وبعضهم [يرويه] «١» تكن من أكننت. وأما قوله: «لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ» و «بَيْضٌ مَكْنُونٌ» فكأنه مذهب للشيء يصان، وإحداهما قريبة من الأخرى.
وقوله: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا يقول: لا يصفنَّ أحدكم نفسه فِي عدتها بالرغبة فِي النكاح والإكثار منه. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ «٢» عَنِ الْكَلْبِيِّ «٣» عَنْ أَبِي «٤» صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: السِّرُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ النِّكَاحُ. وَأَنْشَدَ عَنْهُ بَيْتَ امْرِئِ الْقَيْسِ:
أَلا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْيَوْمَ أَنَّنِي... كَبِرْتُ وَأَلا يَشْهَدَ السِّرَّ أَمْثَالِي «٥»
قَالَ الفراء: وَيَرَى أَنَّهُ مِمَّا كَنَّى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» «٦».
قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ... (٢٣٦)
بالرفع. ولو نصب كان صوابا على تكرير الفعل على النية، أي ليعط الموسع قدره، والمقتر قدره. وهو مثل قول العرب: أخذت صدقاتهم، لكل أربعين شاةً شاة ولو نصبت الشاة الآخرة كان صوابا.
(٢) يبدو أنه حبان بن على العنزي الكوفي. كان وجها من وجوه أهل الكوفة، وكان فقيها. وتوفى بالكوفة سنة ١٧١، وانظر تهذيب التهذيب.
(٣) هو أبو النضر محمد بن السائب الكوفىّ. توفى سنة ١٤٦، وانظر الخلاصة.
(٤) هو باذام مولى أم هانئ. وانظر الخلاصة.
(٥) من قصيدته التي أوّلها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي... وهل يعمن من كان فى العصر الخالي
وبسبّاسة امرأة من بنى أسد. ويروى «اللهو» فى مكان «السر»، وانظر الخزانة ١/ ٢٨
(٦) الغائط فى أصل اللغة: المطمئن الواسع من الأرض، ويكنى به عن العذرة لأنهم كانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوا الغائط من الأرض.
وقوله مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ منصوب خارجا «١» من القدر لأنه نكرة والقدر معرفة.
وإن شئت كان خارجا «٢» من قوله «مَتِّعُوهُنَّ» متاعا ومتعة.
فأمّا حَقًّا فإنه نصب من نية «٣» الخبر لا أنه من نعت المتاع. وهو كقولك فِي الكلام: عَبْد اللَّه فِي الدار حقا. إنما نصب الحق من نية كلام المخبر كأنه قال: أخبركم خبرا حقا، وبذلك حقا وقبيح أن تجعله تابعا للمعرفات أو للنكرات لأن الحق والباطل لا يكونان فِي أنفس الاسماء إنما يأتي بالإخبار «٤». من ذلك أن تقول: لي عليك المال حقا، وقبيح أن تقول: لي عليك المال الحق، أو:
لي عليك مال حقّ، إلا أن تذهب به إلى أنه حق لي عليك، فتخرجه مخرج المال لا على مذهب الخبر.
وكل ما كان فِي القرآن مما فِيهِ من نكرات الحق أو معرفته أو ما كان فِي معنى الحق فوجه الكلام فِيهِ النصب مثل قوله «وَعْدَ الْحَقِّ» «٥» و «وَعْدَ الصِّدْقِ» «٦» ومثل قوله «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا» «٧» هذا على تفسير الأوّل.
وأمّا قوله «هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ» «٨» فالنصب فِي الحق جائز يريد حقا، أي أخبركم أن ذلك حق. وإن شئت خفضت الحق، تجعله من صفة اللَّه تبارك وتعالى. وإن شئت رفعته فتجعله من صفة الولاية. وكذلك قوله «وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» «٩» تجعله من صفة اللَّه عز وجل. ولو نصبت كان صوابا، ولو رفع على نية الاستئناف كان صوابا كما قال «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
(٢) يريد أنه مفعول مطلق.
(٣) يوافق هذا قولهم: إنه مفعول مطلق مؤكد للجملة السابقة.
(٤) كذا فى ش. وفى ج: «بأخبار».
(٥) آية ٢٢ سورة إبراهيم.
(٦) آية ١٦ سورة الأحقاف. [.....]
(٧) آية ٤ سورة يونس.
(٨) آية ٤٤ سورة الكهف.
(٩) آية ٣٠ سورة يونس.
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» «١» وأنت قائل إذا سمعت رجلا يحدث: [حقا أي] «٢» قلت حقا، والحق، أي ذلك الحق. وأما قوله فِي ص: «قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ» «٣» فإن الفرّاء قد رفعت الأول ونصبته. وروى عن مجاهد وابن عَبَّاس أنهما رفعا الأول وقالا تفسيره: الحق مني، وأقول الحق فينصبان الثاني ب «أقول». ونصبهما جميعا كثير منهم فجعلوا الأول على معنى: والحقّ «٤» «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ» وينصب الثاني بوقوع القول عليه. وقوله «ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ» «٥» رفعه حَمْزَةُ والكسائي، وجعلا الحق هُوَ اللَّه تبارك وتعالى لأنها فِي حرف عَبْد اللَّه «ذلك عيسى ابن مريم قَالَ اللَّه» كقولك: كلمة اللَّه، فيجعلون (قال) بمنزلة القول كما قَالُوا: العاب والعيب.
وقد نصبه قوم يريدون: ذلك عِيسَى بْن مريم قولا حقا.
وقوله: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ... (٢٣٧)
تماسوهن وتمسوهن واحد، وهو الجماع المماسة والمس.
وإنما قال إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ بالنون لأنه فعل النسوة، وفعل النسوة بالنون فِي كل حال. يقال: هن يضربن، ولم يضربن، ولن يضربن لأنك لو أسقطت النون منهن للنصب أو الجزم لم يستبن لهن تأنيث. وإنما قَالَتِ العرب «لن يعفوا» للقوم، و «لن يعفوا» للرجلين لانهم زادوا للاثنين فِي الفعل ألفا ونونا، فإذا أسقطوا نون الاثنين للجزم أو للنصب دلت الألف على الاثنين. وكذلك واو يفعلون تدل على الجمع إذا أسقطت النون جزما أو نصبا.
أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الزوج.
(٢) زيادة اقتضاها السياق خلت منها الأصول.
(٣) آية ٨٤.
(٤) ونصبه على طرح الخافض على نية القسم أي بالحق.
(٥) آية ٣٤ سورة مريم.
معاني القرآن للفراء
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء
أحمد يوسف نجاتي