وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا( ١٠١ )
وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ضربتم : تحركتم واضطربتم في البلاد وسافرتم، وخرجتم ذاهبين فيها، لتجارة أو جهاد أو طلب علم أو رزق أو نحوها، فلا حرج عليكم ولا تضييق، بل أذن الله لكم أن تخففوا من صلاتكم، من عدد ركعات الرباعية لتصير ثنائية، وفي النافلة تصلون في سفركم على رواحلكم إن شئتم، مستقبلين القبلة وغير مستقبلين لها، - والمراد من الأرض ما يشمل البر والبحر، والمقصود التعميم، ... ، والقصر خلاف المد، يقال : قصرت الشيء إذا جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه، ... يراد بالصلاة الجنس ليكون المقصود بعضا منها وهي الرباعية-( ١ ).
أخرج الشيخان- البخاري ومسلم- عن حارثة بن وهب الخزاعي أنه قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه بركعتين ؛ أخرجا عن عبد الله بن يزيد : صلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاسترجع( ٢ )، ثم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقلبتان ؛ وفي البخاري عن عبد الله بن عمر قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين وأبي بكر وعمر، وعثمان صدراً مِن إمارته ثم أتمها ؛ وروى البخاري عن أنس يقول : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت : أقمتم بمكة شيئا ؟ قال : أقمنا بها عشرا ؛ وإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا - خرج مخرج الغالب حال نزول الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة بل ما كانوا ينهضون إلا لغزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى : .. ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا.. وكقوله تعالى : وربائبكم اللاتي في جحوركم.. - ( ٣ ) ؛ وعن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله ابن عمر، فقال : يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر ؟ فقال عبد الله بن عمر : يا ابن أخي إن الله تبارك وتعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل ؛ ومما قال الشافعي : القصر في غير الخوف بالسنة، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة ؛ وفي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب قلت : .. فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا.. وقد أمن الناس ؛ فقال لي عمر : عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ( ٤ )- وفتنتهم إياها فيها : حملهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتى يقتلوهم أو يأسروهم، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له ؛.. إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا يعني : الجاحدون وحدانية الله.. قد أبانوا لكم عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله ورسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة-( ٥ ).
٢ أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون..
٣ من تفسير القرآن العظيم..
٤ مما جاء في فتح القدير: فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط-(إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)- لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم من القصر مع الأمن؛ وقد قيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار..
٥ من جامع البيان..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب