وقوله تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ يقال: بَهَتَه يَبْهَتُه بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا واجهه بالكذب عليه، هذا هو الأصل، ثم تُسمَّى الحَيْرةُ عند استيلاء الحجة بُهْتًا لأنها كحيرة المواجَه بالكذب، وفيه ثلاث لغات: بُهِت الرجل فهو مبهوت، وبَهِت، وبَهُتَ، قال عروة العذري (١):
| فما هو إلا أن أرَاهَا فُجاءةً | فَأُبْهَتُ حَتّى ما أكادُ أُجِيْبُ (٢) |
وتأويل قوله (٤): فبهت أي: انقطع وسكت (٥).
٢٥٩ - قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ الآية. قد ذكرنا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها في المعنى، كأنه قيل: أرأيت (٦) كالذي حاج، أو كالذي مر (٧)، والعرب تحمل على المعاني كثيرًا (٨)، قال الفرزدق:
(٢) البيت في "ديوانه" ص ٢٨، وفي "خزانة الأدب" ٨/ ٥٦٠ وُيعْزى لكُثَيِّر عزة في "ديوانه" ص ٥٢٢، وُيعْزى أيضًا للمجنون في "ديوانه" ص ٤٩، ولم ينسبه في "معاني القرآن" للأخفش، ولا الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٤٩٣ وعزاه في الكتاب ٣/ ٥٤ لبعض الحجازيين، وللأحوص في ملحق، "ديوانه" ص ٢١٣.
(٣) ينظر في بهت: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤١، "تهذيب اللغة" ١/ ٤٠٠، "المفردات" ٧٣، "اللسان" ١/ ٣٦٨.
(٤) ساقط من (ي).
(٥) من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤١، ولفظه: انقطع وسكت متحيرًا.
(٦) ساقط من (م).
(٧) من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٢.
(٨) ينظر: "البحر المحيط" ٢/ ٢٩٠، وقال: والعطف على المعنى نصوا على أنه لا ينقاس.
| فكيْفَ بلَيْلَةٍ لا نَجْمٍ فيها | ولا قَمَرٍ لسَاريهَا مُنِيرِ (١) |
| وَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُم جَزَاءً | وجَنَّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلًا (٢) |
| مُعَاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فاسْجَحْ | فلَسْنَا بالجِبَالِ ولا الحَدِيدَا (٤) |
(٢) البيت لعبد العزيز بن زرارة الكلابي، كما في "أدب الكاتب" ١/ ٢٨٨، وهو من شواهد "المقتضب" ٣/ ٢٨٤، ومعنى سلسبيلًا: أي سهلًا لذيذًا سلسًا، ينظر: "المفردات" ص ٢٣٧.
(٣) البيت وما بعده ساقط من (أ) و (م).
(٤) البيت لعقبة أو لعقيبة الأسدي في: "الإنصاف" ٣٨٤، "لسان العرب" ٦/ ٣٤٩٦ (مادة: غمز).
(٥) في (ي): (ولا الحديدا)، وفي (ش): (ولا الحديد).
(٦) ساقط من (ي).
(٧) "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٨٢، ورده الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٨، وذكر أبو حيان في "البحر" ٢/ ٢٩٠: أن الكاف قد تكون اسمًا على مذهب الأخفش، فتكون في موضع جر معطوفة على (الذي)، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى مثل الذي مر على قرية، ومجيء الكاف اسمًا فاعلة ومبتدأة ومجرورة بحرف الجر ثابت في "لسان العرب"، وتأويلها بعيد، فالأولى هذا الوجه، وإنما عرض لهم الإشكال من حيث اعتقاد حرفية الكاف حملًا على مشهور مذهب البصريين.
حسن (١).
واختلفوا في الذي مَرَّ. فقال قتادة (٢) والربيع (٣) وعكرمة (٤) والضحاك (٥) والسدي (٦): هو عزير (٧).
وقال وهب (٨) وعطاء عن ابن عباس (٩): هو أرميا؟ وهو الخضر. وقال مجاهد: هو رجل كافر (١٠) شك في البعث (١١).
وقوله تعالى: عَلَى قَرْيَةٍ قال وهب (١٢) وعكرمة (١٣) وقتادة (١٤)
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٨، " ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٠٠.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٨، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٩٤، والقرطبي ٣/ ٢٨٩.
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٨، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٩٤، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣١٧.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٨، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٩٥، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣١٧.
(٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٨، "ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٠٠.
(٧) وهذا الذي صححه أبو المظفر السمعاني في "تفسيره" ٢/ ٤٠٩، وقال ابن كثير ١/ ٣٣٧: وهذا القول هو المشهور.
(٨) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٩٩، والطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٩، "ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٠٢.
(٩) ذكره البغوي في "تفسيره" ١/ ٣١٧، وابن الجوزي في "تفسيره" ١/ ٢٥٥.
(١٠) ليست في (ي).
(١١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٤٩٦، وروى الطبري في "تفسيره" ٣/ ٤٠، وذكر ابن أبي حاتم ٢/ ٥٠٠ عن مجاهد: أنه رجل من بني إسرائيل.
(١٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٣٠، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٩٦.
(١٣) انظر المصدرين السابقين.
(١٤) انظر المصدرين السابقين.
والربيع (١): إيليا، وهي بيت المقدس.
وقال (٢) ابن زيد: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت (٣).
وقوله تعالى: وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قال أبو عبيد عن أبي زيد والكسائي: خَوَت الدار (٤) تَخْوِي خُوُيًّا، إذا خلت، قال الكسائي: ويجوز: خويت الدار (٥). الأصمعي: خَوَى البيتُ فهو يَخْوِي خَوَاءً، ممدود، إذا ما خلا من أهله (٦).
والخَوَى: خُلُوّ البطن من الطعام، وأصل معنى هذا الحرف: الخُلوّ. ومن هذا ما ورد في الحديث أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد خَوَّى (٧) أي: أخلى ما بين عَضُدَيْهِ وجَنْبَيْهِ وبَطْنِهِ وفَخِذَيْه، وخَوَاءُ الفرس: ما بين قوائمه، وخَوَاءُ الأرض: بَرَاحُها (٨) قال أبو النَّجْم يصف فرسًا طويلًا:
يَبْدُو خَوَاءُ الأرْضِ من خَوَائِه (٩)
(٢) في (أ) (قال).
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٣٠، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣٠٩.
(٤) في (ي) (الديار).
(٥) نقله عنهما في "تهذيب اللغة" ١/ ١١٢٣ (مادة: خوى).
(٦) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ١/ ١١٢٣ (مادة: خوى)، وضبطت يخوي في نسخة (أ) بكسر الواو، وفي التهذيب بفتح الواو.
(٧) رواه مسلم (٤٩٧) كتاب: الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة.
(٨) من قوله: (وخواء). ساقط من (ي).
(٩) ورد هذا الشطر منسوبا لأبي النجم في "تهذيب اللغة" ١/ ١١٢٢، "اللسان" ٣/ ١٢٩٦ (مادة: خوى).
ثم يقال للبيت إذا سَقَطَ وتَهَدَّم: خوي؛ لأنه بِتَهَدُّمه يَخْلُو من أهله، وكذلك خَوَتِ النجوم وأَخْوَت: إذا سَقَطت ولم تمطر؛ لأنها خَلَتْ من المطر (١).
والعَرْشُ: سَقْفُ البيت، والعُرُوش: الأَبْنِيَة، والسُّقُوفُ من الخَشَب، يقال: عَرَشَ الرجلُ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ، إذا بنى بناءً من خَشَبٍ (٢).
وقوله تعالى: وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا أي: متهدِّمة ساقطة خراب، قاله ابن عباس (٣) والربيع (٤) والضحاك (٥). ومعنى: عَلَى عُرُوشِهَا أي: حيطانها كانت قائمة، وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت (٦) الحيطان من قواعدها، فتساقطت على السقوف المتهدمة (٧). ومعنى الخاوية: بمعنى المنقعرة وهي المنقلعة من أصولها، يدلك على ذلك قوله تعالى: أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة: ٧]. وقوله تعالى في موضع آخر: أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ٢٠] وهذه الصِّفَةُ في خراب المنازل من أبلغ ما يوصف به.
قال الأزهري: وإنما قيل للمنقعر: خاو؛ لأن الحائط إذا انقلع خَوِي
(٢) ينظر في عرش: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٩١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٩٧، "المفردات" ٣٣٢، "لسان العرب" ٥/ ٢٨٨١.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٣١، وذكره في "النكت والعيون" ١/ ٣٣١.
(٤) انظر المصدرين السابقين.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٣١، "ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٠٠، وذكره في "النكت والعيون" ١/ ٣٣١.
(٦) في (ش) (انقرعت).
(٧) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص ٨٥، "تفسير الطبري" ٣/ ٣١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٩٨.
مكانه، أي: خلا منه، فيقال: خَوِي البيت، أي: خلا عن الجدار، ثم يقال: خَوِي الحائط: إذا تهدّم (١).
وقال بعضهم وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا أي: خالية عن عروشها لتهدمها، جعل (على) بمعنى عن كقوله: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) [المطففين: ٢] أي: عنهم.
وقوله تعالى: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا قال وهب: إن بُخْتَنَصّر دخل هو وجنوده بيت المقدس، وقتل بنى إسرائيل حتى أفناهم وسبى ذرارِيَهم، وخرب بيت المقدس، فلما رجع إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أَرْمِيا على حمار له، معه عصير عنب في زُكرة (٢) وسلة تين، حتى غشي إيليا، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا (٣).
ومن قال: المار عزير، قال: هذا من قوله (٤).
وفي قول مجاهد قوله: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا يكون إنكارًا للبعث؛ لأنه جَعَل المارَّ كافرًا، وعلى قول غيره: لا يكون إنكارًا للبعث، ولكن تأويله: أنه أحب أن يزداد بصيرة في إيمانه، فقال: ليت شِعْرِي كيف يحيي الله الأموات (٥)؟ كما قال إبراهيم: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى
(٢) في (ش) (ركوة). والزُّكرة: وعاءٌ أو زِقٌ من أدم يجعل فيه شراب أو خلّ.
(٣) حديث وهب ستأتي تتمته بعد قليل، فينظر تخريجه هناك.
(٤) ينظر "تفسير الطبري" ٣٥/ ٣٥، "تفسير ابن أبي حاتم" في تفسيره ٢/ ٥٠١، "بحر العلوم" ١/ ٢٢٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٠٥.
(٥) في (ي): (الموتى).
[البقرة: ٢٦٠] والمراد بإحياء القرية: عمارتها (١).
وقال آخرون: إنه لما رأى خلاءها (٢) من السكان وتهدم أبنيتها استبعد أن يعمرها الله، لا منكرًا للقدرة، ولكن متعجبًا منها لو كانت (٣).
ومعنى أنى: من أين، كقوله: أَنَّى لَكِ هَذَا [آل عمران: ٣٧] يعني: من أين يفعل الله ذلك، على معنى: أنه لا يفعله. فأحب الله تعالى أن يُرِيَه آيةً في نفسه، وفي إحياء القرية، فأماته الله مائةَ عَامٍ. قال وهبٌ: ربط أرميا حمارَه بحبل جديد، فألقى الله عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروحَ مائة عام، وأماتَ حماره، وعصيرُه وتِيْنُه عنده، وأعمى الله سبحانه عنه العيون، فلم يَرَهُ أحدٌ، وذلك ضُحَى، ومنع اللهُ السباعَ والطيرَ لحمَه، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله عز وجل مَلَكًا إلى ملك (٤) من ملوك فارس عظيم، يقال له: نوشك، فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تنفر بقومك فَتَعْمُر بيتَ المقدس وإيليا وأرضَها حتى تعودَ أَعْمَر ما كان، فانتدب الملك لعمارتها، وأهلك الله بُخْتَنَصّر، ورَدّ من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس، فعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه، وسائرُ جسدِه ميت، ثم أحيا جسدَه وهو ينْظُر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه بيض متفرقة (٥) تلوح، فسمع صوتًا من السماء: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تكتسي
(٢) كتبت في (ي) و (ش) (خلاها)، وفي (أ) و (م): (حلآها).
(٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٢، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٥٠٥، "التبيان" ص ١٥٥، "البحر المحيط" ٢/ ٢٩١.
(٤) ساقط من (ي).
(٥) في (ي): (متفرقة بيض).
لحمًا وجلدًا، فكان كذلك، ثم قام بإذن الله تعالى ونهق، فذلك قوله: فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ (١).
وقوله تعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتَ فيه وجهان من القراءة: الإدغام، والإظهار (٢).
فمن أظهر فلتباين المخرجين، وذلك أن الظاءَ والذالَ والثاءَ من حَيِّز، والطاءَ والدالَ والتاءَ من حَيِّز، فلما تباين المخرجان واختلف الحَيِّزَان لم يُدْغِم.
ومن أدغم: أجراهما مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتفقا في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف في المخرج خلافًا يسيرًا. فأدغم، أَجْراهما مجرى المِثْلين، ويقوي ذلك اتفاقُهم في الإدغام في سِتٍّ، ألا ترى أن الدالَ أُلْزِمَتْ الإدغامَ في مقَارِبِهِ وإن اخْتَلَفَا في الجَهْرِ والهَمْس (٣).
(٢) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في كل القرآن بإظهار الثاء هنا، وفي مثله، كقوله: "لبثتم" [الكهف ١٩] [المؤمنون ١١٢] وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالإدغام. ينظر "السبعة" ص ١٨٨، "الحجة" ٢/ ٣٦٧.
(٣) من "الحجة" ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨ بتصرف. والجهر في اصطلاح المجودين: قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى منع جريان النفس معه، والهمس هو: ضعيف التصويت بالحرف لضعف الاعتماد عليه في المخرج حتى النفس معه، وحروفه مجموعة في قولك (فحثه شخص سكت) والباقي حروف الجهر. ينظر "هداية القاري" ١/ ٧٩.
(وكم) ههنا: استفهام عن مبلغ العدد الذي لبث، ومعناه: كم أقمت ومكثت هاهنا؟ (١).
قال: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وذلك أن الله عز وجل أماته ضحى في أول النهار؟ وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: لَبِثْتُ يَوْمًا وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقيةً من الشمس، فقال: أو بعض يوم، جاء (٢) بمعنى: بل بعض يوم؛ لأنه رجعَ عن قوله: لَبِثْتُ يَوْمًا (٣).
قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ. العام (٤) -وجمعه أعوام-: حولٌ يأتي على شتوة وصيفة، قيل: إن أصله من العوم، الذي هو السِّباحة؛ لأن فيه سَبْحًا طويلًا لما يمكن من التصرف فيه (٥).
فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ يعني: التين وَشَرَابِكَ يعني: العصير (٦).
لَمْ يَتَسَنَّهْ قال ابن عباس في رواية عطاء: لم يتغير ولم ينتن بعد
(٢) ليست في (ي).
(٣) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٠٩، وينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٣٥، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٣.
(٤) في (ي) (والعام).
(٥) ينظر في العام: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٩٠، "المفردات" ٣٥٦، وقال: العام كالسنة، لكن كثيراً ما تستعمل السنة في الحول الذي يكون فيه الشدة أو الجدب، ولهذا يعمر عن الجدب بالسنة، والعام بما فيه الرخاء والخِصب، قال: "عام فيه يغاث الناس وفيه يحصرون" [يوسف: ٤٩] ثم قال: وقيل سمي السنة عاما لعوم الشمس في جميع بروجها.
(٦) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٠٩.
مائة سنة (١).
وقال أبو عبيدة: لم يأت عليها السنون فيتغير، يريد: أن مر السنين عليه لم يغيره.
وفيه قراءتان: إحداهما: إثبات الهاء في الوصل، والأخرى: حذفها، ولا اختلاف في إثباتها في الوقف (٢). وأصل هذا الحرف، من السنه، والسَّنه مترددة (٣) بين أصلين: أحدهما: سَنَوَة، والآخر: سَنَهَة (٤)، فالذي يدل على أن أصلها سنوة، قولهم في الاشتقاق منها: أَسْنَتَ القومُ، إذا أصابتهم السَّنَةُ، وينشد قوله:
ورِجَالَ مَكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ (٥)
(٢) قال ابن مجاهد: واختلفوا في إثبات الهاء في الوصل من قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ و اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، و مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] و وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ [القارعة: ١٠] وإسكانها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله (لم يتسنه) و (اقتده) ويثبت الهاء في الوصل والوقف في الباقي، وكلهم يقف على الهاء، ولم يختلفوا في يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ [الحاقة: ٢٥] أنهما بالهاء في الوصل والوقف. "السبعة" ص ١٨٨ - ١٨٩.
(٣) في (ي): (مرددة).
(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٠، "الحجة" ٢/ ٣٧٤.
(٥) شطره الأول:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه.
البيت لابن الزبعرى، كما قال ابن بري. ذكره: في "تاريخ الطبري" في "تفسيره" ١/ ٥٠٤، "صبح الأعشى" ١/ ٤١٢، "المنتظم" ٢/ ٢١٠، "الاشتقاق" ص ١٣ وفيه نسبته إلى مطرود بن كعب الخزاعي.
وقولهم في جمعها: سَنَوات، وفي الفعل منها: سَانَيْتُ الرجل مُسَانَاةً، إذا عامَلْتَه سَنَةً سَنَةً، قال لبيد:
| وسَانَيْتُ مِن ذِي بَهْجَةٍ وَرَقْيتُه | عليه السُّموط عابِسٍ مُتَعصِّب (١) |
وعند الفراء: يجوز أن تكون أصل سنة: سننه (٤)، قال: لأنهم قد قالوا في تصغيرها: سُنَيْنَة، وإن كان ذلك قليلًا، فعلى هذا يجوز أن يكون: لم يَتَسَنَّ، لم يَتَسَنَّنْ، فَبُدِّلَتِ النونُ ياءً لما كثرت النونات، كما قالوا: تَظَنَّيْت (٥)، وكقول العجاج:
تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ (٦)
(٢) في (ش): (تحسن)، وفي (م): (يحسن).
(٣) ينظر: "الإغفال" لأبي علي ص ٥٤٣، "الحجة" ٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٤٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٠.
(٤) في (أ) كأنها (سنينه).
(٥) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٢، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٨١ (مادة: سنن) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١١. وتظنيت من ظننت.
(٦) هذه قطعة من مشطور الرجز، للعجاج، وقبله: =
ووجه آخر لمن حذف الهاء ذكره الفراء (١) وأبو عمرو الشيباني (٢) (٣) وهو: أن يكون مأخوذًا من قوله تعالى: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: ٢٦] يريد: متغير، فيكون قد بُدِّلَتْ نُونُه ياءً على ما ذكرنا (٤).
واعترض الزجاج على هذا، وقال: هذا ليس من ذاك (٥)؛ لأن مسنون إنما هو مصبوب على سُنَّةِ الطريق (٦).
قال أبو علي الفارسي: قد حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه قال (٧): لم يتسن: لم يتغير من قوله: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: ٢٦] وأبدل من النون ياءً فإن كان هذا ثابتًا (٨) عن أبي عمرو وقاله على (٩) جهة الاستنباط من قوله: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فهو خلاف ما فسره أبو عبيدة، لأنه يقول:
"ديوانه" ص ١٧، "تفسير الطبري" ١/ ٣٢٤، "الإغفال" ٥٤١، "المحتسب" ١/ ١٥٧، "سمط اللآلي" ٢/ ٧١٠، "شرح ابن يعيش" ١٠/ ٢٥، "اللسان" (قضض، ضبر) وتقضي: بمعنى: انقض وتقضض على التحويل، وكسر الطائر يكسر كسرًا وكسورًا، إذا ضم جناحيه حتى ينقض.
(١) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) ينظر. "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٨٥، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٢٨٠.
(٣) سبق ترجمته.
(٤) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٢، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٣، "تهذيب اللغة" ١/ ٩١٢ مادة "حمأ"، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٠.
(٥) في (ش): (ذلك.)
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٤.
(٧) سقطت من (ي).
(٨) كتبت في النسخ (ثبتًا).
(٩) في (ي): (عن).
المسنون: المصبوب (١)، وإن قال ذلك (٢) من حيث رواه وسمعه، فذاك على أنه يجوز أن يكون قوله: (لم يتسن) مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ بمعنى مصبوب، فيكون (لم يتسن) بمعنى: لم يَتَصَبَّبْ، أي: أن الشراب على حاله وكما تركته لم يَتَصَبَّبْ، وقد أتى عليه مائة عام، والسَّنُّ في اللغة: هو الصَّبُّ وإن لم يكن على سُنَّةِ الطَّريق، قال:
| تُضَمَّرُ بالأصائلِ كلَّ يَوْمٍ | تُسَنُّ عَلَى سَنَابِكِها قُرُون (٣) |
فعلى ما ذكرنا من هذه الأوجه الهاء تكون للوقف، فينبغي أن تُلْحَقَ في الوقف، وتسقط في الدَّرْج. وأما من أثبت الهاء في الوصل فإنه يجعل اللام في السنة الهاء (٥)، فيقول: إنها في الأصل سَنَهَة، وتصغيرها سُنَيْهَة، ويحتج بقولهم: سَانَهَتِ النخلةُ، بمعنى: عَاوَمَتْ، وآجَرْتُ الدارَ مُسَانهة، وأنشد الفراء:
(٢) في (أ): (ذاك).
(٣) البيت من الوافر، وهو لزهير بن أبي سلمى، في "ديوانه" ص ١٨٧، "لسان العرب" ٤/ ٢١٢٥ مادة: (سنن). (وقرن) ٦/ ٣٦٠٩، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٨٠ (سنن) وروايته:
| نعوِدها الطِّراد فكلَّ يومٍ | يُسَنُّ على سنابِكها القُرونُ |
(٥) ينظر: "الحجة" ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٦.
| ليْسَتْ بِسَنْهَاءَ ولا رُجْبِيَّةٍ | ولكن عَرَايَا في السِّنين الجَوَائِحِ (١) |
قال الأزهري: وأحسن الأقاويل في السنة: أن أصلها سَنَهَة، نَقَصُوا الهاء منها كما نقصوها من الشَّفَة، ولأن الهاء ضاهت حروف اللين التي تنقص. والوجه: أن يُقْرَأ بالهاء في الوقف والإِدراج (٣)، وهو اختيار أكثر القراء.
(٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٢، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١١، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٨١ (مادة: سنن).
(٣) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٨١ - ١٧٨٢ (سنه) بمعناه، ولفظه. وأجود ما قيل في تصغير السنة: سُنيهة، على أن الأصل سنْهَة، كما قالوا: الشفة، أصلها: شفهة، فحذفت الهاء منهما في الوصل ونقصوا الهاء من السنة والشفة؛ لأن الهاء مضاهية حروف اللين التي تنقص في الأسماء الناقصة، مثل زنة وثبة وعِزة وعِضة، وما شاكلها، والوجه في القراءة (لم يتسنه) بإثبات الهاء في الإدراج والوقف، وهو اختيار أبي عمرو. والله أعلم.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إنه نظر إلى التين فإذا هو كما اجتناه، ونظر إلى العصير فإذا هو كهيئته لم يتغير (١). فإن قيل: ذكر شيئين وأخبر عن أحدهما أنه لم يتغير؟ قيل: التَّغَيُّرُ راجعٌ إلى أقرب اللفظين، وهو الشراب، واكتفى بالخبر عن أحدهما عن الخبر عن الثاني؛ لأنه في معنى الثاني، كما قال الشاعر:
| عِقَابٌ عَقَنْبَاة (٢) كأنَّ وَظِيفَها | وخُرطُومَها الأعْلَى بنانٌ مُلوّح (٣) |
وقوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وذلك أنه لما أحياه الله وقال له: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ وأراه طعامه غير متغير، وكذلك شرابه، وأراه علامة مكثه مائة سنة ببلى عظام حماره، فقال: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ (٦) فرأى حماره ميتًا عظامُهُ بيضٌ تلوح، فأذن الله عز وجل له في الحياة، فاجتمعت أعضاؤه وانتظمت، حتى عاد إلى حالة الحياة، وجاءه فوقف عند رأسه ينهق.
(٢) في (أ) و (م) و (ي): (عقبناه)، وما أتبت موافق لما في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٣، "لسان العرب" ٧/ ٤٠٩٥ (مادة: لوح).
(٣) البيت من الطويل، وهو لجران العود في "ديوانه" ص ٤: "لسان العرب" ٧/ ٤٠٩٥ مادة: (لوح)، وللطرماح في ملحق "ديوانه" ص ٥٦٥، "لسان العرب" ٥/ ٣٠٥٢ مادة: (عقنب). وقوله (عقاب عقبناه) على سبيل المبالغة: حديدة المخالب السريعة الخطبة، وظيفتها: عظم ساقها، والخرطوم: منقار الطائر.
(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٣، "تفسير القرطبي" ٣/ "البحر المحيط" ٢/ ٢٩٢.
(٥) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٢.
(٦) من قوله: (وذلك أنه لما). ساقط من (ي).
وقوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ قال بعضهم: هذه الواو مقحمة زائدة، والجالب للام في نجعلك (لبثت)، كأنه قال: بل لبثت مائة عام لنجعلك آية للناس (١) فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ على هذا تقدير الآية ونظمها، وإقحام الواو جائز عند بعض الكوفيين، أجازوا ذلك في مواضع من التنزيل، سنذكرها إن شاء الله.
وقال الفراء: دخلت الواو لنية فعل بعدها مضمر (٢)، لأنه لو قال: لنجعلك، كان شرطًا للفعل الذي قبله، كأنه قيل: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك، يعني: ما فعله من الإماتة والإحياء، ومثله قوله: وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ [الأنعام: ١٠٥] معناه: وليقولوا دارست صرّفْناها، ومثله وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] أراد: وليكون من الموقنين نريه الملكوت (٣).
ومعنى كونه آية للناس: أنه لما أحيي بعد الإماتة كان ذلك دلالة على البعث بعد الموت في قول أكثر المفسرين (٤). وقال الضحاك وغيره: جعله الله آية للناس بأن بعثه شابًا أسودَ الرأس واللحيةِ وبنو بنيه شيب (٥).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٣.
(٣) ينظر في إعراب الآية: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٢٠، "التبيان" ١/ ١٥٥ - ١٥٦، "البحر المحيط" ٢/ ٢٩٣.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٢١.
(٥) نقله عن الضحاك: الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٥٢١، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٢٠، وروى سفيان الثوري في "تفسيره" ص ٧٢ نحوه عن المنهال بن عمرو، وروى=
وقوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل عن الكناية (١).
وقال آخرون: أراد به عظام هذا الرجل نفسه، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره وأحيا الله عينيه ورأسَه، وسائرُ جسده ميت، ثم قال له: انظر إلى حمارك، فنظر فرأى حماره واقفًا كهيئة يوم ربطه حيًّا، لم يطعم ولم يشرب مائة عام، وتقدير الآية على هذا: وانظر إلى عظامك كيف ننشرها، واللام في هذا القول بدل عن كاف الخطاب، وهذا قولُ قتادة (٢) والربيع (٣) وابن زيد (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد عظام نفسه وعظام حماره (٥).
وقوله تعالى: كَيْفَ نُنْشِزُهَا (٦) أي: نحييها، يقال: أنشر الله الميت فنشر، قال الله تعالى: ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ [عبس: ٢٢]، وقال الأعشى:
(١) ينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٤٠، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٩، "النكت والعيون" ١/ ٣٣٣، "زاد المسير" ١/ ٣١٢.
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٤٤، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٥٢٠.
(٣) انظر المصدرين السابقين.
(٤) انظر المصدرين السابقين.
(٥) تقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة.
(٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (نُنْشِرها) بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (ننشزها) بالزاي، لمحال ابن مجاهد: وروى أبان عن عاصم (كيف نَنْشُرها) بفتح النون الأولى وضم الشين والراء مثل قراءة الحسن. ينظر: "السبعة" ص ١٨٩، "الحجة" ٢/ ٣٧٩.
يا عَجَبًا للمَيتِ الناشِرِ (١)
وقد وصفت العظام بالإحياء في قوله: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا [يس: ٧٨ - ٧٩] فكذلك في قوله: ننشرها (٢).
وقرئ (نَنْشُرُها) (٣) بفتح النون وضم الشين، قال الفراء: كأنه ذهب إلى النَّشْر بعد الطي (٤)، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط (٥) في التصرف، فهو كأنه مطوي ما دام ميتًا، فإذا عاد حيًا صار كأنه نُشر بعد الطي.
وقال آخرون: يقال: نَشَر الميتُ ونَشَره اللهُ، مثل: حَسَرَتِ الدابةُ، وحَسَرْتُها أنا، وغاض الماء وغِضْتُه، قال العجاج:
كم قد حَسَرْنا من عَلاةٍ عَنْسِ (٦) (٧) (٨)
حتى يقول الناس مما رأوا
والبيت في "ديوانه" ص ٩٣، "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٣، "الخصائص" ٣/ ٢٢٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٨، والناشر: الذي بعث من قبره. "البحر المحيط" ٢/ ٢٩٧.
(٢) ينظر: "الحجة" ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٧٢ مادة "نشر"، "غريب القرآن" ص ٨٥.
(٣) قرأ بها الحسن والمفضل. ينظر "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٣، "غريب القرآن" ص ٨٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٨.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٧٣.
(٥) في (ش): (الانتشاط).
(٦) في (ش) و (ي): (عبس).
(٧) رجز أورده في "الحجة للقراء السبعة" ٢/ ٣٨١، وصاحب "اللسان" ٥/ ٣١٢٩ (مادة: عنس)، ولم ينسباه، والعَنْس: الصخرة والناقة القوية، شبهت بالصخرة لصلابتها، والعلاة: السندان، ويقال للناقة علاة تُشَبَّه بها في صلابتها.
(٨) بتصرف من "الحجة" ٢/ ٣٨١، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٤، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٧٢ مادة "نشز"، "المفردات" ص ٤٩٥.
وقرأ حمزة والكسائي نُنْشِزُها بالزاي على معنى: نرفع بعضها إلى (١) بعض، وإنشاز الشيء: رَفْعُه، يقال: أَنْشَزْتُه فَنَشَزْ، أي: رفعته فارتفع، ويقال لما ارتفع من الأرض: نَشْزٌ، ومنه: نشوز المرأة، وهو أن تنبو عن الزوج في العشرة ولا تلائمه، وترتفع عن حد رضاه (٢).
ومعنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، ونركب بعضها على بعض (٣).
وقال الأخفش: يقال: نَشَزْتُه وأَنْشَزْتُه، أي: رفعته (٤).
وروي عن النخعي أنه كان يقرأ (نَنَشُزُها) بفتح النون وضم الشين والزاي (٥).
وقوله تعالى: قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وذلك أنه لما شهد ما شاهد من إحياء الله وبعثه إياه بعد وفاته، أخبر عما تبيّنه وتيقنه مما لم يكن تبيّنه هذا التبيُّنَ الذي لا يجوز أن يعترض فيه إشكال، قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أي: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل، وتأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبًا (٦) (٧).
(٢) ينظر: "الحجة" ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٧٢ (مادة: نشز)، "المفردات" ص ٤٩٥.
(٣) "غريب القرآن" ص ٩٥، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٤، "المفردات" ص ٤٩٥.
(٤) "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٨٣.
(٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥١٨، و"تفسير القرطبي" ٣/ ١٨٨، "البحر المحيط" ٢/ ٢٩٣.
(٦) سقطت من (ي).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي