ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

وذكر الأصوليون في، هذه الآية: أن إبراهيم عليه السلام، لما وصف ربه تعالى بالإحياء والإماتة، قصد إلى الحقيقة، وأما النمرود فلجأ إلى المجاز وموّه على قومه، فسلّم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه إلى أمر لا مجاز فيه، وعارضة بالشمس، فبهت الذي كفر.
ويستفاد من الآية أيضا أن الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه، وأن طريق معرفته: ما في الكون من الدلائل القاطعة على توحيده، لأن أنبياء الله عليهم السلام إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك، ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه، وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها وبآثاره عليه.
قصة العزير وحماره
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٩]
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)
الإعراب:
أَوْ كَالَّذِي: الكاف إما زائدة، وتقديره: أو الذي مر على قرية على عروشها، وهي خاوية. والذي: في موضع جر، معطوف على قوله: إِلَى الَّذِي حَاجَّ، وإما للتشبيه، معطوفا على معنى ما تقدمه من الكلام، لأن معنى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ، وألم تر كالذي حاج: واحد. عَلى عُرُوشِها في موضع نصب، لأنه بدل من قوله: عَلى قَرْيَةٍ، ويكون

صفحة رقم 31

وَهِيَ خاوِيَةٌ جملة اعتراضية. وفسر قوم: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي ساقطة سقوفها، فلا يكون هناك اعتراض.
كَمْ لَبِثْتَ: كم: في موضع نصب على الظرفية الزمانية، وتقديره: كم لبثت يوما.
لَمْ يَتَسَنَّهْ إما أصله: يتسنّن، من قوله: حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي متغير، قلبت النون الثالثة ياء كراهية اجتماع ثلاث نونات، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار «يتسنّى» ثم حذفت الألف للجزم، فصار: يتسن، وأدخلت عليه هاء السكت، وإما مأخوذ من «تسنّه وسانهت» تفعل من السنة، فيكون المعنى: لم يتغير بمرّ السنين، وأصل سنة: سنهة.
وَلِنَجْعَلَكَ الواو عطف على فعل مقدر، تقديره: انظر إلى حمارك لتتيقن ما تعجبت منه، حين قلت: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، ولنجعلك آية للناس.
البلاغة:
بَعْدَ مَوْتِها أي موت سكان القرية، مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال.
ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فيها استعارة الكسوة للحم الذي غطى العظم، كما يستر الجسد باللباس، ثم حذف المشبه به وهو الثوب، وأتى بشيء من لوازمه وهو الكسوة على سبيل الاستعارة المكنية.
المفردات اللغوية:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ أي عزير الذي مر على ضيعة هي بيت المقدس، راكبا ومعه سلة تين وقدح عصير خاوِيَةٌ ساقطة، أو خالية من السكان، والعروش: السقوف، لما خربها بختنصر. أَنَّى يُحْيِي كيف، وهو استبعاد منه للإحياء بعد الموت، والمراد بالإحياء هنا: العمارة بالبناء والسكان بَعْدَ مَوْتِها خرابها فَأَماتَهُ اللَّهُ أي جعله فاقدا للحس والحركة والإدراك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتا، كما حدث لأهل الكهف ثُمَّ بَعَثَهُ أرسله من بعثت الناقة:
إذا أطلقتها من مكانها، وعبر بالبعث دون الإحياء إيذانا بأنه عاد كما كان أولا حيا عاقلا كامل المدارك. ويرى الأطباء أن من الناس من يبقى حيا زمنا طويلا، لكنه يكون فاقد الحس والشعور، وهو المسمى لديهم بالسبات: وهو النوم المستغرق، ومرد كل ذلك إلى قدرة الله بالحفظ مائة سنة أو ثلثمائة سنة أو أكثر أو أقل، وقال القرطبي: وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد. طَعامِكَ التين وَشَرابِكَ العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير مع طول الزمان، والهاء إما للسكت من سانيت، وإما من أصل الكلمة وهي سانهت وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف هو، فرآه ميتا وعظامه باقية وَلِنَجْعَلَكَ فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية على البعث، أي علامة على قدرة

صفحة رقم 32

الله نُنْشِزُها نرفعها من الأرض ثم نردها إلى أماكنها من الجسد وقرئ «ننشرها» أي نحييها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فنظر إليها وقد تركبت وكسيت لحما، ونفخ في الجسد الروح، وظهرت عليه علائم الحياة أَعْلَمُ علم مشاهدة.
المناسبة:
القصة السابقة لإثبات وجود الله، وهذه القصّة والتي تليها في قوله تعالى:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لإثبات الحشر والبعث بعد الفناء.
التفسير والبيان:
أرأيت مثل هذا الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، أي ساقطة جدرانها على سقوفها «١»، وهي معطوفة على قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ وهي بمعنى قوله: هل رأيت مثل الذي حاجّ في ربّه. وما هي القرية؟ ومن هو المارّ؟ قيل: إنّه بيت المقدس، والمارّ: هو عزير بن شرخيا، وهو القول المشهور، وقيل: هي دير هرقل على شطّ الدّجلة، والمارّ:
هو أرميا من سبط هارون عليه السلام. وقيل: إنه الخضر عليه السلام، وقيل:
اسمه حزقيل بن بوار، وقال مجاهد: هو رجل من بني إسرائيل.
فقال: كيف يعمّر الله هذه القرية بعد خرابها، والمراد استبعاد عمرانها بالبناء والسّكان، بعد أن خربت وتفرّق أهلها، ولكنّه في الوقت نفسه يستعظم قدرة الله تعالى لما رأى شدّة خرابها، فقوله: اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الأحياء، واستعظام لقدرة المحيي.
فجعله الله فاقد الحسّ والحركة مائة عام، مع بقائه حيّا، ثمّ أطلق فيه

(١) قال السّدي: يقول: هي ساقطة على سقفها، أي سقطت السّقف، ثم سقطت الحيطان عليها. واختاره الطّبري. وقال غير السّدّي: معناه خاوية من الناس، والبيوت قائمة، وخاوية معناها خالية.

صفحة رقم 33

الحركة وبعثه بسرعة وسهولة، كأنّه كان نائما ثم استيقظ، فوجد القرية قد عمرت بعد سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، ورجع إليها بنو إسرائيل. فقيل له بواسطة الملك: كم وقتا لبثت؟ وسئل هذا السؤال ليظهر عجزه عن الإحاطة بشؤون الله تعالى. وأكثر المفسّرين على أن ظاهر هذه الإماتة: أنها بإخراج الرّوح من الجسد، والأظهر أن القائل: هو الله تعالى، من طريق ملك أو هاتف من السماء يقول له ذلك.
فقال: لبثت يوما أو بعض يوم، على التّقريب والظنّ والتّخمين، لأنّه مات أوّل النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظنّ أنها شمس ذلك اليوم، فقوله هذا على ما عنده وفي ظنّه، فلا يكون كاذبا فيما أخبر به، ومثله قول أصحاب الكهف: قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف ١٨/ ١٩]، وإنّما لبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين.
فأجيب: بل لبثت مائة عام، فانظر لترى دلائل قدرتنا إلى طعامك وشرابك طوال هذه المدّة، لم يتغيّر ولم يفسد، مع أنّ العادة جرت بفساد مثله بمضي مدّة قليلة.
وانظر أيضا لترى الدّليل على قدرتنا إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتقطّعت أوصاله، لتتبيّن تطاوّل مرور الزّمان عليه وعليك وأنت راقد أو نائم فعلنا بك ما فعلنا لتعاين ما استبعدته، ولتتيقّن ما تعجبت منه، ولنجعلك دليلا على المعاد، وآية دالّة على تمام قدرتنا على البعث يوم القيامة، كقوله تعالى:
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [لقمان ٣١/ ٢٨]، فقوله: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ دليل على البعث بعد الموت.
وانظر كيف نرفع عظام حمارك المتناثرة يمينا وشمالا، فيركب بعضها على بعض، ونردها إلى أماكنها من الجسد، ثم نكسوها لحما وعصبا وعروقا وجلدا،

صفحة رقم 34

كما يستر الثوب الجسد، ثم بعث الله ملكا فنفخ الرّوح في هذا الجسم، فنهق كله بإذن الله عزّ وجلّ، وذلك كلّه بمرأى من العزير. فالقادر على هذا الإحياء بعد موت مائة سنة قادر على الإحياء بعد آلاف السنين، لأن الأفعال الإلهية تشبه بعضها.
فلما تبيّن له هذا كله قال: أنا عالم بهذا، وقد رأيته عيانا، وأعلم علما يقينيا أن الله على كل شيء من الأشياء قدير لا يستعصي عليه أمر.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة دليل واضح على إمكان البعث بعد الفناء، والحشر بعد النشر من القبور، والدليل الثابت الذي يمكن أن يحتجّ به على البعث في كل زمان ومكان:
هو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه، والإنشاء معناه:
التقوية، والإنشاز معناه: التنمية. وهذه حالة خاصة، وأما الآية الكبرى العامة وهي كيفية التّكوين الدّالة على قدرة الله على البعث، فهي قوله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف ٧/ ٢٩]، وقوله: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء ٢١/ ١٠٤].
والرّاجح أن الذي مرّ على القرية كان من الصدّيقين أو الأنبياء، وقيل: إنه كان من الكافرين، وهو ضعيف، لأن الكافر لا يؤيّد بآيات الله. والكلام على الوجه الأوّل الصّحيح مثل لهداية الله تعالى للمؤمنين، وإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، كما كان شأن إبراهيم مع ذلك الكافر.
والإخبار أو اليمين على الظنّ لا يكون كذبا، ولا يوجب كفارة اليمين، وهذا هو المراد عند الحنفية والمالكية والحنابلة (الجمهور) بلغو اليمين الذي عفا الله عنه، أخذا بقوله تعالى: قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وقوله في سورة الكهف: قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف ١٨/ ١٩]، ونظيره
قول

صفحة رقم 35

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية