ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

٢٣٦- وقوله تعالى :( ومتعوهن على الموسع قدره... ) الآية |البقرة : ٢٣٦|.
يعني أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن(١)، والمطلقات في الامتناع ثلاثة أقسام. مطلقة قبل الدخول وقبل التسمية. ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية. ومطلقة بعد الدخول وقبل التسمية أو بعدها. فأما المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فإن الله تعالى قد نص في هذه الآية على إمتاعها، فقال :( لا جناح عليكم ) الآية إلى قوله :( ومتعوهن ).
واختلف أهل العلم في هذا الأمر، أيحمل على الندب أم على الوجوب ؟ فذهب به جماعة إلى الندب(٢)، وإن كانوا يرون الأمر على الوجوب. قالوا : لأنه حفت به قرائن صرفته عن الوجوب منها تخصيصه بها المحسنين بقوله تعالى :( حقا على المحسنين ) ولا يعلم المحسن من غير المحسن(٣) إلا الله تعالى. فلما علق تعالى المتعة بصفة لا يعلمها إلا هو دل على أن الله تعالى لم يوجب الحكم بها على الحكام إذ لم يجعل لهم طريقا إلى تمييز المأمور بها من غيره. وقيل : للمطلق متع إن كنت من المحسنين، فإنها غير مقدرة ولا معلومة والفرائض لا بد أن تكون مقدرة معلومة(٤). وذهب جماعة إلى أن حمل الآية على الوجوب ورأوا القضاء بالمتعة عامة في أولها وآخرها، لأن كل مؤمن محسن(٥).
وأما المطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، فللأهل العلم فيها ثلاثة أقوال :
أحدها : أن إمتاعها ليس بواجب ولا مندوب إليه.
والثاني : أن إمتاعها واجب.
والثالث : أن إمتاعها مندوب إليه.
وحجة القول الأول أن الله تعالى ذكرها عقب المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فأوجب لها نصف فريضة، ولم يأمر لها بالمتاع(٦)، فدل على أنه لم يجعل لها متاعا لا واجبا ولا مندوبا إليه. وهذا هو مذهب مالك(٧).
وحجة من أوجب لها المتاع(٨)، عموم قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ٤٩ ) |الأحزاب : ٤٩| إذ لم يفرق بين أن يكون سمى لها صداقا أو لم يسم لها صداقا وعموم قوله تعالى :( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ٢٤١ ) وقال هي من المطلقات فوجب لها المتاع مع نصف الصداق كما أن للمدخول بها المتاع، مع جميع الصداق.
وأما المطلقة بعد الدخول فللأهل العلم فيها قولان :
أحدهما : إيجاب المتعة.
والثاني : الندب إليها وهو قول مالك وجميع أصحابه.
وحجة من أوجب قوله تعالى :( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ٢٤١ ) قال : وكل مؤمن متق. فلا تخصيص في الآية.
وقد اختلف في متعة هذه والتي طلقت قبل الدخول، وقبل التسمية أيهما أوجب ؟ على أربعة أقوال :
أحدهما : أنهما سواء في إسقاط الوجوب وهو مذهب مالك.
الثاني : أنهما سواء في ثبوت(٩) الوجوب، ووجوب الحكم بها.
والثالث : أن المتعة للمدخول بها أوجب لأن الله تعالى أوجب لها المتاع بغير لفظ الأمر المحتمل للوجوب والندب. فقال :( وللمطلقات متاع بالمعروف ) |البقرة : ٢| واستدل أيضا من ذهب إلى هذا بقوله تعالى :( يا أيها النبي قل لأزواجك... ) الآية إلى قوله :( أمتعكن ) |الأحزاب : ٢٨| فنص على إمتاعهن وهن مدخول بهن.
والرابع : أن المتعة للتي لم يدخل بها، ولم يسم لها أوجب لأن الله تعالى نص على المتعة لها بالأمر بها. والأمر على الوجوب ولم ينص على المتعة للمدخول بها إلا في تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه وذلك حكم خص النبي صلى الله عليه وسلم به دون المؤمنين بدليل إجماعهم أنه لا يجب على أحد أن يخير امرأته وإنما جعل الله لها المتعة لعموم ظاهر اللفظ في قوله :( وللمطلقات ) وليس ما أوجبه بالظاهر والعموم كما نص عليه بالأمر الذي يقتضي الوجوب، ولكل قول منها حض من النظر وأبينها ما ذهب إليه مالك رحمه الله. واختلف في المخيرة والمملكة(١٠) هل لهما متعة أم لا ؟ على قولين في المذهب.
أحدهما : عن مالك أن لهما المتعة.
والثاني : عن ابن خويز منداد أن(١١) لا متعة لهما.
وحجة من رأى لها المتعة ظاهر الآية لأنهما من المطلقات، ولعلهما لا يريدان الفراق(١٢).
وحجة من لم ير لهما متعة أن المتعة إنما جعلت تسلية للمرأة عن فراق زوجها فلا متعة في كل فراق تختاره المرأة من غير سبب يكون للزوج في ذلك كامرأة العنين، والمجذوم، وتختار الفراق، وكالأمة تعتق تحت العبد، فتختار نفسها. قالوا والمرأة إذا اختارت فراق زوجها لم تشقق لذلك ولا حرنت(١٣)، فلا يحتاج الزوج إلى تسليتها وتطييب نفسها.
واختلف في المختلعة والملاعنة هل لهما متعة أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا متعة لهما لما قدمناه من علة من لم ير المتعة للمخيرة والمملكة(١٤). وذهب قوم إلى أن المتعة لهما فكأنهم اتبعوا ظواهر الآي، فرأوا أنهما من المطلقات(١٥)، ولعلهم لم يروا تلك العلة لازمة، والنكاح المفسوخ لا متعة فيه، فسخ قبل البناء بطلاق أو بغير طلاق أو طلق الزوج قبل الفسخ، لأن المراد بقوله تعالى :( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ) وبقوله :( وللمطلقات متاع بالمعروف ) المطلقات بعد نكاح صحيح مباح. ويظهر من كلام ابن المواز رحمه الله أن لها المتعة إذا طلق قبل الفسخ، وإن فسخ فلا متعة، وإذا لم يمتع الزوج، حتى ماتت المرأة ففي إيجاب المتعة عليه لورثتها قولان.
وإذا قلنا إن المتعة إنما جعلها الله في مقابلة الأذى الحاصل بالفراق على وجه التسلية للمرأة المطلقة لم يكن للميتة متعة.
وهذا أيضا يقتضي ألا يكون للمملوكة إذا طلقت قبل الفرض والمسيس متعة لأن المتعة تكون لسيدها وهو لا يستحق مالا في مقابلة أذى مملوكته بالطلاق. ولا أعلم أحدا قال بذلك سوى الأوزاعي والثوري، فإنهما زعما أن المتعة(١٦) في هذه الحالة(١٧).
وليست المتعة بدلا عن البضع فيحكم لها بحكم الصداق في الوجوب لأن المعتبر بها حال الرجل بنص كتاب الله تعالى :( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) |البقرة : ٢٣٦| فدل هذا على أنها ليست بدلا عن(١٨) البضع، وليست المتعة أيضا عوضا عن الصداق، ولأنه لو كان، ما صح الترغيب في متعة من تستحق والمهر بالمسيس، والترغيب في الأحوال كلها فالإمتاع واحد. ففيما ذكرناه بطلان قول من زعم أن المتعة عوض عن الصداق، أو عن البضع(١٩).
واختلف الناس في مقدار المتعة. فقال ابن عمر أدنى ما يجزي(٢٠) في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها. وقال ابن حجيرة(٢١) : على صاحب الديوان ثلاثة دنانير. وقال ابن عباس : أرفعها خادم ثم كسوة، ثم نفقة. وقال عطاء : من أوسط ذلك درع وخمار وملحفة. وقال أصحاب الرأي وغيرهم : متعة الرجل الذي يطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير(٢٢). وهذه كلها أقوال |لا| يعضدها أصل. والذي تعضده ظواهر الآي أنه لا قدر لها وأنها على قدر عسر الرجل ويسره، والدليل على ذلك قوله تعالى :( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) فهذا أقوى(٢٣) دليل على رفض التحديد وهو مذهب مالك رحمه الله(٢٤).
وفي هذه الآية دليل على أن المعتبر في قدرها إنما هو حال الرجل خاصة. وذكر بعض العلماء أن حال المرأة معتبر مع ذلك أيضا، واستدل على ذلك أيضا بقوله تعالى :( بالمعروف ) ولأنه إن لم يعتبر ذلك لزم منه أن تكون متعة الشريفة والدنيئة سواء(٢٥).
٢٣٦- وقوله تعالى :( بالمعروف ) |البقرة : ٢٣٦|.
أي لا حمل فيه(٢٦) ولا تكلف على أحد الجانبين، فهو تأكيد لقوله :( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) (٢٧).

١ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٣٢)..
٢ في ب "إلى أن الندب"..
٣ في ب "من غيره"..
٤ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/١٣٢) وتفسير الطبري (٢/٧٠٦، ٤٠٨) وأحكام القرآن للجصاص (٢/١٣٦)..
٥ يراجع من قال بذلك في تفسير الطبري (٢/٧٠٥، ٧٠٦)..
٦ في ب "الإمتاع"..
٧ يراجع أقوال الفقهاء في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٣٥ -١٤٣) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢١٦ -٢١٨) والمحرر الوجيز (٢/١٣٣، ١٣٤) وتفسير القرطبي (٣/١٩٦ -٢٠١)..
٨ في الطلاق (٥٣١٨)..
٩ في ب "إثبات"..
١٠ المخيرة هي التي يخيرها زوجها بين بقائها معه أو فراقه، والمملكة هي التي يجعل زوجها أمرها بيدها..
١١ في ب "أنه"..
١٢ يراجع رأي مالك عند ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٣٣، ١٣٤)..
١٣ حرن الفرس إذا اشتد ولم ينقاد أنظر مادة ح رن من الصحاح للجوهري.
١٤ قال ابن شعبان: المتعة بإزاء غم الطلاق، ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة. كذا في المحرر الوجيز لابن عطية (٢/١٣٣)..
١٥ قال ابن عطية: "وقال الترمذي" وعطاء، والنخعي: للمختلعة متعة. وقال أصحاب الرأي: للملاعنة متعة" المحرر الوجيز (٢/١٣٣)..
١٦ كذا في أ و ب و ن والصواب ما جاء في أحكام القرآن للهراسي (١/٢٠٢) "أن لا متعة"..
١٧ حكاه أبو الحسن الهراسي ورده في أحكام القرآن (١/٢٠٢، ٢٠٣)..
١٨ في ب "من"..
١٩ ذكره الهراسي ردا على أصحاب أبي حنيفة حين اعتبروا المتعة بدلا عن البضع أو بدلا عن الصداق. يراجع أحكام القرآن (١/٢٠٣) وأحكام القرآن للجصاص (٢/١٤٢)..
٢٠ في ب "يجزىء"..
٢١ كذا في أ و ب و ن وفي المحرر الوجيز "ابن محيريز" وأظنه خطأ..
٢٢ ذكر هذه الأقوال ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٣٤)..
٢٣ كذا في أ و ب وفي هامش أ وعليه صح و ن "أولى"..
٢٤ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٣٤) وتفسير القرطبي (٣/٢٠١، ٢٠٣)..
٢٥ يراجع هذا أحكام القرآن للجصاص (٢/١٤٣، ١٤٤) وللهراسي (١/٢٠٥)..
٢٦ في ب "فيها"..
٢٧ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٣٥، ١٣٦)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير