اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
بَعْدَ أَنْ أَمَرَنَا - تَعَالَى - بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَالٌ فِيهِ وَلَا كَسْبٌ، وَلَا يُنْجِي مِنْ عِقَابِهِ فِيهِ شَفَاعَةٌ وَلَا فِدَاءٌ انْتَقَلَ كَدَأْبِ الْقُرْآنِ إِلَى تَقْدِيرِ أُصُولِ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ الَّتِي تُشْعِرُ مُتَدَبِّرَهَا بِعَظِيمِ سُلْطَانِهِ - تَعَالَى -، وَوُجُوبِ الشُّكْرِ لَهُ، وَالْإِذْعَانِ لِأَمْرِهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَبَذْلِ الْمَالِ فِي سَبِيلِهِ، وَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرُورِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى الشَّفَاعَاتِ وَالْمُكَفِّرَاتِ الَّتِي جَرَّأَتِ النَّاسَ عَلَى نَبْذِ كِتَابِ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ فَقَالَ:
اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فَسَّرَ الْجَلَالُ الْإِلَهَ بِالْمَعْبُودِ بِحَقٍّ، وَالْحَيَّ بِالدَّائِمِ الْبَقَاءَ، وَالْقَيُّومَ بِالْمُبَالِغِ بِالْقِيَامِ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ، وَقَدِ اسْتَحْسَنَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ قَوْلَهُ فِي تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَقَالَ: إِنَّ تَفْسِيرَهُ لِكَلِمَةِ " إِلَهٍ " هُوَ الشَّائِعُ وَهُوَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا حَمَلْنَا الْعِبَادَةَ عَلَى مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ اسْتِعْبَادُ الرُّوحِ وَإِخْضَاعُهَا لِسُلْطَانٍ غَيْبِيٍّ لَا تُحِيطُ بِهِ عِلْمًا، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ كُنْهًا، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى التَّأْلِيهِ فِي نَفْسِهِ، وَكُلُّ مَا أَلَّهَهُ الْبَشَرُ مِنْ جَمَادٍ وَنَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ وَإِنْسَانٍ فَقَدِ اعْتَقَدُوا فِيهِ هَذَا السُّلْطَانَ الْغَيْبِيَّ بِالِاسْتِقْلَالِ أَوْ بِالتَّبَعِ لِإِلَهٍ آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ سُلْطَانًا، وَمِنْ ثَمَّ تَعَدَّدَتِ الْآلِهَةُ الْمُنْتَحَلَةُ، وَكُلُّ تَعْظِيمٍ وَاحْتِرَامٍ وَدُعَاءٍ وَنِدَاءٍ يَصْدُرُ عَنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ فَهُوَ عِبَادَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَعْبُودُ غَيْرَ إِلَهٍ حَقِيقَةً، أَيْ لَيْسَ لَهُ هَذَا السُّلْطَانُ الَّذِي اعْتَقَدَهُ الْعَابِدُ لَهُ، لَا بِالذَّاتِ وَلَا بِالتَّوَسُّطِ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَالْإِلَهُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي يُعْبَدُ بِحُقٍّ وَهُوَ وَاحِدٌ ; وَالْآلِهَةُ الَّتِي تُعْبَدُ بِغَيْرِ حَقٍّ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ غَيْرُ آلِهَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنْ فِي الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ الَّتِي يُثِيرُهَا الْوَهْمُ ; ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى أَوْ سَمِعَ أَوْ تَوَهَّمَ أَنَّ شَيْئًا غَرِيبًا
صَدَرَ عَنْ مَوْجُودٍ بِغَيْرِ عِلَّةٍ مَعْرُوفَةٍ وَلَا سَبَبٍ مَأْلُوفٍ، يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تِلْكَ السُّلْطَةُ الْعُلْيَا وَالْقُوَّةُ الْغَيْبِيَّةُ لِمَا صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ النَّفْعَ بِبَعْضِ الشَّجَرِ وَالْجَمَادِ كَشَجَرَةِ الْحَنَفِيِّ وَنَعْلِ الْكَلَشْنِيِّ يُعَدُّونَ عَابِدِينَ
لَهَا حَقِيقَةً. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ صَاحِبُ سُلْطَةٍ حَقِيقِيَّةٍ عَلَى النُّفُوسِ يَبْعَثُهَا عَلَى تَعْظِيمِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ قَهْرًا مِنْهَا مُعْتَقِدَةً أَنَّ بِيَدِهِ مَنْحَ الْخَيْرِ وَرَفْعَ الضُّرِّ بِتَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ أَوْ بِإِبْطَالِ السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ إِلَّا اللهَ - تَعَالَى - وَحْدَهُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَأَمَّا " الْحَيُّ " فَهُوَ ذُو الْحَيَاةِ وَهِيَ مَبْدَأُ الشُّعُورِ وَالْإِدْرَاكِ وَالْحَرَكَةِ وَالنُّمُوِّ، وَمَثَّلَ لِذَلِكَ بِالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَيٌّ وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الْحَيَاةُ فِيهِمَا فَكَانَتْ فِي الْحَيَوَانِ أَكْمَلَ مِنْهَا فِي النَّبَاتِ. قَالَ: وَالْحَيَاةُ بِهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يُنَزَّهُ اللهُ - تَعَالَى - عَنْهُ لِأَنَّهُ مُحَالٌ عَلَيْهِ ; وَلِذَلِكَ فَسَّرَ مُفَسِّرُنَا " الْحَيَّ " بِالدَّائِمِ الْبَقَاءَ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا لَا يُفْهَمُ مِنَ اللَّفْظِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْحَيَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - مَبْدَأُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ; أَيِ الْوَصْفُ الَّذِي يُعْقَلُ مَعَهُ الِاتِّصَافُ بِالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ: وَهَذَا الْوَصْفُ يُبْطِلُ قَوْلَ الْمَادِّيِّينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَبْدَأَ الْكَوْنِ عِلَّةٌ تَتَحَرَّكُ بِطَبْعِهَا وَلَا شُعُورَ لَهَا بِنَفْسِهَا وَلَا بِحَرَكَتِهَا وَمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْآثَارِ ; أَيْ إِنَّ هَذَا النِّظَامَ وَالْإِحْكَامَ فِي الْخَلْقِ مِنْ آثَارِ الْمَادَّةِ الْمَيِّتَةِ الَّتِي لَا شُعُورَ لَهَا وَلَا عِلْمَ.
اخْتَصَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي حَيَاةِ اللهِ - تَعَالَى - شَيْئًا، وَالْمُتَكَلِّمُونَ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى حَيَاةِ اللهِ تَعَالَى بِالْعَقْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ - تَعَالَى - عَلِيمٌ مُرِيدٌ قَدِيرٌ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَا تُعْقَلُ إِلَّا لِلْحَيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ كَمَا يَقُولُونَ، أَوْ مِنْ قِيَاسِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُمْكِنِ.
وَثَانِيهُمَا: أَنَّ الْحَيَاةَ كَمَالٌ وُجُودِيٌّ وَكُلُّ كَمَالٍ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْوَاجِبِ فَهُوَ وَاجِبٌ لَهُ. وَهَذَا مَا قَدَّمَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي " رِسَالَةِ التَّوْحِيدِ "، وَقَدْ قَدَّمَ لَهُ بِمُقَدِّمَةٍ نَفِيسَةٍ فِي صِفَاتِ الْوَاجِبِ. قَالَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:
" مَعْنَى الْوُجُودِ وَإِنْ كَانَ بَدِيهِيًّا عِنْدَ الْعَقْلِ وَلَكِنَّهُ يُتَمَثَّلُ لَهُ بِالظُّهُورِ ثُمَّ الثَّبَاتِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَكَمَالُ الْوُجُودِ وَقُوَّتُهُ بِكَمَالِ هَذَا الْمَعْنَى وَقُوَّتِهِ بِالْبَدَاهَةِ.
وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْوُجُودِ تَسْتَتْبِعُ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الصِّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ مَا هُوَ كَمَالٌ لِتِلْكَ الْمَرْتَبَةِ فِي الْمَعْنَى السَّابِقِ ذِكْرُهُ. وَإِلَّا كَانَ الْوُجُودُ لِمَرْتَبَةٍ سِوَاهَا، وَقَدْ فُرِضَ لَهَا مَا يَتَجَلَّى لِلنَّفْسِ مِنْ مِثْلِ الْوُجُودِ مَا لَا يَنْحَصِرُ، وَأَكْمَلُ مِثَالٍ فِي أَيَّةِ مَرْتَبَةٍ مَا كَانَ مَقْرُونًا بِالنِّظَامِ وَالْكَوْنِ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ خَلَلٌ وَلَا تَشْوِيشٌ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ النِّظَامُ بِحَيْثُ يَسْتَتْبِعُ وُجُودًا مُسْتَمِرًّا وَإِنْ كَانَ فِي النَّوْعِ كَانَ أَدَلَّ عَلَى كَمَالِ الْمَعْنَى الْوُجُودِيِّ فِي صَاحِبِ الْمِثَالِ.
فَإِنْ تَجَلَّتْ لِلنَّفْسِ مَرْتَبَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ الْوُجُودِ عَلَى أَنْ تَكُونَ مَصْدَرًا لِكُلِّ نِظَامٍ كَانَ ذَلِكَ عُنْوَانًا عَلَى أَنَّهَا أَكْمَلُ الْمَرَاتِبِ وَأَعْلَاهَا وَأَرْفَعُهَا وَأَقْوَاهَا.
وُجُودُ الْوَاجِبِ هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ وُجُودٍ مُمْكِنٍ - كَمَا قُلْنَا وَظَهَرَ بِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ - فَهُوَ بِحُكْمِ ذَلِكَ أَقْوَى الْوُجُودَاتِ وَأَعْلَاهَا، فَهُوَ يَسْتَتْبِعُ مِنَ الصِّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ مَا يُلَائِمُ تِلْكَ الْمَرْتَبَةَ الْعَلِيَّةَ، وَكُلُّ مَا تَصَوَّرَهُ الْعَقْلُ كَمَالًا فِي الْوُجُودِ مِنْ حَيْثُ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنْ مَعْنَى الثَّبَاتِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالظُّهُورِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ، وَكَوْنُهُ مَصْدَرًا لِلنِّظَامِ وَتَصْرِيفِ الْأَعْمَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا اضْطِرَابَ فِيهِ - يُعَدُّ مِنْ كَمَالِ الْوُجُودِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ثَابِتًا لَهُ ; فَالْوُجُودُ الْوَاجِبُ يَسْتَتْبِعُ مِنَ الصِّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ.
فَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صِفَةُ الْحَيَاةِ وَهِيَ صِفَةٌ تَسْتَتْبِعُ الْعِلْمَ وَالْإِرَادَةَ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَاةَ مِمَّا يُعْتَبَرُ كَمَالًا لِلْوُجُودِ بَدَاهَةً ; فَإِنَّ الْحَيَاةَ مَعَ مَا يَتْبَعُهَا مَصْدَرُ النِّظَامِ وَنَامُوسُ الْحِكْمَةِ، وَهِيَ فِي أَيِّ مَرَاتِبِهَا مَبْدَأُ الظُّهُورِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ، فَهِيَ كَمَالٌ وَجُودِيٌّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَا الْوَاجِبُ، وَكُلُّ كَمَالٍ وَجُودِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ، فَوَاجِبُ الْوُجُودِ حَيٌّ وَإِنْ بَايَنَتْ حَيَاتُهُ الْمُمْكِنَاتِ، فَإِنَّ مَا هُوَ كَمَالٌ لِلْوُجُودِ إِنَّمَا هُوَ مَبْدَأُ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ، وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ لَكَانَ فِي الْمُمْكِنَاتِ مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ وُجُودًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَعْلَى الْوُجُودَاتِ وَأَكْمَلُهَا فِيهِ.
وَالْوَاجِبُ: هُوَ وَاهِبُ الْوُجُودِ وَمَا يَتْبَعُهُ، فَكَيْفَ لَوْ كَانَ فَاقِدًا لِلْحَيَاةِ يُعْطِيهَا؟
فَالْحَيَاةُ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ مَصْدَرُهَا " اهـ.
أَقُولُ: وَهَذَا تَحْقِيقٌ دَقِيقٌ لَا نَجِدُ مِثْلَهُ لِغَيْرِ هَذَا الْإِمَامِ الْعَارِفِ وَالْحَكِيمِ الْمُحَقِّقِ وَلَا يَعْقِلُهُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ، وَقَدْ كُنْتُ كَتَبْتُ فِي كِتَابِ الْعَقَائِدِ - الَّذِي أَلَّفْتُهُ بِاقْتِرَاحِهِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِمَعَارِفِ هَذَا الْعَصْرِ وَيُفِيدُ طُلَّابَ عُلُومِهِ - كَلَامًا فِي حَيَاةِ اللهِ - تَعَالَى - قَرِيبًا مِنَ الْأَفْهَامِ، وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ. وَإِنَّنِي أُحِبُّ إِيرَادَهُ هُنَا ; لِأَنَّنِي لَمْ أَرَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَلَا فِي كُتُبِ الْكَلَامِ كَلَامًا مُمْتِعًا فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ وَارِدٌ بِأُسْلُوبِ السُّؤَالِ مِنْ تِلْمِيذٍ مُبْتَدِئٍ فِي الْمَدَارِسِ وَالْجَوَابِ مِنْ أَخِيهِ وَهُوَ عَالِمٌ عَصْرِيٌّ طَبِيبٌ نُعَبِّرُ عَنْهُ بِالشَّابِّ، وَمِنْ أَبِيهِ وَهُوَ عَالِمٌ صُوفِيٌّ، نُعَبِّرُ عَنْهُ بِالشَّيْخِ. وَهَذَا نَصُّهُ بِاخْتِصَارٍ مَا:
قَالَ التِّلْمِيذُ: تَنْبُتُ الشَّجَرَةُ صَغِيرَةً ثُمَّ تَنْمُو حَتَّى تَكُونَ فِي زَمَنٍ قَرِيبٍ أَضْعَافَ مَا كَانَتْ، فَمِنْ أَيْنَ تَجِيءُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ؟ وَكَيْفَ تَدْخُلُ فِي بِنْيَتِهَا وَتَتَفَرَّقُ فَتَأْخُذُ السَّاقُ مِنْهَا حَظًّا وَالْفُرُوعُ حَظًّا وَكَذَلِكَ الْوَرَقُ وَالثَّمَرُ؟
الشَّابُّ: إِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي بِنْيَةِ النَّبَاتِ، بَعْضُهَا مِنَ الْأَرْضِ وَبَعْضُهَا مِنَ الْهَوَاءِ، وَالنَّبَاتُ جِسْمٌ حَيٌّ، فَهُوَ بِصِفَةِ الْحَيَاةِ يَأْخُذُ مِنْ عَنَاصِرِ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ مَا يَصْلُحُ لِغِذَائِهِ فَيَتَغَذَّى بِهِ، كَمَا يَتَغَذَّى الْحَيَوَانُ بِمَا يَأْكُلُهُ وَيَشْرَبُهُ، وَيَنْمُو بِذَلِكَ كَمَا يَنْمُو الْحَيَوَانُ.
التِّلْمِيذُ: إِنَّنَا لَا نَرَى فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي الْهَوَاءِ شَيْئًا مِنْ مَادَّةِ النَّبَاتِ وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ كَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ.
الشَّابُّ: إِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهَا الْعَنَاصِرَ الْبَسِيطَةَ فَيَأْخُذُ مِنَ الْهَوَاءِ الْأُكْسُجِينَ وَالنِّيتْرُوجِينَ " الْأَزُوتَّ " وَكَذَلِكَ الْكَرْبُونَ وَبَعْضَ الْأَمْلَاحِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْهَوَاءِ عَادَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنْهُ، وَيَأْخُذُ مِنَ الْأَرْضِ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ عَنَاصِرِهَا الْكَثِيرَةِ كَالْبُوتَاسَا وَالْفُسْفُورِ وَالْحَدِيدِ وَالْجِيرِ وَالْأَمْلَاحِ، وَيُكَوِّنُ مِمَّا يَأْخُذُهُ مِنْ ذَلِكَ غِذَاءَهُ بِعَمَلٍ كِيمَاوِيٍّ مُنْتَظِمٍ، يَعْجَزُ عَنْ مِثْلِهِ أَعْلَمُ عُلَمَاءِ الْكِمْيَاءِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَشْكَالِ وَالصِّفَاتِ إِنَّمَا اخْتَلَفَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِاخْتِلَافِ التَّرْكِيبِ الْكِيمَاوِيِّ وَعَمَلِ الطَّبِيعَةِ، حَتَّى إِنَّ مَادَّةَ السُّكَّرِ هِيَ عَيْنُ الْمَادَّةِ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنْهَا الْحَنْظَلُ،
وَالْمَاسُ وَالْفَحْمُ الْحَجَرِيُّ مِنْ عُنْصُرٍ وَاحِدٍ.
الشَّيْخُ: إِنَّ النَّبَاتَ لَا حَيَاةَ فِيهِ وَلَوْ كَانَ يَعْمَلُ عَمَلَهُ الَّذِي ذَكَرْتَ فِي مَعْنَى النُّمُوِّ وَكَيْفِيَّتِهِ بِمَا تَقْتَضِيهِ صِفَةُ الْحَيَاةِ الَّتِي أَثْبَتَّهَا لَهُ، لَكَانَ عَالِمًا بِعَمَلِهِ وَمُخْتَارًا فِيهِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهَذَا نَقْلٌ، وَلَا أَثْبَتَهُ عَقْلٌ، فَنُمُوُّ النَّبَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللهِ - تَعَالَى -.
الشَّابُّ: لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ لِلنَّبَاتِ عِلْمًا وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ، فَهُوَ فِي عَمَلِهِ كَأَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَعْمَلُ أَعْمَالًا مُنْتَظِمَةً لَا شُعُورَ لِلْإِنْسَانِ بِهَا وَلَا هِيَ صَادِرَةٌ عَنْ عِلْمِهِ وَتَدْبِيرِهِ ; كَأَعْمَالِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ فِي هَضْمِ الطَّعَامِ، فَلَيْسَ عِنْدَنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمَعِدَةِ عِلْمًا خَاصًّا وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهَا، وَلَكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا عُضْوٌ حَيٌّ بِحَيَاةِ صَاحِبِهِ فَإِذَا أُبِينَ مِنْهُ ثُمَّ وُضِعَ فِيهِ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ ذَلِكَ الْعَمَلَ، وَكَوْنُ كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَةِ اللهِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبٌ ; فَاللهُ - تَعَالَى - حَكِيمٌ لَا يَعْمَلُ شَيْئًا إِلَّا بِنِظَامٍ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [٦٧: ٣].
التِّلْمِيذُ: مِنْ أَيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الْحَيَاةُ النَّبَاتِيَّةُ لِلنَّبَاتِ، وَالْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ لِلْحَيَوَانِ، فَهَلِ الْمَادَّةُ الَّتِي يَتَغَذَّى بِهَا النَّبَاتُ حَيَّةٌ فَيَأْخُذُ مِنْهَا حَيَاتَهُ؟
الشَّابُّ: كَلَّا، إِنَّ مَوَادَّ التَّغْذِيَةِ لَيْسَتْ حَيَّةً بِنَفْسِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا بَعْدَ إِمَاتَتِهِ بِنَحْوِ الذَّبْحِ وَالطَّبْخِ، وَلَا يَأْكُلُ نَبَاتًا إِلَّا بَعْدَ إِزَالَةِ حَيَاتِهِ النَّبَاتِيَّةِ وَلَوْ بِالْقَطْعِ وَالْمَضْغِ فَقَطْ؟ وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ، وَلَكِنْ فِي النَّوَاةِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْهَا الشَّجَرَةُ وَالْبَيْضَةِ الَّتِي يَتَوَلَّدُ مِنْهَا الْحَيَوَانُ حَيَاةٌ كَامِنَةٌ مُسْتَعِدَّةٌ لِلنُّمُوِّ بِالتَّغْذِيَةِ عَلَى مَا نُشَاهِدُ فِي الْكَوْنِ، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ مَجْهُولَةُ الْكُنْهِ وَالْمَبْدَأِ حَتَّى الْيَوْمِ، وَأَمْرُهَا أَخْفَى مِنْ أَمْرِ الْمَادَّةِ فِي كُنْهِهَا وَمَبْدَئِهَا.
الشَّيْخُ: إِذَا كُنْتُمْ فِي عِلْمِكُمْ هَذَا أَرْجَعْتُمْ جَمِيعَ الْعَنَاصِرِ الَّتِي تَأَلَّفَتْ مِنْهَا مَادَّةُ الْكَوْنِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ عُرِفَ أَثَرُهُ وَلَمْ يُعْرَفْ حَقِيقَتُهُ - كَمَا قُلْتُ فِي مَبْحَثِ الْوَحْدَانِيَّةِ - فَمَا بَالُكُمْ تَقِفُونَ فِي حَيَاةِ بَعْضِ الْمَوَادِّ كَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، وَتَقُولُونَ: لَا نَعْرِفُ مَبْدَأَ حَيَاتِهِ وَحَقِيقَتَهَا وَتَقِفُونَ
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني