( ١ ) أن تقصروا : بمعنى أن تختصروا
( ٢ ) إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا : قيل في تأويلها : إن خفتم أن يأخذكم الكافرون على غرة أو يلهوكم أو يأسروكم ويردوكم عن دينكم والجملة تتحمل كل ذلك.
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ( ١ ) مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ( ٢ ) إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا ( ١٠١ ) وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ( ٣ ) فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن ورائكم وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ( ٤ ) وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ( ٥ ) وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ١٠٢ ) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ( ٦ ) إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا( ٧ ) ( ١٠٣ ) .
تعليق على الآية
( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقتصروا من الصلاة... ) الخ
والآيتين اللتين بعدها وسنة قصر الصلاة في حالة السفر بدون خوف
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت :
( ١ ) إباحة اختصار الصلاة للمسلمين إذا خرجوا إلى قتال أعدائهم الكفار وخافوا أن يتعرضوا لكيدهم وعدوانهم حين انشغالهم بالصلاة.
( ٢ ) وتعليما للنبي لبعض كيفيات الصلاة في حالة الخوف.
( ٣ ) وتنبيها للمسلمين إلى وجوب الاحتفاظ بأسلحتهم وهم في الصلاة مع رفع الحرج عنهم في حالة المطر والمرض وإلى وجوب أخذ الحذر على كل حال حتى لا يميل عليهم الكفار ويأخذوا أسلحتهم وأمتعتهم.
( ٤ ) وأمرا لهم بذكر الله على كل حال وبإقامة الصلاة في أوقاتها تامة حين الاطمئنان والأمن.
والآيات فصل جديد ولكن التناسب ملموح بينها وبين الآيات السابقة. فإما أن تكون نزلت بعدها فوضعت في مكانها للتناسب الظرفي والموضوعي، وإلا فتكون وضعت فيه للتناسب الموضوعي.
ولقد روى المفسرون في سبب نزول الآيات عدة روايات منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على رأس المسلمين في عسفان وأمامهم المشركون وعليهم خالد ابن الوليد فصلى بهم الظفر فقال المشركون : لقد أصبنا غرة أو غفلة فلو حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت الآيات بين الظهر والعصر فصلى النبي بالمسلمين العصر صلاة الخوف على النحو الذي علمته الآية الثانية. ومنها أن سليمان اليشكري سأل جابرا عن أي يوم نزل فيه قصر الصلاة ؟ فقال له : كنا مع رسول الله وراء عير لقريش فنزل بنخل فجاءه رجل فقال : يا محمد ألا تخاف مني ؟ قال : لا. قال : ما يمنعك مني ؟ قال : الله يمنعني منك. قال : فسل السيف فهدده وأوعده ثم نادى بالترحل وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة، فصلى النبي بالناس صلاة الخوف.
وقد روى الترمذي الرواية الأولى بخلاف يسير عن أبي هريرة دون أن يذكر بصراحة أنه سبب نزول الآيات حيث قال ( نزل النبي بين ضجنان وعسفان فقال المشركون : إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة، فأتى جبريل النبي فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم فتكون لهم ركعة ركعة ولرسول الله ركعتان ) ١ وهناك رواية أخرى تذكر أن قوما من التجار سألوا النبي كيف يصلون وهم يضربون في الأرض فأنزل الله ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقتصروا من الصلاة ) فقد انقطع الوحي حتى مرت سنة على ذلك فغزا النبي غزوة فصلى بالمسلمين الظهر فقال المشركون : قد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم فشدوا عليهم فقالوا : إن لهم صلاة أخرى بعدها، فأنزل الله بقية الآية بين الصلاتين فصلى العصر ركعتين. وقد صف المسلمين صفين فوقف جميعهم معه وسجد الصف الأول معه وظل الثاني حارسا ثم تأخر الصف الأول حله محله الثاني وسجد مع النبي في الركعة الثانية ولما جلس جلسوا جميعا معه وأتموا الصلاة.
ورواية سؤال التجار غريبة ؛ لأنها تقسم الآية الأولى إلى فترتين مع أنها هي والآيتين التاليتين لها وحدة تامة منسجمة. ورواية عسفان متصلة بوقعة الحديبية ونرجح أن الآيات نزلت قبلها. وقد ذكرت هذه الوقعة في سور متأخرة عن هذه السورة.
ولقد كانت الغزوات بقيادة النبي والسرايا بقيادة أصحابه متواصلة في العهد المدني، فالمتبادر أن حادثا ما وقع في وقت مبكر نوعا ما فكان سببا لنزول الآيات جملة تامة لتكون تشريعا مستمرا.
وينطوي في مضمون الآيات وروحها توكيد على عدم التهاون في أداء الصلاة في أوقاتها حتى في ظروف الخوف والخطر مع إباحة اختصارها في هذه الظروف وفي هذا ما فيه من تلقين عظيم بما للصلاة عند الله من خطورة عظمى مما نبهنا عليه في سياق تفسير سورة العلق. ولقد روى الخمسة عن ابن عمر حديثا جاء فيه فيما جاء ( فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء ) ٢ وهناك حديث رواه أصحاب السنن عن جابر قال :( بعثني رسول الله في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع ) ٣ حيث ينطوي في الحديثين توكيد واجب أداء الصلاة في أوقاتها على كل حال.
ولقد روى المفسرون٤ بدون عزو : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الصلاة لوقت آخر إذا كان في حالة حرب أو خوف ويسمح للمسلمين بذلك إلى أن نزلت هذه الآيات وفي هذا إن صح ولا مانع من صحته توكيد لخطورة ذلك الواجب.
وهناك أحاديث صحيحة في كيفية الخوف التي صلاها النبي بأصحابه.
منها حديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال ( صلى رسول الله صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة. ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة ) ٥ ومنها حديث رواه مسلم وأبو داود عن أبي بكرة قال ( صلي النبي في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم إزاء العدو فصلى بمن خلفه ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم.
فكانت لرسول الله أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين٦ والجمهور والتواتر على الكيفية الأولى، وعلى أن صلاة الخوف مقصورة على ركعتين. ولقد قال بعض العلماء : إن جملة ( وإذا كنتم فيهم ) تفيد أن صلاة الخوف خاصة بالنبي وحياته. غير أن الجمهور والتواتر على أنها مستمرة الحكم بعده.
وكلام المفسرين والأحاديث في صدد الخوف جماعة. وفي ظروف المواجهة عدو محارب. وهو المستفاد من الآيات أيضا. غير أنه يرد على البال أمران : الأول أن يكون الذي يواجه الخطر واحدا، وأن يكون الخطر غير خطر عدو محارب مثل لصوص وقطاع طرق الخ ويتبادر لنا أن للمسلم أن يقصر ويصلي صلاة الخوف منفردا في أي حالات الخطر والخوف. والله تعالى أعلم.
ومع أن نص الآيات صريح بأن قصر الصلاة قاصر على ظروف الخوف من الأعداء فإن هناك آثارا تفيد أن السنة النبوية جعلته شاملا للسفر في حالة الأمن أيضا. فمن ذلك حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن يعلى ابن أمية قال ( قلت لعمر ابن الخطاب : ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. وقد أمن الناس. فقال : عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته ) ٧ والحديث يفيد أن تعميم القصر على السفر في حالة الأمن إلهام رباني وهذا هو المتواتر الذي عليه الجمهور. وهناك أحاديث نبوية تؤيد ذلك يأتي بعضها بعد هذا.
وفي مدة السفر التي يصح قصر الصلاة فيها روي الخمسة عن أنس قال ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا. قال راوي الحديث عن أنس قلت : ماذا أقمتم في مكة ؟ قال : أقمنا عشرا٨ وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس قال ( أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا ) ٩
وفي مسافة السفر روى البخاري ( أن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا ) ١٠ وروى مسلم وأبو داود وأحمد عن يحي ابن يزيد قال ( سألت أنس ابن مالك عن قصر الصلاة فقال : كان رسول الله إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين ) ١١ وبسبب التباين في المسافة في الأحاديث اختلف الفقهاء في المسافة التي يصح القصر فيها، فمنهم من أخذ بالمسافة الطويلة ومنهم من أخذ بالمسافة القصيرة. ويرد لبالنا أن نقول : إن ما ورد في الأحاديث اختلاف وفرق كبير قد يكون كله صحيحا ووقع في ظروف اختلفت فيها درجة الجهد والمشقة والتعب وحالة الطريق والموسم والماء والطعام الخ. وقد يتبادر أن هذا يظل المقياس في الأمر. وإن المسلم يوكل فيه إلى إيمانه وتقواه. فإذا شق عليه السفر وجهد في المسافة القصيرة جاز له أن يقصر والله تعالى أعلم.
وهناك حديث يرويه الإمام مالك عن عائشة أنها قالت ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر ) وجملة ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) تفيد كما هو المتبادر أن القصر طارئ وليس أصيلا حيث يسوغ ذلك التوقف في الحديث.
هذا، والجمهور على أن القصر هو للصلوات الرباعية فقط. أي الظهر والعصر والعشاء. فتقصر على ركعتين. وإن صلاتي الفجر والمغرب تبقيان على حالهما وهذا مستفاد من الأحاديث التي اقتصر الكلام فيها على الركعتين بدلا من الأربع.
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ( ١ ) مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ( ٢ ) إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا ( ١٠١ ) وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ( ٣ ) فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن ورائكم وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ( ٤ ) وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ( ٥ ) وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ( ١٠٢ ) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ( ٦ ) إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا( ٧ ) ( ١٠٣ ) .
تعليق على الآية
( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقتصروا من الصلاة... ) الخ
والآيتين اللتين بعدها وسنة قصر الصلاة في حالة السفر بدون خوف
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت :
( ١ ) إباحة اختصار الصلاة للمسلمين إذا خرجوا إلى قتال أعدائهم الكفار وخافوا أن يتعرضوا لكيدهم وعدوانهم حين انشغالهم بالصلاة.
( ٢ ) وتعليما للنبي لبعض كيفيات الصلاة في حالة الخوف.
( ٣ ) وتنبيها للمسلمين إلى وجوب الاحتفاظ بأسلحتهم وهم في الصلاة مع رفع الحرج عنهم في حالة المطر والمرض وإلى وجوب أخذ الحذر على كل حال حتى لا يميل عليهم الكفار ويأخذوا أسلحتهم وأمتعتهم.
( ٤ ) وأمرا لهم بذكر الله على كل حال وبإقامة الصلاة في أوقاتها تامة حين الاطمئنان والأمن.
والآيات فصل جديد ولكن التناسب ملموح بينها وبين الآيات السابقة. فإما أن تكون نزلت بعدها فوضعت في مكانها للتناسب الظرفي والموضوعي، وإلا فتكون وضعت فيه للتناسب الموضوعي.
ولقد روى المفسرون في سبب نزول الآيات عدة روايات منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على رأس المسلمين في عسفان وأمامهم المشركون وعليهم خالد ابن الوليد فصلى بهم الظفر فقال المشركون : لقد أصبنا غرة أو غفلة فلو حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت الآيات بين الظهر والعصر فصلى النبي بالمسلمين العصر صلاة الخوف على النحو الذي علمته الآية الثانية. ومنها أن سليمان اليشكري سأل جابرا عن أي يوم نزل فيه قصر الصلاة ؟ فقال له : كنا مع رسول الله وراء عير لقريش فنزل بنخل فجاءه رجل فقال : يا محمد ألا تخاف مني ؟ قال : لا. قال : ما يمنعك مني ؟ قال : الله يمنعني منك. قال : فسل السيف فهدده وأوعده ثم نادى بالترحل وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة، فصلى النبي بالناس صلاة الخوف.
وقد روى الترمذي الرواية الأولى بخلاف يسير عن أبي هريرة دون أن يذكر بصراحة أنه سبب نزول الآيات حيث قال ( نزل النبي بين ضجنان وعسفان فقال المشركون : إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة، فأتى جبريل النبي فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم فتكون لهم ركعة ركعة ولرسول الله ركعتان ) ١ وهناك رواية أخرى تذكر أن قوما من التجار سألوا النبي كيف يصلون وهم يضربون في الأرض فأنزل الله ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقتصروا من الصلاة ) فقد انقطع الوحي حتى مرت سنة على ذلك فغزا النبي غزوة فصلى بالمسلمين الظهر فقال المشركون : قد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم فشدوا عليهم فقالوا : إن لهم صلاة أخرى بعدها، فأنزل الله بقية الآية بين الصلاتين فصلى العصر ركعتين. وقد صف المسلمين صفين فوقف جميعهم معه وسجد الصف الأول معه وظل الثاني حارسا ثم تأخر الصف الأول حله محله الثاني وسجد مع النبي في الركعة الثانية ولما جلس جلسوا جميعا معه وأتموا الصلاة.
ورواية سؤال التجار غريبة ؛ لأنها تقسم الآية الأولى إلى فترتين مع أنها هي والآيتين التاليتين لها وحدة تامة منسجمة. ورواية عسفان متصلة بوقعة الحديبية ونرجح أن الآيات نزلت قبلها. وقد ذكرت هذه الوقعة في سور متأخرة عن هذه السورة.
ولقد كانت الغزوات بقيادة النبي والسرايا بقيادة أصحابه متواصلة في العهد المدني، فالمتبادر أن حادثا ما وقع في وقت مبكر نوعا ما فكان سببا لنزول الآيات جملة تامة لتكون تشريعا مستمرا.
وينطوي في مضمون الآيات وروحها توكيد على عدم التهاون في أداء الصلاة في أوقاتها حتى في ظروف الخوف والخطر مع إباحة اختصارها في هذه الظروف وفي هذا ما فيه من تلقين عظيم بما للصلاة عند الله من خطورة عظمى مما نبهنا عليه في سياق تفسير سورة العلق. ولقد روى الخمسة عن ابن عمر حديثا جاء فيه فيما جاء ( فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء ) ٢ وهناك حديث رواه أصحاب السنن عن جابر قال :( بعثني رسول الله في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع ) ٣ حيث ينطوي في الحديثين توكيد واجب أداء الصلاة في أوقاتها على كل حال.
ولقد روى المفسرون٤ بدون عزو : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الصلاة لوقت آخر إذا كان في حالة حرب أو خوف ويسمح للمسلمين بذلك إلى أن نزلت هذه الآيات وفي هذا إن صح ولا مانع من صحته توكيد لخطورة ذلك الواجب.
وهناك أحاديث صحيحة في كيفية الخوف التي صلاها النبي بأصحابه.
منها حديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال ( صلى رسول الله صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة. ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة ) ٥ ومنها حديث رواه مسلم وأبو داود عن أبي بكرة قال ( صلي النبي في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم إزاء العدو فصلى بمن خلفه ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم.
فكانت لرسول الله أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين٦ والجمهور والتواتر على الكيفية الأولى، وعلى أن صلاة الخوف مقصورة على ركعتين. ولقد قال بعض العلماء : إن جملة ( وإذا كنتم فيهم ) تفيد أن صلاة الخوف خاصة بالنبي وحياته. غير أن الجمهور والتواتر على أنها مستمرة الحكم بعده.
وكلام المفسرين والأحاديث في صدد الخوف جماعة. وفي ظروف المواجهة عدو محارب. وهو المستفاد من الآيات أيضا. غير أنه يرد على البال أمران : الأول أن يكون الذي يواجه الخطر واحدا، وأن يكون الخطر غير خطر عدو محارب مثل لصوص وقطاع طرق الخ ويتبادر لنا أن للمسلم أن يقصر ويصلي صلاة الخوف منفردا في أي حالات الخطر والخوف. والله تعالى أعلم.
ومع أن نص الآيات صريح بأن قصر الصلاة قاصر على ظروف الخوف من الأعداء فإن هناك آثارا تفيد أن السنة النبوية جعلته شاملا للسفر في حالة الأمن أيضا. فمن ذلك حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن يعلى ابن أمية قال ( قلت لعمر ابن الخطاب : ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. وقد أمن الناس. فقال : عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته ) ٧ والحديث يفيد أن تعميم القصر على السفر في حالة الأمن إلهام رباني وهذا هو المتواتر الذي عليه الجمهور. وهناك أحاديث نبوية تؤيد ذلك يأتي بعضها بعد هذا.
وفي مدة السفر التي يصح قصر الصلاة فيها روي الخمسة عن أنس قال ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا. قال راوي الحديث عن أنس قلت : ماذا أقمتم في مكة ؟ قال : أقمنا عشرا٨ وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس قال ( أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا ) ٩
وفي مسافة السفر روى البخاري ( أن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا ) ١٠ وروى مسلم وأبو داود وأحمد عن يحي ابن يزيد قال ( سألت أنس ابن مالك عن قصر الصلاة فقال : كان رسول الله إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين ) ١١ وبسبب التباين في المسافة في الأحاديث اختلف الفقهاء في المسافة التي يصح القصر فيها، فمنهم من أخذ بالمسافة الطويلة ومنهم من أخذ بالمسافة القصيرة. ويرد لبالنا أن نقول : إن ما ورد في الأحاديث اختلاف وفرق كبير قد يكون كله صحيحا ووقع في ظروف اختلفت فيها درجة الجهد والمشقة والتعب وحالة الطريق والموسم والماء والطعام الخ. وقد يتبادر أن هذا يظل المقياس في الأمر. وإن المسلم يوكل فيه إلى إيمانه وتقواه. فإذا شق عليه السفر وجهد في المسافة القصيرة جاز له أن يقصر والله تعالى أعلم.
وهناك حديث يرويه الإمام مالك عن عائشة أنها قالت ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر ) وجملة ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) تفيد كما هو المتبادر أن القصر طارئ وليس أصيلا حيث يسوغ ذلك التوقف في الحديث.
هذا، والجمهور على أن القصر هو للصلوات الرباعية فقط. أي الظهر والعصر والعشاء. فتقصر على ركعتين. وإن صلاتي الفجر والمغرب تبقيان على حالهما وهذا مستفاد من الأحاديث التي اقتصر الكلام فيها على الركعتين بدلا من الأربع.
التفسير الحديث
دروزة