ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚ

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِمَا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَهْرِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَالِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالْجِهَادِ، وَقِيلَ بِالْعَقْلِ، وَقِيلَ بِالشَّهَادَةِ، وَقِيلَ بِالْمِيرَاثِ، وَقِيلَ بِالدِّيَةِ وَقِيلَ بِالطَّلَاقِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ بِالرَّجْعَةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: بِالْإِمَارَةِ وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ مَعْنَاهُ فَضِيلَةٌ فِي الْحَقِّ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ أَنَا حُذَيْفَةُ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ثُمَّ رَجَعَ فَرَأَى رِجَالًا يَسْجُدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (١).
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي الِابْتِدَاءِ يُطَلِّقُونَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَلَا عِدَدٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَإِذَا قَارَبَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ ثُمَّ رَاجَعَهَا يَقْصِدُ مُضَارَّتَهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ يَعْنِي الطَّلَاقَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ عَقِيبَهُ مَرَّتَانِ، فَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ آخَرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ قِيلَ: أَرَادَ بِالْإِمْسَاكِ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ: الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، يَعْنِي إِذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ كُلُّ مَا

(١) رواه ابن ماجه: في النكاح: باب حق الزوج على المرأة برقم (١٨٥٣) ١ / ٥٩٥. وأبو داود: في النكاح: باب في حق الزوج على المرأة ٣ / ٦٧. وأخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (١٢٩٠) ص ٣١٤ وأحمد: ٤ / ٣٨١، عن عبد الله بن أبي أوفى. ٥ / ٢٢٨ عن معاذ بن جبل ٦ / ٧٦ عن عائشة بلفظ آخر. والمصنف في شرح السنة: ٩ / ١٥٨. وذكره الهيثمي في المجمع ٤ / ٣٠٩ وقال: رواه بتمامة البزار وأحمد باختصار ورجاله رجال الصحيح.

صفحة رقم 269

يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ، مِنْ أَدَاءِ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ أَنْ يَتْرُكَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَقِيلَ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَصَرِيحُ اللَّفْظِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ثَلَاثَةٌ: الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الصَّرِيحُ هُوَ لَفْظُ الطَّلَاقِ فَحَسْبُ، وَجُمْلَةُ الْحُكْمِ فِيهِ أَنَّ الْحُرَّ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا يَجُوزُ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ خَالَعَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ بِإِذْنِهَا، وَإِذْنِ وَلِيِّهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ، مَا لَمْ تَنْكِحْ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَأَمَّا الْعَبْدُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ، فَطَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ آخَرَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عَدَدُ الطَّلَاقِ بِالزَّوْجِ، فَالْحُرُّ يَمْلِكُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ إِلَّا طَلْقَتَيْنِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ، يَعْنِي يُعْتَبَرُ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ حَالُ الرَّجُلِ وَفِي قَدْرِ الْعِدَّةِ حَالُ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَرْأَةِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ فَيَمْلِكُ الْعَبْدُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ وَلَا يَمْلِكُ الْحُرُّ عَلَى زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ إِلَّا طَلْقَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ أَعْطَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا الْمُهُورَ وَغَيْرَهَا ثُمَّ اسْتَثْنَى الْخُلْعَ فَقَالَ إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ نَزَلَتْ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَيُقَالُ: حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَكَانَتْ تَبْغَضُهُ وَهُوَ يُحِبُّهَا فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ فَأَتَتْ أَبَاهَا فَشَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَهَا وَقَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ يُسِيءُ إِلَيَّ وَيَضْرِبُنِي فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَى زَوْجِكِ فَإِنِّي أَكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَزَالَ رَافِعَةً يَدَيْهَا تَشْكُو زَوْجَهَا قَالَ: فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ وَبِهَا أَثَرُ الضَّرْبِ فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إِلَى زَوْجِكِ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ أَبَاهَا لَا يَشْكِيهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَهَا وَأَرَتْهُ آثَارًا بِهَا مِنْ ضَرْبِهِ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَنَا وَلَا هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ثَابِتٍ فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلِأَهْلِكَ؟ " فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهَا غَيْرَكَ، فَقَالَ لَهَا: مَا تَقُولِينَ؟ فَكَرِهَتْ أَنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهَا فَقَالَتْ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ قَدْ خَشِيتُ أَنْ يُهْلِكَنِي فَأَخْرِجْنِي مِنْهُ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْكَ خِلَافَهُ، هُوَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ مَحَبَّةً لِزَوْجَتِهِ، وَلَكِنِّي أَبْغَضُهُ فَلَا أَنَا وَلَا هُوَ، قَالَ ثَابِتٌ: قَدْ أَعْطَيْتُهَا حَدِيقَةً فَلْتَرُدَّهَا عَلَيَّ وَأُخَلِّي سَبِيلَهَا فَقَالَ لَهَا: "تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَتَمْلِكِينَ أَمْرَكِ"؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا ثَابِتُ خُذْ

صفحة رقم 270

مِنْهَا مَا أَعْطَيْتَهَا وَخَلِّ سَبِيلَهَا" (١) فَفَعَلَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا زَاهِرُ بْنُ جَمِيلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ أَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إن ثابت مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً" (٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَيْ يَعْلَمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ إِلَّا أَنْ يَخَافَا بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، يَعْنِي: يَعْلَمُ الْقَاضِي وَالْوَلِيُّ ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَعَلَ الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ فَإِنْ خَافَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ يَخَافَا بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَعْلَمُ الزَّوْجَانِ مِنْ أَنْفُسِهِمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ تَخَافُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَعْصِيَ اللَّهَ فِي أَمْرِ زَوْجِهَا، وَيَخَافُ الزَّوْجُ إِذَا لَمْ تُطِعْهُ امْرَأَتُهُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا، فَنَهَى اللَّهُ الرَّجُلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِ امْرَأَتِهِ شَيْئًا مِمَّا آتَاهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا، فَقَالَتْ: لَا أُطِيعُ لَكَ أمرا ولا أطالك مَضْجَعًا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أَيْ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا مِنْهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِمَا الزَّوْجَ دُونَ الْمَرْأَةِ، فَذَكَرَهُمَا جَمِيعًا لِاقْتِرَانِهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى "نَسِيَا حُوتَهُمَا" (٦١-الْكَهْفِ)، وَإِنَّمَا النَّاسِي فَتَى مُوسَى دُونَ مُوسَى وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ لا جناح ٣٨/أعَلَيْهِمَا جَمِيعًا، لَا جُنَاحَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي النُّشُوزِ إِذَا خَشِيَتِ الْهَلَاكَ وَالْمَعْصِيَةَ، وَلَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَأَعْطَتْ بِهِ الْمَالَ، لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ إِتْلَافِ الْمَالِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلَا عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا أَخَذَ مِنْهَا مِنَ الْمَالِ إِذَا أَعْطَتْهُ طَائِعَةً، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أن الخلع جائز على أَكْثَرِ مِمَّا أَعْطَاهَا وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَجُوزُ بِأَكْثَرِ مِمَّا أَعْطَاهَا مِنَ الْمَهْرِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا جَمِيعَ مَا أَعْطَاهَا بَلْ يَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئًا، وَيَجُوزُ الْخُلْعُ عَلَى غَيْرِ حَالِ النُّشُوزِ غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْوَصْلَةِ بِلَا سَبَبٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ فَنَجْوَيْهِ الدِّينَوَرِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

(١) رواه مختصرا أبو داود عن حبيبة بنت سهل الأنصارية في الطلاق - باب في الخلع ٣ / ١٤٣. والنسائي من حديث الربيع بنت معوذ في الطلاق - باب عدة المختلعة ٦ / ١٨٦. وابن جرير في التفسير ٤ / ٥٥٤. وانظر الكافي الشاف ص١٩-٢٠.
(٢) رواه البخاري: في الطلاق - باب: الخلع وكيف الطلاق فيه ٩ / ٣٩٥. والمصنف في شرح السنة - ٩ / ١٩٤.

صفحة رقم 271

مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُسْتَمْلِي أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ شَاكِرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خَبَّابٍ أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقَ" (١) أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي ابْنُ فَنَجْوَيْهِ أَنَا ابْنُ أُبَيٍّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أُبَيٌّ أَنَا أُسَامَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجنة" (٢).
وقال طاووس: الْخُلْعُ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ خَوْفِ النُّشُوزِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْآيَةُ حَرَّجَتْ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَالِ خَوْفِ النُّشُوزِ غَالِبًا، وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ على مال فقلبت وَقَعَتِ الْبَيْنُونَةُ وَانْتُقِصَ بِهِ الْعَدَدُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْخُلْعِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ يُنْتَقَصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ لَا يُنْتَقَصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قال عكرمة وطاووس وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْخُلْعَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ الطَّلَاقُ أَرْبَعًا، وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَعَلَ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.

(١) حديث ضعيف رواه أبو داود في الطلاق - باب: في كراهية الطلاق" ٣ / ٩٢. وابن ماجه: في الطلاق - باب رقم (١) برقم (٢٠١٨)، والدارقطني في الطلاق عن معاذ: ٤ / ٣٥. والحاكم: ٢ / ١٩٦ وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي. قال المنذري: والمشهور فيه هو المرسل وهو غريب، وقال البيهقي وفي رواية ابن أبي شيبة (يعني محمد بن عثمان) عن عبد الله بن عمر، موصولا ولا أراه يحفظه، والمصنف في شرح السنة ٩ / ١٩٥. وإن ما قاله أبو حاتم والدارقطني والبيهقي هو الراجح أن الحديث مرسل وضعفه الألباني في إرواء الغليل ٧ / ١٠٦ فلينظر (انظر مختصر المنذري ٣ / ٩٣ وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر: ٣ / ٢٠٥.
(٢) رواه أبو داود: في الطلاق - باب: الخلع: ٣ / ١٤٢. والترمذي: في الطلاق - باب: ما جاء في المختلعات ٤ / ٣٦٧ وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الطلاق - باب: كراهية الخلع للمرأة برقم (٢٠٥٥) ١ / ٦٦٢. والدارمي: في الطلاق - باب: النهي عن أن تسأل المرأة زوجها طلاقها ٢ / ١٦٢. وأحمد: ٥ / ٢٧٧، ٢٨٣ عن ثوبان. والمصنف في شرح السنة ٩ / ١٩٥ وإسناده قوي.

صفحة رقم 272

قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أَيْ هَذِهِ أَوَامِرُ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، وَحُدُودُ اللَّهِ، مَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنَ الْمُجَاوَزَةِ عَنْهُ فَلَا تَعْتَدُوهَا فَلَا تُجَاوِزُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ طَلَّقَهَا يَعْنِي الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ أَيْ مِنْ بَعْدِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَيْ: غَيْرَ الْمُطَلِّقِ فَيُجَامِعُهَا، وَالنِّكَاحُ يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ وَالْعَقْدَ جَمِيعًا، نَزَلَتْ فِي تَمِيمَةَ وَقِيلَ فِي عَائِشَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ الْقُرَظِيِّ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهَا رِفَاعَةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَتِيكٍ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، وَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ" قَالَتْ نَعَمْ قَالَ: "لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ" (١).
وَرُوِيَ أَنَّهَا لَبِثَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي قَدْ مَسَّنِي فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَبْتِ بِقَوْلِكِ الْأَوَّلِ فَلَنْ نُصَدِّقَكِ فِي الْآخَرِ. فَلَبِثَتْ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَتْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْجِعُ إِلَى زَوْجِي الْأَوَّلِ فَإِنَّ زَوْجِي الْآخَرَ قَدْ مَسَّنِي وَطَلَّقَنِي فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: قَدْ شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَيْتِهِ وَقَالَ لَكِ مَا قَالَ فَلَا تَرْجِعِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتَتْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَتْ لَهُ: مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَئِنْ رَجَعْتِ إِلَيْهِ لَأَرْجُمَنَّكِ" (٢). قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا يَعْنِي فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي بَعْدَمَا جَامَعَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا يَعْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ أَنْ يَتَرَاجَعَا يَعْنِي بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ إِنْ ظَنَّا أَيْ عَلِمَا وَقِيلَ رَجَوَا، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ أَيْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاحُ وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ إِنْ عَلِمَا أَنَّ نِكَاحَهُمَا عَلَى غَيْرِ الدُّلْسَةِ، وَأَرَادَ بِالدُّلْسَةِ التَّحْلِيلَ، وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: إِذَا تَزَوَّجَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا زَوْجًا آخَرَ لِيُحَلِّلَهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ: فَإِنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْرُطْ فِي النِّكَاحِ

(١) رواه البخاري: في الطلاق - باب: من قال لامرأته أنت علي حرام ٩ / ٣٧١. ومسلم: في النكاح - باب: لا تحل المطلقة ثلاثة لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره برقم (١٤٣٣) ٢ / ١٠٥٥. والمصنف في شرح السنة: ٩ / ٢٣٢.
(٢) انظر الكافي الشاف لابن حجر ص٢٠ وقد عزاه لعبد الرزاق وهي عنده مختصرة / المصنف ٦ / ٣٤٧.

صفحة رقم 273

مَعَ الثَّانِي أَنَّهُ يُفَارِقُهَا فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ وَيَحْصُلُ بِهِ التَّحْلِيلُ وَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِذَا كَانَ فِي عَزْمِهَا ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ أَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ هُوَ الْجَزَرِيُّ عَنْ أَبِي وَاصِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: "لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" (١) وَقَالَ نَافِعٌ أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَانْطَلَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ فَتَزَوَّجَهَا لِيَحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ فَقَالَ: لَا إِلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ" (٢) وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يَعْنِي يَعْلَمُونَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.

(١) حديث ابن مسعود وله طريقان الأول عن أبي قيس عن هزيل بن عبد الرحمن عنه بلفظ: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). أخرجه الترمذي في النكاح - باب ما جاء في المحلل والمحلل له ٤ / ٢٦٤ وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الطلاق مطولا - باب إحلال المطلقة ثلاثا وما فيه من التغليظ ٦ / ١٤٩. والدارمي في النكاح - باب في النهي عن التحليل ٥ / ١٥٨. والبيهقي ٧ / ٢٠٨. وأحمد ١ / ٤٤٨، ٤٦٢. وقال الحافظ في التلخيص ٣ / ١٧٠ (وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري). والطريق الآخر عن أبي الواصل. أخرجها أحمد ١ / ٤٥٠، ٤٥١ وأبو الواصل مجهول كما قال الحسيني وذكر الحافظ طريقا ثالثة أخرجها عبد الرزاق من طريق عبد الله بن مرة عن الحارس عن ابن مسعود، والحارث هذا هو الأعور الكوفي وهو ضعيف وقالوا كذاب. وله طرق أخرى عن أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وعقبة بن عامر. رواها أبو داود وابن ماجه والترمذي وأحمد وغيرهم. فالحديث صحيح. انظر إرواء الغليل ٦ / ٣٠٧-٣١١.
(٢) صححه الحاكم على شرط الشيخين: ٢ / ١٩٩.

صفحة رقم 274

معالم التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

تحقيق

محمد عبد الله النمر

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1417
الطبعة الرابعة
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية