و يجب وللمطلقات متاع بالمعروف يعني على الموسع قدره وعلى المقتر قدره حق ذلك حقا على المتقين عن الشرك، قيل المراد بمتاع في هذه الآية نفقة أيام العدة كما هو المراد فيما سبق من قوله تعالى : وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول بجامع أن المرأة في كلام الصورتين الموت و الطلاق محبوسة لحقوق الزوج فيجب الإنفاق في ما له وهذا الحكم وهو وجوب الإنفاق في عدة الطلاق مجمع عليه إن كان الطلاق رجعيا، وأما إذا كان الطلاق بائنا فكذلك الحكم عند أبي حنيفة رحمه الله لعموم اللفظ في هذه الآية ولقوله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ١ فإنه في قراءة ابن مسعود بلفظ " أسكنوهن من حيث سكنتم فأنفقوا عليهن من وجدكم } ولحديث جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة " رواه الدارقطني. فإن قيل قال ابن الجوزي فيه الحرث بن أبي العالية قال يحيى بن معين هو ضعيف، قلنا : قال الذهبي حرث بن أبي العالية أبو معاذ شيخ لعبد الله القواريري ضعف بلا حجة، ولجامع معنى الاحتباس لحقول الزوج وهو ظهور براءة الرحم أو المروءة في معاملة الإحداد والتأسف على فراقه ولم ننسخ الإنفاق على المتوى عنها زوجها بالكلية بل وجب لها الميراث عوضا عن الإنفاق فكأنه لم ينسخ، وقال مالك والشافعي : لا يجب لها النفقة لكن يجب لها السكنى وهو رواية عن أحمد، وعند أحمد لا سكنى لها ولا نفقة. احتجوا بحديث فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله الشعير فسخطته فقال : والله مالك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال :" ليس لك نفقة " فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحاب اعتدي عند أم مكتوم " رواه مسلم، وفي رواية أن زوجها طلقها ثلاثا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا " وروى أحمد عن ابن عباس قال : حدثنتني فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة وفي سند هذا الحديث حجاج بن أرطأة، وروى أحمد عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنما النفقة والسكنى للمرأة إن كانت له عليها رجعة فإذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى " فبهذا الحديث قال أحمد لا سكنى لها، وأما الشافع ومن معه فأوجبوا السكنى بقوله تعالى : أسكنوهن فكأنهم تركوا العمل بهذا الحديث من وجه. ولنا في الجواب أن حديث فاطمة بنت قيس مخالف للكتاب فهو متروك وقد ترك العمل به عمر بن الخطاب بمحضر من الصحابة، وروى الترمذي بسنده عن مغيرة : عن الشعبي قال قالت : فاطمة بنت قيس طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسم :" لا سكنى لك ولا نفقة " قال مغيرة : فذكرته لإبراهيم فقال : قال عمر لا ندع كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم بقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت وكان عمر يجعل لها سكنى، قال ابن الجوزي إن إبراهيم لم يدرك وقد رواه جماعة أن عمر قال لا نذر كتاب الله ولم يقل ينة نبيه وهو أصح ثم لا يقبل قول الصحابي إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضده، قلنا : إن لم يدرك إبراهيم عمر فهو مرسل والمرسل عندنا حجة، وإذا ثبت قول عمر سنة نبينا فهو رواية رفعه، ولو سلمنا فما اعترف به ابن الجوزي من صحة قول عمر لا نذر كتاب الله يكفينا للمدعى فإن قول عمر هذا يدل على صحة قراءة ابن مسعود فأنفقوا عليهن من وجدكم فثبت به المدعى، وقيل في تأويل الآية المراد بمتاع بالعروف هو المتعة غير النفقة وهي ثلاثة أثواب كما في المطلقة غير الممسوسة، وعلى هذا التأويل اللام في للمطلقات للعهد الخارجي عند أبي حنيفة رحمه الله يدل عليه ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد قال لما نزلت : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ٢ قال رجل إن أحسنت فعلت وإن لم أر ذلك لم أفعل فأنزل الله وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين فعلى هذا إنما يثبت المتعة إلا للمطلقة قبل المسيس وبه قال أبو حنيفة رحمه الله. فإن قيل لو كان التأويل هكذا فما وجه قول أبي حنيفة بأن المتعة يستحب إعطاؤها للمطلقة بعد المسيس فرض المهر أولا ؟ قلنا : استحباب المتعة للمطلقة بعد المسيس لا يثبت بهذه الآية بل بقوله تعالى في سورة الأحزاب : فتعالين أمتعكن وأسرحهن سراحا جميلا ٣ والله أعلم، وقال الشافعي : اللام للاستغراق ومن ثم يجب المتعة عنده لكل مطلقة إلا التي طلقت قبل المسيس بعد فرض المهر، قلت : لو كن التأويل هكذا فلا وجه لاسثناء المطلقة التي طلقت قبل المسيس إلا أن يقال وجهه الاسثناء أن يقال إن المتعة في هذه الصورة هو نصف المهر كما ذكرنا من قبل وحينئذ نقول إن ما ذكر الشافعي من التأويل هو أحد الاحتمالات المذكورة كما سمعت فوقع الشك في وجوب المتعة لكل مطلقة ولا يثبت الوجوب بالشك فقلنا بالاستحبابب عملا على أحد الاحتمالات والله أعلم
٢ سورة البقرة، الآية: ٢٣٦.
٣ سورة الأحزاب، الآية: ٢٨.
التفسير المظهري
المظهري