قوله عز وجل : قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام قول هذا القائل لم يكن كذباً وقد أماته الله مائة عام، لأنه أخبر عما عنده، فكأنه قال :" عندي أني لبثت يوماً أو بعض يوم ". ونظيره أيضاً ما حكاه الله تعالى عن أصحاب الكهف، قال قائل منهم : كم لبثتم ؟ قالوا : لبثنا يوماً أو بعض يوم ! وقد كانوا لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين، ولم يكونوا كاذبين فيما أخبروا عما عندهم، كأنهم قالوا :" عندنا في ظنوننا أننا لبثنا يوماً أو بعض يوم ". ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم حين صلَّى ركعتين وسلَّم في إحدى صلاتي العشاء، فقال له ذو اليدين : قُصِرَت الصلاة أم نسيت ؟ فقال :" لم تُقْصَرْ ولم أنْسَ " وكان صلى الله عليه وسلم صادقاً، لأنه أخبر عما عنده في ظنّه، وكان عنده أنه قد أتمها. فهذا كلامٌ سائغٌ جائزٌ غيرُ ملومٍ عليه قائله إذا أخبر عن اعتقاده وظنّه لا عن حقيقة مخبره ؛ ولذلك عفا الله عن الحالف بَلغْوِ اليمين، وهو فيما رُوي قولُ الرجل لمن سأله : هل كان كذا وكذا ؟ فيقول على ما عنده : لا والله ! بلى والله ! وإن اتفق مخبره على خلافه، لأنه إنما أخبر عن عقيدته وضميره ؛ والله الموفق.
أحكام القرآن
الجصاص