ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال كم لبثت ؟ قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير { ٢٥٩ . }
تفسير المفردات
القرية : الضيعة، والمصر : الجامع، وقد أبهم الله القرية فلم يذكر مكانها ولا المار عليها، بل اقتصر على موضع العبرة، وما به تقوم الحجة ولم يعن بما فوق ذلك حتى لا يشغل القارئ أو السامع به، ومن ثم اختلف المفسرون فيها ؛ فمن قائل إنها بيت المقدس وإن المار عليها هو عزير بن شرخيا، ومن قائل هي دير هرقل على شط دجلة والمار هو أرميا من سبط هارون عليه السلام، وخاوية : أي ساقطة من خوى البيت إذا سقط، والعروش : وحدها عرش وهو سقف البيت وكل ما هيئ ليستظل به، والمراد منه أن العروش سقطت أولا ثم سقطت الحيطان عليها، وأنى : بمعنى كيف، والحياة هنا العمران، والموت : الخراب، وأماته : أي جعله فاقدا للحس والحركة والإدراك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتا مثل ما حدث لأهل الكهف، والبعث : الإرسال من بعثت الناقة إذا أطلقها من مكانها، وعبر بالبعث دون الإحياء إيذانا بأنه عاد كما كان أولا حيا عاقلا مستعدا للنظر والاستدلال، وقد دلت تجارب الأطباء في العصر الحديث على أن من الناس من يبقى حيا زمنا طويلا لكنه يكون فاقد الحس والشعور، وهو المسمى لديهم بالسبات وهو النوم المستغرق ويستعمله أهل الرياضيات في الهند، فقد شوهد شاب قد نام نحو شهر ثم أصيب بدخل في عقله، وآخرون ناموا أكثر من ذلك، ومتى ثبت هذا فالذي يحفظ الأجسام مثل هذه المدة قادر أن يحفظها مائة سنة وثلاثمائة سنة، فهذا من الممكنات لا من المستحيلات وقد تواتر به النص فيجب التسليم به، والتجارب التي عملت تقرب بيان إمكانه من أذهان الذين يعسر عليهم أن يميزوا بين ما هو مستبعد لعدم إلفه في مجرى العادة، وما هو محال لا يقبل الثبوت لذاته، ولم يتسنه : أي لم يتغير ولم يفسد، من قولهم تسنه الشيء مرت عليه السنون والأعوام، وآية : علامة دالة على قدر الله، وننشزها : أي نرفعها من الأرض ونردها إلى أماكنها من الجسد.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر محاجة إبراهيم لذلك الكافر وإلزامه الحجة، بإثباته أن لهذا الكون إلها قادرا على كل شيء، واحدا لا شريك له في الملك والتدبير، ذكر هنا ما يدل على إثبات البعث والنشور، ويرشد إلى هداية الله للمؤمنين، وإخراجهم من ظلمات الشبه إلى نور اليقين، ولا غرابة في وقوع الشبهة للمؤمن ثم طلبه المخرج منها بالدليل والبرهان، فيهديه الله بما له من الولاية والسلطان على نفسه، ويخرجه من الحيرة التي تعرض له إلى الطمأنينة التي تثلج قلبه وتملؤه بردا ويقينا.
الإيضاح
أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها أي أرأيت مثل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، أي ما رأيت مثله فتعجب منه، لأن حاله بلغت من الغرابة حدا لا يرى لها مثل.
قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها أي قال : كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها ؟ ومراده بذلك استبعاد عمرانها بالبناء والسكان بعد أن خربت وتفرق أهلها.
فأماته الله مائة عام ثم بعثه أي فجعله الله فاقد الحس والحركة دون أن تفارق الروح البدن، ثم أعاده إلى ما كان عليه أولا.
قال كم لبثت ؟ قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه أي قال له بعد مبعثه كم يوما لبثت يا عزير ؟ قال لبثت يوما أو بعض يوم بناء على ظنه وتخمينه، فقال له : ما لبثت هذا المقدار ؟ بل لبثت مدة متطاولة، ومع ذلك لم يلحق طعامك وشرابك تغير مما تجري العادة بمثله حين مرور الزمان وتطاول الأعوام.
والقصد من السؤال إظهار عجزه عن الإحاطة بشئونه تعالى، وليطلع أثناء ذلك على بدائع قدرته بإبقاء الغذاء الذي لم يتسارع إليه الفساد مع مضي الزمن الطويل، وليعلمه أن إحياءه كان بعد مدى طويل، وبذا يزول من نفسه الاستبعاد الذي خطر على باله أولا.
وانظر إلى حمارك كيف نخرت عظامه، وتقطعت أوصاله وتمزقت، ليستبين لك طول لبثك، وتطمئن بذلك نفسك.
ولنجعلك آية للناس أي فعلنا ما فعلنا من إحيائك وإحياء حمارك، وحفظ ما معك من الطعام والشراب، لنزيل تعجبك، ونريك بآياتنا في نفسك وطعامك وشرابك، ولنجعلك آية للناس.
أما كونه آية لو فواضح، وأما كونه آية للناس فلأن علمهم بموته مائة عام ثم بحياته بعد ذلك يكون من أكبر الآيات التي يهتدي بها من يشاهدها، إلى كمال قدرة الله وعظيم سلطانه.
وبعد أن أراه الآية التي تكون حجة على من رآها في قوله : فانظر إلى طعامك وشرابك نبه إلى الدليل الذي يحتج به على إمكان البعث في كل مكان وزمان، وهو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظه فقال :
وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما أي إن القادر على أن يكسو هذه العظام لحما ويمدها بالحياة ويجعلها أصلا لجسم حي – قادر على أن يعيد الخصب والعمران للقرية، وكذلك القادر على الإحياء بعد لبث مائة سنة قادر على الإحياء بعد لبث الموتى آلاف السنين، فبعض أفعاله تعالى يشبه بعضا.
وخلاصة ذلك- إننا كما أطلعناك على بعض آياتنا الخاصة الدالة على قدرتنا على البعث، نهديك إلى الآية الكبرى الدالة على كيفية التكوين، وبمثل هذا يحتج القرآن في مثل قوله : كما بدأكم تعودون وفي قوله : كما بدأنا أول خلق نعيده وفي قوله : فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما .
فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير أي فلما ظهر له إحياء الميت عيانا قال : أعلم علما يقينيا مؤيدا بآيات الله في نفسي وفي الآفاق، أن الله على كل شيء من الأشياء التي من جملتها ما شاهدته، قدير لا يستعصي عليه أمر.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير