كالمتضادين لا يجتمعان...
إن قيل: لم أفرد النور وجمع الظلمة، قيل: لما كان النور عبارة عن الحق، والحق من حيث ما هو حق شي واحد لا يتنافى ولا يتناقض، والباطل من حيث ما هو باطل يتضاد ويتعاند صار فيه كثرة، ولهذا شبه الحق بالمقرطس من المريء في أنه واحد واحد، والخطأ ما عداها وهو كثير بلا نهاية، فلذلك أفرد النور وجمع الظلمة...
قوله تعالي:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الآية (٢٥٩) - سورة البقرة.
الخو: خلو الوعاء، يقال: خلت الدار، تخوي خواء، وخوي النجم وأخوى إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيهاً بذلك، وأخوي أبلغ من خوي، كما أن أسقي أبلغ من سقى، وخوي جوف فلان خوي، والتخوية: ترك ما بين الشيئين خالياً...
والعرش: ما ارتفع من البناء، ويقال ذلك للسقف والسطح، وسمي السرير به تشبيهاًَ، أو عبر به عن أمر الإنسان، وقيل: استوى عرشه، وتل عرشه، والتعريش بناء ذلك وبه شبهه تعريش الكرم، وسمي المعررش منه عريشاً، وقيل: عرش الحمار إذا رفع رأسه وجعله كعرش، وعرشان الفرس شعر عرفه تشبيها بعريش الكريم...
والعام: مدة تعوم الشمس في أفلاكها المختصة بها، وذلك اعتبارا بنحو ما قال- عز وجل- وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ والاعتيام اختيار الشيء، وأصله أن يسير الإنسان كسابح فيه يتناول ما يريد.
ولهذا قال الشاعر
وكنت في نعمائه سابحاً..
والحمار سوي للونه اعتباراً بعامة جنسه، لأن الوحشيات منها، وكثيرا من الإنسيات حمر، فسمي بذلك كما سمي العجم حمراً، والعرب سوداً، لكون أكثرهم كذلك، وحمار السرج، والحمارة لحجر عظيم تشبيها بالحمار في المهيئة، والحمرة: طائر أحمر اللون، وحمارة القيظ، أشد ما يكون حراً تشبيهاً بالجمر المتوقد لوناً، والنشز من نشزك الثوب، ونشز الريح العرف، وقاره تعدي نشر، ومصدره الناشر كقوله تعالي يين بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وتارة لا يعدي، ومصدره النشور، كقوله- عز وجل- وَإِلَيْهِ النُّشُورُ، ويقال: أنشره، كأنه جعل له نشراً، كقولك: (أسقاه: حبال له سقياًَ، ونشر الخشب، تشبيهاً بذلك، لجعل أجزاء الخشب منشورة، وإذا قرئ " ننشزها " فمعناه: نرفعها من النشز، أي المرتفع من الأرض، ومنه نشوز المرأة أن تطيح ببصرها إلى بشر صارفة له عن زوجها.
كقول الفرزدق:
إدا جلست عند الإمام كأنها
بها رفقة من ساعة يستحيلها
وكقول الأخر:
إذا الليل عن نشز تخلى رميته
بأمثال أبصار النساء القواري
قوله: " لم يتسنه ": أي لم يتغير بمرور السنين عليه، وذلك من لغة من يجعل المحذوف من السنة الهاء (سينهه وسانهه)، وقيل هو من " سانيت "، والهاء للاستراحة، وعلى هذا يجب أن يحذف إذا وصل الكلام كذا، على قول من قال: المسنون: المتغير، ويقال: يتسنى، وأصله يتسنن فعلت تخفيفاً، كقوله:
" تطنيت، وتعضيت، وتسريت "
إن قيل: ها الذي شبه بالذي مر على قرية؟ وعلى ماذا عطف؟ قيل: قد قال بعضهم: إن ذلك متعلق بما بعده، وهو قوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، ودلك بعيد لفضل " وإذ " بينهما، وقيل: الكاف زائدة، وليس بشيء والوجه أن الكاف ههنا ليس للتشبيه المجرد بل هو للتحديد والتحقيق كما هو في قولك الاسم كزيد وعمر وعلي أنه وإن جعل للتشبيه، فعلى سبيل المثل والمشبه غير مذكور، كما أنه غير مذكور في قولهم كالمهورة إحدى خدمتيها، ويحتمل أن تكون الآية من كلام إبراهيم معطوف على ما تقدم، وهو أنه لما قال للكافر: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، قال له بعد: أوَ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، أي إن كنت تحي فأحي كما أحيا الله وصفه في هذه الآية..
ويحتمل أن تكون آية مستأنفة، وضرب الله مثلين لشيئين أحدهما في ادعاء الربوبية، وهو ما تقدم، والثاني في إنكار البعث، وهو هذه، ويكون في قوله: كَالَّذِي في موضع الجر على ما تقدم،
كأنه قال: (وألم تر إلى الذي حاج.. ) إلى مثل الذي مر على قرية،
فإن قيل: فهل في تخصيص القصة الثانية بحرف التشبيه، وإخلاء الأولى منه فائدة؟
قيل: بلى، فإن ادعاء الربوبية إنما قل في الناس، حتى إنه لم يعهد ذلك إلا في نفس أو نفسين وقال: (ألم ترى إلى الذي) والتشكل في الإحياء، من الجم الغفير، فنبه بقوله: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ تنبيهاً أنه نظر إليه وإلى مثاله، وجعل نالك مثلاً لمن نحى نحوه كقولك للكافر: كفلان، فتأتي بواحد على سبيل المثال، ولما ذكر تعالي إخراجه المؤمنين من الظلمات إلى النور، جعل اعتبار ذلك هذين، كأنه قال اعتبران تثبيت إبراهيم وإخراجه له من ظلمه الكفر إلى الإيمان مما جعلت له من الحجج، وإن شئت فيمن أخرجته من شبهة البعث بما جعلت، له من العيان، والذي مر على القرية، قيل كان عزيزاً عن قتادة والربيع، وقيل: " كان أرمنينا عن وهب، وروي أنه مات ضحى وبعث قبل غروب الشمس بعد مائة عام، وقيل له: كم لبثت؟
قال: لبثت يوما، فلما نظر إلى الشمس قال: أو بعض يوم، وقيل: بدأ تعالي بعينيه، فنفخ فيهما، ثم بعظامه، فأنشزها، ثم وصل بعضها ببعض، فنظر إلى حماره، وأجزاؤه تجئ من سهل وجبل، حتى اجتمعت فاتصل بعملها بعضها، وكسى لحمه، وجرى فيه الروح، فقام ينهق، فقال: أعلم: أي اعترفت بقدرة الله تعظيماً لف، ومن قال: أعلم، فقد قليل: هو من قول الله عز وجل- له، وقيل: هو من قوله وقد خاطب به نفسه على طريق التبكيت، وقال بعض الناس بعزوه إلي بعض الأئمة أن الإشارة بالإحياء والإماتة إلى العلم والجهل، ومعنى القرية الرجال، بدلالة قوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا، وقوله: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وقوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ، وجعل الخوى حلواً ينم
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار