ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما، وهو العلي العظيم { ٢٥٥ }.
تفسير المفردات
الله هو المعبود بحق، والعبادة استعباد الروح وإخضاعها لسلطة غيبية لا تحيط بها علما، ولا تدرك كنهها وحقيقتها، وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان، فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي استقلالا أو تبعا لسواه، والحي هو ذو الحياة، والحياة هي مبدأ الشعور والإدراك والحركة والنمو، وهي بهذا المعنى مما يتنزه عنها الله سبحانه، فالمراد بها بالنسبة إليه تعالى الوصف الذي يعقل معه الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة، والقيوم القائم على خلقه بتدبير آجالهم وأعمالهم وأرزاقهم كما قال تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت والأخذ : الغلبة والاستيلاء، والسنة : النعاس، وهو فتور يسبق النوم، قال عدي بن الرقاع :
وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم
والنوم : حال تعرض للحيوان بها تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس والشعور، والكرسي : هو العلم الإلهي، وآده الشيء : يئوده إذا أثقله ولحقه منه مشقة، والعلي : هو المتعالي عن الأشباه والأنداد، والعظيم : هو الكبير الذي لا شيء أعظم منه.
المعنى الجملي
أمرنا سبحانه قبل هذا بالإنفاق في سبيله قبل أن يأتي اليوم الذي لا تنفع فيه شفاعة الشافعين، ولا يغني مال يعطى فدية عن العاصي، ولا تنفع صداقة لدى الرؤساء وذوي الثراء كما كانت تجدي في الدنيا نفعا، وبها تحل كل مهمة – هنا انتقل إلى تقرير أصول الدين من توحيد الله وتنزيهه حتى يستشعر العبد عظيم سلطانه، ووجوب الطاعة لأمره، والإذعان لحكمه، والوقوف عند حدوده، وبذل المال في سبيله، وعدم الركون إلى شفاعة الشافعين ولا الفدية بمال ولا بنين.
الإيضاح
الله لا إله إلا هو الحي القيوم أي الإله الحق الذي يستحق أن يعبد هو الله الواحد الصمد، ذو الملك والملكوت، الحي الذي لا يموت، القائم بتدبير أمر عباده، يكلؤهم ويحفظهم ويرزقهم.
لا تأخذه سنة ولا نوم أي لا يعتريه نوم ولا مقدماته، وإذا كان كذلك كان قائما بتدبير شئون عباده في جميع الأوقات آناء الليل وأطراف النهار.
وقد جاء النظم الكريم بحسب الترتيب الطبيعي في الوجود، فنفى ما يعرض أولا وهو السنة، ثم ما يتبعها وهو النوم، وبعبارة أخرى- هو ترق في نفي النقص عنه، فإن من لا تغلبه السنة قد يغلبه النوم لأنه أقوى. فذكر النوم بعد السنة ترق من نفي الأضعف إلى نفي الأقوى.
والخلاصة – إن هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أتم وجه، إذ من تأخذه السنة والنوم يكون ضعيف الحياة، ضعيف القيام بشئون نفسه، وبشئون غيره.
له ما في السماوات وما في الأرض فكل من فيهما وما فيهما ملكه وعبيده، خاضعون لمشيئته، وهو المصرف لشئونهم والحافظ لوجودهم.
وهذه الجملة تأكيد ثان لقيوميته واحتجاج بها على تفرده في الألوهية. لأنه تعالى خلقهما بما فيهما.
من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه أي من ذا الذي يستطيع من عبيده أن يغير ما مضت به سنته، وقضت به حكمته، وأوعدت به شريعته، من تعذيب ذوي العقائد الباطلة، والأخلاق السافلة الذين أفسدوا في الأرض، وانحرفوا عن جادة الدين إلا إذا أذن له ربه، ونحو هذا قوله : يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه .
وهذا تمثيل لانفراده بالملك والسلطان في ذلك اليوم، وأن أحدا من عباده لا يجرؤ على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه- وإذنه غير معروف لأحد من خلقه- وفي ذلك قطع لأمل الشافعين، والذين يركنون إلى الشفاعة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب.
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم أي يعلم أمور الدنيا التي خلفوها، وأمور الآخرة التي يستقبلونها.
وهذه الجملة مؤكدة لنفي الشفاعة، إذ من كان عالما بكل شيء فعله العباد في الماضي وفيما هو حاضر بين أيديه وفيما يستقبلهم، وكان ما يجازيهم به مبنيا على هذا العلم، كانت الشفاعة على هذا النحو المعروف، مما يستحيل عليه تعالى، لأنها لا تتحقق إلا بإعلام الشفيع المشفوع عنده من أمر المشفوع له وما يستحقه ما لم يكن يعلم.
وما ورد من أحاديث الشفاعة، فهو محمول على الدعاء الذي يفعل الله تعالى عقبه ما سبق في علمه الأزلي أنه سيفعله، مع أنا نقطع بأن الشافع لا يغير شيئا من علمه، ولا يحدث تأثيرا في إرادته، وبذلك تظهر كرامة الله لعبده مما أوقع من الفعل عقب دعائه، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء أي إن أحدا من خلقه لا يحيط بما يعلمه إلا إذا شاء ذلك، والشفاعة تتوقف على إذنه تعالى، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه، وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه، فمن بين أنه مستحق لعقابه، فلا يجرؤ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن الله تعالى إلى الباطل والفساد، ولم تدس روحه حتى تسترسل في الخطايا، فهو واصل إليه على ما وعد به في كتابه وما تفضل به على عباده.
وسع كرسيه السماوات والأرض أي إن علمه تعالى محيط بما يعملون مما عبر عنه بقوله : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وبما لا يعلمون من شئون سائر الكائنات، ويرى جمع من المفسرين منهم القفال والزمخشري أن الكلام تصوير لعظمته وتمثيل لكبريائه، ولا كرسي ولا قيام ولا قعود، وقد خاطب سبحانه عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم.
والخلاصة- إن الكرسي شيء يضبط السماوات والأرض، نسلم به بدون بحث في تعينه، ولا كشف عن حقيقته، ولا كلام فيه بالرأي دون نص عن المعصوم.
ولا يئوده حفظهما أي ولا يثقله حفظ هذه العوالم بما فيها، ولا يشق عليه ذلك، وإنما لم يذكر ما فيهما، لأن حفظهما مستتبع لحفظه.
وهو العلي العظيم أي وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه، العظيم على كل شيء سواه، فهو المنزه بعظمته عن الاحتياج إلى من يعلمه بحقيقة أحوالهم، أو يستنزله عما يريد من مجازاتهم على أعمالهم.
والخلاصة- إن هذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وجلاله وكماله، حتى لا تدع موضعا للغرور بالشفعاء الذين يعظمهم المغرورون ويتكلون على شفاعتهم، فأوقعهم ذلك في ترك المبالاة بالدين، فخويت القلوب من ذكر الله، وخلت من خشيته جهلا منها مما يجب من معرفته، وأفسدت فطرتهم الأهواء والجهالات، فلا يجدون ما يلهون به إلا كلمة الشفاعة ومن اغتر بها فشيطانه هو الذي يوسوس له، ويمده في الغي.
فهذه النفوس لم تعرف عظمة الله، ولم تستشعر بالحياء منه، ولم تحترم دينها وشريعتها، إذ آية ذلك بذل المال والروح في إعلاء كلمته، لا تعظيمه بالقول دون أن يصدق ذلك العمل.
وإنك لترى المسلمين يترنمون بهذه الآيات، وقلما تحدث لأحد منهم ذكرا يصرفه عن الشفاعات، ويرجو النجاة بعمل الصالحات وهو مؤمن كما وعد الله بذلك في كتابه، وقد حذوا حذو أهل الكتاب من قبلهم، واتكلوا في نجاتهم على شفاعة سلفهم، وتركوا المبالاة بالدين.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير