١٩٧- ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء فيه من الأسئلة : ما معنى الإحاطة ها هنا ؟ وهل هي مجاز أو حقيقة ؟ وكيف دخل " مِن " على علم الله تعالى وهو لا يتبعّض ؟ وكيف يمكن أن يكون الاستثناء متصلا ؟.
والجواب : أن المراد بالإحاطة هاهنا الكشف. وتسميةُ الكشفِ إحاطةً مِن مجازِ التشبيه، شبّه إحاطةَ التعلق من جهة العلم بالمعلوم بإحاطةِ الجسم بالجسم ولذلك قال الله تعالى : لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (١) وقوله تعالى : وأحصى كل شيء عددا (٢) فسمى تعلق علمه تعالى من مجاز الاستعارة.
وأما " من " هاهنا فهي للتبعيض وعلم الله تعالى صفة واحدة لا يدخلها التبعيض وإنما المراد هاهنا بالعلم المعلوم من مجاز التعبير بالمتعلق عن المتعلق، والمراد : " لا يحيطون بشيء من معلوماته إلا بما شاء أن يحيطوا به. فيحيطون حينئذ " فالاستثناء متصل ؛ لأن ما شاء الله من المعلومات هو بعض ما حكم عليه قبل إلا، بناء على أن الاتصال والانقطاع يكون بحسب المراد باللفظ لا بحسب مدلول اللفظ لغة، وهذا يؤيد بحث الشيخ أبي عمرو رحمه الله في المسألة المذكورة قبل هذه المسألة(٣)، وإلا فمقتضى اللفظ الواقع قبل إلا، وهو لفظ العلم، وتعذر التبعيض فيه أن يكون الاستثناء منقطعا فتأمل ذلك. ( نفسه : ٣٠٦-٣٠٧ )
١٩٨- ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم أي : لا يثقله. ( الفروق : ٢/٤٠ )
١٩٩- من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه .
هذه الآية تحتمل معنيين :
أحدهما : أن تكون للمصاحبة مثل قولك : " خرج زيد بثيابه "، وبعت الفرس بسرجه "، أي : " مصاحبا لثيابه وسرجه "، ويكون تقديره الآية : " لا أحد يشفع عنده إلا مصاحبا لإذن الله تعالى في ذلك " وعلى هذا التقدير لا تكون الآية من هذا الباب.
ويحتمل أن يكون معناها : " لا أحد يشفع عنده بسبب من الأسباب التي توصله بذلك، وتقدر عليه إلا بإذن الله تعالى له في ذلك "، فإن الله تعالى إذا أذن له في ذلك كان ذلك سببا لاقتداره على الشفاعة، فهذا هو الظاهر عندي. وعلى هذا تكون هذه الآية من هذا الباب. والاستفهام في الآية معناه : النفي المحض لاستحالة الاستفهام على الله تعالى. والتقدير : " لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه ".
والإذن هاهنا يحتمل أمرين :
أحدهما : الإباحة، وعلى هذا يرجع إلى صفة الكلام.
وثانيهما : أن يكون من باب القدرة مثل قوله تعالى : فيكون طائرا بإذني (٤) أي : بقدرتي. ( الاستغناء : ٤٩٥ ).
٢ - سورة الجن : ٢٨..
٣ - يقصد قول الشيخ أبي عمرو بن الحاجب :"قد يكون المذكور بعد "إلا" من مسمى اللفظ السابق ويكون الاستثناء منقطعا بأن تقول :"رأيت إخوتك"، وتريد بعض إخوتك على التعيين، ونذكر بعد إلا زيدا، ويكون هذا زيد ليس من أولئك المعنيين، فنقول "رأيت إخوتك إلا زيدا"، ويكون الاستثناء منقطعا على هذا التقدير لأن زيدا ليس بعض من أطلق عليه اللفظ أولا..." تتمة هذه المسألة في كتاب الاستغناء : ٣٠٥..
٤ - سورة المائدة : ١١٠..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي