أخرج ابن جرير عن علي قال : سأل قوم من بني النجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي فأنزل الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض أي سافرتم فليس عليكم جناح أي إثم كذا في القاموس أن تقصروا أي في أن تقصروا من الصلاة الرباعية دون الثنائية والثلاثية إجماعا إلى ركعتين، والجار والمجرور صفة لمحذوف أي شيئا من الصلاة عند سيبويه ومفعول لتقصروا بزيادة من عند الأخفش وهاهنا أبحاث البحث الأول في مقدار مسافة السفر المرخص للقصر وقد مر هذا البحث في سورة البقرة في رخصة إفطار الصوم البحث الثاني : في أنه هل يجوز الإتمام في السفر أم لا ؟ فقال أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك لا يجوز، قال البغوي : وهو المروي عن عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك، وقال الشافعي وأحمد وهو المشهور من مذهب مالك أنه يجوز، قال البغوي وهو المروي عن عثمان وسعد بن أبي وقاص. والحجة للشافعي ظاهر هذه الآية فإن نفي الجناح يقال في الرخص لا فيما يكون حتما وحديث عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم " رواه الشافعي وابن أبي شيبة والبزار والدارقطني وقال الدارقطني إسناده صحيح، واعترض عليه بأنه من رواية مغيرة بن زياد عن عطاء بن براح وقد ضعفه أحمد وقال أبو زرعة لا يحتج بحديثه لكن ابن الجوزي أخرجه من طريق عمر بن سعيد عن عطاء والمغيرة بن زياد قد وثقه وكيع ويحيى بن معين، وحديث عبد الرحمن بن أسود عن عائشة قالت : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت، فقلت : بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، قال :" أحسنت يا عائشة " (١) رواه النسائي والدارقطني وحسنه والبيهقي وصححه، واعترض عليه بأن عبد الرحمن بن أسود دخل على عائشة وهو صغير لم يسمع منها، وقال الدارقطني دخل عليها وهو مراهق وفي تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك، وروى الدارقطني هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أسود عن أبيه عن عائشة، واختلف قول الدارقطني فيه فقال في السير إسناده حسن، وقال في العلل المرسل أشبه، واعترض عليه أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان باتفاق أصحاب السير لكن قوله في عمرة رمضان في رواية الدارقطني وليس في رواية غيره والله أعلم. احتج أبو حنيفة بحديث يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب قلت : ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقد أمن الناس، فقال لي عمر : عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال :" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " (٢) رواه مسلم، وحديث أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب ليس له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث قال : أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغذى فقال : ادن فكل، فقلت : إني صائم، فقال :" ادن أحدثك عن الصوم، إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم " (٣) رواه ابن الجوزي من طريق الترمذي. والشافعي احتج بهذا الحديث لمذهبه حيث قرن الصوم بالصلاة ورخصه المسافر في فطر الصوم رخصته التخيير إجماعا. وجه احتجاج أبي حنيفة أن الوضع هو الإسقاط لكن استعماله في رخصته الصوم يدل على أن المراد به هاهنا التخيير ولو مجازا، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز حتى يقال أنه في حق الصوم للتخيير وفي حق الصلاة للإسقاط، ووجه احتجاج أبي حنيفة بحديث يعلى بن أمية عن عمر إن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض وإن كان المتصدق ممن لا يلزم طاعته كولي القصاص إذا عفا فممّن يلزم طاعته أولى وإن الأمر بقبول الصدقة للوجوب، واحتج أبو حنيفة أيضا بأثر عمر بن الخطاب قال : صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم " (٤) أخرجه النسائي وابن ماجه، وأثر ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة " (٥) رواه مسلم، وأثر عائشة قالت :" فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر " (٦) متفق عليه، وفي لفظ قال الزهري قلت لعروة فما بال عائشة تتم في السفر ؟ قال : إنها تأولت كما تأول عثمان، وفي لفظ للبخاري " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فرضت أربعا فتركت صلاة السفر على الأول، وبحديث ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله تعالى : لكم في رسول الله أسوة حسنة (٧) رواه البخاري وفي الصحيحين بلفظ : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، وأيضا فيهما عنه صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ركعتين وأبو بكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرا من خلافته ثم إن عثمان صلى بعده أربعا، وبما روى أحمد إن عثمان صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه، فقال : أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من تأهل في بلد فليتم صلاة المقيم، وجه الاحتجاج أن إنكار الناس على عثمان في إتمامه وبيانه العذر بالتأهل بمكة دليل واضح على أنه لا يجوز الإتمام ولو جاز لما أنكروا عليه ولما اعتذر بالتأهل بل ببيان التخيير. وأجيب عن الآثار بأن أثر عمر بن الخطاب أن صلاة السفر ركعتان تمام في الأجر غير قصر يعني لا نقصان في صلاته وكيف يقول عمر غير قصر مع أنه تعالى يقول : فليس عليكم جناح أن تقصروا فإنه صريح في كونه قصرا وحديث الآحاد وإن كان مرفوعا ساقط في مقابلة نص الكتاب فكيف الموقوف، وأثر ابن عباس متروك بالإجماع حيث لم يذهب أحد إلى أن الصلاة في الخوف ركعة، وأثر عائشة لا يجوز العمل به لأن عمل الراوي على خلاف ما يرويه جرح في الحديث ولا شك أن عائشة كانت تتم في السفر، وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة التخيير فيجب أن يحمل قولها تركت صلاة السفر على الأول على من أن من اختار الركعتين فكأن الصلاة تركت في حقه على الحالة الأولى، وأما حديث ابن عمر فشهادة على النفي وحديث عائشة شهادة على الإثبات فهو أولى أو يقال معناه لم يزد على ركعتين غالبا وأيضا ذكر ابن عمر عثمان صلى صدرا من خلافته ركعتين ثم صلى أربعا ولم يذكر إنكار الناس عليه وهذا دليل التخيير وأيضا قوله : لكم في رسول الله أسوة حسنة تدل على الأولوية دون الوجوب وإنكار الناس على عثمان واعتذاره جاز أن يكون لترك الأولى. واحتج الحنفية بالمعقول بأن الشفع الثاني لا يقضى ولا يأثم بتركه، وهذا آية النافلة بخلاف الصوم فإنه يقضى وبخلاف الحج على الفقير فإنه يصير فريضة إذا دخل الميقات، وأن التخيير بين الواجبات لا يكون إلا لنوع يسر في كلا الأمرين كما في صوم رمضان للمسافر فإن فيه أيضا نوع يسر بسهولة في الصوم مع الناس ما ليس في انفراده ولا كذلك في الاثنين والأربع فإن اليسر في الاثنين متيقن وأما جمعة المسافر وظهره فكل واحد منهما جنس آخر من الصلاة وفي كل منهما نوع يسر حيث يشترط في الجمعة ما لا يشترط في الظهر والتخيير بلا مراعاة يسر للمكلف مناف لشأن العبودية، وأجيب بأن التخيير بين القليل والكثير مفيد فاختيار القليل لليسر واختيار الكثير لزيادة الأجر وزيادة الأجر في الأربع لا يوجب نقصانا في الاثنتين، نظيره القراءة في الصلاة فإن المصلي مخير بين أن يقرأ أدنى ما يجوز به الصلاة وحينئذ لا نقصان في صلاته وبين أن يقرأ القرآن كله في ركعة وكلما قرأ في الصلاة وإن كان جميع القرآن وقع من الفريضة لأنه فرد من أفراد المأمور به حيث قال الله تعالى : فاقرءوا ما تيسر من القرآن (٨) ويرد عليه أن تقريركم هذا يدل على أن الإتمام للمسافر أفضل وأكثر ثوابا من القصر كما أن زيادة القراءة في الصلاة أفضل إجماعا وإنما يكره الزيادة على القدر المسنون في حق الإمام رعاية للقوم، وأما في المنفرد وكذا في حق الإمام إذا كان القوم راغبين فلا كراهة إجماعا لكن القصر في السفر أفضل من الإتمام إجماعا، وما روي عن الشافعي من أحد قوليه أن الإتمام أفضل فقد رجع عنه، وأجاب الحنفية عن استدلال الشافعي بهذه الآية أن الناس لما كانوا ألفوا بالإتمام كان مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمأنوا إليه، نظيره قوله تعالى : الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما (٩) ورد بأن هذا ترك لظاهر الآية من غير موجب فلا يجوز والله أعلم.
البحث الثالث : إن سفر المعصية يبيح القصر عند أبي حنيفة لعموم هذه الآية، وقالت الأئمة الثلاثة يبيح وليس لهم ما يمكن التعويل عليه من الحجة. البحث الرابع : إذا فارق المسافر بيوت المصر صلى ركعتين عند الأئمة الأربعة، وفي رواية عن مالك إذا كان من المصر على ثلاثة أميال، وحكي عن الحارث بن ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود وغير واحد من أصحاب عبد الله، وعن مجاهد أنه كان إذا خرج نهارا لم يقصر حتى يدخل الليل وإن خرج ليلا لم يقصر حتى يدخل النهار. لنا : أن الإقامة يتعلق بدخول المصر فالسفر يتعلق بخروجها، وروى ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أنه خرج من البصرة فصلى الظهر أربعا يعني قبل التجاوز عن بيوت المصر ثم قال لو جاوزنا هذا الحصن لصلينا ركعتين، وكذا إذا رجع من السفر وأراد دخول بلده صلى ركعتين ما لم يدخل بيوت مصره فإذا دخل البيوت صلى أربعا إجماعا، ذكر البخاري تعليقا قال : خرج علي فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له هذه الكوفة قال لا حتى ندخلها يريد أنه صلى ركعتين والكوفة بمراء منهم، وروى عبد الرزاق قال : أخبرنا الثوري عن وفا بن إياس الأسدي قال خرجنا مع علي ونحن ننظر الكوفة فصلى ركعتين ثم رجعنا فصلى ركعتين وهو ينظر إلى القرية فقلنا له ألا نصلي أربعا قال لا حتى ندخلها. البحث الخامس : في أنه في أثناء السفر إذا نوى في بلد أو قرية إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج صلى أربعا عند مالك والشافعي، وعن أحمد إن نوى إقامة مدة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة أتم، وقال أبو حنيفة : لا يتم حتى ينوي إقامة خمسة عشر يوما في مصر أو قرية ولا عبرة بنية الإقامة في الصحراء والأخبية. لنا : ما صح أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة في حجة الوداع صبيحة رابعة ذي الحجة يوم الأحد فلما كان يوم التروية ثامن ذي الحجة يوم الخميس توجه إلى منى طلوع الشمس من يوم عرفة توجه إلى عرفة، فإذا فرغ من الحج بات بالمحصّب ليلة الأربعاء ثم طاف عليه السلام طواف الوداع سحرا قبل الصبح وخرج صبيحة وهو اليوم الرابع عشر فتمت عشر ليال وأقام بمكة إلى يوم التروية أربعة أيام ولياليها كوامل، فظهر بذلك بطلان قول مالك والشافعي دون قول أحمد حيث صلى النبي صلى الله علي
٢ أخرجه مسلم في أوائل كتاب: صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٦)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع (٧١٥)..
٤ أخرجه النسائي في كتاب: الجمعة، باب: عدد صلاة الجمعة (١٤١٦)..
٥ أخرجه مسلم في أوائل كتاب: صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٧)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء (٣٤٣) وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٥)..
٧ سورة الأحزاب، الآية: ٢١..
٨ سورة المزمل، الآية: ٢٠..
٩ سورة البقرة، الآية: ١٥٨..
التفسير المظهري
المظهري