنت تدري به.
وقوله: فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر: ٤٢] أي: لا تعود إلى الجسم وَيُرْسِلُ الأُخْرَىٰ.. [الزمر: ٤٢] أي: في حالة النوم يعود إليك الوعي والتمييز إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى.. [الزمر: ٤٢] إلى الأجل المعلوم الذي قدَّره الله لك في اللوح المحفوظ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: ٤٢] ساعة تجد الذي يخبرك بشيء ينبه فيك أدوات التمييز بين المقولات التي هي العقل والفكر والذكر والتدبر، فثِقْ بأنه ناصح لك لا يغشك ولا يُدلِّس عليك، لأن الذي يريد غِشَّك يأخذك على عجلة حتى لا تدري وجه الصواب ولا يعطيك الفرصة للبحث وتأمل الشيء...
فساعةَ يقول الحق سبحانه (أفلا تعقلون)، (أفلا تتذكرون)، (أفلا تتفكرون) فاعلم أنه يهيج عندك أدوات البحث والتأمل والاختيار بين البدائل، ولا يصنع ذلك معك إلا وهو واثق أنك لو استعملتَ هذه الأدوات فلن تصل إلا إلى مراده منك.
قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ استفهام إنكاري. يعني: ما كان يصح أنْ يتخذوا من دون الله شفعاء، فالحق ينكر عليهم بعد أن استمعوا إلى كل هذه الحجج والبراهين، ثم يتخذون من دون الله شفعاء، ولماذا الشفعاء من دون الله؟ قالوا: لأن الذي يعبد غير الله يُرجِّي نفسه بأنه مُتدين، والتديّن طبيعة في النفس البشرية من أخْذ الله عليها العهد في أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. [الأعراف: ١٧٢].
لذلك جاء الرسل مُذكِّرين أي: يُذكّروننا بهذا العهد الأول الذي غفلنا عنه واقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
فالحق سبحانه وتعالى ينكر عليهم أنْ يتخذوا الشفعاء من دون الله، ويدعوهم أن يرتجعوا عن هذا الأمر المؤسف، لأن اتخاذ الشفعاء من دون الله أمر فيه تناقض لأنهم شفعاء عند مَنْ؟ عند الله، كما قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىۤ [الزمر: ٣] إذن: اتخذوا الشفعاء ليشفعوا لهم عند الله، فلماذا لا يتجهون إلى الله مباشرة دون واسطة؟
ثم إن الشفاعة لا تُقبل إلا بشروطها، وليس كل مَنْ أحبَّ أن يشفع تُقبل شفاعته، فالشفاعة ليستْ بمرادك، بل يُشترط في الشفاعة أنْ يأذن الله للشافع أنْ يشفع، وأنْ يرضى عن المشفوع له، وأنْ يكون من أهل التوحيد، إذن: هذه الشفاعة التي يرجونها شفاعة باطلة ولا تُقبل عند الله.
لكن لماذا لا يتوجَّهون إلى الله بالعبادة دون واسطة؟ قالوا: لأن للحق سبحانه وتعالى في عبادته تكاليف قد تشقّ على النفس، وللمنهج قيود افعل كذا ولا تفعل كذا، وهم يريدون تديناً بلا تكاليف، وآلهة بلا منهج وبلا أوامر، صحيح أنهم يعبدون الأصنام على هواهم. لكن إنْ حزبهم أمر وضاقتْ عليهم السبل في أنفسهم لجؤوا إلى الله الإله الحق، إذن: أُوبُوا إلى الله قبل ألاَّ ينفع المآب... استُهلَّت هذه الآية أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ.. [الزمر: ٤٣] بـ (أَمْ)، وهي تفيد عطف ما بعدها على ما قبلها، كأننا قلنا: أكان ذلك أمِ اتخذوا؟ والكلام السابق هو قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا.. [الزمر: ٤٢] فإذا كنتم قد وُدِعْتم بقوة حياتكم وقدرتكم على الحركة والأسباب والتحوّل فاعلموا أن الله يعطي لكم نموذجاً للموت ينتظركم من خلال النوم الذي تباشرونه.
هذا الموت وأنتم في يقظة شيء، وحين تنامون شيء آخر، فالذي يقدر على سَلْب الحياة من التميّز والوعي والحركة مع الخارج (أي مع الغير) قادر على أنْ يسلبها جميعا؛ لأن النوم يسلب منك الحركة والتميز مع الغير، وإنْ بقيتْ لك الحركة في ذاتك كحركة القلب والرئتين والأمعاء.. الخ فإذا كان الله قد قدر على هذه الجزئية فيك، فهو سبحانه يقدر على الأخرى وهي الموت.
فالمعنى: أأمنتُم ذلك؟ وإنْ لم تأمنوه وسوف تموتون وتلقوا الله، فلماذا تتخذون الشفعاء؟ وما الذي طمأنكم لذلك؟ وما رصيدكم في اتخاذكم الشفعاء؟ يعني: أحصل ذلك أم اتخذتم شفعاء؟
قلنا: الشفيع من الشَّفْع، وهي أن تضم شيئاً إلى شيء، فيصير زوجاً بعد أنْ كان وحده، والله سبحانه يريد أنْ يُنهي هذه المسألة، وأنْ يُبيِّن لهم بطلانها، فقال لهم: إن الذين تدعُون من دون الله لا يملكون أنْ يشفعوا وإنْ ملكوا الشفاعة كما تَدْعُون الملائكة، وكالذين يدعون عيسى أو العُزَير فهم لا يرضون بها ولا يشفعون لكم.
وإنْ كانوا من الجمادات فهم أقرب منكم إلى الله وأعلم منكم بأصول الشفاعة، فهي لا بُدَّ أنْ تتأبى عليكم وتكرهكم، وإنْ كنتم تملكونها وتنتفعون بها؛ لأن هذه الجمادات مُنسجمة مع الكون مُسبِّحة لخالقها فلا تقبل إلا مُسبَحاً، وما انقادتْ لكم هذه الجمادات إلا لأن الله سخَّرها لكم، وجعل لكم إرادة تسيطرون بها عليها بمراد الله وأمره كما سيطرتم على جوارحكم، سيطرتم على اللسان فقلتم به كلمة الكفر، وسيطرتم على الأيدي، فبطشتُم بها وظلمتم.. الخ.
فهؤلاء جميعاً لا يرضوْنَ أنْ يشفعوا لكم لأنكم مخالفون لهم في المنهج؛ لذلك يكرهونكم فكيف يشفعون لكم، لذلك قال تعالى: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ.. [الدخان: ٢٩].
فأثبت للسماء وللأرض بكاءً، فإنْ كانت لا تبكي على هؤلاء المخالفين فهي ولا شكَّ تبكي على المناقضين لهؤلاء المتفقين معها في العقيدة والمنهج، إذن: فالسماء والأرض وغيرهما من الجمادات لها تمييز وإلا ما بكتْ على أهل الطاعة ولم تَبْكِ على أهل المعصية.
حتى نحن في التعبير الأدبي نقول: فلان نَبَتْ به الأرض يعني: كرهتْ إقامته عليها، لماذا؟ لأنه متمرد على الله مخالفٌ لمنهجه وهي مُسخَّرة مُسبِّحة؛ لذلك إنْ مات لا تبكي عليه. بل لسان حالها يقول له: أراحنا الله منك، أراح الله منك البلاد والعباد.
وقد فسَّر لنا الإمام علي رضي الله عنه هذه المسألة حين قال: إذا مات المؤمنُ بكى عليه موضعان: موضع في السماء وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله الطيب. أي: المكان الذي يُرفَع فيه عمله الصالح، كما قال سبحانه
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠] وأما موضعه في الأرض فمُصلاّه.
إذن: الذي جعلهم يتكلون ولا يخافون من الموت أنهم اتخذوا الشفعاء، وظنوا أنهم يدافعون عنهم، لكن (نقبهم على شونة) لأن الشفاعة ليستْ بمراد الشافع إنما بمراد المشفوع عنده، وهو سبحانه الذي يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع له. لكن هل يحتاج مَنْ رضي الله عنه إلى شفاعة؟
قالوا: الإنسان قد تكون نواحي الخير فيه قليلةً، لكن يتوفر لهذا القليل شرطُ الإخلاص فينميه ويُثمِّره ويجبر الله عنده هذا النقص بأنْ يأذن لأحد المحبوبين عنده أن يشفع له.. وهذه الشفاعة ما شرعها الحق سبحانه إلا ليقبلها ويلطف بها.
لذلك قالوا: إياك أنْ تحتقرَ عملاً صالحاً مهما كان يسيراً، فمَنْ يدريك لعله يكون سبباً في نجاتك...
وقوله سبحانه: قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ أي: هؤلاء الشفعاء لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ يعني: كيف تطلبون شفاعتهم، وهم على هذا الوصف؟
كلمة (اشْمأزَّتْ) يعني: نفرتْ. والإنسان حينما يسمع شيئاً لا يحبه يشمئز يعني: يظهر على سحنته الامتعاض، ثم تحدث منه نفرة وقشعريرة كئيبة، ثم ينصرف عن هذا الشيء، كذلك حال هؤلاء لما سمعوا ذكر الله وحده نفرتْ نفوسهم، وانقبضوا عن توحيد الله، لكن لماذا؟
قالوا: لأنك ذكَّرته بمَنْ يثق تمام الثقة أنه يملك ضُره ونفعه، وإلا لو لم تكُنْ لديه هذه الثقة ما أثَّر ذكر الله في نفسه، إذن: اشمأزتْ قلوبهم لأنهم خافوا من شيء، وساعةَ سمعوا ذكر الله تذكَروا جلاله وقدرته وعظمته، وتذكّروا أنهم مُقبلون عليه واقفون بين يديه، ولم يعملوا لهذا الموقف.
وكلمة وَحْدَهُ تدل على مَيْلهم إلى الشركاء، فالمعنى: لو ذُكر الشركاء ما اشمأزتْ قلوبهم. واشمئزاز القلوب أمر غيبي ينضح على الوجه بالانفعال، فيبدو على الوجه أنه منقبض انقباضاً مؤلماً، والآية لم تذكر لماذا اشمأزت قلوبهم مما يدل على أن القلبَ هو المحرك الذي يعطي الجوارحَ الانفعال بواقع الأشياء عليها، فمثلاً تقابل شخصاً فتجد نفسك مبتهجاً، وآخر تقابله فتجد نفسك مُهتماً أو منقبضاً عنه، فمن أين هذه الانفعالات؟ من القلب.
وقوله: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.. أي: الشركاء إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي: يفرحون، لماذا؟ لأنهم يظنون أنهم يشفعون لهم، لكنهم خائبون في هذه، وخائبون في هذه.
هذا أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الوعد لأهل الخير، والوعيد لأهل الشر، واستوفى الأمرين مع الجماعتين، قال لرسوله بعد أنْ بلغت الوعد والوعيد: ليس لك إلا أن تلتجئ إلى الله، فهو سبحانه وحده الذي يحكم بينك وبين هؤلاء، لأنك استنفدتَ معهم كل أوجه الدعوة الحسنة والبلاغ الجميل، وما داموا مُصرِّين فدَعْهُم إلى أنْ يحكم الله بينك وبينهم يوم القيامة.
ولا تحزن يا محمد، لأن الله لا يحكم إلا بالحق، وثقْ أنه الذي اختارك للرسالة، وأنه ناصرك ومُظهر دينك، وسوف ترى هذه النُّصْرة في الدنيا قبل الآخرة، وفعلاً رآها الرسول قبل موته...
الحق سبحانه وتعالى يُعلِّم رسوله صلى الله عليه وسلم، ويُعلِّمنا كيف ندعوه، فقال: (قُلْ) أي: يا محمد (اللهُمَّ) يقول سيدنا سعيد بن المسيِّب: لا أجد في القرآن آية أَرْجَى للداعي من قوله سبحانه: قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. وما علمه الله أن يدعو إلا لسبقه في القدر أنْ يجيب. إذن: الحق سبحانه لم يترك رسوله يدعوه بلفظ من عنده إنما علَّمه بِمَ يدعو، فلا بُدَّ أنْ يُكتبَ له القبول، كما لو أن شخصاً أعطاك المفتاح، هذا يعني أنه يقبلك أنْ تدخل المكان.
وهنا يجب أن نقف على روعة الأداء البياني وعظمة الدعاء والنداء في (اللَّهُمَّ) وهي عبارة عن لفظ الجلالة (الله) أُلحقتْ به (ميم) مُشدَّدة للدعاء والنداء، ونحن نعرف أن النداء طلبُ إقبال المخاطب على المتكلم، وللنداء حروف معروفة حسب قرب المنادِي أو بُعْده من المنادَى، فنقول في نداء القريب: أمحمد. وفي نداء البعيد: يا محمد والأبعد: أيا محمد.. إلخ.
إذن: فحرف النداء نفسه يحدد موقع المدعو، فهل يجوز استخدام هذه الحروف في نداء الحق سبحانه فنقول مثلاً: يا الله؟ إنه من الأدب في نداء الحق سبحانه ألاَّ نناديه سبحانه كما ننادي غيره لأنه سبحانه أقربُ إلينا من حبل الوريد، فلا يصح أنْ نقول: يا الله أو أيا الله، فهذه مراتب للبُعْد والله قريب.
لذلك لا تجد القرآن يستخدم هذه الحروف أبداً في ندائه سبحانه، إنما استخدم اللهم للدعاء، وعلَّمنا أنْ ندعوه بها، وقد ألحق بها الميم المشدَّدة بدلاً من حروف النداء قبل الاسم المنادى، فالميم عِوَضٌ عن حرف النداء المحذوف فدلَّتْ الميم المشددة على النداء، وعلى ذِلَّة الطلب منك.
وحين نستقرئ القرآن الكريم نجد أن كلمة الله وردت بالرفع ٩٨٥ مرة ليس فيها دعاء إلا باللهم في خمسة مواضع هي: هذه الآية التي معنا، ثم قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ.. [آل عمران: ٢٦].
وقوله: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة: ١١٤].
وقوله: وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢].
وقوله: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠].
أما في نداء الربوبية فنقول: يا رب، وفَرْقٌ بين نداء لفظ الجلالة (الله) وبين نداء لفظ الربوبية (رب)، فالألوهية تكليف أما الربوبية فعطاءٌ ومنعم، فما دام الربُّ معطي نعمة. فنقول في ندائه: يا رب لأن الربوبية إيجادٌ من عدم وإمداد من عُدْم وتربية، إذن: أنت المستفيد في عطاء الربوبية، أما الألوهية فتكليف بافعل ولا تفعل.
وكلمة فَاطِرَ.. أي: خالق ومُبدع ومُوجد الوجود من العدم على غير مثال سابق يعني: أمر ابتكاري جديد فإنْ كان الإيجاد على مثال سابق يعني محاكاة فلا يسمى (فاطر).
وقوله السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. اختار السماوات والأرض، لأنها الكائن الذي لا يغيب عن الإنسان، فالأرض تُقِلُّه والسماء تظله فهو لا ينفكّ عنهما لحظة من حياته، وهناك نِعَم أخرى قد تغيب عن الإنسان في وقت كالماء مثلاً.
عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.. يمتنُّ الحق سبحانه بعلم الغيب. فكيف يمتنُّ بعلم الشهادة، وهي معلومة للناس مُشَاهدة؟
قالوا: لأن الله غيْبٌ، وقد نفهم أن هذا الغيبَ كالغيب بالنسبة لك، فأنت تشاهد مَنْ معك في البيت، لكن لا تشاهد مَنْ هو خارج البيت، فهو بالنسبة لك غَيْبٌ، لكن الحق سبحانه يعلم الغيب ويعلم المشَاهد ما غاب عنكم والمشهود لكم ولغيركم.
وقوله: أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ هذا هو المرجع النهائي في الخلاف بين الحق والباطل، يوم الفتح الذي كان ينتظره هؤلاء ويستعجلونه، بل ويستهزئون به كما قال سبحانه حكايةً عنهم: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف: ٧٠].
وقولوا: وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [السجدة: ٢٨] فيردّ عليهم الحق سبحانه: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ [السجدة: ٢٩] يعني: لو جاءكم هذا اليوم فلن ترجعوا بعده مرة أخرى لتجدوا إيماناً ولا توبة.
ونلحظ هنا أن القرآن استعمل كلمة (عباد) للدلالة على الفريقين: المؤمنين، والكافرين، والغالب أن تستخدم كلمة العباد في الطائعين الملتزمين بالمنهج كما في قوله سبحانه: وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً [الفرقان: ٦٣].
فهل يُقال للكافرين وللعاصين أيضاً عباد؟
قالوا: نعم: لأن الإنسان له وضعان بالنسبة لربه تعالى: وَضْع له فيه اختيار، وهي قوة الاختيار التي خلقها الله في الإنسان بحيث يفعل ما يشاء، حتى إنه يفعل لما لا يريده منه ربه سبحانه. وهناك وَضْع آخر ليس له فيه اختيار، وهي الأمور القهرية التي لا اختيارَ للعبد فيها.
فالإنسان مثلاً قد يتمرد على منهج ربه، وقد يخالفه ويشذ عنه، فنقول له: ما دُمت قد ألفتَ التمرد فتمرد على كل شيء، تمرد على المرض تمرد على الموت.. إنه لا يستطيع، لأنها أمور قهرية لا اختيار له فيها. إذن: فهو في هذا الوضع محكوم بالعبودية قهراً، فهو لا يخرج عن عبوديته لله حتى لو كان كافراً، وحين نقول للكافرين (عباد) فلأنهم في شق من تصرفاتهم لا يتأبَّوْنَ فيه على الله، بل هم فيه مقهورون.
لذلك قال تعالى عنهم في الآخرة: أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [الفرقان: ١٧].
هذا خطاب للمضلِّين فسمَّى الضالين عباداً، لماذا؟ لأن الكلام هنا في الآخرة حيث يستوي الجميع، فالكل هناك طائع صالح مؤمن، كلهم في الآخرة عباد وعبيد. أما في الدنيا فكلهم عبيد وبعضهم عباد.
قوله وَبَدَا لَهُمْ أي: ظهر لهم وبَانَ لهم (سَيِّئَاتُ) هل الذي يظهر لهم في الآخرة السيئات، أم عقوبة السيئات؟ قالوا: الذي يروْنَه في الآخرة هو عقوبة السيئات، لكن قال وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ لأن الجزاء من جنس العمل، فالعقوبة هي أيضاً سيئات، كما قال سبحانه: وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا.. [الشورى: ٤٠] لأن معنى السيئة هو الأمر الذي يسوء، فكما أساء هو في العمل في الدنيا نُسِيئه في الآخرة.
وكلمة مَا كَـسَبُواْ [الزمر: ٤٨] سبق أنْ أوضحنا هذه المسألة وقُلْنا: إن القرآن يستخدم كسب في الخير واكتسب في الشر؛ لأن الخير يأتي من الإنسان طبيعياً لا تكلُّفَ فيه ولا احتيال، فيأتي على وزن (فعل). أما الشر فيحتاج من فاعله إلى تكلّف وسَتْر واحتيال، فعبَّر عنه بما يدل على الافتعال وهو (افتعل) أو اكتسب.
ومثَّلْنا لذلك بالإنسان حين ينظر إلى أهل بيته أو محارمه وفيهن الجميلات مثلاً، فهو ينظر نظرةً طبيعية لا يسترها، ولا يخاف فيها شيئاً، أما إنْ أراد أنْ ينظر إلى امرأة أجنبية عنه فإنه يُخفِي هذه النظرة، ويحتال لذلك بكل وسيلة.
إذن: لماذا استخدم القرآن هنا لفظ كسب في مجال السيئات، وهي كما أوضحنا اكتساب؟ ومثله قوله تعالى: بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ.. [البقرة: ٨١].
قالوا: استخدم القرآنُ كسب في السيئات لأن صاحبَ السيئة قد يتعوَّد عليها حتى تصبح طبْعاً فيه وعادة ودُرْبة، بل وتصبح بالنسبة له مهارة تصل إلى حَدِّ التباهي بها والعياذ بالله، وهؤلاء يفعلون السيئة دون تكلّف ودون سَتْر، فهي في حقه كسبٌ لا اكتساب، ومثال ذلك المجرمون الذين اعتادوا الجريمة وتمرَّسوا بها، فهي بالنسبة لهم عملية طبيعية، وساعة يعمل السيئة يعدّها مكسباً له.
وقوله: وَحَاقَ بِهِم [الزمر: ٤٨] أي: نزل بهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الزمر: ٤٨] هذا المعنى أوضحه الحق سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٢٩-٣٦].
نعم.. كثيراً ما نرى ونسمع استهزاء أهل الباطل من أهل الحق وسخريتهم منهم وتندّرهم عليهم، ويصل الأمر إلى أنْ يتهموهم بأنهم على ضلال، سبحان الله؟ لكن عزاء أهل الحق أن هذا الاستهزاء في الدنيا الفانية، وإنْ صبروا عليه كان لهم الأجر، وسوف يُرد هذا الاستهزاء وهذه السخرية في الآخرة الباقية، حيث يسخر أهل الحق من أهل الباطل ويضحكون منهم، بل ويخاطبهم الحق سبحانه ليطيب خاطرهم: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] يعني: هل قدرنا أنْ نُجازيهم بما يستحقون؟
قالوا: استهزاء الشرير بالخيِّر، وسخريته منه ثأر من طيبته لشريريته، لأنه لا يستطيع ولا يقدر أنْ يكون مثله فيسخر منه ويستهزئ به لعله ينصرف عَمَّا هو فيه من الخير ويذهب إلى الشر، لكن العاقل يفهم هذه المسألة ويعلم أن هذا الاستهزاء غيظ وحقد وحسد فيصبر عليه وهو يعلم أنَّ له بكل سخرية وبكل استهزاء منزلة عند الله، وله على ذلك عِوَض.
رأينا المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى وقالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زُلْفى.. إذا ما طرأ لهم طارئ أو جَدَّ في حياتهم شيء فوق طاقة أسبابهم لا يلجئون الأصنام، ولا إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله، إنما يلجئون إلى الله ويضرعون إليه سبحانه ليكشف عنهم ما هم فيه، وليرفع عنهم البلاء، لماذا؟
لأن هذه هي الفطرة السليمة التي فطر اللهُ الناسَ عليها، والعهد الذي أخذه الله علينا جميعاً ونحن في عالم الذرِّ حين قال سبحانه: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ [الأعراف: ١٧٢] والإنسان لا يخدع نفسه ولا يسلمها، فإذا أحاط به شر لا تنهض الأسباب لدفعه قال: يا رب وعندها ينسى كبرياءه، وينسى عناده، وينسى تكذيبه للرسل ولا يجد إلا ربه وخالقه وإلهه الحق.
وصدق الله: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً [الإسراء: ٦٧]...
وقوله ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ أي: أعطيناه نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ [الزمر: ٤٩] يعني: إنْ أعطيناه نعمة بعد هذا الضر الذي مسَّه سرعان ما ينسى ويعود إلى صَلَفه وغروره الحياتي، لأنه يخاف أن مسألة رفع الضر عنه تُقربه من ربه الذي دعاه، وأن هذا الجميل الذي ساقه إليه ربُّه يعيده إلى الجادة وإلى الاستقامة.
فالاستقامة تكاليف ومسئولية هو يكرهها، ولا يريد أنْ يُقيّد نفسه بها، لأن التكليف معناه مَنْع النفس عن شهواتها، وحملها على الطاعات فهو يخاف أن تأسره هذه المسألة، أو تقيد حريته في الشهوات، لذلك قال الحق سبحانه عن الصلاة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَٰشِعِينَ [البقرة: ٤٥].
وقوله: إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ لها وجهان: إما على علم من الله أنِّي أستحق هذا الخير وإلا ما أعطاني -هذا إنْ كان يعتقد أن الله هو الذي يعطي- أو على علم مني، لأن عندي دقَّةً في التعامل ويقظة، وعندي تجربة ودراية بالأمور ودراسة للنتائج.
وهنا يصحح له ربه بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ.. يعني: هذه النعمة فتنة من الله، فلا هي لعلم الله أنك تستحق، ولا هي نتيجة لعلمك ومهارتك بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ.. يعني: ابتلاء واختبار. كما قال سبحانه: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] نبلو بالشر لنرى مَنْ يصبر، ونبلو بالخير لنرى مَنْ يشكر ومَنْ يطغى.
وفي موضع آخر قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان: ٢٠].
يعني: كلُّ بعض منا فتنة للبعض الآخر، فالغني فتنةٌ للفقير، والقويُّ فتنة للضعيف، والعكس صحيح ليختبر الحق سبحانه خَلْقه: مَنْ يصبر ومَنْ يجزع، مَنْ يشكر ومَنْ يكفر، مَنْ يرضى ومَنْ ينقم.
إذن: ينبغي على الإنسان أنْ يقوم في حركة حياته ما أقامه الله، فكل ما يُجْريه عليه خير، فإذا رأيتَ نعمة عند غيرك وليست عندك فاعلم أن الله ما فضّل هذا عليك، وأنت بصبرك على ما قُدِّر لك وعدم حقدك على أخيك تستطيع أنْ تكون أفضل منه.
وتختم الآية بقوله تعالى: وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أي: هذه الحقائق التي ذُكِرتْ لا يعلمها الكثيرون، وهذا يعني أن القلة تعلم.
ثم يوضح الحق سبحانه أن هذه المسألة ليست كلمة نظرية، إنما هي حقيقة لها واقعٌ في تاريخ السابقين، فيقول: قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الزمر: ٥٠] نعم قالها قارون إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ [القصص: ٧٨].
ونقول: ما دمتَ قد أوتيته على علم، سواء علم من الله أنك أهلٌ لهذا الخير أو علم عندك ومهارة في العمل والتناول، فها هي النعمة بين يديك، وما عليك إلا أنْ تحفظها، وحِفْظ الشيء الموجود بين يديك أيسَرُ من إيجاده من العدم، فهل تستطيع؟
والمعنى أنني لا أقول لكم كلاماً نظرياً، بل هو واقع يؤيده التاريخ، فقد قالها قارون واغترَّ بها، ثم خسفنا به وبداره الأرض وهنا نشأتْ قضية: إذا كنتَ قد أوتيته على علم فاحفظه أيضاً على علم، لكن ما دام الأمر قد تخلَّى عنك في الحفظ وهو يسير، فأنت في الإيجاد أشدّ تخيلاً.
نعم قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الزمر: ٥٠] لأن الله خسف بقارون وبداره أيضاً، فلم تذهب النعمة والثروة فحسب، بل طال الانتقام حتى الأرض والمكان الذي يعيش عليه ويبيت فيه ويستريح عليه.
الإنابة: هي التوبة والرجوع إلى ساحة الإيمان بالله إلهاً واحداً لا شريك له. والإسلام: أن تنفذ مطلوبَ الله منك في الأمر والنهي بافعل ولا تفعل.
لكن هل تعني الإنابة أنهم كانوا مع الله ثم انصرفوا عنه إلى الكفر، فيطلب منهم العودة والرجوع إلى ساحة الإيمان مرة أخرى؟ نقول: لا بل معنى الإنابة هنا الرجوع إلى العهد الأول الذي أخذه الله على عباده وهم في عالم الذر، وهم في ظهر آدم عليه السلام، هذا العهد الذي قال الله فيه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٧٢].
فالمعنى وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ [الزمر: ٥٤] ارجعوا إلى إيمانكم به الإيمانَ الفطري الذي أخذ عليكم العهد به. هذا الإيمان الفطري هو الذي يصحب الإنسان فيستيقظ ضميره بعد المعصية فيتوب أو بعد الكفر فيؤمن، هذا الإيمان الفطري المستقر في قرار النفس البشرية هو الذي ينبهها إنْ غفلت، هذا الإيمان هو الذي نبَّه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما، فآمنوا حينما رجعوا إلى العهد الأول والإيمان الفطري.
مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ [الزمر: ٥٤] ما معنى النُّصرة هنا والكلام عن الآخرة؟ أي: لا يتناصر أهل الباطل ولا يدافع أحدٌ منهم عن الآخر لا التابع ولا المتبوع، كما قال سبحانه في موضع آخر: مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ [الصافات: ٢٥-٣٠].
نعم، لا يتناصرون لأن الموقف هنا موقف خصومة ولوم، حيث يُلْقي كل منهم التبعة على الآخر، ويتبرأ كل منهم من الآخر؛ لذلك قال سبحانه: الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
هذا نموذجٌ للنفس حين تتحسَّر وتلوم نفسها، لماذا أوصلتَ نفسك إلى هذا الموقف، طلبنا منك أنْ تنيبَ إلى الله، وأنْ تسلمَ له في أحكامه، وأن تتبع أحسن ما أُنزل إليك لترفع عن نفسك الحرج وتُجنِّبها اللوم، ولا تقف هذا الموقف لكنك لم تستجب.
كلمة يٰحَسْرَتَا [الزمر: ٥٦] هذا أسلوب نداء، فأيُّ شيء ينادي العبد؟ ينادي الحسرة والحزن والأسى يقول: يا حسرتي احضري تعالَيْ، فهذا أوانك، يتحسَّر على نفسه بعد أن فاتته الفرصة، ومعلوم في النداء أنه لا ينادي إلا النافع لكن الموقف هنا موقف تحسُّر وندم، والحسرة هنا مضافة لياء المتكلم والألف للإطلاق.
ومعنى عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] على ما قصَّرت في حق الله وفي طاعته، والتفريط: هو إهمال ما يجب أنْ يتقدم، لأن الفرصة إنْ فاتت لا تُعوَّض...
إذن: أنت تتحسَّر على نفسك وتلومها، لأنك لم تستغل الفرصة وأهملتَ حتى فاتتك وهي لا تُعوَّض، فليس أمامك إذن إلا التحسُّر وعضّ أصابع الندم، فكأن الأمرين اللذين سبقا هذه الآية وهما: وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ.. [الزمر: ٥٤]
وَاتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ.. [الزمر: ٥٥] كان ينبغي العمل بهما ليحموا أنفسهم من أنْ يقولوا ساعةَ يرون العذاب يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ.. [الزمر: ٥٦] فرحمته تعالى ورفقه بعباده لا يحب منهم أنْ يقولوا هذه الكلمة، فالله لا يريد لعبده أنْ يقف موقف التحسُّر، ولا يرضى له ذلك، فحين يقول لنا: لا تقنطوا من رحمة الله، وأنيبوا، وأسلموا، وابتغوا أحسن ما أنزل إليكم يريد أن ينبه الغافل ويحذر مَنْ يفكر في الكفر ويُذكِّره بالعواقب، وبما سيكون منه حين يرى العذاب من حسرة.
والحسرة: أسف وندم على خير فات لا يمكن تداركه، والكافر لا يتحسَّر حسرةً واحدة إنما حسرات كثيرة ملازمة له، فكلما رأى العذاب الذي ينزل به تحسَّر، وكلما رأى المؤمنين في نعيم تحسَّر، وكلما تذكَّر دُنياه تحسَّر.
وقوله تعالى: وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: ٥٦] يعني: الأمر لم ينته عند حَدِّ التفريط والتقصير في جنب الله، إنما تعدَّاه إلى السخرية ممَّنْ يقفون في جنب الله، فالذنب مُضَاعف، وسبق أنْ ذكرنا نموذجاً من سخرية أهل الباطل بأهل الحق، واستهزائهم بهم في قوله تعالى من سورة المطففين: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٢٩-٣٦]...
كلمة (بَلَى) حرف جواب لا يأتي إلا بعد نفي، فيفيد إثباتَ المعنى المنفي قبله، كما في قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] فيأتي الجواب قَالُواْ بَلَىٰ [الأعراف: ١٧٢] يعني: لا، أنت ربنا، والقاعدة أن نفي النفي إثبات، ومثله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] على مَنْ يسمعها أن يقول: بلى يا رب، يعني: لا.. أنت أحكم الحاكمين.
إذن: فأين النفي السابق على قوله هنا بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي [الزمر: ٥٩] قالوا: كَوْنه نفي الهداية في قوله: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي [الزمر: ٥٧] لذلك جاء الجواب (بلى) يعني: لا بل هديناك قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا [الزمر: ٥٩] والآيات جمع آية، وهي الشيء العجيب الملفت للنظر الداعي إلى التأمل والتفكر للعقل وللبصيرة.
والآيات كما ذكرنا على ثلاثة أنواع: آيات كونية تدل على قدرة المكوِّن سبحانه كقوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: ٣٧].
وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ [الروم: ٢٣].
وهذه الآيات الكونية التي تلفتنا إلى المكوِّن الأعلى هي الوسيلة الأولى للإيمان بالله، لذلك كلنا استنبط العلماء في الكون شيئاً جديداً أو اكتشفوا جديداً وجدنا له أصلاً في كتاب الله، قالها الحق سبحانه منذ أربعة عشر قرناً من الزمان.
هذه الآيات الكونية يُظهرها الحق سبحانه حتى على أيدي الكافرين به، لذلك حذَّرنا أن يتدخل علماء الشرع والفقهاء في علوم الدنيا والكونيات؛ لأن الكونيات لها علماء اختصُّوا بها، وسوف يخدم هؤلاء الدين وقضية الإيمان بالله، وسيُظهرون لكم الأسانيد والأدلة على وجوب الإيمان بالله صاحب هذا الكون ومُكوِّنه.
إذن: فهؤلاء العلماء يتعبون ويفكرون ويبحثون في الكونيات لخدمة المؤمن بالله وخدمة الدين، فهم -وإن كانوا كافرين بالله- جند من جنود الحق، وصدق الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
والعجيب أنهم سيُحرمون الأجر على هذا الجهد المبذول، لأنهم فعلوا ذلك وتوصَّلوا إلى ما توصَّلوا إليه، وليس في بالهم الحق سبحانه، إنما في بالهم خدمة الإنسانية، فليأخذوا أجورهم من الإنسانية، وفعلاً كرَّمتهم الإنسانية وصنعت لهم التماثيل، واحتفلت بهم؛ لذلك ليس لهم نصيب في الآخرة.
وينطبق عليهم قوله تعالى: وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً [الفرقان: ٢٣].
وقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
يعني: فوجئ بأن للكون إلهاً خالقاً، فوجئ بالحساب والجزاء، وهذه أمور لم تكُنْ على باله في الدنيا.
النوع الثاني من الآيات هي المعجزات التي تصاحب الرسالات، لتدلَّ على صدق الرسول في البلاغ عن ربه، ومنها قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ.. [الإسراء: ١٠١].
أما النوع الأخير فهي الآيات القرآنية التي تحمل أحكام الدين، والتي قال الله فيها هنا: بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر: ٥٩].
وقوله تعالى: وَاسْتَكْبَرْتَ [الزمر: ٥٩] استكبر يعني: طلب أنْ يكون كبيراً، يعني: لم يتكبر فحسب، إنما طلب ذلك وسعى إليه لكنه لم يُجِب لذلك؛ لأن الذي يستكبر لا بدَّ أن يكون في غنىً عمَّنْ استكبر عليه، وإذا كنتَ في مُلْك الله وتحت سلطانه وتأكل من رزقه وتعيش في خيره، فكيف تتكبر عليه؟
ثم إن المتكبر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا يسلب منه؛ لذلك الذين يتكبرون في الدنيا إنما ينازعون الله صفته؛ لأنهم يتكبّرون بلا رصيد، ومَنْ من الخلق عنده ذاتية لا تُسلب منه، لذلك نرى مَنْ يتكبر بعزٍّ يُذله الله، ومَنْ يتكبر بغنىً يُفقره الله، ومَنْ يتكبر بصحته وعافيته يُمرضه الله.
إذن: التكبّر الحق أنْ تتكبر بشيء تملكه لا يُسلب منك، وشرُّ المتكبرين مَنْ يتكبر على ربه وخالقه والقادر على أن يسلب منه كل شيء، أما الذي يتكبر على الخلق فغافلٌ عن عظمة ربه وكبريائه؛ لأنه لو عرف عظمة ربه وكبرياءه لاستحى أن يتكبر وأنْ ينازع الله صفة من صفاته.
قوله سبحانه: الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ [الزمر: ٦٠] أي: في قولهم: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي [الزمر: ٥٧] وفي غيرها؛ لأن الله هداك ودلَّكَ وأرشدك حين بعث لك الرسل مُؤيَّدةً بالمعجزات، وأنزل لك الكتب وبيَّن لك الحلال والحرام، وكذبوا في غير ذلك كالذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ [آل عمران: ١٨١] وكالذين قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] ومثلهم الذين ادعوا أن مع الله آلهة أخرى.
كل هؤلاء كذبوا على الله؛ لذلك يأتون يوم القيامة وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] نعم مسودة لأنهم الآن يواجهون الحق الذي كذبوا عليه، فلابدَّ أنْ تكون وجوههم مُسْودة عليها غبرة ترهقها قترة مما فعلوه.
وهذا ليس ذماً للسواد في ذاته، لأن السواد خَلْق من خَلْق الله لا يُذَمُّ في ذاته، فقد ترى الرجل أبيض اللون، لكن تعلوه قتامة وقتر، فتجد وجهه مظلماً والعياذ بالله، وهذا أثر المعاصي والذنوب على الوجه في الدنيا قبل الآخرة.
وترى العبد الزنجي كأن وجهه زبيبة، لكن يعلوه ضياء وإِشراق، وتجد على وجهه علامات الصلاح، وكأن وجهه يتلألأ نوراً ولا تزهد أبداً في النظر إليه؛ لذلك يقول سبحانه وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس: ٣٨-٤٢].
إذن: الوصف لا يُمدح ولا يُذم لذاته، والسواد والبياض هنا ليس هو السواد كما نعرفه في الدنيا فهي عملية نسبية، وكنت أرى بعض الصالحين وكأن في وجهه كشافاً يُضيء، وتبدو الفرحة على وجهه وكأن نورَ اليقين وبشاشة الإيمان تعدَّتْ داخله ونضحَتْ على وجهه نوراً ونضارة، وهو صاحب بَشْرة سوداء مثل الأبنوس.
ومثل هذا نجده في قوله تعالى: إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: ١٩] فهل يُذمّ صوت الحمير إنْ صدر منها؟ لا لأن الخالق خلقه على هذه الصورة، وعُلو صوت الحمار لحكمة لأنه قد يختفي مثلاً وراء جبل أو تَلٍّ عالٍ، فلا يهتدي إليه صاحبه إلا من خلال صوته، لكن يُذمُّ عُلو الصوت في الإنسان، فهو أنكر الأصوات إنْ صدر منه ما يشبه صوت الحمار.
كذلك في: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة: ٥] فليس هذا ذماً للحمار، لأن الحمار في الحمل يؤدي مهمة وهي الحمل فحسْب، فهو يحمل حمله دون تبرُّم ودون اعتراض، لكن يُذمُّ الإنسان إنْ تشبَّه بالحمار فارتضى لنفسه أنْ يحمل فقط دون أنْ يعي ما يحمله، ودون أنْ يفهم، وأنْ يُطبق ما علم.
وقوله: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠] هذا استفهام منفي نجيب عليه فنقول: بلى يا رب، يعني: لا بل لهم مثوى في جهنم، والمعنى: ماذا يظنون؟ أيظنون أنه لا محلَّ لهم فيها ولا مكان، إن مكانهم جاهز ومُعَدٌّ بأسمائهم ينتظرهم ويشتاق إليهم، فليس في جهنم أزمة مساكن كما قلنا.
فالحق سبحانه خلق أزلاً الخلق، وجعل لكل واحد منهم مكاناً في الجنة على اعتبار أن الخلق جميعاً سيؤمنون بالله، وجعل لكل واحد منهم مكاناً في النار على اعتبار أن الخلْق سيكفرون، فإذا ما دخل أهل الجنةِ الجنةَ، ودخل أهلُ النارِ النارَ وُزِّعَتْ أماكن أهل النار المعدة لهم لو آمنوا على أهل الجنة، كما قال سبحانه: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: ٧٢].
ومعنى (مَثْوَى) أي: مكان إيواء وإقامة دائمة لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠].
معنى وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧] يعني: ما قدروه وما عظَّموه التعظيم المناسب له سبحانه، يعني: ما عرفوا لله قيمته، ولذلك أشركوا به، والشرك في حَدِّ ذاته عدم تقدير الله حَقَّ قدره. وقد فعلوا ذلك والحال أن وَالأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَـٰمَةِ وَالسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] إذن: كيف يحدث منكم ذلك؟ أغفلتم عن هذه الحقيقة؟ إنكم سوف تروْنَ عاقبة فعلكم في الآخرة.
ومعنى وَالأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَـٰمَةِ [الزمر: ٦٧] نقول: هذا الأمر في يدي يعني: أنا مُتمكن منه تمكُّناً بحيث لا يفلت منِّي، وليس من الضروري بالنسبة لله تعالى أن يكون في المسألة قبضة أو يد، فهنا كناية عن القوة والتمكُّن، كما نقول مثلاً قبضنا على المجرم يعني: أصبح في حوزتنا ولم يَعُدْ مطلق السراح في الحياة يفعل ما يشاء.
وسبق أنْ قلنا: إذا ذُكر للحق سبحانه وصفٌ له مثيل في عباده فخُذْه في إطار
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ومن ذلك صفة السمع والبصر واليد والعلم.. إلخ.
وكلمة وَالأَرْضُ جَمِيعـاً [الزمر: ٦٧] أي: أرضنا التي نعيش عليها وأمثالها من الأرضين لأن الحق سبحانه قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] هذا كله في مجموعتنا الشمسية، فما بالك بباقي المجموعات والمجرَّات التي تحوي الملايين مثل أرضنا: وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩].
وقوله: وَالسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] يطويها بقدرته تعالى، واليمين عندنا هي الفاعلة في الأشياء وهي مصدر القوة؛ لذلك قال سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي من جهة القوة، وفي موضع آخر قال الحق سبحانه وتعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤].
لكن أيّ أرض نعني في قوله تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَـٰمَةِ [الزمر: ٦٧] قالوا: هي أرض غير الأرض التي نعرفها، لأن الأرض ستُبدل في الآخرة، كما قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَٰوَٰتُ [إبراهيم: ٤٨] لأن أرض الدنيا أرضُ أسباب، نعيش عليها ونأكل من ثمرها ونزاول فيها حياتنا، أما في الآخرة فالحياة فيها بالمسبِّب سبحانه.
أرض الآخرة لا زرعَ فيها ولا حرثَ ولا حصادَ، إنما تأكل وتشرب بمجرد إرادة الأكل أو الشرب، فما يخطر على بالك تجده بين يديْكَ لا بأسباب، إنما بقدرة المسبِّب سبحانه، كذلك السماء في الدنيا سماء أسباب ينزل منها المطر وتشرق فيها الشمس، ويُنوِّرها القمر، أما في الآخرة فلا شيء من ذلك لا مطرَ ولا شمسَ ولا قمر، إنما تُنوِّر الأرض بنور ربها.
وقوله تعالى في ختام هذه الآية سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧] أمر بأن نقول سبحان الله، وأنْ ننزِّهه تعالى عن مشابهة خَلْقه في مسألة القبضة وفي طَيِّ السماء، لأنه ليس كالطَّيِّ الذي نعرفه نحن، إنما ينبغي أن نأخذ هذه الصفات في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] فنزه الله عما يقوله المشركون.
... ونلحظ أيضاً قوله تعالى: ادْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ.. ولم يقل: ادخلوا جهنم. فما الفرق بين التعبيرين؟ قال تعالى: ادْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ.. لأن العذاب يبادرهم ويسرع إليهم بمجرد أنْ يدخلوها فهو يستقبلهم على بابها.
هنا أيضاً ساقتهم الملائكة مع الفارق بين سَوْق الكافرين وسَوْق المتقين، فالكافرون ساقتهم الملائكة ليعجلوا لهم العذاب سَوْقاً فيه زجر وقسوة، أما المتقون فيُساقون سَوْق المحب لحبيبه ليعجلوا لهم النعيم.
وقوله (زمراً) يعني: جماعات كل جماعة على حِدَة، فهؤلاء الزهاد وهؤلاء العلماء وهؤلاء المجاهدون وهؤلاء الأمناء حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. [الزمر: ٧٣] هناك قال (فًتِحَتْ) وهنا (وَفُتِحَتْ) قالوا في أهل النار (فُتِحَتْ) هي جواب الشرط، أما هنا (وَفَتِحَتْ) ليستْ جواباً للشرط، بل جواب الشرط في النعيم المذكور بعدها، لأن فتح الأبواب ليس هو الغاية، إنما الغاية ما يتبع ذلك من النعيم.
فالواو هنا عاطفة وجملة وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. [الزمر: ٧٣] معطوفة على حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا.. [الزمر: ٧٣] ذلك لأن المؤمنين ما كانوا يشكّون في هذا اليوم، أما الكفّار فيشكونَ فيه لذلك جعل فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. [الزمر: ٧١] جواباً للشرط قبلها.
أما في المتقين فجواب الشرط أسمى من مجرد فتح الأبواب لهم، ففتحت هذه مداخل الرحمة التي سيذكرها بعد، ويذكر مكوناتها، وكيف أنها تتدرج بداية من تحية الملائكة لهم: وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ.. [الزمر: ٧٣] لأنكم طهرتم أنفسكم من دنس المعاصي والشرك فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣] إلى آخر السورة، حيث يروْنَ الملائكة حافّين من حول العرش، وهذا هو جواب الشرط الذي يليق بهم.
جماعة أخرى من العلماء قالوا: إن جواب الشرط هو (وفتحت) والواو هذه واو الثمانية، فما المراد بواو الثمانية؟ قالوا: كان منتهى العدد عند العرب سبعة، فإذا جاء شيء بعد السبعة يعدُّونه كلاماً جديداً فيعطفونه بالواو، ومن ذلك قوله تعالى في أهل الكهف: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.. [الكهف: ٢٢] فقبل الثامن يذكر الواو.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٢] فكلمة الناهون هي الثامنة لذلك سُبقت بالواو...
ونحن لا نرى هذا الرأي، فكلمة (وَفُتِحَتْ) ليستْ هي جواب الشرط هنا، لأن جواب الشرط بالنسبة للمتقين أسمى من فتح الأبواب لهم وأسمى من قَوْل الملائكة لهم سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ.. [الزمر: ٧٣] وأسمى من طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣] لأن الحق سبحانه سيقول بعد ذلك: وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.. [الزمر: ٧٥] فذكر العرش هنا والملائكة تطوف به مُسبِّحة بحمد ربهم فيه إِشارة إلى منتهى النعيم الذي سيلاقيه المتقون، حيث يروْنَ الحق سبحانه الذي استوى على هذا العرش، هذه هي الغاية التي يناسب أن تكون جواباً للشرط السابق.
لكن لماذا أخفى اللهُ جوابَ الشرط هكذا؟ قالوا: لأنه لو قالها أي:"فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" لو قالها الآن لكانت قد سمعت، إنما أراد سبحانه أن تكون مفاجأة على أنها مما لا يخطر على قلب بشر، يعني: لا تأتي على البال.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

41 مقطع من التفسير