قَوْلُهُ تَعَالَى : صِبْغَةَ اللَّهِ ؛ أي دينَ اللهِ وفِطْرَتَهُ ؛ لأن دينَ الإسلامِ يؤثرُ في الْمُتَدَيِّنِ مِن الطهور والصلاةِ والوَقَار وسائرِ شعائر الإسلامِ كالصَّبغ الذي يكونُ في الثوب. ولا شيء في الأديانِ أحسنُ من دينِ الإسلام، قال اللهُ تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ؛ وقيل : أرادَ بالصبغةِ الْخِتَانَ. وروي أنَّ صِنفاً من النَّصارى كانوا إذا وُلِدَ لَهم ولدٌ وأتَى عليه سبعةُ أيَّام صَبَغُوهُ ؛ أي غَمَسُوهُ في ماءٍ لَهم يقالُ له : الْمَعْمُودِي ليطهِّروه بذلكَ، وقالوا : هذا طُهُورُهُ ومكانُ الخِتَانِ. فقيل : لَهم : صِبْغَةَ اللَّهِ أي التطهرُ الذي أمرَ اللهُ بهِ أبلغُ في النظافةِ.
وأولُ من اخْتَتَنَ إبراهيمُ عليه السلام بالقُدُّومِ ؛ وهيَ موضعُ مَمَرِّهِ بالشامِ ؛ وكان يومئذٍ ابنُ مِائَةٍ وعشرين سنةً، ثم عاشَ بعد ذلك ثَمانين سنةً.
ونصبَ (صِبْغَةَ) على الإغراءِ ؛ أي الْزَمُوا صبغةَ اللهِ، أو اتَّبعُوا. وقال الأخفشُ :(هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [البقرة : ١٣٥]. وقال ابنُ كيسان : صِبْغَةَ اللَّهِ أيْ وجْهَةَ اللهِ ؛ بمَعْنَى الْقِبْلَةِ). وقال الزجَّاج :(مَعْنَاهُ : خِلْقَةَ اللهِ، مِنْ صَبَغْتُ الثَّوْبَ إذَا غَيَّرْتُ لَوْنَهُ وَخِلْقَتَهُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أنَّ اللهَ تَعَالَى ابْتَدَأ الْخِلْقَةَ عَلَى الإِسْلاَمِ). دليلهُ قول مقاتلٍ في هذهِ الآية : فِطْرَتَ اللَّهِ [الروم : ٣٠] أيْ دِيْنَ اللهِ. ويوضِّحه قولُ رسولِ الله ﷺ :" [كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، إلاَّ أنَّ أبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيْمَةَ، فَهَلْ تَجِدُونَ مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟] قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ أرَأيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ :[اللهُ أعْلَمُ بمَا كَانُواْ عَامِلِيْنَ] " وقال أبو عبيدةُ :(مَعْنَاهُ : سُنَّةُ اللهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى : وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ؛ أي مُطِيْعُونَ.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني