أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ يعني بيت المقدس أو دير هرقل كما سنذكر القصة والكاف زائدة والموصول معطوف على الذين حاج، والذي مر هو أرميا وهو الخضر عليه السلام على ما رواه محمد بن إسحاق، وأخرج الحاكم عن علي وإسحاق بن بشير عن عبد الله بن سلام وابن عباس أنه عزير، وقال مجاهد : هو كافر شك في البعث نظرا إلى نظمه مع نمرود وهذا ليس بشيء فإن الكافر لا يستحق تلك الكرامة ولو قيل أنه آمن حين رأى الأحياء بعد الإماتة، قلنا، هذا ليس إيمانا بالغيب فلا يعتد به ونظم القصتين معا إنما هو لاشتراكهما في التعجيب بادعاء الربوبية فمن يرى عجزه في كل حين وزمان أعجب من الحياة بعد الممات بإذن الله تعالى فإن ذلك شائع كما ترى تصير النفطفة رجلا والبذر شجرا ونحو ذلك وهي خاوية خالية ساقطة حيطانها على عروشها يعني سقطت سقوفها ثم وقعت حيطانها عليها قال أنى يحيي هذه القرية الله بعد موتها قال ذلك على الطلب والتمني في إحيائها مع استبعادها عادة وهضما لنفسه عن مرتبة الاستجابة. وكانت القصة على ما روى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أن الله تعالى بعث أرميا إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدد أمره وكان ملكا صالحا يأتيه أرميا بأحكام الله تعالى فعظمت المعاصي في بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إلى أرميا لأقبضن عليهم فتنة ولأسلطن عليهم جبار ولأهلكن أكثرهم، فصاح أرميا وبكى فأوحى الله تعالى إليه أن لا أهلكتهم ما لم تأذن فاستبشر فلبثوا ثلاث سنين وما زادوا إلا معصية وطغيانا، فلما بلغ الأجل وقل الوحي دعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسار بخت نصر من بابل إلى بيت المقدس في جنود قبل لها ففزع ملك بني إسرائيل، فقال أرميا : إني واثق بما وعدني الله فبعث الله تعالى إلى أرميا ملكا في صورة رجل من بني إسرائيل فقال يا نبي الله استفتيتك في أهلي لم آت إليهم إلا حسنا ولا يزيدون بي إلا إسخاطا، قال : أحسن وصلهم والبشر بخير، ثم بعد أيام جاء إليه الملك في صورة ذلك الرجل فقال مثل ما قاله وأجيب مثل ما أجيب أولا، ثم بعد زمان لما حاصر بحت نصر بيت المقدس وأرميا قاعد على جداره وملك بني إسرائيل يقول أين ما وعدك الله وأرميا واثق مستبشر بالوعد إذ جاءه الملك في صورة ذلك الرجل وشكى أهله إليه فقال أرميا ألم يأن أن ينزجروا من الذي هم فيه ؟ فقال له الملك : يا نبي الله كل شيء كان يصيبني قبل ذلك اليوم صبرت عليه وهم اليوم على عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله وأسألك بالله الذي بعثك بالحق أن تدعو الله عليهم ليهلكنهم، فقال أرميا : يا ملك السموات والأرض إن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم فأرسل اله صاعقة فالتهب مكان القربان وخسف سبع أبواب، فقال أرميا : يا رب أين ميعادك فنودي أنه ما أصابهم إلا بدعائك فعلم أن ذك السائل كان رسول ربه فلحق أرميا بالوحوش وخرب بخت نصر بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل وسباهم، فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم فلما ولى بخت نصر عنهم راجعا على بابل أقبل أرميا على حمار له معه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى جاء إيليا فلما وقف عليها ورأى خرابها قال قال أنى يحي هذه الله بعد موتها وأنى في موضع النصب على الظرف بمعنى متى، أو على الحال بمعنى كيف، ثم ربط أرميا حماره بحبل وألقى الله عليه النوم فأماته الله ضحى أخرجه سعيد بن منصور عن الحسن وابن أبي حاتم عن قتادة فلبث ميتا مائة عام وحماره وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد، فلما مضى من موته سبعين سنة أرسل الله ملكا إلى ملك ملوك فارس يقال له نوشك فقال إن الله يأمرك أن تعمر بيت المقدس وإيليا حتى يعود أعمر ما كان فجعل يعمرها، وأهلك الله بخت نصر ببعوضة دخل دماغه ونجى الله من بقي من بني إسرائيل ولم يمت ببابل وردهم جميعا إلى بيت المقدس ونواحيه وعمروها ثلاثين سنة حتى عادوا على أحسن ما كانوا فأحيا الله أرميا ثم بعثه وكان بعثه قبل غيبوبة الشمس فبعث الله إليه ملكا قال الملك لأرميا كم لبث فلما زعم أرميا أن الشمس غربت من ذلك اليوم الذي نام فيه قال لبث يوما ثم التفت فرأى بقية الشمس فقال أو بعض يوم قال له الملك بل لبثت مائة عام فانظر على طعامك يعني التين وشرابك يعني العصير لم يتسنه كأنه لم يأتي عليه السنون، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب لم يتَسَّنُ بحذف الهاء في الوصل وإثباته في الوقف وكذلك فبهداهم اقتده وقرأ الآخرون بالهاء وصلا ووقفا فمن أسقط الهاء في الوصل جعلها صلة زائدة ومن أثبتها جعلها أصلية. قالوا : اشتقاقه من السنة والهاء أصلية إن قدر لام السنة هاء أصله سنهة بدليل سنيهة والفعل منه مسانهة، وهاء سكت إن قدر لامه واوا فأبدلت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فحذف الألف للجزم وزيدت الهاء في الوقف، وقيل : أصله لم يتَسَّنٌ من الحمأ المسنون فأبدلت النون الثالثة حرف علة كما في قوله تعالى : دساها ١ وأفرد الضمير لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد وانظر إلى حمارك فنظر قيل فرآه قائما واقفا كهيئة يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى حبله في عنقه جديدة لم يتعي، وقيل رأى حماره قد هلك وبليت عظامه فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطيور والسباع فاجتمعت، قلت : والظاهر هو القول الثاني يدل عليه تكرار كلمة انظر ولو كان الحمار باقيا على حاله كالطعام والشراب لكان المناسب أن يقال فانظر إلى طعامك وشرابك وحمارك ولنجعلك آية للناس على البعث بعد الموت قيل الواو مقحمة، وقال الفراء : دخلت الواو فيه دلالة على أنها متعلق بفعل مقدر أي وفعلنا ذلك لنجعلك آية وانظر إلى العظام أي عظام الحمار على تقدير كونه هالكا وبه قال أكثر المفسرين، وقال قوم : أراد به عظام نفسه أحيا الله عينه ورأسه وسائر جسده ميت صار عظاما بيضاء متفرقا، ويرد هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم :" إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء " كيف ننشرها قرأ أهل الحجاز والبصرة ننشرها بالراء المهملة معناه نحييها قال الله تعالى : ثم إذا أنشره وإنه النشور وقرأ الآخرون بالزاء المعجمة أي نرفعها من الأرض ونركب بعضها على بعض وكيف منصوب بنشز الجملة حال من العظام ثم نكسوها لحما فلما كسى العظام لحما ودما فصار الرجل حيا أو صار الحمار حمارا لا روح فيه فنفخ فيه الملك فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى، وفي الآية تقديم وتأخير وتقديره قال بل لبثت مائة عام أمتناك ثم أحييناك فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها وفعلنا ذلك ولنجعلك آية للناس فلما تبين له ما فعل به قال الرجل أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قرأ الجمهور على صيغة المضارع للمتكلم وقرأ حمزة والكسائي على صيغة الأمر وحينئذ يكون القائل الملك أو الله سبحانه أو الرجل خاطب به نفسه.
وقيل : عن بخت نصر لما خرب بيت المقدس وقدم بابل بسي بني إسرائيل كان فيهم عزير ودانيال وجماعة من آل داود، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف في القرية فلم ير أحدا وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال : أنى يحي هذه الله بعد موتها إلى آخر الحديث، قال قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس والسدي عن مجاهد عن ابن عباس وابن عساكر عنه : لما أحيا الله عزيرا بعدما أماته مائة عام ركب حماره وأتى محلته فأنكر الناس ومنازلهم وانكره الناس فأتى منزله على وهم، فإذا بعجوز عمياء مقعدة أتت عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لعزير خرج عزير عنها وهي بنت عشرين سنة فقال لها عزير هذا منزل عزير ؟ قالت : نعم، وقالت : ما رأيت أحدا منذ كذا يذكر عزيرا، قال : فإني عزير أماتني الله مائة عام ثم بعثني، قالت : فإن عزيرا كان رجلا مستجابا فإن كنت عزيرا فادع الله أن يرد علي بصري فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال : قومي بإذن الله فقامت صحيحة فنظرته فعرفته فقالت : أشهد أنك عزير، فانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في مجالسهم وابن لعزير شيخ في مائة سنة وأولاد بنيه شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية فنادت هذا عزير فكذبوها فقالت أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله أماته مائة عام ثم بعثه، فنهض الناس فقال ابنه : كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير وقال السدي والكلبي : لما رجع عزير إلى قومه وقد أحرق بخت نصر التوراة بكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه فمثل التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله التوراة وبعثه نبيا فقال : أنا عزير فلم يصدقوه فأملا عليهم التوراة من ظهر قلبه، قالوا : ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعدما ذهبت إلا أنه ابنه فقالوا عزير ابن الله، وسيأتي في سورة التوبة إن شاء الله تعالى.
التفسير المظهري
المظهري