ﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔ

وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا١٠١ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا١٠٢ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا١٠٣ .
صلاة السفر والخوف
السياق في أحكام الجهاد في سبيل الله وجاء فيه حكم الهجرة. والصلاة فرض لازم في كل حال لا يسقط في وقت القتال ولا في أثناء الهجرة ولا غير الهجرة من أيام السفر، ولكن قد تتعذر أو تتعسر في السفر وحال الحرب إقامتها فرادى وجماعة كما أمر الله تعالى أن تقام في صورتها ومعناها، فناسب في هذا المقام أن يبين الله تعالى ما يريد أن يرخص لعباده فيه من القصر من الصلاة في هاتين الحالتين فقال :
وإذا ضربتم في الأرض الضرب في الأرض عبارة عن السفر فيها لأن المسافر يضرب الأرض برجليه وعصاه أو بقوائم راحلته، كما يقال طرق الأرض إذا مر بها كأنه ضربها بالمطرقة ومنه الطريق أي السبيل المطروق. وقال ههنا ضربتم في الأرض ولم يقل : ضربتم في سبيل الله كما قال في الآية ( ٩٣ ) من هذه السورة الواردة في حكم إلقاء السلام في الحرب لأن هذه أعم فهي رخصة لكل مسافر ولو لم يكن سفره في سبيل الله للدفاع عن الحق وإقامة الدين بأن كان للتجارة أو لمجرد السياحة مثلا، وإذا كان السفر في سبيل الله فالمسافر أحق بالرخصة وهي له أولا وبالذات بقرينة السياق وما جاء في الآية التي بعد هذه فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أي فليس عليكم تضييق ولا ميل عن محجة دين الله ( وهو الحنيفية السمحة ) في القصر من الصلاة. والجناح فسر بالإثم وبالتضييق وبالميل عن الاستواء قيل هو من جنحت السفينة إذا مالت إلى أحد جانبيها قاله الراغب وهو الذي فسر جنوح السفينة بما ذكر، وفسره غيره بأنه عبارة عن بلوغها أرضا رقيقة تغرز فيها ويمتنع جريها، وهذا المعنى يناسب الجناح أيضا على أن الجنوح معناه الميل وهو من الجنح بالكسر بمعنى الجانب. ومن فسر الجناح بالتضييق أخذه من قولهم جنح البعير ( بصيغة المجهول ) إذا انكسرت جوانحه ( أضلاعه ) لثقل حمله، وتفسيره بالإثم مأخوذ من هذا أيضا وهو مجاز. والقصر ( بالفتح ) ( كعنب ) ضد الطول وقصرت الشيء جعلته قصيرا.
فالقصر من الصلاة هو ترك شيء منها تكون به قصيرة ويصدق بترك بعض ركعاتها وبترك بعض أركانها كالركوع والسجود والجلوس للتشهد. واختلف العلماء في هذه الآية فقيل إن المراد بالقصر من الصلاة فيها ترك بعض ركعاتها وهي صلاة السفر التي تقصر فيها الرباعية فقط فتصلى ثنتين، وقيل بل المراد به صلاة الخوف مطلقا أو كيفية من كيفياتها وهي المبينة في الآية التي بعد هذه. وقيل بل المراد بها القصر من هيئتها لا من ركعاتها، وقيل بل القصر من العدد والأركان جميعا. وجمع المحقق ابن القيم في الهدي النبوي بين الأقوال فقال في فصل صلاة الخوف :
" وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أن أباح الله سبحانه وتعالى قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر. وقصر العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه. وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم وبه يعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف " اه وسيأتي تفصيل ذلك.
فقوله تعالى : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا شرط لنفي الجناح في قصر الصلاة، والفتنة الإيذاء بالقتل أو غيره كما صرح به بعضهم وأصله الاختبار بالمكروه والأذى كما تقدم من قبل. قال ابن جرير : وفتنتهم إياهم فيها حملهم عليهم وهم ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم فيمنعوهم من إقامتها وأدائها ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له اه وليس هذا خاصا بزمن الحرب بل إذا خاف المصلي قطاع الطريق كان له أن يقصر هذا القصر.
إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا تعليل لتوقع الفتنة من الذين كفروا أي كان شأنهم أنهم أعداء مظهرون للعداوة بالقتال والعدوان، فهم لا يضيعون فرصة اشتغالكم بمناجاة الله تعالى ولا يراقبون الله ولا يخشونه فيكم فيمتنعوا فيكم عن الإيقاع بكم، إذا وجدوكم غافلين عنهم، والعدو يستوي فيه الواحد والجمع.
بعد هذا أقول : إن القصر في هذه الآيات مجمل وإنما اختلف العلماء في المراد منه لأن الآية التي بعد هذه الآية تبين لنا نوعا أو أنواعا من قصر الصلاة المعروفة في الإسلام فقيل أنها مبنية لما قبلها، ورد بعضهم هذا بأن الأصل أن تفيد كل آية من الآيتين معنى جديدا تفاديا من التكرار، وأنهم كانوا يفهمون من القصر نقص عدد الركعات بدليل حديث ذي اليدين المشهور إذ قال : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله١ ؟ ( وهذا دليل ضعيف ) ومن أسباب الخلاف ما ثبت في السنة وجرى عليه العمل من العصر الأول إلى الآن من قصر الصلاة الرباعية. والسنة مبينة لإجمال القرآن، ولا يمكن أن تعرف الاصطلاحات الشرعية من ألفاظ اللغة بدون توقيف، والقرآن نفسه لم يبين لنا إلا كيفية القليل من العبادات كالوضوء والتيمم، فالسنة هي التي بينت كيفية الصلاة وكيفية الحج وغير ذلك. وإنني أذكر ما قاله الأستاذ الإمام في هاتين الآيتين قبل أن أفسر الثانية منهما ثم أذكر ملخص ما ثبت في السنة في قصر الصلاة وصلاة الخوف ثم أبين معنى الآية الثانية وكيفيات صلاة الخوف التي وردت.
الأستاذ الإمام : الكلام لا يزال في الجهاد وقد مر في الآيات السابقة الحث عليه لإقامة الدين وحفظه، وإيجاب الهجرة لأجل ذلك وتوبيخ من لم يهاجر من أرض لا يقدر فيها على إقامة دينه، والجهاد يستلزم السفر، والهجرة سفر، وهذه الآيات في بيان أحكام من سافر للجهاد أو هاجر في سبيل الله إذا أراد الصلاة وخاف أن يفتن عنها، وهو أنه يجوز له أن يقصر منها وأن يصلي جماعتها بالكيفية التي ذكرت في الآية الثانية من هذه الآيات. قال : والقصر المذكور في الآية الأولى هنا ليس هو قصر الصلاة الرباعية في السفر المبين بشروطه في كتب الفقه فذلك مأخوذ من السنة المتواترة، وأما ما هنا فهو في صلاة الخوف كما ورد عن بعض الصحابة وغيرهم من السلف، والشرط فيها على ظاهره، والقول بأنه لبيان الواقع فلا مفهوم له لغوٌ من القول لا يجوز أن يقال في أعلى الكلام وأبلغه، فهذا القصر المذكور في الآية الأولى هو المبين في الآية التي بعدها، وفي سورة البقرة بقوله تعالى : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا [ البقرة : ٢٣٩ ] فآية البقرة في القصر من هيأة الصلاة والرخصة في عدم إقامة صورتها بأن يكتفي الرجال المشاة والركبان بالإيماء عن الركوع والسجود، وهو قول في القصر المراد، والآية التي نحن بصدد تفسيرها في القصر من عدد الركعات بأن تصلي طائفة مع الإمام ركعة واحدة فإذا أتمتها جاءت طائفة أخرى وهي التي كانت تحرس الأولى فصلت معه الركعة الثانية، وليس في الآية أن واحدة من الطائفتين تتم الصلاة. اه ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس ملخصا.
وأما ما ورد في السنة فقد لخصه ابن القيم في الهدي النبوي أحسن تلخيص وناهيك بسعة حفظه وحسن استحضاره وبيانه. قال في بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في السفر وعبادته فيه ما نصه :
" وكان يقصر الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة. وأما حديث عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم " فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى، وقد روي " كان يقصر وتتم " الأول بالياء آخر الحروف والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذلك " يفطر وتصوم " أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين. قال شيخنا ابن تيمية وهذا باطل ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم. والصحيح عنها " أن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر "، فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه ؟.
قال ابن القيم قلت : وقد أتمت عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس وغيره أنها تأولت كما تأول عثمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر دائما، فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال : فكان يقصر وتتم هي. فغلط بعض الرواة فقال : كان يقصر ويتم، أي هو. والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه فقيل ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر فإذا زال الخوف زال سبب القصر. وهذا التأويل غير صحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم سافر آمنا وكان يقصر الصلاة والآية قد أشكلت على عمر رضي الله عنه وغيره فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه بالشفاء وأن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة.
" وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له، وقد يقال أن الآية اقتضت قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين الضرب في الأرض والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصر فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة. وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده ؟، فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد. وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية. فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفي الأركان وسميت صلاة أمن. وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق. وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة باعتبار إتمام أركانها، وإنما لم تدخل في قصر الآية، والأول : اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني : يدل عليه كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما :
" قالت عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع وإنما هي مفروضة كذلك. وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. متفق على حديث عائشة وانفرد مسلم بحديث ابن عباس. وقال عمر بن الخطاب : صلاة السفر ركعتان والجمعة ركعتان والعيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى. وهذا ثابت عن عمر ( رضي الله عنه ) وهو الذي سأل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما بالنا نقصر وقد أمنا ؟ فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) ولا تناقض بين حديثيه فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما أجابه بأنه هذا صدقة

١ أخرجه البخاري في الصلاة باب٨٨، والأذان باب٦٩، والسهو باب٥، ٤، والأدب باب٤٥، والأيمان باب١٥، والآحاد باب١، ومسلم في المساجد حديث ٩٧ ـ ٩٩، ١٠٢، وأبو داود في الصلاة باب١٨٩، والترمذي في الصلاة باب١٧٥، والنسائي في السهو باب٢٢، وابن ماجة في الإقامة باب١٣٤، والدارمي في الصلاة باب١٧٥، ومالك في النداء حديث ٦٠، ٥٩، ٥٨، وأحمد في المسند ٢/٤٦٠، ٤٢٣، ٢٣٥، ٧٧..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير