هذا الجزء الثالث مؤلف من شطرين : الشطر الأول تتمة سورة البقرة التي استغرقت الجزءين الأولين. والشطر الثاني أوائل سورة آل عمران.. وسنتحدث هنا - إجمالا - عن الشطر الأول. أما الشطر الثاني فسيجيء الحديث عنه عند استعراض سورة آل عمران إن شاء الله.
وهذه البقية الباقية من سورة البقرة هي استطراد في موضوعها الرئيسي الذي شرحناه في مطلع الجزء الأول، والذي ظللنا نطالعه في سياق السورة حتى نهاية الجزء الثاني. وهو إعداد الجماعة المسلمة في المدينة لتنهض بتكاليف الأمة المسلمة.. تنهض بها وقد تهيأت لهذه الأمانة الضخمة بالتصور الإيماني الصحيح ؛ وزودت بتجارب الأمة المؤمنة على مدار الرسالات السابقة ؛ وعرفت زاد الطريق كما عرفت مزالق الطريق ؛ وحذرت كيد أعدائها.. أعداء الله وأعداء الحق وأعداء الإيمان.. لتكون منهم على بينة في كل مراحل الطريق.
وهذا الإعداد بكل وسائله، وبكل زاده وتجاربه، وبكل أهدافه وغاياته.. هو هو الذي يعالج به القرآن الكريم أجيال الجماعة المسلمة على مدار الزمان بعد الجيل الأول. فهو المنهج الثابت الواضح المستقر لإنشاء الجماعة المسلمة، ولقيادة الحركة الإسلامية في كل جيل. والقرآن من ثم أداة حية متحركة فاعلة، ودستور شامل عامل في كل وقت ؛ بل هو قيادة راشدة لمن يطلب عندها الرشد والهدى والنصيحة في كل موقف وفي كل خطوة وفي كل جيل.
تعريف بباقي سورة البقرة
هذه البقية تأتي بعد قول الله لنبيه [ ص ] في نهاية الجزء الثاني من السورة :( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق. وإنك لمن المرسلين ).. وذلك تعقيبا على قصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ).. والتي جاء في نهايتها :( وقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء ).. فنهاية الجزء الثاني كانت حديثا عن قوم موسى، وكانت حديثا عن داود - عليهما السلام - وكانت كذلك إشارة إلى رسالة النبي [ ص ] وإلى تزويده بتجارب( المرسلين ).
ومن ثم يبدأ الجزء الثالث بعد هذا حديثا ملتحما بما قبله عن الرسل، وتفضيل الله بعضهم على بعض، وخصائص بعضهم، ورفع بعضهم درجات.. وحديثا عن اختلاف من جاء بعدهم من اتباعهم، وقتال بعضهم لبعض :( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض. منهم من كلم الله. ورفع بعضهم درجات. وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس. ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم، من بعد ما جاءتهم البينات. ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر. ولو شاء الله ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد )..
ومناسبة هذا الاستطراد واضحة في الحديث عن الرسل بين أواخر الجزء الثاني وأوائل هذا الجزء الثالث.. والمناسبة كذلك واضحة في سياق السورة كله. فمعظم الجدل في السياق كان بين الجماعة المسلمة الناشئة في المدينة وبين بني إسرائيل - كما هو واضح من خلال الجزءين الأولين - ومن ثم يجيء الحديث هنا عن اختلاف اتباع الرسل من بعدهم واقتتالهم - بعد ما كفر منهم من كفر وآمن منهم من آمن - يجيء الحديث عن هذا الاختلاف والاقتتال في موضعه المناسب. لتمضي الأمة المسلمة في طريقها، تواجه بني إسرائيل وغيرهم وفق ما يقتضيه الموقف الواقعي بين اتباع الرسل : المستقيمين على الهدى والمنحرفين عن الطريق. ولتنهض هذه الأمة بتبعاتها، فهي الجماعة المهتدية التي ينبغي أن تكافح المنحرفين.
لهذا يعقب ذلك البيان عن الرسل واتباعهم والاختلاف والاقتتال دعوة حارة إلى الإنفاق ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ).. فالإنفاق هو فريضة المال الملازمة لفريضة الجهاد في جميع الأحوال ؛ وبخاصة في الحالة التي كانت فيها الجماعة المسلمة، التي يتجهز فيها الغزاة في سبيل الله من مالهم ومن مال المنفقين في سبيل الله.
ثم بيان لقواعد التصور الإسلامي الذي يقوم عليه وجود الجماعة المسلمة. وهو بيان عن وحدانية الله وحياته، وقيامه على كل شيء وقيام كل شيء به، وملكيته المطلقة لكل شيء، وعلمه المحيط بكل شيء، وهيمنته الكاملة على كل شيء، وقدرته الكاملة وحفظه لكل شيء.. لا شفاعة عنده إلا بإذنه، ولا علم إلا ما يهبه وذلك ليمضي المسلم في طريقه، واضح التصور لعقيدته، التي يقوم عليها منهجه كله :( الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض. ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم )..
ثم هو يقاتل في سبيل الله، لا ليكره الناس على عقيدته هذه وعلى تصوره ؛ ولكن ليتبين الرشد من الغي. وتنتفي عوامل الفتنة والضلالة. ثم ليكن من أمر الناس بعد ذلك ما يكون :( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم )..
وهو يمضي مطمئنا في طريقه، في كنف الله وولايته، واثقا من هداية الله ورعايته ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
وهكذا تمضي هذه الفقرات المتتابعة في مطلع هذا الجزء. تمضي في الطريق الذي اتخذته السورة منذ مطالعها. لتحقيق أهدافها في حياة الجماعة المسلمة وغاياتها.
يلي ذلك استطراد في توضيح التصور الإيماني لحقيقة الموت وحقيقة الحياة.. في سلسلة من التجارب يذكر إبراهيم - عليه السلام - في تجربتين منها، ويذكر شخص آخر لا يفصح عن اسمه في التجربة الثالثة.. وتنتهي كلها إلى إيضاح لحقيقة الموت ولحقيقة الحياة وارتباطهما مباشرة بإرادة الله وعلمه ؛ واستعصاء هذا السر على الإدراك البشري أن يعرف كنهه ؛ فهو فوق مجال الإدراك، ومرده إلى الله وحده دون سواه.
وعلاقة هذا الاستطراد بأمر القتال والجهاد واضحة ؛ كما أن علاقته بتصحيح التصور الإيماني بصفة عامة واضحة كذلك.
ومن هنا يبدأ في حديث طويل عن الارتباطات التي يقوم عليها المجتمع المسلم. فيقرر أن التكافل هو قاعدة هذا المجتمع وأن الربا منبوذ منه ملعون. ومن ثم يرد حديث عن الإنفاق والصدقة يستغرق مساحة واسعة من بقية السورة.. وهو حديث حافل بالصور والظلال، والإيقاعات والإيحاءات التي يحسن إرجاء وصفها إلى موضعها عند مواجهة نصوصها الجميلة. أما مناسبتها في هذا السياق فهي مناسبة قوية مع القتال والجهاد. كما أن النفقة في سبيل الله والصدقة جانب هام من جوانب الحياة الإسلامية العامة، التي تنظمها هذه السورة بشتى التشريعات وشتى التوجيهات.
وفي الجانب الآخر المقابل لجانب الإنفاق والصدقة يقوم الربا.. ذلك النظام الخبيث الذي يحمل عليه القرآن حملة قاصمة في خلال صفحة من المصحف، كأنما تنقض منها الصواعق لتحطيم هذا الأساس النكد للحياة الاقتصادية والاجتماعية ؛ ولإقامة قاعدة أخرى سليمة قوية ينهض عليها بناء المجتمع الإسلامي الذي كان ينشئه الله - سبحانه - بهذا القرآن.
يليه تشريع الدين، الذي سبق به القرآن الكريم كل تشريع في موضوعه. وهو مسوق في آيتين، إحداهما أطول آية في القرآن الكريم. وتتجلى فيهما خاصية هذا القرآن في سوق تشريعاته سياقة حية موحية يتفرد بها تفردا كاملا معجزا.
وفي النهاية تختم السورة ختاما يتناسق تماما مع افتتاحها، ومع أظهر ما اشتمل عليه سياقها. ختاما يتناول قاعدة التصور الإسلامي في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ( لا نفرق بين أحد من رسله ).. وهي القاعدة التي تكرر إبرازها في السورة من قبل. كما يتناول دعاء رخيا من المسلمين لله. يقرر طبيعة العلاقة بين المؤمن وربه وحاله معه سبحانه. وفيه إشارة لما مر في السورة من تاريخ بني إسرائيل : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. واعف عنا واغفر لنا وارحمنا. أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.. وهو ختام يناسب المطلع ويناسب السياق الطويل الدقيق..
وبمناسبة الاختلاف بعد الرسل والاقتتال، والكفر بعد مجيء البينات والإيمان.. بهذه المناسبة تجيء آية تتضمن قواعد التصور الإيماني، وتذكر من صفات الله سبحانه ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته، وأوضح سماته. وهي آية جليلة الشأن، عميقة الدلالة، واسعة المجال :
( الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم. له ما في السماوات وما في الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما. وهو العلي العظيم )..
وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية. ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور، فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل إلهام. الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله، ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس، ويتضح، ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس، ترتكن إلى الوضوح واليقين.
ولقد تحدثت فيما سبق عند تفسير سورة الفاتحة في أول الجزء الأول من هذه الطبعة من الظلال، عن الأهمية البالغة لوضوح صفة الله - سبحانه - في الضمير الإنساني. بما أن الركام الذي كان يرين على هذا الضمير من تصورات الجاهلية كان معظمه ناشئا من غموض هذه الحقيقة، ومن غلبة الخرافة والأسطورة عليها ؛ ومن الغبش التي يغشيها حتى في فلسفة أكبر الفلاسفة.. حتى جاء الإسلام فجلاها هذا الجلاء، وأنقذ الضمير البشري من ذلك الركام الثقيل، ومن ذلك الضلال والخبط في الظلماء !
وكل صفة من هذه الصفات التي تضمنتها هذه الآية تمثل قاعدة يقوم عليها التصور الإسلامي الناصع، كما يقوم عليها المنهج الإسلامي الواضح.
( الله لا إله إلا هو )..
فهذه الوحدانية الحاسمة التي لا مجال فيها لأي انحراف أو لبس مما طرأ على الديانات السابقة - بعد الرسل - كعقيدة التثليث المبتدعة من المجامع الكنسية بعد عيسى - عليه السلام - ولا لأي غبش مما كان يرين على العقائد الوثنية التي تميل إلى التوحيد، ولكنها تلبسه بالأساطير، كعقيدة قدماء المصريين - في وقت من الأوقات - بوحدانية الله، ثم تلبيس هذه الوحدانية بتمثل الإله في قرص الشمس ! ووجود آلهة صغيرة خاضعة له !
هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي ؛ والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها. فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى الله وحده بالعبودية والعبادة. فلا يكون إنسان عبدا إلا لله، ولا يتجه بالعبادة إلا لله، ولا يلتزم بطاعة إلا طاعة الله، وما يأمره الله به من الطاعات. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة : الحاكمية لله وحده. فيكون الله وحده هو المشرع للعباد ؛ ويجيء تشريع البشر مستمدا من شريعة الله. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من الله ؛ فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله، ولا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج الله.. وهكذا إلى آخرما ينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء.
( الحي القيوم )..
والحياة التي يوصف بها الإله الواحد هي الحياة الذاتية التي لم تأت من مصدر آخر كحياة الخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق. ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - بالحياة على هذا المعنى. كما أنها هي الحياة الأزلية الأبدية التي لا تبدأ من مبدأ ولا تنتهي إلى نهاية، فهي متجردة عن معنى الزمان المصاحب لحياة الخلائق المكتسبة المحددة البدء والنهاية. ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - كذلك بالحياة على هذا المعنى. ثم إنها هي الحياة المطلقة من الخصائص التي اعتاد الناس أن يعرفوا بها الحياة. فالله - سبحانه - ليس كمثله شيء، ومن ثم يرتفع كل شبه من الخصائص التي تتميز بها حياة الأشياء، وتثبت لله صفة الحياة مطلقة من كل خصيصة تحدد معنى الحياة في مفهوم البشر.. وتنتفي بهذا جميع المفهومات الأسطورية التي جالت في خيال البشر !
أما صفة( القيوم ).. فتعني قيامه - سبحانه - على كل موجود. كما تعني قيام كل موجود به فلا قيام لشيء إلا مرتكنا إلى وجوده وتدبيره.. لا كما كان أكبر فلاسفة الإغريق - أرسطو - يتصور أن الله لا يفكر في شيء من مخلوقاته، لأنه تعالى أن يفكر في غير ذاته ! ويحسب أن في هذا التصور تنزيها لله وتعظيما ؛ وهو يقطع الصلة بينه وبين هذا الوجود الذي خلقه.. وتركه.. فالتصور الإسلامي تصور إيجابي لا سلبي. يقوم على أساس أن الله - سبحانه - قائم على كل شيء، وأن كل شيء قائم في وجوده على إرادة الله وتدبيره.. ومن ثم يظل ضمير المسلم وحياته ووجوده ووجود كل شيء من حوله مرتبطا بالله الواحد ؛ الذي يصرف أمره وأمر كل شيء حوله، وفق حكمة وتدبير، فيلتزم الإنسان في حياته بالمنهج المرسوم القائم على الحكمة والتدبير ؛ ويستمد منه قيمه وموازينه، ويراقبه وهو يستخدم هذه القيم والموازين.
( لا تأخذه سنة ولا نوم )..
وهذا توكيد لقيامه - سبحانه - على كل شيء، وقيام كل شيء به. ولكنه توكيد في صورة تعبيرية تقرب للإدراك البشري صورة القيام الدائم. في الوقت الذي تعبر فيه هذه الصورة عن الحقيقة الواقعة من مخالفة الله - سبحانه - لكل شيء.. ( ليس كمثله شيء ).. وهي تتضمن نفي السنة الخفيفة أو النوم المستغرق، وتنزهه - سبحانه - عنهما إطلاقا..
وحقيقة القيام على هذا الوجود بكلياته وجزئياته في كل وقت وفي كل حالة.. حقيقة هائلة حين يحاول الإنسان تصورها، وحين يسبح بخياله المحدود مع ما لا يحصيه عد من الذرات والخلايا والخلائق والأشياء والأحداث في هذا الكون الهائل ؛ ويتصور - بقدر ما يملك - قيام الله - سبحانه - عليها ؛ وتعلقها في قيامها بالله وتدبيره.. إنه أمر.. أمر لا يتصوره الإدراك الإنساني. وما يتصوره منه - وهو يسير - هائل يدير الرؤوس. ويحير العقول، وتطمئن به القلوب..
( له ما في السماوات وما في الأرض )..
فهي الملكية الشاملة. كما أنها هي الملكية المطلقة.. الملكية التي لا يرد عليها قيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة. وهي مفهوم من مفاهيم الألوهية الواحدة. فالله الواحد هو الحي الواحد، القيوم الواحد، المالك الواحد وهي نفي للشركة في صورتها التي ترد على أذهان الناس ومداركهم. كما أنها ذات أثر في إنشاء معنى الملكية وحقيقتها في دنيا الناس. فإذا تمحضت الملكية الحقيقية لله، لم يكن للناس ملكية ابتداء لشيء. إنما كان لهم استخلاف من المالك الواحد الأصلي الذي يملك كل شيء. ومن ثم وجب أن يخضعوا في خلافتهم لشروطالمالك المستخلف في هذه الملكية. وشروط المالك المستخلف قد بينها لهم في شريعته ؛ فليس لهم أن يخرجوا عنها ؛ وإلا بطلت ملكيتهم الناشئة عن عهد الاستخلاف، ووقعت تصرفاتهم باطلة، ووجب رد هذه التصرفات من المؤمنين بالله في الأرض.. وهكذا نجد أثر التصور الإسلامي في التشريع الإسلامي، وفي واقع الحياة العملية التي تقوم عليه. وحين يقول الله في القرآن الكريم :( له ما في السماوات وما في الأرض ). فإنه لا يقرر مجرد حقيقة تصورية اعتقادية ؛ إنما يضع قاعدة من قواعد الدستور للحياة البشرية ونوع الارتباطات التي تقوم فيها كذلك.
على أن مجرد استقرار هذه الحقيقة في الضمير.. مجرد شعور الإنسان بحقيقة المالك - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض.. مجرد تصور الإنسان لخلو يده هو من ملكية أي شيء مما يقال : إنه يملكه ؛ ورد هذه الملكية لصاحبها الذي له ما في السماوات وما في الأرض.. مجرد إحساسه بأن ما في يده عارية لأمد محدود، ثم يستردها صاحبها الذي أعارها له في الأجل المرسوم.. مجرد استحضار هذه الحقائق والمشاعر كفيل وحده بأن يطامن من حدة الشره والطمع، وحدة الشح والحرص، وحدة التكالب المسعور. وكفيل كذلك بأن يسكب في النفس القناعة والرضى بما يحصل من الرزق ؛ والسماحة والجود بالموجود ؛ وأن يفيض على القلب الطمأنينة والقرار في الوجدان والحرمان سواء ؛ فلا تذهب النفس حسرات على فائت أو ضائع ؛ ولا يتحرق القلب سعارا على المرموق المطلوب !
( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ )..
وهذه صفة أخرى من صفات الله ؛ توضح مقام الألوهية ومقام العبودية.. فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية ؛ لا يتعدونه ولا يتجاوزونه، يقفون في مقام العبد الخاشع الخاضع ؛ الذي لا يقدم بين يدي ربه ؛ ولا يجرؤ على الشفاعة عنده، إلا بعد أن يؤذن له، فيخضع للإذن ويشفع في حدوده.. وهم يتفاضلون فيما بينهم، ويتفاضلون في ميزان الله. ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد..
إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية الجليلة العلية. يزيد هذا الإيحاء عمقا صيغة الاستفهام الاستنكارية ؛ التي توحي بأن هذا أمر لا يكون ؛ وأنه مستنكر أن يكون. فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ وفي ظل هذه الحقيقة تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاءوا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، فزعموا لله - سبحانه - خليطا يمازجه أو يشاركه بالبنوة أو بغيرها من الصور في أي شكل وفي أي تصور، أو زعموا له - سبحانه - اندادا يشفعون عنده فيستجيب لهم حتما. أو زعموا له - سبحانه - من البشر خلفاء يستمدون سلطانهم من قرابتهم له.. في ظل هذه الحقيقة تبدو تلك التصورات كلها مستنكرة مستبعدة لا تخطر على الذهن ؛ ولا تجول في الخاطر، ولا تلوح بظلها في خيال !
وهذه هي النصاعة التي يتميز بها التصور الإسلامي ؛ فلا تدع مجالا لتلبيس أو وهم، أو اهتزاز في الرؤية ! الألوهية الوهية. والعبودية عبودية. ولا مجال لالتقاء طبيعتهما أدنى التقاء. والرب رب، والعبد عبد. ولا مجال لمشاركة في طبيعتهما ولا التقاء.
فأما صلة العبد بالرب، ورحمة الرب للعبد، والقربى والود والمدد.. فالإسلام يقررها ويسكبها في النفس سكبا ؛ ويملأ بها قلب المؤمن ويفيضها عليه فيضا ؛ ويدعه يعيش في ظلالها الندية الحلوة. دون ما حاجة إلى خلط طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية. ودون ما حاجة إلى الغبش والركام والزغللة والاضطراب الذي لا تتبين فيه صورة واحدة واضحة ولا ناصعة ولا محددة !
( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء )..
وهذه الحقيقة بطرفيها تساهم كذلك في تعريف المسلم بإلهه، وفي تحديد مقامه هو من إلهه. فالله يعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم. وهو تعبير عن العلم الشامل الكامل المستقصي لكل ما حولهم. فهو يشمل حاضرهم الذي بين أيديهم ؛ ويشمل غيبهم الذي كان ومضى والذي سيكون وهو عنهم محجوب. كذلك هو يشمل ما يعلمونه من الأمور وما يجهلونه في كل وقت. وهو على العموم تعبير لغوي يفيد شمول العلم وتقصيه.. أما هم فلا يعلمون شيئا إلا ما يأذن لهم الله أن يعلموه..
وشطر الحقيقة الأول.. علم الله الشامل بما بين أيديهم وما خلفهم.. من شأنه أن يحدث في النفس رجة وهزة. النفس التي تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها الذي يعلم ما بين يديها وما خلفها. يعلم ما تضمر
هذا الجزء الثالث مؤلف من شطرين : الشطر الأول تتمة سورة البقرة التي استغرقت الجزءين الأولين. والشطر الثاني أوائل سورة آل عمران.. وسنتحدث هنا - إجمالا - عن الشطر الأول. أما الشطر الثاني فسيجيء الحديث عنه عند استعراض سورة آل عمران إن شاء الله.
وهذه البقية الباقية من سورة البقرة هي استطراد في موضوعها الرئيسي الذي شرحناه في مطلع الجزء الأول، والذي ظللنا نطالعه في سياق السورة حتى نهاية الجزء الثاني. وهو إعداد الجماعة المسلمة في المدينة لتنهض بتكاليف الأمة المسلمة.. تنهض بها وقد تهيأت لهذه الأمانة الضخمة بالتصور الإيماني الصحيح ؛ وزودت بتجارب الأمة المؤمنة على مدار الرسالات السابقة ؛ وعرفت زاد الطريق كما عرفت مزالق الطريق ؛ وحذرت كيد أعدائها.. أعداء الله وأعداء الحق وأعداء الإيمان.. لتكون منهم على بينة في كل مراحل الطريق.
وهذا الإعداد بكل وسائله، وبكل زاده وتجاربه، وبكل أهدافه وغاياته.. هو هو الذي يعالج به القرآن الكريم أجيال الجماعة المسلمة على مدار الزمان بعد الجيل الأول. فهو المنهج الثابت الواضح المستقر لإنشاء الجماعة المسلمة، ولقيادة الحركة الإسلامية في كل جيل. والقرآن من ثم أداة حية متحركة فاعلة، ودستور شامل عامل في كل وقت ؛ بل هو قيادة راشدة لمن يطلب عندها الرشد والهدى والنصيحة في كل موقف وفي كل خطوة وفي كل جيل.
تعريف بباقي سورة البقرة
هذه البقية تأتي بعد قول الله لنبيه [ ص ] في نهاية الجزء الثاني من السورة :( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق. وإنك لمن المرسلين ).. وذلك تعقيبا على قصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ).. والتي جاء في نهايتها :( وقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء ).. فنهاية الجزء الثاني كانت حديثا عن قوم موسى، وكانت حديثا عن داود - عليهما السلام - وكانت كذلك إشارة إلى رسالة النبي [ ص ] وإلى تزويده بتجارب( المرسلين ).
ومن ثم يبدأ الجزء الثالث بعد هذا حديثا ملتحما بما قبله عن الرسل، وتفضيل الله بعضهم على بعض، وخصائص بعضهم، ورفع بعضهم درجات.. وحديثا عن اختلاف من جاء بعدهم من اتباعهم، وقتال بعضهم لبعض :( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض. منهم من كلم الله. ورفع بعضهم درجات. وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس. ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم، من بعد ما جاءتهم البينات. ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر. ولو شاء الله ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد )..
ومناسبة هذا الاستطراد واضحة في الحديث عن الرسل بين أواخر الجزء الثاني وأوائل هذا الجزء الثالث.. والمناسبة كذلك واضحة في سياق السورة كله. فمعظم الجدل في السياق كان بين الجماعة المسلمة الناشئة في المدينة وبين بني إسرائيل - كما هو واضح من خلال الجزءين الأولين - ومن ثم يجيء الحديث هنا عن اختلاف اتباع الرسل من بعدهم واقتتالهم - بعد ما كفر منهم من كفر وآمن منهم من آمن - يجيء الحديث عن هذا الاختلاف والاقتتال في موضعه المناسب. لتمضي الأمة المسلمة في طريقها، تواجه بني إسرائيل وغيرهم وفق ما يقتضيه الموقف الواقعي بين اتباع الرسل : المستقيمين على الهدى والمنحرفين عن الطريق. ولتنهض هذه الأمة بتبعاتها، فهي الجماعة المهتدية التي ينبغي أن تكافح المنحرفين.
لهذا يعقب ذلك البيان عن الرسل واتباعهم والاختلاف والاقتتال دعوة حارة إلى الإنفاق ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ).. فالإنفاق هو فريضة المال الملازمة لفريضة الجهاد في جميع الأحوال ؛ وبخاصة في الحالة التي كانت فيها الجماعة المسلمة، التي يتجهز فيها الغزاة في سبيل الله من مالهم ومن مال المنفقين في سبيل الله.
ثم بيان لقواعد التصور الإسلامي الذي يقوم عليه وجود الجماعة المسلمة. وهو بيان عن وحدانية الله وحياته، وقيامه على كل شيء وقيام كل شيء به، وملكيته المطلقة لكل شيء، وعلمه المحيط بكل شيء، وهيمنته الكاملة على كل شيء، وقدرته الكاملة وحفظه لكل شيء.. لا شفاعة عنده إلا بإذنه، ولا علم إلا ما يهبه وذلك ليمضي المسلم في طريقه، واضح التصور لعقيدته، التي يقوم عليها منهجه كله :( الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض. ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم )..
ثم هو يقاتل في سبيل الله، لا ليكره الناس على عقيدته هذه وعلى تصوره ؛ ولكن ليتبين الرشد من الغي. وتنتفي عوامل الفتنة والضلالة. ثم ليكن من أمر الناس بعد ذلك ما يكون :( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم )..
وهو يمضي مطمئنا في طريقه، في كنف الله وولايته، واثقا من هداية الله ورعايته ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
وهكذا تمضي هذه الفقرات المتتابعة في مطلع هذا الجزء. تمضي في الطريق الذي اتخذته السورة منذ مطالعها. لتحقيق أهدافها في حياة الجماعة المسلمة وغاياتها.
يلي ذلك استطراد في توضيح التصور الإيماني لحقيقة الموت وحقيقة الحياة.. في سلسلة من التجارب يذكر إبراهيم - عليه السلام - في تجربتين منها، ويذكر شخص آخر لا يفصح عن اسمه في التجربة الثالثة.. وتنتهي كلها إلى إيضاح لحقيقة الموت ولحقيقة الحياة وارتباطهما مباشرة بإرادة الله وعلمه ؛ واستعصاء هذا السر على الإدراك البشري أن يعرف كنهه ؛ فهو فوق مجال الإدراك، ومرده إلى الله وحده دون سواه.
وعلاقة هذا الاستطراد بأمر القتال والجهاد واضحة ؛ كما أن علاقته بتصحيح التصور الإيماني بصفة عامة واضحة كذلك.
ومن هنا يبدأ في حديث طويل عن الارتباطات التي يقوم عليها المجتمع المسلم. فيقرر أن التكافل هو قاعدة هذا المجتمع وأن الربا منبوذ منه ملعون. ومن ثم يرد حديث عن الإنفاق والصدقة يستغرق مساحة واسعة من بقية السورة.. وهو حديث حافل بالصور والظلال، والإيقاعات والإيحاءات التي يحسن إرجاء وصفها إلى موضعها عند مواجهة نصوصها الجميلة. أما مناسبتها في هذا السياق فهي مناسبة قوية مع القتال والجهاد. كما أن النفقة في سبيل الله والصدقة جانب هام من جوانب الحياة الإسلامية العامة، التي تنظمها هذه السورة بشتى التشريعات وشتى التوجيهات.
وفي الجانب الآخر المقابل لجانب الإنفاق والصدقة يقوم الربا.. ذلك النظام الخبيث الذي يحمل عليه القرآن حملة قاصمة في خلال صفحة من المصحف، كأنما تنقض منها الصواعق لتحطيم هذا الأساس النكد للحياة الاقتصادية والاجتماعية ؛ ولإقامة قاعدة أخرى سليمة قوية ينهض عليها بناء المجتمع الإسلامي الذي كان ينشئه الله - سبحانه - بهذا القرآن.
يليه تشريع الدين، الذي سبق به القرآن الكريم كل تشريع في موضوعه. وهو مسوق في آيتين، إحداهما أطول آية في القرآن الكريم. وتتجلى فيهما خاصية هذا القرآن في سوق تشريعاته سياقة حية موحية يتفرد بها تفردا كاملا معجزا.
وفي النهاية تختم السورة ختاما يتناسق تماما مع افتتاحها، ومع أظهر ما اشتمل عليه سياقها. ختاما يتناول قاعدة التصور الإسلامي في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ( لا نفرق بين أحد من رسله ).. وهي القاعدة التي تكرر إبرازها في السورة من قبل. كما يتناول دعاء رخيا من المسلمين لله. يقرر طبيعة العلاقة بين المؤمن وربه وحاله معه سبحانه. وفيه إشارة لما مر في السورة من تاريخ بني إسرائيل : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. واعف عنا واغفر لنا وارحمنا. أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.. وهو ختام يناسب المطلع ويناسب السياق الطويل الدقيق..
وبمناسبة الاختلاف بعد الرسل والاقتتال، والكفر بعد مجيء البينات والإيمان.. بهذه المناسبة تجيء آية تتضمن قواعد التصور الإيماني، وتذكر من صفات الله سبحانه ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته، وأوضح سماته. وهي آية جليلة الشأن، عميقة الدلالة، واسعة المجال :
( الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم. له ما في السماوات وما في الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما. وهو العلي العظيم )..
وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية. ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور، فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل إلهام. الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله، ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس، ويتضح، ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس، ترتكن إلى الوضوح واليقين.
ولقد تحدثت فيما سبق عند تفسير سورة الفاتحة في أول الجزء الأول من هذه الطبعة من الظلال، عن الأهمية البالغة لوضوح صفة الله - سبحانه - في الضمير الإنساني. بما أن الركام الذي كان يرين على هذا الضمير من تصورات الجاهلية كان معظمه ناشئا من غموض هذه الحقيقة، ومن غلبة الخرافة والأسطورة عليها ؛ ومن الغبش التي يغشيها حتى في فلسفة أكبر الفلاسفة.. حتى جاء الإسلام فجلاها هذا الجلاء، وأنقذ الضمير البشري من ذلك الركام الثقيل، ومن ذلك الضلال والخبط في الظلماء !
وكل صفة من هذه الصفات التي تضمنتها هذه الآية تمثل قاعدة يقوم عليها التصور الإسلامي الناصع، كما يقوم عليها المنهج الإسلامي الواضح.
( الله لا إله إلا هو )..
فهذه الوحدانية الحاسمة التي لا مجال فيها لأي انحراف أو لبس مما طرأ على الديانات السابقة - بعد الرسل - كعقيدة التثليث المبتدعة من المجامع الكنسية بعد عيسى - عليه السلام - ولا لأي غبش مما كان يرين على العقائد الوثنية التي تميل إلى التوحيد، ولكنها تلبسه بالأساطير، كعقيدة قدماء المصريين - في وقت من الأوقات - بوحدانية الله، ثم تلبيس هذه الوحدانية بتمثل الإله في قرص الشمس ! ووجود آلهة صغيرة خاضعة له !
هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي ؛ والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها. فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى الله وحده بالعبودية والعبادة. فلا يكون إنسان عبدا إلا لله، ولا يتجه بالعبادة إلا لله، ولا يلتزم بطاعة إلا طاعة الله، وما يأمره الله به من الطاعات. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة : الحاكمية لله وحده. فيكون الله وحده هو المشرع للعباد ؛ ويجيء تشريع البشر مستمدا من شريعة الله. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من الله ؛ فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله، ولا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج الله.. وهكذا إلى آخرما ينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء.
( الحي القيوم )..
والحياة التي يوصف بها الإله الواحد هي الحياة الذاتية التي لم تأت من مصدر آخر كحياة الخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق. ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - بالحياة على هذا المعنى. كما أنها هي الحياة الأزلية الأبدية التي لا تبدأ من مبدأ ولا تنتهي إلى نهاية، فهي متجردة عن معنى الزمان المصاحب لحياة الخلائق المكتسبة المحددة البدء والنهاية. ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - كذلك بالحياة على هذا المعنى. ثم إنها هي الحياة المطلقة من الخصائص التي اعتاد الناس أن يعرفوا بها الحياة. فالله - سبحانه - ليس كمثله شيء، ومن ثم يرتفع كل شبه من الخصائص التي تتميز بها حياة الأشياء، وتثبت لله صفة الحياة مطلقة من كل خصيصة تحدد معنى الحياة في مفهوم البشر.. وتنتفي بهذا جميع المفهومات الأسطورية التي جالت في خيال البشر !
أما صفة( القيوم ).. فتعني قيامه - سبحانه - على كل موجود. كما تعني قيام كل موجود به فلا قيام لشيء إلا مرتكنا إلى وجوده وتدبيره.. لا كما كان أكبر فلاسفة الإغريق - أرسطو - يتصور أن الله لا يفكر في شيء من مخلوقاته، لأنه تعالى أن يفكر في غير ذاته ! ويحسب أن في هذا التصور تنزيها لله وتعظيما ؛ وهو يقطع الصلة بينه وبين هذا الوجود الذي خلقه.. وتركه.. فالتصور الإسلامي تصور إيجابي لا سلبي. يقوم على أساس أن الله - سبحانه - قائم على كل شيء، وأن كل شيء قائم في وجوده على إرادة الله وتدبيره.. ومن ثم يظل ضمير المسلم وحياته ووجوده ووجود كل شيء من حوله مرتبطا بالله الواحد ؛ الذي يصرف أمره وأمر كل شيء حوله، وفق حكمة وتدبير، فيلتزم الإنسان في حياته بالمنهج المرسوم القائم على الحكمة والتدبير ؛ ويستمد منه قيمه وموازينه، ويراقبه وهو يستخدم هذه القيم والموازين.
( لا تأخذه سنة ولا نوم )..
وهذا توكيد لقيامه - سبحانه - على كل شيء، وقيام كل شيء به. ولكنه توكيد في صورة تعبيرية تقرب للإدراك البشري صورة القيام الدائم. في الوقت الذي تعبر فيه هذه الصورة عن الحقيقة الواقعة من مخالفة الله - سبحانه - لكل شيء.. ( ليس كمثله شيء ).. وهي تتضمن نفي السنة الخفيفة أو النوم المستغرق، وتنزهه - سبحانه - عنهما إطلاقا..
وحقيقة القيام على هذا الوجود بكلياته وجزئياته في كل وقت وفي كل حالة.. حقيقة هائلة حين يحاول الإنسان تصورها، وحين يسبح بخياله المحدود مع ما لا يحصيه عد من الذرات والخلايا والخلائق والأشياء والأحداث في هذا الكون الهائل ؛ ويتصور - بقدر ما يملك - قيام الله - سبحانه - عليها ؛ وتعلقها في قيامها بالله وتدبيره.. إنه أمر.. أمر لا يتصوره الإدراك الإنساني. وما يتصوره منه - وهو يسير - هائل يدير الرؤوس. ويحير العقول، وتطمئن به القلوب..
( له ما في السماوات وما في الأرض )..
فهي الملكية الشاملة. كما أنها هي الملكية المطلقة.. الملكية التي لا يرد عليها قيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة. وهي مفهوم من مفاهيم الألوهية الواحدة. فالله الواحد هو الحي الواحد، القيوم الواحد، المالك الواحد وهي نفي للشركة في صورتها التي ترد على أذهان الناس ومداركهم. كما أنها ذات أثر في إنشاء معنى الملكية وحقيقتها في دنيا الناس. فإذا تمحضت الملكية الحقيقية لله، لم يكن للناس ملكية ابتداء لشيء. إنما كان لهم استخلاف من المالك الواحد الأصلي الذي يملك كل شيء. ومن ثم وجب أن يخضعوا في خلافتهم لشروطالمالك المستخلف في هذه الملكية. وشروط المالك المستخلف قد بينها لهم في شريعته ؛ فليس لهم أن يخرجوا عنها ؛ وإلا بطلت ملكيتهم الناشئة عن عهد الاستخلاف، ووقعت تصرفاتهم باطلة، ووجب رد هذه التصرفات من المؤمنين بالله في الأرض.. وهكذا نجد أثر التصور الإسلامي في التشريع الإسلامي، وفي واقع الحياة العملية التي تقوم عليه. وحين يقول الله في القرآن الكريم :( له ما في السماوات وما في الأرض ). فإنه لا يقرر مجرد حقيقة تصورية اعتقادية ؛ إنما يضع قاعدة من قواعد الدستور للحياة البشرية ونوع الارتباطات التي تقوم فيها كذلك.
على أن مجرد استقرار هذه الحقيقة في الضمير.. مجرد شعور الإنسان بحقيقة المالك - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض.. مجرد تصور الإنسان لخلو يده هو من ملكية أي شيء مما يقال : إنه يملكه ؛ ورد هذه الملكية لصاحبها الذي له ما في السماوات وما في الأرض.. مجرد إحساسه بأن ما في يده عارية لأمد محدود، ثم يستردها صاحبها الذي أعارها له في الأجل المرسوم.. مجرد استحضار هذه الحقائق والمشاعر كفيل وحده بأن يطامن من حدة الشره والطمع، وحدة الشح والحرص، وحدة التكالب المسعور. وكفيل كذلك بأن يسكب في النفس القناعة والرضى بما يحصل من الرزق ؛ والسماحة والجود بالموجود ؛ وأن يفيض على القلب الطمأنينة والقرار في الوجدان والحرمان سواء ؛ فلا تذهب النفس حسرات على فائت أو ضائع ؛ ولا يتحرق القلب سعارا على المرموق المطلوب !
( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ )..
وهذه صفة أخرى من صفات الله ؛ توضح مقام الألوهية ومقام العبودية.. فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية ؛ لا يتعدونه ولا يتجاوزونه، يقفون في مقام العبد الخاشع الخاضع ؛ الذي لا يقدم بين يدي ربه ؛ ولا يجرؤ على الشفاعة عنده، إلا بعد أن يؤذن له، فيخضع للإذن ويشفع في حدوده.. وهم يتفاضلون فيما بينهم، ويتفاضلون في ميزان الله. ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد..
إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية الجليلة العلية. يزيد هذا الإيحاء عمقا صيغة الاستفهام الاستنكارية ؛ التي توحي بأن هذا أمر لا يكون ؛ وأنه مستنكر أن يكون. فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ وفي ظل هذه الحقيقة تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاءوا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، فزعموا لله - سبحانه - خليطا يمازجه أو يشاركه بالبنوة أو بغيرها من الصور في أي شكل وفي أي تصور، أو زعموا له - سبحانه - اندادا يشفعون عنده فيستجيب لهم حتما. أو زعموا له - سبحانه - من البشر خلفاء يستمدون سلطانهم من قرابتهم له.. في ظل هذه الحقيقة تبدو تلك التصورات كلها مستنكرة مستبعدة لا تخطر على الذهن ؛ ولا تجول في الخاطر، ولا تلوح بظلها في خيال !
وهذه هي النصاعة التي يتميز بها التصور الإسلامي ؛ فلا تدع مجالا لتلبيس أو وهم، أو اهتزاز في الرؤية ! الألوهية الوهية. والعبودية عبودية. ولا مجال لالتقاء طبيعتهما أدنى التقاء. والرب رب، والعبد عبد. ولا مجال لمشاركة في طبيعتهما ولا التقاء.
فأما صلة العبد بالرب، ورحمة الرب للعبد، والقربى والود والمدد.. فالإسلام يقررها ويسكبها في النفس سكبا ؛ ويملأ بها قلب المؤمن ويفيضها عليه فيضا ؛ ويدعه يعيش في ظلالها الندية الحلوة. دون ما حاجة إلى خلط طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية. ودون ما حاجة إلى الغبش والركام والزغللة والاضطراب الذي لا تتبين فيه صورة واحدة واضحة ولا ناصعة ولا محددة !
( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء )..
وهذه الحقيقة بطرفيها تساهم كذلك في تعريف المسلم بإلهه، وفي تحديد مقامه هو من إلهه. فالله يعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم. وهو تعبير عن العلم الشامل الكامل المستقصي لكل ما حولهم. فهو يشمل حاضرهم الذي بين أيديهم ؛ ويشمل غيبهم الذي كان ومضى والذي سيكون وهو عنهم محجوب. كذلك هو يشمل ما يعلمونه من الأمور وما يجهلونه في كل وقت. وهو على العموم تعبير لغوي يفيد شمول العلم وتقصيه.. أما هم فلا يعلمون شيئا إلا ما يأذن لهم الله أن يعلموه..
وشطر الحقيقة الأول.. علم الله الشامل بما بين أيديهم وما خلفهم.. من شأنه أن يحدث في النفس رجة وهزة. النفس التي تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها الذي يعلم ما بين يديها وما خلفها. يعلم ما تضمر