ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: فِى شِقَاقٍ يريد في خلاف لدينهم ولدينكم (١)؛ لأنهم أمروا في التوراة بالإيمان بمحمد - ﷺ -. وقال الحسن: علموا أولادَكم وأهاليكم وخدمَكم أسماء الأنبياء، الذين ذكرهم الله في كتابه، حتى يؤمنوا بهم، ويصدقوا بما جاءوا به. هذا قوله (٢).
وقالت العلماء: لا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بسائر الأنبياء السابقين، وجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل، فيجب على الإنسان أن يُعَلِّمَ صِبيانَه ونساءهَ أسماءَ الأنبياء ويأمرهم بالإيمان بجميعهم؛ إذ لا يبعد أن يظُنَّوا أنهم كُلِّفوا الإيمان بمحمد - ﷺ - فقط فيلقَّنوا قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ الآية.
١٣٨ - قوله تعالى صِبغَةَ الله الصِّبْغ: ما يُلَوَّنُ به الثياب، والصَّبْغُ المصدر، وأصله: المزجُ للتلوين، وما يُصْطبَغُ به من الأطعمة يسمى: صِبْغا وصِبَاغًا؛ لأنه مزج شيء بشيء، ولون بلون (٣).
قال الحسن (٤) وقتادة (٥) وأبو العالية (٦) ومجاهد (٧) والسُّدّي (٨) وعطية (٩) وابن زيد (١٠): دين الله. فعلى هذا القول، إنما سمي الدينُ

(١) بنحوه مختصرًا عند الثعلبي في "تفسيره" ٣/ ١٢١٨، والبغوي ١/ ١٥٦.
(٢) ذكره في "الوسيط" عنه، وبنحوه عن الضحاك، كما في "الدر المنثور" ١/ ٢٥٨.
(٣) ينظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٧٥ - ١٩٧٦ "صبغ"، "البحر المحيط" ١/ ٤١١.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٤٥.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٧١، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٤٥.
(٦) المراجع السابقة.
(٧) المراجع السابقة.
(٨) المراجع السابقة.
(٩) المراجع السابقة.
(١٠) المراجع السابقة.

صفحة رقم 359

صبغةً؛ لأن المتدين يَلْزَمُه ولا يُفَارقُه، كما يلزم الصبغُ الثوبَ. والعرب تقول: فلانٌ يَصْبغ فلانًا في الشرّ، إذا أدخله فيه، وألزمه إياه، كما يلزم الثوب الصبغ، خاطبهم الله في كتابه بمثل ما يعرفون في لغتهم، أنشد ثعلب:

دعِ الشَّرَّ وَانْزِلْ بِالنَّجَاةِ تَحَرُّزًا إذا أنت لم يَصْبِغْكَ في الشَّرِّ صَابغُ (١)
قال اللحياني: تَصَبَّغَ فلان في الدين تَصَبُّغُا، وصِبْغَةً حسنة (٢).
وقال أبو عمرو: كل ما يتقرب به إلى الله عز وجل فهو الصِّبْغَةُ (٣).
وقال ابن عباس: إن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى على سبعة أيام غمسوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، وصبغوه به ليطهروه بذلك مكان الختان (٤)، ويقولون: هو تطهير له وتنظيف، فجعل الله الختان للمسلمين تنظيفًا وتطهيرًا، وأمر به معارضةً للنصارى. فعلى هذا القول جرت الصبغة على الختانة؛ لصبغهم غلمانهم في الماء.
(١) البيت بلا نسبة في: "أساس البلاغة"، (دبغ)، (صبغ)، "المعجم المفصل" ٣/ ٢٦٧.
(٢) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٧٦، وابن منظور في "اللسان" ٤/ ٢٣٩٦ (صبغ).
(٣) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٧٦، وعنه ابن منظور في "اللسان" ٤/ ٢٣٩٦.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٢٢٣، وعنه البغوي في "تفسيره" ١/ ١٥٧، والواحدي في "أسباب النزول" ص ٤٤، ٤٥، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ١٥١، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٣٢، و"الخازن" ١/ ١١٦، وأبو حيان في "البحر المحيط" ١/ ٤١١، وابن حجر في "العجاب" ١/ ٣٨٢.

صفحة رقم 360

قال الأزهري: يقال: صَبَغَتِ الناقَةُ مَشَاَفِرَها في الماء: إذا غمستها، وصبغ يده في الماء (١)، قال:
قد صبغت مشافرًا كالأشبارْ (٢)
فسمي الختانُ صبغةً من حيثُ كان بدل ما فعلوه من صبغهم أولادهم، كما قال: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠] فسمى الثانية سيئة لما كانت في معارضة الأولى، كذلك الختانة سماها الله تعالى صبغة؛ لأنها تجري (٣) للمسلمين مجرى صبغ النصارى أولادهم، وهذا القول اختيار الفراء (٤). ويحتمل أنه سمي الختان صبغة؛ لأنه يصبغُ الولدَ بالدم.
وذكر أبو إسحاق في قوله: صِبْغَةَ اللَّهِ قولًا آخر، هو مذهب أبي عُبيدة (٥)، وهو أنه قال: صِبْغَةَ اللَّهِ أي: خِلقَةَ الله، من صبَغْتُ الثوب، إذا غيرتُ لونَه وخِلْقَتَه، فيجوز أن يسمى الخلقة صبغة، والله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام بدليل قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ [الأعراف: ١٧٢] الآية.
وقوله: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠] (٦)، وما

(١) "تهذيب اللغة" له ٢/ ١٩٧٦ (صبغ).
(٢) هذا رجز ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٧٦، وابن منظور في "اللسان" ٤/ ٢٣٩٦ (صبغ)، ولم ينسباه.
(٣) في (م): (تجزي).
(٤) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٨٢، وينظر: "الزاهر" ١/ ١٤٥، "تفسير الطبري" ١/ ٥٧٠.
(٥) "مجاز القرآن" ١/ ٥٩.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢١٥ - ٢١٦، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٢٢١.

صفحة رقم 361

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية