اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ مبتدأ وخبر، والمعنى أنه تعالى هو المستحق للعبادة لا غير الحي هو الذي يصح أن يعلم ويسمع ويبصر ويقدر ويريد وكل ما يصح له فهو واجب له ما زال ولا يزال ثابت له أزلا وأبدا لامتناعه عن القوة والإمكان فالحياة صفة لله تعالى مبدأ لجميع صفات الكمال القيوم قرأ عمرو ابن مسعود القيَّام وقرأ علقمة القَيِّمُ، قال البغوي : كلها لغات بمعنى واحد، قال ابن مجاهد : القيوم القائم على كل شيء، قال الكلبي القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل : هو القائم، بالأمور وقال أبو عبيدة : الذي لا يزول، وقال البيضاوي : الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيقول من قام بالأمر إذا حفظه، وقال السيوطي : الدائم البقاء، قلت : مرجع الأقوال أنه دائم الوجود القائم بنفسه وقيم الأشياء كلها لا يتصور قيام شيء وبقاؤه إلا به فمقتضى هذا الاسم أن ما سواه يحتاج إليه في بقائه كما يحتاج إليه في وجوده كالظل بالنسبة إلى الأصل بل أشد منه احتياجا ولله المثل الأعلى ولا تأخذه سنة ولا نوم السنة : فتور يتقدم النوم في الوجود ولذا قدم ذكره مع أن قياس المبالغة يقتضي العكس، والنوم حالة تعرض الحيوان من استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث يعطل الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا، وهذه الجملة صفة سلبية تنفي التشبيه فهي تأكيد لكونه حيا قيوما فإنه من أخذه نعاس أو نوم كان ماءوف الحياة فإن النوم أخو الموت قاصرا في حفظ الأشياء وقيوميتها ولذلك ترك العاطف، عن أبي موسى رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال :" إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " رواه مسلم له ما في السموات وما في الأرض تقدير لقيوميته واحتجاج على تفرده في الألوهية والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما فهو أبلغ من قولنا له السموات والأرض وما فيهن مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يداينه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة فضلا من أن يعاوقه مناصبة يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم أي ما قبلهم وما بعدهم، أو ما يدركونه وما لا يدركونه وما لا يدركونه، أو ما يأخذونه وما يتركونه، فإن ما تركوه كأنهم نبذوه خلف ظهورهم، والضمير لما في السموات والأرض تغليبا للعقلاء على غيرهم أو لمدلول ذا من الملائكة والأنبياء ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلوماته، إنما قيد بقوله من علمه مع أن كل شيء معلومه تنبيها على أن المراد بالإحاطة الإحاطة العلمية، ولم يقل ولا يعلمون شيئا تنبيها على أن العلم التام المحيط بكنه الأشياء كلها مختص به تعالى ولا يوجد إحاطة علم غيره بكنه شيء إلا نادرا، أو المراد بعلمه العلم المختص به وهو علم الغيب فهو لا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء إحاطته، وذلك قليل قال الله تعالى : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا والواو في ولا يحيطون إما للحال من فاعل يعلم ما بين أيديهم أو للعطف وإنما ذكر بالعطف لأن مجموع الجملتين يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام المحيط بأحوال خلقه الدال على وحدانيته وسع كرسيه السموات والأرض قال البيضاوي : تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أراد بالكرسي علمه وهو قول مجاهد، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة، وقيل : كرسيه ملكه وسلطانه والعرب تسمي الملك القديم كرسيا، قلت : ولو كان الكرسي بمعنى العلم والملك كان هذه الجملة بعد قوله : له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم مستدركا والمشهور عند المحدثين أن الكرسي جسم. قال البغوي : اختلفوا في الكرسي ؟ قال السحن هو العرش نفسه وقال أبو هريرة الكرسي موضوع أمام العرش ومعنى قوله وسع كرسيه السموات والأرض أي سعته مثل سعة السموات الأرض، وروى ابن مردويه من حديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما السماوات السبع والأرضون السبع مع الكرسي إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة " ويروى عن ابن عباس أن السموات السبع في الكرسي كدارهم سبعة ألقيت في ترس، وقال علي ومقاتل : كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات والأرضين السبع وهو بين يدي العرش ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام ملكعلى صورة سيد البشر آدم عليه السلام وهو يسأل الآدميين الرزق من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور وهو يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه عضاضة منذ عبد العجل، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسئل للطير الرزق من السنةإلى السنة. وفي بعض الأخبار أن بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة سنة لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش. والكرسي في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد كأنه منسب إلى الكرس وهو ضم الشيء بعضه إلى بعض ونسبة الكرسي إلى الله تعالى كنسبة العرش إليه وكذا نسبة بيت الله إليه لنوع من التجلي مختص به وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : فسواهن سبع سموات أن المستنبط من الحديث أن العرش كروي محيط بالسموات وما ذكرنا ههنا من حديث أبي ذر يستفاد من أن الكرسي محيط بالسموات والعرش محيط به وإحاطة بعضها بعضا يقتضي كون كل منها كرويا، ومن ههنا قال من قال إن الكرسي هو الفلك الثامن والعرش الفلك التاسع، ولعل العرش والكرسي متبائنان من السموات في الماهية وممتازان بأنواع التجليات ومن ثم لم يعده الله من السموات ولم يزد عدد السموات على سبع والله أعلم ولا يؤده أي لا يثقله مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج حفظهما أي السموات والأرض أو الكرسي وما وسعه، فهذه الجملة مع ما عطف عليه بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلالته وعظمة قدره وعموم قيوميته للأشياء فهاتين الجملتين كان كحكم جملة واحدة ولما كان كل جملة منها تأكيدا وبيانا لما سبق لم يذكر العاطف بين تلك الجمل وهو العلي المتعالي عن الأنداد والأشياء ليس كمثله شيء في الذات ولا في شيء من الصفات بوجه من الوجوه فهو متعال من أن يحمده الحامدون ويصفه الواصفون كما يليق به العظيم المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه.
ولما كانت هذه الآية خالصة في مباحث الذات والصفات دالة على كونه تعالى هو المتوحد بالوجود المتأصل المتصف بصفات الكمال من الحياة وما يستتبعه من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام المفيض للوجود والتقوم لكل ما سواه بحيث يكون قيام كل ما سواه به تعالى، لا كقيام العرض بالعين كما يتوهم من كلام بعض الأكابر حيث قال العالم أعراض مجتمعة في عين واحد بل على نحو لا يسعه مجال الخيال وأقرب العبارات التي يعبر بها ذلك القيام أنه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد المنزه عن التحيز والحلول والمبرأ عن التغير والفتور مالك الملك والملكوت ذو البطش الشديد الذي لا يطاق انتقامه إلا بشفاعة من إذن له عالم بالأشياء علما محيطا بالإحاطة التامة بكنه كل جلي وخفي متوحدا بعلومه لا يعلم أحد شيئا منها إلا بتعليمه واسع الملك والقدرة يتجلى على بعض مخلوقاته تجليا لا ينافي علو تنزيهه لا يؤده شاق ولا يغنيه شأن عن شأن متعال عما لا يليق به بل متعال من أن يصفه الواصفون عجز عن حمده من بيده لواء الحمد يوم القيامة حيث قال :" أنت كما أثنيت على نفسك " عظيم يستحفر بإضافته كل شيء ولا يحيط به علم عالم ولا تناسب عظمته عبادة عابد معترف بالقصور في عبادته أسبق السابقين حيث قال ما عبدناك فلذلك لما قيل يا رسول الله أي آية أعظم ؟ قال : آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي ولما قيل أي سورة أعظم ؟ قال : قل هو الله أحد رواه الدارمي من حديث أسقع بن عبد الكلاعي، وأخرج الحارث بن أسامة عن الحسن مرسلا أعظم آية آية الكرسي وأخرج مسلم من حديث أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا أبا المنذر أي آية من كتاب الله أعظم ؟ قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال فضرب في صدري وقال :" ليهنك العلم " ثم قال :" والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين يقدس الملك عند ساق العرش " قلت : لعل معنى هذا الحديث أن حملة العرش يقدسون الله بهذه الآية، والظاهر أن يقال لكل شيء صورة في المثال حتى القرآن وآياته ورمضان وغير ذلك. وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود وابن راهويه في مسنده من حديث عوف بن مالك وأحمد ومالك من حديث أبي ذر نحوه وأخرج الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا :" سيد آي القرآن آية الكرسي " أخرج أحمد من حديث أنس :" آية الكرسي ربع القرآن " وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم حفظ من يومه ذلك حتى يمسي فإن قرأها حين يمسي حفظ من ليلته تلك حتى يصبح " رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي : هذا حديث غريب، وعن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتى آت فجعل يحثوا من الطعام فأخذته وقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة فخليت عنه فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال : أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثوا من ا لطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعني الخ كما قال أولا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أولا، ثم قال أبو هريرة في المرة الثالثة هذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود ثم تعود، قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم الآية فإنك لن تزال عليك من الله حافظا ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها قال :" أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال ؟ قلت لا، قال :" ذاك شيطان " رواه البخاري، وأخرجه النسائي وابن حبان والدارقطني من حديث أبي أسامة والبيهقي في شعب الإيمان من حديث الصلصال الديهمي ومن حديث علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت " وفي رواية :" من قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه الله على داره ودار جاره وأهل دويرات حوله " وأخرج
التفسير المظهري
المظهري