[ ٦٣و ] قوله تعالى :/ أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ. . . .
قال ابن عطية عن ابن عباس١ وجماعة : هو عزيز بن منبه، وجماعة هو أرمياء. ( وقال ابن : إسحاق أرميا هو الخضر )٢.
( وضعّفه ابن عطية٣. قال : إلاّ أن يكون اسما وافق اسما لأن الخضر )٤ هو معاصر لموسى عليه السلام، والّذي مر على القرية ( هو )٥ بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه٦.
قال ابن عرفة : هذا بناء منه على أنّ الخضر عليه السلام مات والنّاس يقولون : لم يزل حيا إلى الآن على أنّ العلماء قد حكوا في موته خلافا.
( قال ابن عرفة : وعطفه )٧ بغير فاء دليل على سرعة القول حتى أنه قال ذلك مع المرور لا بعده وتعجب من نفس الإحياء أو من كيفيته.
قوله تعالى : بَعْدَ مَوْتِهَا. . . .
ولم يقل من بعد موتها إشارة إلى ( كمال )٨ التأخر والانفصال عن أزمنة البعدية لا أوّلها والمجاز فيها من أحد وجهين : إما أن يراد بالإحياء العمارة وبالموت الخراب أو يكون الإحياء حقيقة، والموت كذلك والمراد بعد موت أهلها.
قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثَهُ. . . .
قيل لابن عرفة : ثم للمهلة ولا مهلة بين المائة عام وبين البعثة ؟
فقال : إما أن يعتبر أول أزمنة المائة عام أو نقول : المائة عام ماهية مركبة من أجزاء والإماتة بعد مجموعها، ولا تسمى الماهية إلا بكمال أجزائها فكانت المهلة بين إماتته مائة عام وبعثه لا بين آخر جزء مائة )٩.
قوله تعالى : قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. . . ١٠.
قالوا : إنه مات في أول النهار ضحوة وبُعث آخر النهار فقال : لبثت يوما ثم نظر فوجد الشّمس لم تزل على ( الجدران )١١ فقال : بعض يوم.
قيل لابن عرفة : وكذلك كان يقول : لو وجدها غابت لأنه ( ما مات )١٢ إلا ضحوة بعد مضي بعض النهار ؟
فقال : ما اعتبر إلاّ ما بعد ( موته )١٣ وما قبله كان فيها فيها مستصحبا الحياة.
قوله تعالى : فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ. . . .
الفاء للسببية والنّظر البصر ويستلزم العلم لقول الله : أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
وقوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ . الزمخشري حمله على ثلاثة أوجه :
أحدها : لم تمرّ عليه السنون لعدم تغيره١٤ مثل « عَلى لا حب لا يهتدي بمناره » فبقاؤه دال على عدم مرور السنين عليه ومرور السّنين عليه يقتضي عدم بقائه.
الثاني : أنّ معناه لم يتغير١٥.
قوله تعالى : كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً. . . .
قال أبو حيان : أعربوا « كَيْفَ نُنشِزُهَا » حالا من « العظام » أي انظر إلى العظام محياة.
وردّ بأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالا وإنما تقع حالا ( كيف ) وحدها.
قال ابن عرفة :( يصح )١٦ ذلك على إضمار القول كما قال :« جاؤوا بمذق هل رأيت الذيب قط » ؟١٧.
قوله تعالى : نُنشِزُهَا. . . .
على قراءة الرّاء معناه نحييها فيحتج به على أن العظام تحملها الحياة١٨.
قوله تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ. . . .
وقال أولا : أنّى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا ؟
قال ابن عرفة : إن كان كافرا فظاهر، وإن كان مؤمنا ( فمذهبنا )١٩ على القول بأن العلوم النظرية تتفاوت بالقوة والضعف خلافا لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ». فهذا كان يعلم ذلك لكن علم المشاهدة أقوى من علم ما هو غائب.
قيل لابن عرفة : إنّ بعض الناس يجري على لسانه : يا حمار عزير.
فقال : يتقدم إليه وينهى عن ذلك فإن عاد إليه فلا يبعد أن يقال : إنه يؤدب.
قلت : في كتاب القذف من التهذيب٢٠ ومن قال : يا شارب خمر أو يا خائن، أو يا آكل الربا، أو يا ابن الحمار، ( أو يا ثور )٢١، أو يا خنزير فعليه النكال. وفي المدارك للقاضي أبي الفضل عياض٢٢ رحمه الله في باب نوادر من أخبار مالك سأله رجل عمن قال للآخر : يا حمار ؟ قال : يجلد. قال : وإن قال له : يا فرس ؟ قال : تجلد أنت.
ثم قال : يا ضعيف هل سمعت أحدا يقول : يا فرس ؟٢٣.
٢ - ـيـ: نقص..
٣ - المحرر الوجيز ٢/٢٩٠..
٤ - أ: قلت..
٥ - أ: نقص..
٦ - وهب ابن منبه اليماني، إخباري من التابعين له معرفة بأخبار الأوائل وأحوال الأنبياء وسير الملوك. ولد سنة ٢٤هـ، وتوفي ١١٤هـ. الزركلي، الأعلام ٩/١٥٠، كحالة ٦/١٧٤..
٧ - د: نقص..
٨ - د هـ: محل..
٩ - أ: نقص..
١٠ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى: مائة عام:
لا يصح تعليقه بأماته لأن الإماتة سلب الحياة لا تعتد إلا أن يؤول بمعنى ألبثه الله بالموت مائة عام، وحينئذ يتعلق بما فيه من المعنى المعارض له بالتضمين أي معنى اللبث لا معنى الإلباث لأنه كالإماتة في عدم الامتداد فلو صح ذلك لعلقناه بما فيه من معناه الوضعي ويصير هذا التعليق بمنزلته في قوله تعالى: قال لبثت يوما أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام.
وفائدة التضمين أن تدل كلمة واحدة على معنى كلمتين يدل على ذلك الشرط ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه".
لا يجوز بـ (يولد) لأن الولادة لا تستمر إلى هذه الغاية بل الذي يستمر إليها كونه على الفطرة، فالوجه في ذلك تعلقها بما تعلقت به فإن (على) متعلقة بكائن محذوف منصوب على الحال من الضمير في (يولد) و (يولد) خبر (كل). قاله ابن هشام المصري. قلت: ويحتمل الحديث الذكور إعرابا آخر وهو أن يكون (يولد) في موضع خفض نعتا لمولود، والخبر ما تعلق به (على) وهو كائن بالمقدر مرفوعا.
وقال كم لبثت: الزمخشري: قال له ذلك بغير واسطة بعد إيمان الرجل فنبه عليه ابن سلامة أنه اعتزال، يريد لأن على مذهبهم أن الكافر لا يكلمه الله بوجه وعلى مذهبنا لا يكلمه كلام رضى..
١١ - د: الجمرات..
١٢ - أ ج: مات – د: ما نام..
١٣ - د: نومه..
١٤ - الكشاف: ١/٣٩٠..
١٥ - لم أقف على الوجه الثالث في مختلف النسخ المعتمدة..
١٦ - هـ: نقص..
١٧ - هذا عجز بيت هو كما يلي:
حتى إذا جن الظلام واختلط جاؤوا بمذق، هل رأيت الذئب قط..
١٨ - قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ننشرها بضم الأولى وبالراء. وروى أبان عن عاصم (كيف ننشرها) بفتح النون الأولى وضم الشين والراء.
وروى أيضا عبد الوهاب عن أبان عن عاصم كيف ننشرها بفتح النون وضم الشين من قراءة الحسن (البصري). انظر السبعة في القراءات لابن مجاهد ص١٨٩..
١٩ - د: فهو بنا – هـ: فهو بياض-.
٢٠ - تهذيب المدونة في الفروع لخلف بن أبي القاسم بن سليمان الأزدي القيرواني المالكي. كان حيا سنة ٤٣٠هـ/١٠٣٩م.
انظر كشف الظنون ١٦٤٤ – كحالة معجم المؤلفين ٤/١٠٦..
٢١ - أ: نقص..
٢٢ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مالك للقاضي أبي الفضل عياض ابن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المتوفى سنة ٥٤٤هـ/١١٤٩م، حققه الدكتور أحمد بكير محمود ونشره في ٣ مجلدات – منشورات دار مكتبة الحياة بيروت – دار الفكر طرابلس ليبيا – ١٩٦٧..
٢٣ - ترتيب المدارك، باب النوادر ص ٢٣٦، ٢٣٧..
تفسير ابن عرفة
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي
جلال الأسيوطي