ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

[ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ( ٢٥٥ ) ].
اقتتل الذين جاءوا بعد النبيين كما بينت الآية السابقة، واختلفوا في تلك الحقيقة المقررة الثابتة التي دعا إليها النبيون منذ أول مبعوث رحمة للعالمين، ولقد ناسب أن يبين سبحانه بعد ذكر الخلاف ثم القتال ما جعله المشركون موضع خلاف، وهو في حقيقة الأمر فوق كل خلاف إن استقامت العقول، وسلمت الفطرة، ولم يدس النفس في الشر نازغ الشيطان، ويضل ابن آدم حتى يطمس في قلبه نور البرهان.
و لذلك قال سبحانه :[ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ] وهذه الآية الكريمة تذكر صفات الله تعالى وسلطانه وكمال وجوده، وفيضه بنعمة الوجود على كل شيء في الوجود. ولقد ذكر العلماء أنها تشتمل على حقيقتين مقررتين تؤكدان معنى الوحدانية، وتربيان المهابة الإلهية في قلب كل مؤمن صافي السريرة قد خلا قلبه من كل رين الشرك، ومن مظاهر العبودية لغير الله سبحانه وتعالى :
الحقيقة الأولى : أنها تشتمل على عشر جمل، كل جملة منها تشتمل على وصف أو وصفين فيه بيان كمال الله العلي الأعلى، وسلطانه الشامل الكامل، وألوهيته الحق المستقرة في ثنايا كل نفس إلا من ختم الله على قلبه.
الحقيقة الثانية : أنها أكثر آي الكتاب الكريم ذكرا لله رب العالمين. ولقد ذكر بعض العلماء أن الله العلي العليم ذكر فيها بالاسم الظاهر أو الضمير أكثر من سبع عشرة مرة، وقد أحصاها عدا.
و لاشتمال تلك الآية الكريمة على ذكر الاسم المقدس، وتنزيهه سبحانه وكمال سلطانه، وامتيازها بتكرار ذكر الله، ذكر كثير من العلماء أنها أعظم آية في كتاب الله، واستندوا في ذلك إلى أخبار صحاح وردت في صحاح السنة، من أقوال النبي الأمين ١. والقرآن كله فوق قدرة العقل البشري، وهو في ذاته أعظم كتاب نزل من رب العالمين ؛ لأنه كتاب الحقيقة من بدء الخليقة، ولا نرى ما يمنع أن تتفاوت آياته في العظم، وإن كان أصل العظم المتسامي عن قدرة البشر محققا مؤكدا فيه كله، وفي كل آية بخصوصها.
[ الله لا إله إلا هو ] تلك هي الجملة السامية الأولى من الجمل العشر التي اشتملت عليها الآية الكريمة، ولفظ الجلالة " الله " قال العلماء : إن أصله : إله، دخلت عليه أداة التعريف " أل" وحذفت الهمزة فصارت : الله. و هي بهذا المعنى تفيد التعريف بأنه وحده هو الإله، فهي تتضمن معنى الألوهية المنفردة، دلت على ذلك " أل " التي تفيد التعريف، فمعنى كلمة الله : الإله المنفرد بالألوهية التي لا يشاركه فيها سواه، وعلى ذلك تكون كلمة الله تفيد معنى استحقاق العبادة، ومعنى الوحدانية، ومعنى الكمال كله ؛ لأنه المنفرد بذلك كله، فإذا أطلق اللفظ انصرف إليه، ولم يفهم منه سواه، تعالى سبحانه عن الشبيه والمثيل، والمقارب والنظير.
و إن ذلك المعنى المفهوم من لفظ الجلالة وأصل اشتقاقه قد صرح به في هذه الآية الكريمة، فقد قال سبحانه :[ لا إله إلا هو ] فهو تصريح بما فهم ضمنا مما قبله، فاجتمعت في الدلالة على الوحدانية الدلالتان : الدلالة التضمنية، والدلالة اللفظية، أو الدلالة بالإشارة، والدلالة بالعبارة، فكان في ذلك تأكيد فضل تأكيد لمعنى الوحدانية في الألوهية. ومعنى قوله تعالى :[ لا إله إلا هو ] لا معبود بحق إلا هو، وهذا هو المعنى الذي اختاره جمهور المفسرين، وهو واضح، وفيه إشارة إلى وقائع الأمور ؛ ذلك لأن بعض الناس عبدوا غير الله تعالى، فعبد بعضهم الشمس والكواكب، وعبد بعضهم النار، وعبد بعضهم الأوثان، واعتبروا كل هذه آلهة، فكانت عبادتهم باطلة وبغير حق، إنما المعبود حقا، والمستحق للعبادة صدقا هو الله سبحانه وتعالى، وهو العليم الحكيم، العلي القدير.
و لقد سلك بعض العلماء مسلكا آخر في تفسير قوله تعالى :[ لا إله إلا هو ] فذكر أن معنى الألوهية هو تسخير الكون كله لقوة القادر الغالب على كل شيء، وتعلق الخلق كله بخالقه، واتصاله به اتصال إنشاء وتكوين، ثم اتصال تدبير وتنظيم، ثم اتصال خضوع وسيطرة كاملة، وتعلق به سبحانه. وعلى هذا يكون المعنى : لا منشئ ولا خالق ولا مسخر ولا مسيطر على الوجود إلا رب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى، ولا خضوع إلا لقدرته، ولا تتعلق الأشياء إلا بذاته سبحانه وتعالى، وإذا كان كذلك فإنه لا مستحق للعبادة سواه، وبذلك يجيء المعنى الأول نتيجة لهذا المعنى وثمرة له، وهما بهذا متلاقيان.
و في الحق أن أصل اشتقاق كلمة " إله " يتضمن معاني الخلق، والعبادة، والمحبة، والضراعة إليه سبحانه. ولننقل عبارة الأصفهاني في أصل اشتقاقها، فإنها في هذا شاملة كاشفة، فقد قال :
" وإله جعلوه اسما لكل معبود لهم، وسموا الشمس إلها، لاتخاذهم إياها معبودا، وأله فلان يأله عبد، وقيل تأله، فالإله على هذا المعنى هو المعبود، وقيل هو من أله أي تحير.. وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته تحير فيها، ولذا قيل : تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله. وقيل أصل إله ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه، إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة معا كبعض الناس. ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء : الله محبوب الأشياء كلها. ودل عليه قوله تعالى :[ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم... ٤٤ ] ( الإسراء ).
[ الحي القيوم ] هذا خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو الحي القيوم. والحي هو ذو الحياة الكاملة، والحياة الكاملة مظهرها الشعور والإدراك والعلم، وهي كمال الوجود في المحسوسات والمخلوقات، ولكنها بالنسبة لله سبحانه وتعالى صفة كمال له جلت قدرته، مظهرها العلم والإرادة والقدرة، والخلق والتكوين ! فإنه وإن اشترط الحياة بين الباقي والفاني، فمعناه في الفاني لا يليق بذاته، ومعناه في الباقي سبحانه وتعالى يليق بذاته العلية [ ليس كمثله شيء... ١١ ] ( الشورى ).
و الحياة على هذا صفة كمال قد وصف الله سبحانه وتعالى بها ذاته الكريمة، والعقل يوجب اتصافه سبحانه بها ؛ لأنها من كمال الوجود ؛ والله سبحانه وتعالى هو وحده كامل الوجود، وفوق كل موجود. وقد ذكر الأستاذ الشيخ محمد عبده بيان وجه الكمال في صفة الحياة له سبحانه، فقال في رسالة التوحيد :
" إذ وجب أن يكون له سبحانه صفة الحياة، وهي صفة تستتبع العلم والإرادة ؛ وذلك أن الحياة مما يعتبر كمالا، للوجود بداهة، فإن الحياة مع ما يتبعها مصدر النظام وناموس الحكمة، وهي في أي مراتبها مبدأ الظهور والاستقرار، فهي كمال وجودي، ويمكن أن يتصف بها الواجب، وكل كمال وجودي يمكن أن يتصف به وجب أن يثبت له، فواجب الوجود حي، وإن باينت حياته حياة الممكنات، فإن ما هو كمال للوجود إنما هو مبدأ العلم والإرادة، ولو لم تثبت له هذه الصفة لكان في الممكنات ما هو أكمل منه وجودا.. والواجب هو واهب الوجود وما يتبعه فكيف يكون فاقدا للحياة ويعطيها ؟ ".
و إذا كان الله سبحانه وتعالى حيا ذا إرادة كاملة، وعلم شامل، وقدرة قاهرة، فإن الكون نشأ بإرادته، وقام بسلطانه، وهو فوقه والمسيطر عليه، ولم ينشأ عنه سبحانه كما ينشأ المعلول عن علته، كما قال بعض الفلاسفة قديما، وكما يزعم بعض الماديين حديثا، ممن ينكرون القوة الغيبية المسيطرة القادرة المريدة.
و [ القيوم ] معناه القائم بنفسه الذي لا يقوم بغيره، فلا يحل في شخص ولا في شيء، والقائم على كل شيء بالتدبير والحياطة والكلاءة [ من يكلؤكم بالليل والنهار... ٤٢ ] ( الأنبياء ) والقائم على كل نفس يحصي عليها ما كسبت وما اكتسبت، والقائم الدائم الذي لا يفنى ولا يزول.
و يظهر أن كلمة قيوم بهذا المعنى كانت معروفة عند العرب وصفا لله سبحانه وتعالى، فقد قال أمية بن أبي الصلت :
لم تخلق السماء والنجوم *** و الشمس معها قمر يقوم
قدره مهيمن قيوم *** والحشر والجنة والنعيم
إلا لأمر شأنه عظيم
و أصل اشتقاق قيوم من قام يقوم قياما، ووزن قيوم فيعول، أصلها قيووم، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
[ لا تأخذه سنة ولا نوم ] هذا وصف سلبي يؤكد الوصف الإيجابي السابق، فإن قيامه سبحانه وتعالى على الكون وكلاءته له يقتضي ألا تأخذه سنة ولا نوم، لأن الحركة المستمرة للعالم، والبيان الذي ارتبطت به أجزاؤه يقتضيان ألا تعرض غفلة للقائم عليه :[ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده... ٤١ ] ( فاطر ). ولأن السنة والنوم من أعراض الجسم الحيواني، سواء أكان ناطقا أم كان غير ناطق، والله سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة الحوادث، وليس سبحانه وتعالى جسما، وليس له أعراض أي جسم. والسنة هي النعاس، وهو ما يسبق النوم من فتور، وقيل إن السنة أسبق من النعاس، وذلك أنه تحدث ثلاث مراتب عند وجود أسباب النوم : أن يحس الشخص بفتور ويبتدئ يفقد سيطرته على أعضائه، ثم يجيء النعاس، فتتراخى العين، وتبتدئ الأعضاء كلها في التراخي، ثم يحصل النوم، وبه يفقد الشخص وعيه، ولذا قال المفضل :" السنة، من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب " والسنة أصلها وسنة، حذفت الواو ثم كسرت السين ليمكن الابتداء بها، ففعلها وسن. وقد قال عدي بن الرقاع :
وَ سْنَان أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقّتْ *** في عيْنَيْهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنَائِمِ
و لقد كان مقتضى النسق أن ينفي عنه سبحانه النوم، ثم ينفي السنة ؛ لأن نفي النوم لا يقتضي نفي السنة، وعلى العكس نفي السنة يقتضي نفي النوم.
و لكن عدل عن ذلك، بنفي السنة ثم نفي النوم لمعنى بلاغي، ذلك أن الترتيب الطبيعي لهذه الحقائق في الوجود أن السنة تسبق النوم، وإن ذلك الترتيب الطبيعي يعطي للقارئ صورة حية للتالي لكتاب الله تعالى، إذ يتصور الذين يعرض لهم النوم كيف يبتدئ بالسنة ثم النعاس ثم النوم، وإذا تصور ذلك المنظر الطبيعي تصور معه الضعف الإنساني أمام سلطان النوم بمقدماته، وإذا تصور ذلك تبينت له استحالة ذلك على الله سبحانه وتعالى القوي القادر القاهر لكل شيء، فكان ذلك الترتيب الطبيعي فيه إشارة إلى دليل مانع من أن يوصف المولى العلي القدير بهما.
و في التعبير بقوله سبحانه :[ لا تأخذه سنة ولا نوم ] إشارة أخرى إلى استحالة قيامهما بالذات العلية. فقوله :[ لا تأخذه ] فيها دلالة على القوة القاهرة للنوم، وأنها تأخذ الحي أخذا، وتقهره قهرا، وذلك مستحيل أن يكون للقهار فوق عباده.
و النوم معروف، وهو حقيقة ترى، كما يرى الضوء، وكما تحس الحرارة، ولكن ما سببه ؟ وقد اتفق المتقدمون والمتأخرون على أن سببه التعب الجسمي، وإن كانت عباراتهم مختلفة في تأثير التعب على الجسم حتى يكون منه النوم، فيقول البيضاوي في تفسيره :" النوم حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا ".
و قال علماء العصر :( إن النوم وقوف سلطان المخ على الأعضاء بسبب ما تولده الحركة من السموم الغازية المؤثرة في العصب ). وقيل بسبب ما تف

١ عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا المنذر أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال : قلت الله ورسوله أعلم. قال :"يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال: قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري وقال: " والله ليهنك العلم أبا المنذر " ( رواه مسلم: صلاة المسافرين – فضل سورة الكهف وآية الكرسي )..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير