قوله - عز وجل -:
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الآية (٢٢٩) - سورة البقرة.
المرة: فعلة من مر يمر مراً، ومروراً، فعبر بها لكن الفعلة، وإمرار الحبل إرساله في الفتل حتى يمر مراً، ومر الشيء صار مرا أصله من الأول، وهو فيما لا يطيب أكله، كساع فيما يطيب، وهما للذهاب، والمر الذي يعمل به استعارة، والإمساك أصله من المسك وتصور منه إمساكاً للبدن، ولما يجعل فيه بعد السلخ فقيل: (أمسكت كذا) أي ضبطته ضبط ما المسك لما فيه، وكنى بالمسك
عن البخيل، والتسريج كالتطليق في أنه من: برحت الماشية، كما أن الطلاق من: " أطلقت البعير، والمعروف مالا تنكره العقول الصحيحة، وسمي الجود معروفاً لمعرفة العقول كلها حسنه.
وعلى هذا قال الشاعر:
ولمْ أر كالمعْروُفِ أما مذاقُةُ...
فحلوٌ وأما وجهُهُ فجميلُ
وقيل: الخوف هاهنا: الظن، وقيل: اليقينُ، واحتج بقول الشاعر:
ولا تدُفنني بالفلاة فإننٍي...
أخافُ إذا مامتُّ ألاً أذوقهاً
وذلك نظر من المفسر إلى مقتضى الخوف، فقد يكون الخوف عن أمارة ضعيفة تقتضي الظن، وعن أمارة قوية تقتضي اليقين، فقوله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ليس ذلك للجنس متناولاً لكل طلاق، بل هو إشارة إلى الطلاق المتقدم ذكره الذي قال فيه:
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ، فبين أن ذلك الطلاق الذي فيه المراجعة مرتان، وأصله الطلاق مرتين، نحو الخروج مرتين، ثم رفع كقوله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، وبقول: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ منهم من حمله على الطلقة الثالثة، وروى عن النبي - ﷺ - أن بعضهم سمع الآية، فقال: فأين الثالثة؟ فقال- عليه السلام: " التسريح بإحسان.
ومنهم من حمل ذلك على ترك الرجعة " والصحيح أنه محمول عليها، لأنه يكون بالرجعة ممسكاً لها، ويتركها حتى تنقضي عدتها، أو بتطليقها الطلقة الثالثة يكون سرحاً لها، لكن لما كان اللفظ متردداً بين الأمرين بين من بعد حكمها إذا طلقها ثالثة بقوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
إن قيل: كيف جعل الإمساك هاهنا الرجعة؟ قيل: لأنه ضد الطلاق، وقد كان الطلاق موجباً للفرقة بعد مضي ثلاث حيض، فسمي الرجعة إمساكاً لبقاء النكاح به.
إن قيل: كيف علق التسريح بالإحسان؟ وهل بينه وبين المعروف فرق؟
قيل: الإحسان أعم معنى من المعروف، لأن الشيء قد يكون معروفاً، أي غير منكر، ولا يكون
مستحسنا، فكل إحسان معروف، وليس كل معروف إحسانا، فبين أن من حق المسرح أن يبذل ما يزيد على الإنصاف تنزهاً، وذلك على حسب ما كانوا يراعون في بذل مصارف المعروف لمن يرتحل عنهم، وكما بين أن له الرجعة في تطليقتين، بين بقوله: (فإن طلقها) أن لا رجعة بعد الثالثة، فإن ما زاد علي الثالثة من الطلاق لا حكم له بوجه، فقد كانت العرب تطلق مرة بعد أخرى ما شاءت، وتراجع قبل انقضاء العدة، فأبطل تعالى ذلك، وفي الآية دلالة أن له أن يطلق مرتين في طهر واحد من حيث أنه لم يفصل، ودلالة أن الطلاق في الحيض يقع، وذلك قال عليه السلام- لأبن عمر لما قال: أرأيت لو طلقها ثلاثاً؟ قال: " أذن بانت منك امرأتك، عصيت ربك "، وأجمع فقهاء الأمصار أن قوله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ إذا لم يكن الزوجان مملوكين، واتفقوا أن الرق يوجب نقصان الطلاق، لكن اعتبر أبو حنيفة الطلاق بالنساء، وهو قول علي والشافعي، واعتبر بالرجال، وهو قول عثمان وزيد، وإليه ذهب مالك، وقوله: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا فلا خلاف أنها إذا سمحت بشيء من مهرها للزوج فسائغ، لقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ، فأما إذا كان على وجه الخلع، فلا يجوز إلا على وجه دون وجه، واختلفوا متى يجوز مخالعتها؟ وكم قدر المال الذي به يجوز؟، وعند من يجوز؟
فذهب بعضهم إلى أنه يكره الخلع مع سلامة الحال، لأن الطلاق مكروه إذا توفرت المرأة على ما يلزم من حكم الزوجية لقوله- عليه السلام: " أبغض الحلال إلي الله الطلاق " هذا مع إمكان المراجعة والخلع الذي ترتفع المراجعة معه أولى بأن يكره، وإن خافا ألاً يقيما حدود الله جاز بلا خلاف لظاهر الآية، وإن خافت ولم يخف الزوج، فيجوز إلاً عند أهل الظاهر، وعلى ذلك دل شأن امرأة
ثابت بن قيس لما كرهت الزوج، فأمرها- عليه السلام- أن ترد إلي حذيقة ما كان قد مهرها، وقال الحسن: لا يجوز حتى تقول المرأة: لا أغتسل عنك، ولا أقربك، ونحو ذلك...
وقال إبراهيم: " لا يجوز حتى تعصيه ولا تبر يمينه وإن خاف هو ولم يخف ولم يرها على فاحشه "، لا يحل له أخذ شيء منها بالمخالعة لقوله- عز وجل:
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا الآية.
وذلك في الحكم سائغ وإن كان منهياً عنه، وعند مالك يرد إليها مالها، وقال الأوزاعي؟: " إذا خالع امرأته وهي مريضة، فإن ما تبدله في ثلثها إن كانت ناشزة، وإن لم يكن ناشزة رد عليها، وكان له عليها الرجعة، فأما القدر الذي يخالع عليه " فمنهم من قال: لا يجوز إلاً بأقل من الهر المسمي لقوله تعالى: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا، وذلك يقتضي التبعيض، وقال علي والحسن وابن المسيب وطاوس وابن جبير: لا يجوز بأكثر مما أعطاها لما روي أن رجلاً خاصم امرأته إلى النبي- عليه السلام، فقال: تردي إليه ما أخذت منه؟ قالت: نعم وزيادة، فقال عليه السلام: أما الزيادة فلا..
، ومنهم من أجاز بأكثر من ذلك، وهو الأظهر، وأما عند من يجور، فإن الحسن وابن سيرين قالا: لا يجوز إلا عند السلطان، وقال فقهاء الأمصار: يجوز، لأن ظاهر الآية لم يعرف، ومن قرأ (تخافا)، فخطاب لهما، لأنهما أعرف بأحوالهما من غيرهما هل يقيمان أو لا يقيمان؟
فإذا قرئ (تخافا) (٣) على ما لم يسم فاعله، فالخطاب للحاكم، والمفتي بأن لا يحل أن يحكم للزوج
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار