ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

وبعد أن تكلم الله سبحانه وتعالى عن الرسل، وعن الاختلاف، وعن القتال لتثبيت منهج الحق، وعن الإنفاق، يوضح لنا التصور الإيماني الصحيح الذي في ضوئه جاءت كل هذه المسائل. فقد جاء موكب الرسالات كلها من أجل هذا المنهج فقال سبحانه :
الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيُّه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم ٢٥٥
ونقف بالتأمل الآن عند قوله الحق :( الله لا إله إلا هو ). إن كلمة ( الله ) هي عَلََم على واجب الوجود. وعندما نقول :( الله ) فإن الذهن ينصرف إلى الذات الواجبة الوجود.
ما معنى ( واجبة الوجود ) ؟ إن الوجود قسمان : قسم واجب، وقسم ممكن. والقسم الواجب هو الضروري الذي يجب أن يكون موجودا، والحق سبحانه وتعالى حين أعلمنا باسمه ( الله ) أعطانا فكرة على أن كلمة ( الله ) هذه يتحدى بها سبحانه أن يُسمى بها سواه. ولو كنا جميعا مؤمنين لكان احترامنا لهذا التحدي نابعا من الإيمان. ولكن هنا كافرون بالله ومتمردون وملحدون يقولون :( الله خرافة )، ومع ذلك هل يجرؤ واحد من هؤلاء أن يسمي نفسه ( الله ) ؟
لا يفعل أحد هذا ؛ لأن الله تحدى بذلك، فلم يجرؤ واحد أن يدخل في هذه التجربة. وعدم جرأة الكفار والملاحدة في أن يدخلوا في هذه التجربة دليل على أن كفرهم غير وطيد في نفوسهم، فلو كان كفرهم صحيحا لقالوا : سنسمي ونرى ما يحدث، ولكن هذا لم يحدث.
إذن ( الله ) علم واجب الوجود المتصف بكل صفات الكمال. وبعد ذلك جاء بالقضية الأساسية وهي قوله تعالى :( لا إله إلا هو ) وهنا نجد النفي ونجد الإثبات، النفي في ( لا إله )، والإثبات في ( إلا هو ). والنفي تخلية والإثبات تحلية. خلى سبحانه نفسه من وجود الشريك له ثم أثبت لنا وحدانيته. و( لا إله إلا هو ) أي لا معبود بحق إلا الله. ونعرف أن بعضنا من البشر في فترات الغفلة قد عبدوا أصناما وعبدوا الكواكب. ولكن هل كانت آلهة بحق أم بباطل ؟ لقد كانت آلهة بباطل. ودليل صدق هذه القضية التي هي ( لا إله إلا الله )، أي لا معبود إلا الله أن أحدا من تلك الآلهة لم يعترض على صدق هذه القضية. إذن فهذا الكلام هو حق وصدق.
وإن ادّعى أحد غير ذلك، نقول له : إن الله قد أخبرنا أنه لا معبود بحق غيره ؛ لأنه هو الذي خلق وهو الذي رزق، وقال : أنا الذي خلقت. إن كان هذا الكلام صحيحا فهو صادق فيه، فلا نعبد إلا هو. وإن كان هذا الكلام غير صحيح، وأن أحدا غيره هو الذي خلق هذا الكون فأين هذا الأحد الذي خلق، ثم ترك من لم يخلق ليأخذ الكون منه ويقول :( أنا الذي خلق الكون ) ؟ إنه أمر من اثنين، الأمر الأول : هو أنه ليس هناك إله غيره. فالقضية إذن منتهية. والأمر الآخر : هو أنه لو كان هناك آلهة أخرى، وبعد ذلك جاء واحد وقال :( أنا الإله وليس هناك إله إلا أنا ). فأين هذه الآلهة الأخرى ؟ ألم تعلم بهذه الحكاية ؟
إن كانوا لم يعلموا بها، فهم لا يصلحون أن يكونوا آلهة، وإن كانوا قد علموا فلماذا لم يقولوا : لا. نحن الآلهة، وهذا الكلام كذب ؟ وكما بعث الله رسلا بمعجزات كان عليهم أن يبعثوا رسولا بمعجزات. فصاحب الدعوة إذا ادّعاها ولم يوجد معارض له، تثبت الدعوى إلى أن يوجد مُنازع.
إذن كلمة ( لا إله إلا الله ) معها دليل الصدق ؛ لأنه إما أن يكون هذا الكلام حقا وصدقا فتنتهي المسألة، وإن لم يكن حقا فأين الإله الذي خلق والذي يجب أن يُعبد بعد أن سمع من جاء ليأخذ منه هذه القضية ؟ وبعد ذلك لا نسمع له حسا ولا حركة، ولا يتكلم، ولا نعلم عنه شيئا، فما هو شأنه ؟ إما أنه لم يعلم فلا يصلح أن يكون إلها ؛ لأنه لو كان قد علم ولم يرد فليست له قوة. ولذلك ربنا سبحانه يأتي بهذه القضية من ناحية أخرى فيقول :
قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ٤٢ سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا ٤٣ ( سورة الإسراء ).
فلو كان عند تلك الآلهة المزعومة مظاهر قوة لذهبوا إلى الله سبحانه وتعالى وأنكروا ألوهيته، ولو كان هناك إله غير الله لحدثت معركة بين الآلهة، ولكن هذا لم يحدث. فالكلمة ( لا إله إلا الله ) صدق في ذاتها حتى عند من ينكرها، والدليل فيها هو عدم وجود المنازع لهذه الدعوى ؛ لأنه إن لم يوجد منازع فقد ثبت أنه سبحانه لا إله إلا الله. وإن وجد المنازع نقول : أين هو ؟ وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى هب أننا في اجتماع، وبعد ذلك وجدنا حافظة نقود، فعرضناها على الموجودين، فلم نجد لها صاحبا، ثم جاء واحد كان معنا وخرج، وقال : يا قوم بينما كنت أجلس معكم ضاعت حافظة نقودي. ولما لم يدعها واحد منا لنفسه فهي إذن حافظته هو.
إذن ( لا إله إلا الله ) هي قضية تمتلئ بالصدق والحق، والله هو المعبود الذي يُتوجّه إليه بالعبادة، والعبادة هي الطاعة. فمعنى عابد أي طائع، وكل طاعة تقتضي أمرا وتقتضي نهيا، ومادامت العبادة تقتضي أمرا وتقتضي نهيا، فلابد أن يكون المأمور والمنهي صالحا أن يفعل وصالحا ألا يفعل. فعندما نقول له : افعل كذا كمنهج إيمان، فهو صالح لئلا يفعل. وعندما نقول له : لا تفعل فهو صالح لأن يفعل، وإلا لو لم يكن صالحا ألا يفعل أيقول له ( افعل ) ؟ لا، لا يقول له ذلك. ولو كان صالحا ألا يفعل أيقول له ( لا تفعل ) ؟ إن ذلك غير ممكن.
إذن لابد أن يكون صالحا لهذه وتلك وإلا لكان الأمر والنهي عبثا ولا طائل من ورائهما. لذلك عندما أرادوا أن يقصروا الإسلام في العبادات الطقسية التي هي شهادة لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، قالوا : هل هذا هو كل الإسلام، وقالوا : إنه دين يعتمد على المظاهر فقط، قلنا لهم : لا، إن الإسلام هو كل حركة في الحياة تناسب خلافة الإنسان في الأرض ؛ لأن الله يقول في كتابه الكريم :
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ( من الآية ٦١ سورة هود ).
( واستعمركم فيها ) أي طلب منكم أن تعمّروها، فكل حركة في الحياة تؤدي إلى عمار الأرض فهي من العبادة، فلا تأخذ العبادة على أنها صوم وصلاة فقط ؛ لأن الصوم والصلاة وغيرهما هي الأركان التي ستقوم عليها حركة الحياة التي سيُبنى عليها الإسلام، فلو جعلت الإسلام هو هذه الأركان فقط لجعلت الإسلام أساسا بدون مبنى، فهذه هي الأركان التي يُبنى عليها الإسلام، فإذن الإسلام هو كل ما يناسب خلافة الإنسان في الأرض يبين ذلك ويؤكده قول الله تعالى :
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ( من الآية ٦١ سورة هود ).
ويخرج إلينا أناس يقولون : نحن ليس لنا إلا أن نعبد ولا نعمل. ونقول لأي منهم : كم تأخذ الصلاة منك في اليوم ؟ ساعة مثلا. والزكاة كم تأخذ منك في العالم يوما واحدا في العام ؟ والصوم كم يأخذ منك من وقت ؟ نهار أيام شهر واحد. وفريضة الحج أتأخذ منك أكثر من رحلة واحدة في عمرك ؟ فبالله عليك ماذا تفعل في الباقي من عمرك من بعد ذلك وهو كثير ؟ إنك لا تأخذ أكثر من ساعة في اليوم للصلاة، ولا تأخذ أكثر من يوم في السنة لإخراج الزكاة، وتقضي شهرا في السنة تصوم نهاره. وتحج مرة واحدة في عمرك، فماذا تفعل في بقية الزمان، ستأكل وتلبس، ستطلب رغيف الخبز للطعام فمن الذي سيصنعه لك ؟ إن هذا الرغيف يمر بمراحل حتى يصير لقمة تأكلها. ويحتاج إلى أكثر من علم وأكثر من حركة وأكثر من طاقة.
إن المحل الذي يبيعه فقط ولا يخبزه يحتاج إلى واجهة من زجاج أو غيره، ولابد أن يعمل فيه من يذهب بعربته إلى المخبز ليحمل الخبز، وينقله إلى المحل ويبيعه، وإذا نظرت إلى الفرن فسوف تجد مراحل عدة من تسليم وتسلّم للدقيق، ثم إلى العجين، وإلى النار التي توقد بالمازوت، ويقوم بذلك عمّال يحتاجون لمن يخطط لهم، وقبل ذلك كان الدقيق مجرد حبوب، وتم طحنها لتصير دقيقا، وهناك مهندسون يديرون الماكينات التي تطحن، ويعملون على صيانتها، وبعد ذلك الأرض التي نبت فيها القمح وكيف تم حرثها، وتهيئتها للزراعة، وريّها، وتسميدها، وزرعها، وحصدها، وكيف دُرس القشر والسنابل، وكيف تتم تذريته من بعد ذلك، لفصل الحبوب عن التبن، وتعبئة الحبوب، إلى غير ذلك ؟
انظر كم من الجهد أخذ رغيف الخبز الذي تأكله، وكم من الطاقات وكم رجال للعمل، فكيف تستسيغ لنفسك أن يصنعوه لك، وأنت فقط جالس لتصلي وتصوم ؟ لا، إياك أن تأخذ عمل غيرك دون جهد منك.
مثال آخر، أنت تلبس جلبابا، كم أخذ هذا الجلباب من غزل ونسج وخيط ؟ إذن فلا تقعد، وتنتفع بحركة المتحرك في الحياة، وتقول : أنا مخلوق للعبادة فقط، فليست هذه هي العبادة، ولكن العبادة هي أن تطيع الله في كل ما أمر، وأن تنتهي عن كل ما نهى في إطار قوله تعالى :( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) إن كل عمل يعتبر عبادة، وإلا ستكون ( تنبلاً ) في الوجود. والإيمان الحق يقتضي منك أن تنتفع بعملك ولا تعتمد على عمل غيرك.
إن الحق سبحانه وتعالى قد استخلفنا في الأرض من أجل أن نعمّرها. ومن حسن العبادة أن نتقن كل عمل وبذلك لا نقيم أركان الإسلام فقط، ولكن نقيم الأركان والبنيان معا. ونكون قد أدّينا مسئولية الإيمان، وطابق كل فعل من أفعالنا قولنا :( لا إله إلا الله ).
ولقد عرفنا أن كلمة ( الله ) هي علم على واجب الوجود، وهي الاسم الذي اختاره الله لنفسه وأعلمنا به، ولله أسماء كثيرة كما روي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل الله بكم اسم هو له أنزله في كتابه أو علّمه أحداً من خلقه أي خصّه به أو استأثر به في علم الغيب عنده، فلا تظنن أن أسماء الله هي كلها هذه الأسماء التي نعرفها، ولكن هذه الأسماء هي التي أذن الله سبحانه وتعالى بأن نعلمها.
ومن الجائز، أو من لفظ الحديث نعلم أن الله قد يعلّم بعضا من خلقه أسماء له، ويستأثر لنفسه بأسماء سنعرفها يوم القيامة حين نلقاه، وحين نتكلم عن الأسماء الأخرى نجد أنها ملحوظ فيها الصفة، ولكنها صارت أسماء لأنها الصفة الغالبة، فإذا قيل :( قادر ) نجد أننا نستخدم هذه الكلمة لوصف واحد من البشر، ولكن ( القادر ) إذا أطلق انصرف إلى القادر الأعلى وهو الله. وكذلك ( السميع )، و( البصير ). و( العليم ).
إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل ( المحيي ) تجد ( المميت )، و( المعز ) تجد ( المذل )، لأنها صفة يظهر أثرها في الغير، فهو مميت لغيره، ومعزّ لغيره، ومذل لغيره، لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو ( حي ) ولا نأتي بالمقابل إنما ( مُحيي ) نأتي بالمقابل وهو ( المميت )، فهذه اسمها صفة فعل. فصفات الفعل يتصف بها وبمقابلها لأنها في الغير. لكن صفة الذات لا يتصف إلا بها.
وحينما قال الحق :( الله ) فهو سبحانه يريد أن يعطينا بعض تجليات الله في أسمائه، فقال :( الله لا إله إلا هو ) ليحقق لنا صفة التوحيد، ويجب أن نعلم أن ( إلا ) هنا ليست أداة استثناء، لأنها لو كانت أداة استثناء فكأنك تنفي أن توجد آلهة ويكون الله من ضمن هذه الآلهة التي نفيتها وذلك غير صحيح. وإنما المراد أنه لا آلهة أب

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير