وبعد أن جعل الله للإسلام أركانا، جاء فحمل المسلم ما يمكن أن يؤديه من هذه الأركان فأركان الإسلام هي : الشهادة والصلاة والصوم والزكاة والحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، والمسلم ينطق بالشهادة ويؤدي الصلاة ولكنه قد لا يملك مالا لذلك يعفيه الحق من الزكاة، وقد يكون صاحب مرض دائم فلا يستطيع الصوم، فيعفيه الله من الصوم وقد لا تكون عنده القدرة على الحج فيعفيه الحق من الحج، أما شهادة " لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " فقد لا يقولها المسلم في العمر إلا مرة واحدة، ولم يبق إلا ركن الصلاة وهو لا يسقط عن الإنسان أبدا مادامت فيه الصلاحية لأدائها ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( رأس الأمر كله الإسلام وعموده الصلاة )(١)
ولأن الصلاة هي الركن الذي لا يسقط أبدا فقد جمع الله فيها كل الأركان، فعند إقامة الصلاة يشهد المسلم ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وخلال الصلاة يصوم الإنسان عن الطعام والشراب، وإضافة إلى ذلك يصوم ويمتنع عن الكلام أيضا، وهكذا نجد الصلاة أوسع في الإمساك عن ركن الصيام، فالإنسان وهو يقيم الصلاة يحبس نفسه عن أشياء كثير قد يفعلها وهو صائم، فالصوم مثلا لا يمنع الإنسان من الحركة إلى أي مكان لكن الصلاة تمنع الإنسان إلا من الوقوف بين يدي الله.
إذن فالصلاة تأخذ إمساكا من نوع أوسع من إمساك المؤمن في الصيام. والزكاة هي إخراج جزء من المال والمال يأتي به الإنسان من الحركة والعمل. والحركة والعمل تأخذ من الوقت وحين يصلي المسلم فهو يزكي بالأصل إنه يزكي ببذل الوقت الذي هو وعاء الحركة، إذن ففي الصلاة زكاة واسعة.
والحج إلى بيت الله الحرام موجود في الصلاة، لأن المسلم يتحرى الاتجاه إلى البيت الحرام كقبلة في كل صلاة وهكذا.
ولذلك اختلفت الصلاة عن بقية الأركان فلم تشرع بواسطة الوحي وإنما شرعت بالمباشرة بين رب محمد صلى الله عليه وسلم ولأن هذه هي منزلة الصلاة نجد الحق يحذرنا من أن يشغلنا الضرب في الأرض عنها، بل شرع سبحانه صلاة مخصوصة اسمها " صلاة الحرب وصلاة الخوف " حتى لا يقولن أحد إن الحرب تمنعنا من الصلاة ففي الحرب يكون من الأولى بالمسلم أن يلتحم بمنهج ربه.
كذلك في السفر يشرع الحق قصر الصلوات.
وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا( ١٠١ )
والضرب في الأرض مقصود به أن يمشي المؤمن في الأرض بصلابة وعزم وقوة. والقصر في الصلاة هو اختزال الكمية العددية لركعاتها وفي اللغة " اختصار " و " اقتصار ". " الاقتصار " أن تأخذ بعضا وتترك بعضا، " والاختصار " هو أخذ الكل بصفة موجزة مثال ذلك عندما نختصر كتابا ما فنحن نوجز كل المعاني التي فيه في عدد أقل من الكلمات.
وقد يفكر إنسان في أن يكتب خطابا ثم يقول لنفسه : سأرسل برقية في الموضوع نفسه، وهنا لابد أن يختزل الكلمات لتحمل معاني كثيرة في ألفاظ موجزة.
والإسهاب كما نعلم- لا يأخذ من الوقت مثلما يأخذ الإيجاز، فعندما يريد الإنسان الإيجاز فهو يقدح ذهنه في وقت أطول ليصل إلى المعاني في كلمات أقل.
ويحكى عن سعد زغلول زعيم ثورة١٩١٩المصرية أنه كتب رسالة لصديق فأطال وأنهى رسالته بكلمات :
وإني أعتذر إليك عن التطويل فليس عندي الوقت الكافي للإيجاز، ويحكي التاريخ عن الخليفة المسلم الذي أراد أن يهدد قائد الروم فكتب إليه، أما بعد : فسآتيك بجيش أوله عندك وآخره عندي وهكذا أوجز الخليفة حجم الخطر الداهم الذي سيواجه ملك الروم من جيش عرمرم سيملأ الأرض إلخ.
وينقل التاريخ عن أحد قادة العرب وموقفه القتالي الذي كان صعبا في " دومة الجندل " أنه كتب إلى خالد ابن الوليد كلمتين لا غيرهما " إياك أريد " ولم يقل أكثر من ذلك ليتضح من هذا الإيجاز حجم المعاناة التي يعانيها، وقد أوردنا هذا الكلام ونحن بصدد الحديث عن القصر والإيجاز.
والقصر في الصلاة هو أن يؤدي المؤمن كلا من صلاة الظهر والعصر والعشاء ركعتين بدلا من أربع ركعات، أما الصبح والمغرب فكلاهما على حاله، الصبح ركعتان والمغرب ثلاث ركعات، وحكمة مشروعية ذلك أن الصلاة في وقت الحرب تقتضي ألا ينشغل المقاتلون عن العدو، ولا ينشغلوا أيضا عن قول الحق : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ( من الآية١٠٣سورة النساء ).
فإذا شرع الله للخوف صلاة، وللحرب صلاة فمعنى ذلك أنه لا سبيل أبدا لأن ينسى العبد المؤمن إقامة الصلاة، وإذا كانت الصلاة واجبة في الحرب فلن تكون هناك مشاغل في الحياة أكثر من مشاغل الحرب والسيف وصلاة الحرب أي صلاة الخوف جاء بها القرآن، أما صلاة السفر فقد جاءت بها السنة أيضا، وفيها يقصر المؤمن صلواته أيضا :
وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا( ١٠١ ( سورة النساء )
ولو رأى الكافرون المؤمنين مصفوفين جميعا في الصلاة فقد يهجمون عليهم هجمة واحدة، ولذلك شرع الحق قصر الصلاة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي