وَلَا خُلَّهٌ الخُلَّةُ: مَصْدَرُ الخَلِيْل، وكذلك الخِلاَلة، والخُلَّةُ أيضًا تكون اسمًا، كما قال:
| ألا أبْلِغا خُلَّتِي رَاشِدًا | وصِنْوِي قِديمًا إذا ما اتَّصَل (١) |
وقوله تعالى: شَفَاعَةٌ إنما عم نفيَ الشفاعة؛ لأنه عنى الكافرين بأن هذه الأشياء لا تنفعهم، ألا ترى أنه قال عقيب هذا: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي: هم الذين وضعوا الأمرَ غيرَ موضِعِه (٣)، ونظير هذه الآية قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية [إبراهيم: ٣١].
٢٥٥ - قوله تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (٤) رفع بالابتداء، وما بعده خَبَرُه (٥)، ونَفْيُ إلهٍ سواهُ توكيدٌ وتحقيقٌ لإلاهِيَّتِه؛ لأن قولك: لا كريم إلا زيد، أبلغُ من قولِك: زيدٌ كريم.
وقوله تعالى: الْحَيُّ الحي من له حياة، وهي صفة تخالف الموت والجمادية (٦)، وأصله: حَيِيَ، مثل: حَذِرَ وطَمِع، فأدغمت الياء في الياء عند
(٢) ينظر في (خلل): "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٩٥ - ١٠٩٨، "المفردات" ص ١٥٩ وقال: الخلة: المودة، إما لأنها تتخلل النفس، أي: تتوسطها، وإما لأنها تخل النفس فتؤثر فيه تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة إليها. وينظر أيضًا "اللسان" ٢/ ١٢٤٨ - ١٢٥٤.
(٣) ينظر "تفسيرالثعلبي" ٢/ ١٤٠٩.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٣٠، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٣٥، "إعراب مشكل القرآن" ١/ ١٣٦، "التبيان" ص ١٥١.
(٦) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ١٤٣٦
اجتماعهما. وقال ابن الأنبارى: الحي: أصله الحيو (١)، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن جعلتا ياء مشددةً (٢). ومعنى الحي: الدائم البقاء (٣).
وقوله تعالى الْقَيُّومُ القَيُّومُ في اللغة: مبالغةٌ من القَائم، وزنه فَيْعُول، وأصله: قَيْوُوُم، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن جُعِلَتا ياءً مشددة (٤)، ولا يجوز أن يكون على (فَعُّول)، لأنه لو كان كذلك لكان قوومًا (٥). وفيه ثلاث لغات: قَيوم وقَيّام وقَيِّم (٦)، ولا يجوز أن يطلق في وصفه إلا الْقَيُّومُ لعدم التوقيف بغيره من اللغات، إلا ما روي عن بعض الصحابة والتابعين، أنهم قرأوا: القَيَّام والقَيّم (٧). وقد تكلمت العرب بالقَيُّوم. قال أمية:
قَدَّرَها (٨) المُهَيْمِن القَيُّوم (٩)
(٢) ابن الأنباري، وفي "تهذيب اللغة" ١/ ٩٤٧ (مادة: حوى) عن الفراء.
(٣) ينظر في (حيي): "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٣٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٣٦.
(٤) في "تهذيب اللغة" ١/ ٩٤٧ عن سيبويه. وكذلك قال في سيد وجيد وميت وهيِّن وليِّن.
(٥) في (ي): (قؤومًا)، وفي (م): (قيووم).
(٦) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٣٧.
(٧) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٩٠، وقال: وقرأها عمر بن الخطاب وابن مسعود (القيّام)، وصورة القيوم: فيعول، والقيام: الفيعال، وهما جميعًا مدح، وأهل الحجاز أكثر شيء قولًا: (الفيعال) من ذوات الثلاَثة، فيقولون للصوّاغ: الصيّاغ. اهـ. والقيم: قرأه علقمة، كما ذكر الثعلبي ٢/ ١٤٣٦.
(٨) في (ي) (قدزها)
(٩) صدر بيت من مشطور الرجز، لأمية بن أبي الصلت، وهو في "ديوانه" ص ٧٣ ضمن أبيات له يقول فيها: =
وأنشد ابن الأنباري:
| إنَّ ذا العَرْش الذي يَرْزُق | النَّاس وحَيّ عَلَيْهمُ قَيّوم (١) |
فأما معناه: فقال (٣) مجاهد: القيوم: القائم على كل شيء (٤)، وتأويله: أنه قائم بتدبير أمر الخلق، في إنشائهم وأرزاقهم، وقال الضحاك: القيوم: الدائم الوجود (٥). أبو عبيدة: هو الذي لا يزول (٦)، لاستقامة وصْفِهِ بالوجود، حيث لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه. وقيل: هو بمعنى العالم بالأمور، من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب، أي: هو (٧) عالم به.
وقوله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ السِّنة: ثِقَلُ النُّعاس، وهو مصدر وَسَن، يَوْسَنُ، سِنَةً، وهو وسنان ووسِن، وامرأة وَسْنَانَةٌ ووَسْنَى.
والشمس معها قمر يَعُوم
درها المهيمن القيوم
والحشر والجنة والجحيم
إلا لأمر شأنه عظيم
(١) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره
(٢) ينظر في (القيوم): "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٩٠، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٣٦، "تهذيب اللغة" ٩/ ٣٥٦.
(٣) في (ي): (قال).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" عنه ٣/ ٦، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٣/ ٤٨٦، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ١/ ١٣١.
(٥) رواه الطبري عنه في "تفسيره" ٣/ ٦.
(٦) "مجاز القرآن" ١/ ٧٨.
(٧) ليست في (ي).
وحقيقة السِّنة: ريح تجيء من قبل الرأس لينة تغشى العين (١).
وحقيقة النوم: هو الغشية الثقيلة، التي تهجم على القلب، فتقطعه عن معرفة الأمور الظَّاهرة.
وقال المفضل: السِّنة في الرأس، والنوم في القلب (٢).
وقد فصل بينهما عدي ابن الرِّقَاع (٣) في قوله (٤):
| وَسْنَانُ أَقْصدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ | في عَينِه سِنَةٌ ولَيْسَ بِنَائِمِ (٥) (٦) |
وقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ استفهام معناه الإنكار والنفي، أي: لا يشفع عنده أحد إلا بأمره (٨)، وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أنّ الأصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله عنهم بقوله: {مَا
(٢) ينظر في (السنة): "غريب القرآن" لابن قتيبة ٨٤، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٩٣ مادة "وسن"، "المفردات" ٥٣٩.
(٣) عدي بن زيد بن مالك بن الرقاع العاملي القضاعي، يكنى أبا داود، تقدمت ترجمته [البقرة: ٦٠].
(٤) (في قوله) ساقط من (ي).
(٥) في (ش): (ينام).
(٦) البيت في "ديوانه" ص ١٢٢، وذكره في "مجاز القرآن" ١/ ٧٨، "غريب القرآن" ص ٨٤، والأغاني ٨/ ١٨١، وفي "اللسان" ٨/ ٤٨٣٩ مادة "وسن". والإقصاد: أن يصيبه السهم فيقتله من فوره، وهو هنا استعارة، أي: أقصد النعاس فأنامه، رنقت: دارت وماجت، "سمط اللآلئ" ١/ ٥٢١.
(٧) من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٣٧.
(٨) ينظر: "البحر المحيط" ٢/ ٢٧٨.
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: ٣] وقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ الآية [يونس: ١٨] فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد (١) إلا ما استثناه بقوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ يريد: شفاعة النبي - ﷺ - وشفاعة بعض المؤمنين لبعض في الدعاء (٢).
وقوله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ قال مجاهد (٣) وعطاء (٤) والسدّي (٥): يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الدنيا وَمَا خَلْفَهُمْ من أمر الآخرة.
الضحاك (٦) (٧) والكلبي (٨):
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني (٩): الآخرة، لأنهم يُقْدمون عليها وَمَا خَلْفَهُمْ الدنيا، لأنهم يُخِّلفونها وراء ظهورهم (١٠).
وقال عطاء عن ابن عباس: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يريد: من السماء
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٣٧ بمعناه.
(٣) رواه الطبري عنه في "تفسيره" ٣/ ٩، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٨٩.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٥٢، وفي "تفسير البغوي" ١/ ٣١٢.
(٥) رواه الطبري عنه في "تفسيره" ٣/ ٩، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٨٩.
(٦) في (ي) و (أ) و (ش): (ضحاك).
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٤٥٣.
(٨) ذكره أبو الليث في "بحر العلوم" ١/ ٢٢٣، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٤٥٣.
(٩) ساقط من (ي).
(١٠) في نسختي (أ) و (م) كرر قول الضحاك والكلبي بنصه، ونسبه إلى عطاء عن ابن عباس، وقد أتى بعده ما رواه عطاء عن ابن عباس.
إلى الأرض، (وما خلفهم) يريد: ما في السموات (١).
وقوله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ يقال: أَحَاط بالشئ: إذا عَلِمَه، كأنه ما لم يَعْلَمْه عازِبٌ عنه، فإذا عَلِمَه ووَقَفَ عليه وجَمَعَه في قَلْبه قيل: أحاط به (٢)، من حيث إن المحيط بالشيء مشتمل عليه، قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئًا أو بلغَ علمُه أقصاه: قد أحاط به (٣) (٤).
وقوله تعالى: مِنْ عِلْمِهِ أي: من معلومه، كما يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا، وإذا ظهرت آية عظيمة قيل: هذه قدرة، أي: مقدورة.
وقوله تعالى: إِلَّا بِمَا شَاءَ أي: إلا (٥) بما أنبأ به الأنبياء، ليكون دليلًا على تثبيت نبوتهم، وقال (٦) ابن عباس: يريد مما أطلعهم على علمه.
وقوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ يقال: وَسِع الشيءَ يَسَعُه سَعَةً: إذا احتمله وأطاقه (٧) وأمكنه القيام به، يقال: لا يَسَعُك هذا، أي: لا تُطِيقُه ولا تَحْتَمِلُه (٨)، قال أبو زبيد (٩) (١٠):
(٢) ساقط من (ي).
(٣) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ١/ ٧٠٧ (مادة: حاط).
(٤) ينظر في (أحاط): "تهذيب اللغة" ١/ ٧٠٧ مادة "حاط"، "المفردات" ص ١١١ - ١١٢، "اللسان" ٢/ ١٠٥٢ (مادة: حوط).
(٥) ساقط من (ي).
(٦) في (ي): (قال).
(٧) ساقط من (ش).
(٨) في (ي): (لا تحمله).
(٩) في (ي): (أبو زيد).
(١٠) حرملة بن المنذر الطائي، شاعر مشهور أدرك الإسلام واختُلف في إسلامه. تقدمت ترجمته، [البقرة: ٧٢].
أعْطِيهم الجهدَ مِنَّي بَلْهَ مَا أَسَعُ (١)
أي: ما أطيق، ومنه قوله - ﷺ -: "لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي (٢) " أي: ما جَازَ له، ولم يحتمل غير ذلك (٣).
وأما الكرسي، فأصله في اللغة: من تركب الشيء بعضه على بعض، قال الأصمعي: الكِرْسُ: أبوالُ الدواب وأَبْعَارُها، تَتَلَبَّدُ بعضها فوق بعض (٤)، وأكرست الدار إذا كثر فيها الأبعار والأبوال (٥)، وتلبد بعضها على بعض.
قال العجّاج (٦):
يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكرِسَا (٧)
حّمالُ أثقالِ أهلِ الودِّ آونةً
والبيت في "اللسان" ٨/ ٤٨٣٤ (مادة: وسع)، وفي "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٩٠ (ماده: وسع)، قال الأزهري: فدع ما أحيط به وأقدر عليه، والمعنى: أعطيهم ما لا أجِدُه إلا بجهد، فدع ما أحيط به.
(٢) أخرجه الإمام أحمد ٣/ ٣٣٨ بلفظ: "فإنه لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني".
(٣) ينظر في (مادة: وسع): "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٩٠، "المفردات" ص ٥٣٨، "اللسان" ٨/ ٤٨٣٥.
(٤) نقله في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٢٦ مادة "كرس".
(٥) في (ي): (الأبوال والأبعار).
(٦) ساقطة من (ي).
(٧) البيت، من أرجوزة للعجاج، في "ديوانه" ١/ ١٨٥، وبعده قوله:
قال: نعم أعرفه وأبلسا
ضمن مجموع أشعار العرب ٢/ ٣١، وذكره في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٢٧، و"المفردات" ص٤٣٠، و"لسان العرب" ٧/ ٣٨٥٤ مادة "كرس".
بفتح الراء وكسرها، ومن فتح الراء فهو الذي قد بعرت فيه الإبل وبولت فركب بعضه بعضًا، وتَكَارَسَ الشَّيءُ إذا تَرَاكَب، ومنه: الكُرّاسة لِتَرَاكبِ بعضِ أوراقِها على بعضٍ، والكُرسيُّ المعروف؛ لتركيب خَشَبَاته (١) بعضِها فوق بعض (٢).
واختلف المفسرون في معنى الكرسي في هذه الآية، فأولى الأقاويل وأصحُّها: ما قال ابن عباس، في رواية عطاء (٣)، وأبو موسى (٤) والسدي (٥): أنه الكرسي بعينه، وهو لؤلؤ، وما السموات السبع في الكرسيِّ ألا كَدَراهم سبعة أُلْقِيَتْ في تُرْس، ومعناه: أن كرسيَّهُ مشتمل بعظمه على السموات والأرض.
قال عطاء: هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع (٦).
وروى عمَّار الدُّهني (٧) (٨) عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن
(٢) ينظر في (كرس): "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٢٦ - ٣١٢٧، "المفردات" ٤٣٠، "اللسان" ٧/ ٣٨٥٤ - ٣٨٥٥.
(٣) ذكره البغوي بمعناه ١/ ٣١٣، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٢٥١ وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.
(٤) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "السنة" ١/ ٣٠٢، والطبري في "تفسيره" ٣/ ١٠، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش ص ٧٨، وأبو الشيخ في "العظمة" ٢/ ٦٢٧، وابن منده في "الرد على الجهمية" ٤٦، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ٢/ ٢٧٢، وصححه الحافظ في الفتح ٨/ ١٩٩.
(٥) رواه الطبري عنه بمعناه في "تفسيره" ٣/ ١٠، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" ٥/ ٤٩١.
(٦) ذكره البغوي بمعناه ١/ ٣١٣، وفي "زاد المسير" ١/ ٢٥١.
(٧) في (ي) الذهبي.
(٨) هو: عمار بن معاوية الدُّهْني، أبو معاوية البَجَلي الكوفي، قال ابن حجر: صدوق يتشيع، توفي سنة ١٣٣ هـ ينظر "تقريب التهذيب" ص ٤٠٨ (٤٨٣٣).
ابن عباس، أنه قال: الكرسي: موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يُقْدَرُ قَدْرُه (١). وقال (٢) الأزهري: وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها (٣). وأراد ابن عباس بقوله: موضع القدمين، أي: موضع القدمين منا.
قال الزجاج: وهذا القول بَيِّن؛ لأن الذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد عليه، ويجلس عليه، فهذا يدل (٤) أن الكرسي عظيم، عليه السموات والأرضون (٥).
وقال بعضهم: كرسيه: سلطانه ومُلْكه، يقال: كرسي الملك من مكان كذا إلى مكان كذا، أي: مُلْكه، مشبه (٦) بالكرسي المعروف؛ لأن تركيب بعض (٧) تدبيره على بعض، كتركيب بعض الكرسي على بعض، ويجوز أن يكون لاحتوائه عليه كاحتوائه على كرسيه، فلا يبعد أن تُكنّي عن
(٢) في (ي) و (ش) (قال).
(٣) في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٢٧ مادة "كرسى".
(٤) في (م) (يدل على).
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٣٣٨.
(٦) في (م) (فشبه).
(٧) ساقطة من (ش).
الملك بالكرسي، كما (١) تكني عنه بالعرش. فيقال: ثُلَّ عرشُه، إذا ذهب عزُّه وملكه (٢).
وقال قوم: كرسيه: قدرته التي بها يمسك السموات والأرض، قالوا: وهذا كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيًا، أي: اجعل له ما يَعْمِدُه ويُمْسِكُه، حكاه أبو إسحاق (٣).
وقال ابن عباس (٤) ومجاهد (٥) وسعيد بن جبير (٦): كرسيه: علمه.
قال أهل المعاني: يجوز أن يُسَمَّى العلمُ كرسيًّا، من حيث إن الاعتماد في الأشياء على العلم، كالكرسي الذي يعتمد عليه، ويقال للعلماء: الكراسي؛ لأنهم المُعتمدُ عليهم، كما يقال: هم أوتاد الأرض (٧)، وأنشدوا:
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٥٥، "النكت والعيون" ١/ ٣٢٥، "البحر المحيط" ٢/ ٢٧٩.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٣٣٨.
(٤) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "السنة" ٢/ ٥٠٠، والطبري في "تفسيره" ٣/ ٩، و"ابن أبي حاتم" في "تفسيره" ٢/ ٤٩٠، وابن مندة في الرد على الجهمية ٤٥، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" ٣/ ٤٤٩، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ٢/ ٢٧٢، كلهم من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الدارمي في نقضه على المريسي ١/ ٤١١: وأما ما رَوَيْتَ عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذا خالفه الرواة المتقنون. وقال ابن منده في "الرد على الجهمية" ص ٤٥: ولم يتابع عليه جعفر، وليس هو بالقوى في سعيد بن جبير.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٤٥٤، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣١٣.
(٦) رواه البخاري عنه ٨/ ١٩٩ معلقا مجزومًا، ورواه موصولًا سفيان الثوري ١٢٧.
(٧) ينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٥٤، "النكت والعيون" ١/ ٣٢٥، "البحر المحيط" ٢/ ٢٨٠.
| تَحُفُّ بهم بِيضُ الوُجُوه وعُصْبة | كَرَاسي بالأحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ (١) |
وأنشدوا أيضًا:
| نَحْنُ الكرَاسِي لا (٢) تعد هوازن | أمثالنا في النَّائِبَاتِ ولا أَسُد (٣) |
وقال الأزهري: من روى عن ابن عباس في الكرسي (٦): أنه العلم، فقد أبطل (٧). وقال أبو إسحاق: الله عز وجل أعلم بحقيقة الكرسي، إلا أن جملته
(٢) في (ي) (فلا).
(٣) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره.
(٤) في (أ) و (م) بمثلها.
(٥) سقطت من (ي).
(٦) سقطت من (ي).
(٧) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٢٦، وهذا لفظه في نسخة خطية أشار إليها محققو التهذيب، ونقلها صاحب "اللسان" ٧/ ٣٨٥٥ مادة (كرس)، ولفظه في النسخة المطبوعة: والذي روي عن ابن عباس في الكرسي، فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار. وفي "مجموع الفتاوى" ٦/ ٥٨٤ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: هل العرش والكرسي موجودان، أو أن ذلك مجاز؟ فأجاب: الحمد لله، بل العرش موجود =
أنه أمر عظيم من أمره (١).
وقوله تعالى: وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا يقال: آده يَؤُوده أَوْدًا: إذا أَثْقَلَه وأَجْهَدَه، وأُدْتُ العُودَ أودًا، وذلك إذا اعتَمدت (٢) عليه بالثِّقْلِ حتى أملته (٣)، قالت الخنساء:
| وحَامِلُ الثِّقلِ والأعْبَاءِ قَدْ عَلِمُوا | إذا يَؤُودُ رِجَالًا (٤) بعضُ ما حَمَلُوا (٥) |
| وقَامَتْ تُرَائِيكَ مُغْدوْدِنًا (٦) | إذا ما تَنُوءُ بهِ آدَها (٧) |
(١) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٣٨.
(٢) في (أ) و (م) و (ش): (اعتمد).
(٣) في (أ) و (م) و (ش) (أماله).
(٤) في (ي): (رجال).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٤٦٣، وليس في "ديوانه".
(٦) في (م) مغدودوننا.
(٧) البيت من المتقارب، وهو لحسان بن ثابت في "ديوانه" ص ٧٦، وفي "الحجة" ٢/ ٣٩٢، "المحتسب" ١/ ٣١٩، "لسان العرب" ٦/ ٣٢٢٠ مادة: غدن. والمُغْدَودِن: الشعر الطويل.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي