تفسير سورة سورة الصافات
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
ﭑﭒ
ﭓ
... معنى وَالصَّافَّاتِ صَفَّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط...
والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره...
أما فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية...
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَالصَّافَّاتِ صَفَّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمـٰنِ الرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره...
أما فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية...
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَالصَّافَّاتِ صَفَّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمـٰنِ الرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
آية رقم ٢
ﭔﭕ
ﭖ
هذا الأسلوب يُسمَّى أسلوب القسم، الله تعالى هو المقْسِم يُقسِم على إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمراده تعالى في القسم، فالله يريد منَّا إنْ أقسمنا أَلاَّ نُقسِم إلا به سبحانه، لكن بالاستقراء رأينا أنَّ الحق سبحانه يقسم بخَلْق من خَلْقه، فيُقسِم بالملائكة، ويُقسِم بالحيوان، ويُقسِم بالجبال، ويُقسِم بالفجر.. الخ.
قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، أمَّا أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القَسَم تعظيمٌ للمقْسَم به، وينبغي ألاَّ يكون مُعظّماً عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أنْ تقول (وحياة فلان، ورأس علان) فإنْ كنتَ حالفاً فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف: فإذا ظهر ما يكون ظاهره قَسَماً بغير الله، فاعلم أنه لا يُعَدُّ قَسَماً، وخصوصاً إنْ جاء من عالم أو يقيني كأنْ يقول: (وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا)، هذا ليس قَسَماً، إنما هو مساءلة. القسَم: أنْ تُقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طَلَبُ الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى: .. ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام.
والحق سبحانه يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله؛ لأن الشيء قد يكون تافهاً في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يُلفِت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلاً لما فَتَر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك.
والحكمة أن الوحي كان يَثْقُل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئِنُّ وتنخُّ به؛ ذلك لأن الوحي ثقيل.
كما قال سبحانه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥].
فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمةً برسول الله، وتسريةً عنه، وتخفيفاً من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قَلاَه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يُكذِّبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له رباً!!
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يوضح لهم هذه المسألة، وأنْ يُظهر غباءهم بهذا المقَسَم الذي جاء مناسباً للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المُقْسَم به، والمقْسَم عليه، فقال سبحانه: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
والمعنى: أنك يا محمد أُجهدتَ بالوحي، وكان لا بُدَّ أنْ تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيُخفِّف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيْسَرَ وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مُشَاهد، لا يختلف عليه اثنان.
فهم يعرفون ٱلضُّحَىٰ [الضحى: ١] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحى: ٢] يعني: سَكَن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليلُ بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟
لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكونَ قد ارتحْتَ من تعب النهار والسعي فيه، واستعدْتَ نشاطك ليوم جديد، ومعنى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخفّ وأيسر.
إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليُعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويُقسِم بما يشاء من مخلوقاته لِيُقرِّب لنا بواسطة المعلوم شيئاً مجهولاً.
هنا يقول تعالى: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا [الصافات: ١] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يُستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في: إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [يس: ٣] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إنْ أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قَدْر الإنكار.
فإذا قال الحق سبحانه مثلاً: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ [القيامة: ١] أو: لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ١-٤] وفي: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥-٧٦].
وفي هذه الآيات. قَسَم بدليل أن له جواباً، لكن لماذا نَفَاهُ القرآن، فقال (لاَ أُقْسِمُ) قالوا: لأن نَفْى القسم هنا أشدُّ من القسم المثبت؛ لأن القَسَم إنما جاء لتأكيد المقسَم عليه، ومعنى (لا أقسم) أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قَسَم، القَسَم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أمَّا هذا الأمر فواضح بيِّن، ومع ذلك سأقسم لك.
ومعنى وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره.
وإذا استعرضتَ مادة (ص ف ف) في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً [طه: ٦٤] يعني: مجتمعين مُتحدين، وقال: وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر: ٢٢].
وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ [الملك: ١٩].
صحيح، ترى الطائر في السماء باسطاً أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضاً ثابتاً في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلاً على صِدْق الحق في قوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١].
إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم.
ويقول عن الملائكة عموماً: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممَّنْ أنت أمامه مصفوفاً.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في نعيم الجنة: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية: ١٥].
بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] معنى فِي سَبِيلِهِ [الصف: ٤] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص؛ لذلك قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ١٢٢].
فالعالِم لا يقاتل؛ لأن مهمته حَمْل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صِدْق الدعوة؛ لأن الدعوة لو لم تكُنْ صادقة في نفس صاحبها لَمَا ضَحَّى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه.
وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال.
إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسِّنان، ولابد أنْ يُعلَم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليُكرِه غير المؤمن على الإيمان؛ لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلاداً كثيرة، وظلَّتْ على دينها.
والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضاً لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفاً واحداً لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله مُحْكماً التزموا به، وما كان متشابهاً لا يُكفِّر بعضهم بعضاً بسببه.
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ٢] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أنْ تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمّع الأخبار، ويُمكِّنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويُلْقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من استراق السمع، وسلَّط الله عليهم الشُهُب تنقضّ عليهم فتحرقهم.
فإنْ قلتَ: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ [الصافات: ٦-٩].
أما فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال: والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تُصَفُّ الملائكة تُصَفُّون أنتم، ولكلٍّ صلاته وعبادته.
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، أمَّا أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القَسَم تعظيمٌ للمقْسَم به، وينبغي ألاَّ يكون مُعظّماً عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أنْ تقول (وحياة فلان، ورأس علان) فإنْ كنتَ حالفاً فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف: فإذا ظهر ما يكون ظاهره قَسَماً بغير الله، فاعلم أنه لا يُعَدُّ قَسَماً، وخصوصاً إنْ جاء من عالم أو يقيني كأنْ يقول: (وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا)، هذا ليس قَسَماً، إنما هو مساءلة. القسَم: أنْ تُقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طَلَبُ الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى: .. ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام.
والحق سبحانه يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله؛ لأن الشيء قد يكون تافهاً في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يُلفِت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلاً لما فَتَر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك.
والحكمة أن الوحي كان يَثْقُل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئِنُّ وتنخُّ به؛ ذلك لأن الوحي ثقيل.
كما قال سبحانه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥].
فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمةً برسول الله، وتسريةً عنه، وتخفيفاً من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قَلاَه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يُكذِّبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له رباً!!
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يوضح لهم هذه المسألة، وأنْ يُظهر غباءهم بهذا المقَسَم الذي جاء مناسباً للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المُقْسَم به، والمقْسَم عليه، فقال سبحانه: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
والمعنى: أنك يا محمد أُجهدتَ بالوحي، وكان لا بُدَّ أنْ تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيُخفِّف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيْسَرَ وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مُشَاهد، لا يختلف عليه اثنان.
فهم يعرفون ٱلضُّحَىٰ [الضحى: ١] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحى: ٢] يعني: سَكَن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليلُ بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟
لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكونَ قد ارتحْتَ من تعب النهار والسعي فيه، واستعدْتَ نشاطك ليوم جديد، ومعنى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخفّ وأيسر.
إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليُعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويُقسِم بما يشاء من مخلوقاته لِيُقرِّب لنا بواسطة المعلوم شيئاً مجهولاً.
هنا يقول تعالى: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا [الصافات: ١] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يُستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في: إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [يس: ٣] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إنْ أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قَدْر الإنكار.
فإذا قال الحق سبحانه مثلاً: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ [القيامة: ١] أو: لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ١-٤] وفي: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥-٧٦].
وفي هذه الآيات. قَسَم بدليل أن له جواباً، لكن لماذا نَفَاهُ القرآن، فقال (لاَ أُقْسِمُ) قالوا: لأن نَفْى القسم هنا أشدُّ من القسم المثبت؛ لأن القَسَم إنما جاء لتأكيد المقسَم عليه، ومعنى (لا أقسم) أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قَسَم، القَسَم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أمَّا هذا الأمر فواضح بيِّن، ومع ذلك سأقسم لك.
ومعنى وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره.
وإذا استعرضتَ مادة (ص ف ف) في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً [طه: ٦٤] يعني: مجتمعين مُتحدين، وقال: وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر: ٢٢].
وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ [الملك: ١٩].
صحيح، ترى الطائر في السماء باسطاً أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضاً ثابتاً في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلاً على صِدْق الحق في قوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١].
إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم.
ويقول عن الملائكة عموماً: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممَّنْ أنت أمامه مصفوفاً.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في نعيم الجنة: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية: ١٥].
بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] معنى فِي سَبِيلِهِ [الصف: ٤] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص؛ لذلك قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ١٢٢].
فالعالِم لا يقاتل؛ لأن مهمته حَمْل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صِدْق الدعوة؛ لأن الدعوة لو لم تكُنْ صادقة في نفس صاحبها لَمَا ضَحَّى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه.
وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال.
إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسِّنان، ولابد أنْ يُعلَم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليُكرِه غير المؤمن على الإيمان؛ لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلاداً كثيرة، وظلَّتْ على دينها.
والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضاً لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفاً واحداً لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله مُحْكماً التزموا به، وما كان متشابهاً لا يُكفِّر بعضهم بعضاً بسببه.
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ٢] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أنْ تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمّع الأخبار، ويُمكِّنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويُلْقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من استراق السمع، وسلَّط الله عليهم الشُهُب تنقضّ عليهم فتحرقهم.
فإنْ قلتَ: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ [الصافات: ٦-٩].
أما فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال: والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تُصَفُّ الملائكة تُصَفُّون أنتم، ولكلٍّ صلاته وعبادته.
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
آية رقم ٣
ﭗﭘ
ﭙ
هذا الأسلوب يُسمَّى أسلوب القسم، الله تعالى هو المقْسِم يُقسِم على إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمراده تعالى في القسم، فالله يريد منَّا إنْ أقسمنا أَلاَّ نُقسِم إلا به سبحانه، لكن بالاستقراء رأينا أنَّ الحق سبحانه يقسم بخَلْق من خَلْقه، فيُقسِم بالملائكة، ويُقسِم بالحيوان، ويُقسِم بالجبال، ويُقسِم بالفجر.. الخ.
قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، أمَّا أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القَسَم تعظيمٌ للمقْسَم به، وينبغي ألاَّ يكون مُعظّماً عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أنْ تقول (وحياة فلان، ورأس علان) فإنْ كنتَ حالفاً فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف: فإذا ظهر ما يكون ظاهره قَسَماً بغير الله، فاعلم أنه لا يُعَدُّ قَسَماً، وخصوصاً إنْ جاء من عالم أو يقيني كأنْ يقول: (وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا)، هذا ليس قَسَماً، إنما هو مساءلة. القسَم: أنْ تُقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طَلَبُ الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى: .. ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام.
والحق سبحانه يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله؛ لأن الشيء قد يكون تافهاً في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يُلفِت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلاً لما فَتَر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك.
والحكمة أن الوحي كان يَثْقُل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئِنُّ وتنخُّ به؛ ذلك لأن الوحي ثقيل.
كما قال سبحانه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥].
فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمةً برسول الله، وتسريةً عنه، وتخفيفاً من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قَلاَه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يُكذِّبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له رباً!!
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يوضح لهم هذه المسألة، وأنْ يُظهر غباءهم بهذا المقَسَم الذي جاء مناسباً للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المُقْسَم به، والمقْسَم عليه، فقال سبحانه: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
والمعنى: أنك يا محمد أُجهدتَ بالوحي، وكان لا بُدَّ أنْ تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيُخفِّف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيْسَرَ وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مُشَاهد، لا يختلف عليه اثنان.
فهم يعرفون ٱلضُّحَىٰ [الضحى: ١] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحى: ٢] يعني: سَكَن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليلُ بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟
لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكونَ قد ارتحْتَ من تعب النهار والسعي فيه، واستعدْتَ نشاطك ليوم جديد، ومعنى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخفّ وأيسر.
إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليُعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويُقسِم بما يشاء من مخلوقاته لِيُقرِّب لنا بواسطة المعلوم شيئاً مجهولاً.
هنا يقول تعالى: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا [الصافات: ١] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يُستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في: إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [يس: ٣] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إنْ أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قَدْر الإنكار.
فإذا قال الحق سبحانه مثلاً: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ [القيامة: ١] أو: لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ١-٤] وفي: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥-٧٦].
وفي هذه الآيات. قَسَم بدليل أن له جواباً، لكن لماذا نَفَاهُ القرآن، فقال (لاَ أُقْسِمُ) قالوا: لأن نَفْى القسم هنا أشدُّ من القسم المثبت؛ لأن القَسَم إنما جاء لتأكيد المقسَم عليه، ومعنى (لا أقسم) أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قَسَم، القَسَم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أمَّا هذا الأمر فواضح بيِّن، ومع ذلك سأقسم لك.
ومعنى وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره.
وإذا استعرضتَ مادة (ص ف ف) في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً [طه: ٦٤] يعني: مجتمعين مُتحدين، وقال: وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر: ٢٢].
وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ [الملك: ١٩].
صحيح، ترى الطائر في السماء باسطاً أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضاً ثابتاً في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلاً على صِدْق الحق في قوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١].
إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم.
ويقول عن الملائكة عموماً: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممَّنْ أنت أمامه مصفوفاً.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في نعيم الجنة: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية: ١٥].
بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] معنى فِي سَبِيلِهِ [الصف: ٤] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص؛ لذلك قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ١٢٢].
فالعالِم لا يقاتل؛ لأن مهمته حَمْل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صِدْق الدعوة؛ لأن الدعوة لو لم تكُنْ صادقة في نفس صاحبها لَمَا ضَحَّى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه.
وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال.
إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسِّنان، ولابد أنْ يُعلَم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليُكرِه غير المؤمن على الإيمان؛ لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلاداً كثيرة، وظلَّتْ على دينها.
والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضاً لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفاً واحداً لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله مُحْكماً التزموا به، وما كان متشابهاً لا يُكفِّر بعضهم بعضاً بسببه.
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ٢] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أنْ تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمّع الأخبار، ويُمكِّنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويُلْقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من استراق السمع، وسلَّط الله عليهم الشُهُب تنقضّ عليهم فتحرقهم.
فإنْ قلتَ: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ [الصافات: ٦-٩].
أما فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال: والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تُصَفُّ الملائكة تُصَفُّون أنتم، ولكلٍّ صلاته وعبادته.
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، أمَّا أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القَسَم تعظيمٌ للمقْسَم به، وينبغي ألاَّ يكون مُعظّماً عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أنْ تقول (وحياة فلان، ورأس علان) فإنْ كنتَ حالفاً فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف: فإذا ظهر ما يكون ظاهره قَسَماً بغير الله، فاعلم أنه لا يُعَدُّ قَسَماً، وخصوصاً إنْ جاء من عالم أو يقيني كأنْ يقول: (وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا)، هذا ليس قَسَماً، إنما هو مساءلة. القسَم: أنْ تُقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طَلَبُ الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى: .. ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام.
والحق سبحانه يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله؛ لأن الشيء قد يكون تافهاً في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يُلفِت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلاً لما فَتَر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك.
والحكمة أن الوحي كان يَثْقُل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئِنُّ وتنخُّ به؛ ذلك لأن الوحي ثقيل.
كما قال سبحانه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥].
فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمةً برسول الله، وتسريةً عنه، وتخفيفاً من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قَلاَه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يُكذِّبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له رباً!!
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يوضح لهم هذه المسألة، وأنْ يُظهر غباءهم بهذا المقَسَم الذي جاء مناسباً للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المُقْسَم به، والمقْسَم عليه، فقال سبحانه: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
والمعنى: أنك يا محمد أُجهدتَ بالوحي، وكان لا بُدَّ أنْ تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيُخفِّف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيْسَرَ وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مُشَاهد، لا يختلف عليه اثنان.
فهم يعرفون ٱلضُّحَىٰ [الضحى: ١] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحى: ٢] يعني: سَكَن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليلُ بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟
لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكونَ قد ارتحْتَ من تعب النهار والسعي فيه، واستعدْتَ نشاطك ليوم جديد، ومعنى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخفّ وأيسر.
إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليُعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويُقسِم بما يشاء من مخلوقاته لِيُقرِّب لنا بواسطة المعلوم شيئاً مجهولاً.
هنا يقول تعالى: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا [الصافات: ١] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يُستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في: إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [يس: ٣] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إنْ أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قَدْر الإنكار.
فإذا قال الحق سبحانه مثلاً: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ [القيامة: ١] أو: لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ١-٤] وفي: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥-٧٦].
وفي هذه الآيات. قَسَم بدليل أن له جواباً، لكن لماذا نَفَاهُ القرآن، فقال (لاَ أُقْسِمُ) قالوا: لأن نَفْى القسم هنا أشدُّ من القسم المثبت؛ لأن القَسَم إنما جاء لتأكيد المقسَم عليه، ومعنى (لا أقسم) أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قَسَم، القَسَم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أمَّا هذا الأمر فواضح بيِّن، ومع ذلك سأقسم لك.
ومعنى وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره.
وإذا استعرضتَ مادة (ص ف ف) في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً [طه: ٦٤] يعني: مجتمعين مُتحدين، وقال: وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر: ٢٢].
وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ [الملك: ١٩].
صحيح، ترى الطائر في السماء باسطاً أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضاً ثابتاً في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلاً على صِدْق الحق في قوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١].
إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم.
ويقول عن الملائكة عموماً: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممَّنْ أنت أمامه مصفوفاً.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في نعيم الجنة: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية: ١٥].
بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] معنى فِي سَبِيلِهِ [الصف: ٤] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص؛ لذلك قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ١٢٢].
فالعالِم لا يقاتل؛ لأن مهمته حَمْل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صِدْق الدعوة؛ لأن الدعوة لو لم تكُنْ صادقة في نفس صاحبها لَمَا ضَحَّى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه.
وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال.
إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسِّنان، ولابد أنْ يُعلَم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليُكرِه غير المؤمن على الإيمان؛ لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلاداً كثيرة، وظلَّتْ على دينها.
والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضاً لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفاً واحداً لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله مُحْكماً التزموا به، وما كان متشابهاً لا يُكفِّر بعضهم بعضاً بسببه.
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ٢] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أنْ تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمّع الأخبار، ويُمكِّنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويُلْقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من استراق السمع، وسلَّط الله عليهم الشُهُب تنقضّ عليهم فتحرقهم.
فإنْ قلتَ: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ [الصافات: ٦-٩].
أما فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال: والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تُصَفُّ الملائكة تُصَفُّون أنتم، ولكلٍّ صلاته وعبادته.
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
آية رقم ٤
ﭚﭛﭜ
ﭝ
هذا الأسلوب يُسمَّى أسلوب القسم، الله تعالى هو المقْسِم يُقسِم على إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمراده تعالى في القسم، فالله يريد منَّا إنْ أقسمنا أَلاَّ نُقسِم إلا به سبحانه، لكن بالاستقراء رأينا أنَّ الحق سبحانه يقسم بخَلْق من خَلْقه، فيُقسِم بالملائكة، ويُقسِم بالحيوان، ويُقسِم بالجبال، ويُقسِم بالفجر.. الخ.
قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، أمَّا أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القَسَم تعظيمٌ للمقْسَم به، وينبغي ألاَّ يكون مُعظّماً عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أنْ تقول (وحياة فلان، ورأس علان) فإنْ كنتَ حالفاً فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف: فإذا ظهر ما يكون ظاهره قَسَماً بغير الله، فاعلم أنه لا يُعَدُّ قَسَماً، وخصوصاً إنْ جاء من عالم أو يقيني كأنْ يقول: (وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا)، هذا ليس قَسَماً، إنما هو مساءلة. القسَم: أنْ تُقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طَلَبُ الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى: .. ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام.
والحق سبحانه يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله؛ لأن الشيء قد يكون تافهاً في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يُلفِت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلاً لما فَتَر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك.
والحكمة أن الوحي كان يَثْقُل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئِنُّ وتنخُّ به؛ ذلك لأن الوحي ثقيل.
كما قال سبحانه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥].
فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمةً برسول الله، وتسريةً عنه، وتخفيفاً من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قَلاَه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يُكذِّبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له رباً!!
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يوضح لهم هذه المسألة، وأنْ يُظهر غباءهم بهذا المقَسَم الذي جاء مناسباً للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المُقْسَم به، والمقْسَم عليه، فقال سبحانه: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
والمعنى: أنك يا محمد أُجهدتَ بالوحي، وكان لا بُدَّ أنْ تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيُخفِّف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيْسَرَ وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مُشَاهد، لا يختلف عليه اثنان.
فهم يعرفون ٱلضُّحَىٰ [الضحى: ١] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحى: ٢] يعني: سَكَن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليلُ بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟
لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكونَ قد ارتحْتَ من تعب النهار والسعي فيه، واستعدْتَ نشاطك ليوم جديد، ومعنى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخفّ وأيسر.
إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليُعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويُقسِم بما يشاء من مخلوقاته لِيُقرِّب لنا بواسطة المعلوم شيئاً مجهولاً.
هنا يقول تعالى: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا [الصافات: ١] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يُستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في: إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [يس: ٣] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إنْ أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قَدْر الإنكار.
فإذا قال الحق سبحانه مثلاً: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ [القيامة: ١] أو: لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ١-٤] وفي: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥-٧٦].
وفي هذه الآيات. قَسَم بدليل أن له جواباً، لكن لماذا نَفَاهُ القرآن، فقال (لاَ أُقْسِمُ) قالوا: لأن نَفْى القسم هنا أشدُّ من القسم المثبت؛ لأن القَسَم إنما جاء لتأكيد المقسَم عليه، ومعنى (لا أقسم) أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قَسَم، القَسَم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أمَّا هذا الأمر فواضح بيِّن، ومع ذلك سأقسم لك.
ومعنى وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره.
وإذا استعرضتَ مادة (ص ف ف) في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً [طه: ٦٤] يعني: مجتمعين مُتحدين، وقال: وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر: ٢٢].
وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ [الملك: ١٩].
صحيح، ترى الطائر في السماء باسطاً أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضاً ثابتاً في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلاً على صِدْق الحق في قوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١].
إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم.
ويقول عن الملائكة عموماً: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممَّنْ أنت أمامه مصفوفاً.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في نعيم الجنة: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية: ١٥].
بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] معنى فِي سَبِيلِهِ [الصف: ٤] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص؛ لذلك قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ١٢٢].
فالعالِم لا يقاتل؛ لأن مهمته حَمْل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صِدْق الدعوة؛ لأن الدعوة لو لم تكُنْ صادقة في نفس صاحبها لَمَا ضَحَّى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه.
وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال.
إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسِّنان، ولابد أنْ يُعلَم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليُكرِه غير المؤمن على الإيمان؛ لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلاداً كثيرة، وظلَّتْ على دينها.
والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضاً لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفاً واحداً لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله مُحْكماً التزموا به، وما كان متشابهاً لا يُكفِّر بعضهم بعضاً بسببه.
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ٢] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أنْ تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمّع الأخبار، ويُمكِّنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويُلْقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من استراق السمع، وسلَّط الله عليهم الشُهُب تنقضّ عليهم فتحرقهم.
فإنْ قلتَ: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ [الصافات: ٦-٩].
أما فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال: والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تُصَفُّ الملائكة تُصَفُّون أنتم، ولكلٍّ صلاته وعبادته.
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، أمَّا أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القَسَم تعظيمٌ للمقْسَم به، وينبغي ألاَّ يكون مُعظّماً عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أنْ تقول (وحياة فلان، ورأس علان) فإنْ كنتَ حالفاً فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف: فإذا ظهر ما يكون ظاهره قَسَماً بغير الله، فاعلم أنه لا يُعَدُّ قَسَماً، وخصوصاً إنْ جاء من عالم أو يقيني كأنْ يقول: (وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا)، هذا ليس قَسَماً، إنما هو مساءلة. القسَم: أنْ تُقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طَلَبُ الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى: .. ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام.
والحق سبحانه يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله؛ لأن الشيء قد يكون تافهاً في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يُلفِت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلاً لما فَتَر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك.
والحكمة أن الوحي كان يَثْقُل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئِنُّ وتنخُّ به؛ ذلك لأن الوحي ثقيل.
كما قال سبحانه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥].
فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمةً برسول الله، وتسريةً عنه، وتخفيفاً من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قَلاَه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يُكذِّبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له رباً!!
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يوضح لهم هذه المسألة، وأنْ يُظهر غباءهم بهذا المقَسَم الذي جاء مناسباً للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المُقْسَم به، والمقْسَم عليه، فقال سبحانه: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
والمعنى: أنك يا محمد أُجهدتَ بالوحي، وكان لا بُدَّ أنْ تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيُخفِّف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيْسَرَ وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مُشَاهد، لا يختلف عليه اثنان.
فهم يعرفون ٱلضُّحَىٰ [الضحى: ١] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحى: ٢] يعني: سَكَن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليلُ بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟
لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكونَ قد ارتحْتَ من تعب النهار والسعي فيه، واستعدْتَ نشاطك ليوم جديد، ومعنى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخفّ وأيسر.
إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليُعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويُقسِم بما يشاء من مخلوقاته لِيُقرِّب لنا بواسطة المعلوم شيئاً مجهولاً.
هنا يقول تعالى: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا [الصافات: ١] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يُستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في: إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [يس: ٣] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إنْ أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قَدْر الإنكار.
فإذا قال الحق سبحانه مثلاً: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ [القيامة: ١] أو: لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ١-٤] وفي: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥-٧٦].
وفي هذه الآيات. قَسَم بدليل أن له جواباً، لكن لماذا نَفَاهُ القرآن، فقال (لاَ أُقْسِمُ) قالوا: لأن نَفْى القسم هنا أشدُّ من القسم المثبت؛ لأن القَسَم إنما جاء لتأكيد المقسَم عليه، ومعنى (لا أقسم) أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قَسَم، القَسَم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أمَّا هذا الأمر فواضح بيِّن، ومع ذلك سأقسم لك.
ومعنى وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره.
وإذا استعرضتَ مادة (ص ف ف) في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً [طه: ٦٤] يعني: مجتمعين مُتحدين، وقال: وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر: ٢٢].
وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ [الملك: ١٩].
صحيح، ترى الطائر في السماء باسطاً أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضاً ثابتاً في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلاً على صِدْق الحق في قوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١].
إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم.
ويقول عن الملائكة عموماً: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممَّنْ أنت أمامه مصفوفاً.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في نعيم الجنة: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية: ١٥].
بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] معنى فِي سَبِيلِهِ [الصف: ٤] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص؛ لذلك قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ١٢٢].
فالعالِم لا يقاتل؛ لأن مهمته حَمْل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صِدْق الدعوة؛ لأن الدعوة لو لم تكُنْ صادقة في نفس صاحبها لَمَا ضَحَّى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه.
وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال.
إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسِّنان، ولابد أنْ يُعلَم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليُكرِه غير المؤمن على الإيمان؛ لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلاداً كثيرة، وظلَّتْ على دينها.
والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضاً لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفاً واحداً لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله مُحْكماً التزموا به، وما كان متشابهاً لا يُكفِّر بعضهم بعضاً بسببه.
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ٢] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أنْ تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩].
وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمّع الأخبار، ويُمكِّنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويُلْقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من استراق السمع، وسلَّط الله عليهم الشُهُب تنقضّ عليهم فتحرقهم.
فإنْ قلتَ: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ [الصافات: ٦-٩].
أما فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَٱلصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال: والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تُصَفُّ الملائكة تُصَفُّون أنتم، ولكلٍّ صلاته وعبادته.
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
آية رقم ٥
رَّبُّ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ
وفي آية أخرى قال:
لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ [طه: ٦] وهذا الذي تحت الثرى هو الذي يحتاج مِنّا إلى بحث لنصل إليه ونكتشفه ونُخرجه كما قلنا من عالم الملكوت إلى عالم الملْك.
هنا قال وَرَبُّ الْمَشَارِقِ [الصافات: ٥]، وفي موضع آخر قال:
بِرَبِّ الْمَشَٰرِقِ وَالْمَغَٰرِبِ [المعارج: ٤٠] إذن: الحق سبحانه يُبْقي لألمحية الالتقاط الذهني من الألفاظ موضعاً، فما دام هناك مشارق إذن لابد أنْ يقابلها مغارب؛ لأن الشمس لا تشرق على قوم إلا وتغرب عن آخرين، إذن: عرفناها باللزوم.
وحين نستعرض هاتين الكلمتين في كتاب الله نجد أنهما تأتيان مرة بصيغة المفرد
رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: ٩]، وتأتي بصيغة المثنى
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧]، وتأتي بصيغة الجمع
بِرَبِّ الْمَشَٰرِقِ وَالْمَغَٰرِبِ [المعارج: ٤٠].
ذلك لأنه إذا خاطب الإنسان الواحد في المكان الواحد قال المشرق والمغرب، لأن لكل مكان مشرقاً ومغرباً، فإنْ تعدَّدتْ الأماكن تعددت المشارق والمغارب، فنحن مثلاً في القطر الواحد نلاحظ أن مغرب القاهرة غير مغرب الأسكندرية، فإذا نظرنا إلى كل الأمكنة في الكرة الأرضية علمنا أن المشارق والمغارب لا تتناهى، ففي كل نصف ثانية مشرق ومغرب.
لذلك قلنا: من حكمة الخالق سبحانه في دورة الأرض حول نفسها، وحول الشمس أنها تُوزع مقومات الحياة في الكون كله، فلو ظَلَّتْ الشمس مواجهةً لمكان واحد لاحترق، ولو ظلَّتْ غائبة عن مكان لَتجمَّد. ونتيجة هذه الحركة يظل الحق سبحانه معبوداً في كل أوان بكل عبادة، كما سبق أن أوضحنا أنه في اللحظة الواحدة يُصلَّى الصبح عند قوم، والظهر عند آخرين، والعصر عند آخرين، والمغرب والعشاء، وهكذا على مَدار اليوم والليلة.
أما قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] قالوا: المشرقان يعني: المشرق والمغرب، أو مشرق الصيف ومشرق الشتاء.
وفي آية أخرى قال:
لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ [طه: ٦] وهذا الذي تحت الثرى هو الذي يحتاج مِنّا إلى بحث لنصل إليه ونكتشفه ونُخرجه كما قلنا من عالم الملكوت إلى عالم الملْك.
هنا قال وَرَبُّ الْمَشَارِقِ [الصافات: ٥]، وفي موضع آخر قال:
بِرَبِّ الْمَشَٰرِقِ وَالْمَغَٰرِبِ [المعارج: ٤٠] إذن: الحق سبحانه يُبْقي لألمحية الالتقاط الذهني من الألفاظ موضعاً، فما دام هناك مشارق إذن لابد أنْ يقابلها مغارب؛ لأن الشمس لا تشرق على قوم إلا وتغرب عن آخرين، إذن: عرفناها باللزوم.
وحين نستعرض هاتين الكلمتين في كتاب الله نجد أنهما تأتيان مرة بصيغة المفرد
رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: ٩]، وتأتي بصيغة المثنى
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧]، وتأتي بصيغة الجمع
بِرَبِّ الْمَشَٰرِقِ وَالْمَغَٰرِبِ [المعارج: ٤٠].
ذلك لأنه إذا خاطب الإنسان الواحد في المكان الواحد قال المشرق والمغرب، لأن لكل مكان مشرقاً ومغرباً، فإنْ تعدَّدتْ الأماكن تعددت المشارق والمغارب، فنحن مثلاً في القطر الواحد نلاحظ أن مغرب القاهرة غير مغرب الأسكندرية، فإذا نظرنا إلى كل الأمكنة في الكرة الأرضية علمنا أن المشارق والمغارب لا تتناهى، ففي كل نصف ثانية مشرق ومغرب.
لذلك قلنا: من حكمة الخالق سبحانه في دورة الأرض حول نفسها، وحول الشمس أنها تُوزع مقومات الحياة في الكون كله، فلو ظَلَّتْ الشمس مواجهةً لمكان واحد لاحترق، ولو ظلَّتْ غائبة عن مكان لَتجمَّد. ونتيجة هذه الحركة يظل الحق سبحانه معبوداً في كل أوان بكل عبادة، كما سبق أن أوضحنا أنه في اللحظة الواحدة يُصلَّى الصبح عند قوم، والظهر عند آخرين، والعصر عند آخرين، والمغرب والعشاء، وهكذا على مَدار اليوم والليلة.
أما قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] قالوا: المشرقان يعني: المشرق والمغرب، أو مشرق الصيف ومشرق الشتاء.
آية رقم ٦
ﭦﭧﭨﭩﭪﭫ
ﭬ
نعم، حين ننظر إلى السماء ليلاً نجدها مُزْدانةً بالنجوم تتلألأ، وفي هذه النجوم عجائب وأسرار عرفها العربي الأُميُّ، فعرف النجم وعرف اسمه ومكانه وحركته، واهتدى به في سيره في الصحراء، كما قال سبحانه: وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦].
وحين تتأمل هذه النجوم في السماء ترى أن الله تعالى أراد أنْ يرحمنا من حرارة الشمس، ويُبقي لنا آثار الضوء نهتدي به ليلاً؛ لأن هذه النجوم إنما تستمد ضوءها من ضوء الشمس.
ثم للكواكب مهمة أخرى: وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [الصافات: ٧] يعني: تحفظنا هذه الكواكب من الشياطين؛ لأنها تنقضّ على الشياطين فتحرقها، وهذا النوع يُسمُّونه النيازك، أما زينة الكواكب فباقية لأنها لا دَخْل لها بهذه المسألة، أما النجوم المخصصة للشيطان المارد، فلا بُدَّ أنْ تتناقص.
ومعنى (المارد) أي: المتمرد على منهج ربه، لأنه وارث لإبليس، يقف من ذريته نفس الموقف الذي وقفه إبليس من آدم، فإنْ قلْتَ: الله تعالى يريد أن يسود منهجه الكونَ، ليسود السلامُ والأَمْن والطمأنينة، فلماذا إذن يخلق الشيطان المارد؟ نقول: ليُوصِّل الإيمان في النفس المؤمنة مع وجود المخالف، وإلا فما الميزة إذا كان الجميع مؤمنين طائعين، إذن: لابُدَّ أنْ نُصفي أهل الإيمان، وأنْ نُمحِّصهم لنعلم أهل الثبات، لأنهم سيحملون دعوة يظل نداؤها إلى أنْ تقومَ الساعة، فهذه لا يحملها ألا أولو العزم.
وقوله: لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ [الصافات: ٨] جاءت هذه الآيات بعد أنْ أقسم الله بالزاجرات زَجْراً، وقلنا: من معانيها أن الملائكة تزجر الشياطين عن استراقِ السمع في الملأ الأعلى، حيث كانوا يخطفون بعض الجزئيات ويُلْقُونها إلى أوليائهم من الكهنة فيضيف هؤلاء إليها كثيراً من الكذب ليُضلِّلوا به الخَلْق.
وقد كَثُر هذا الاستراق قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بُعِث صلى الله عليه وسلم منعهم الله من استراقِ السمع، وسلَّط عليهم الشهب تزجرهم وتنقضّ عليهم، كما حكى القرآن: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩] ذلك تكريماً لرسالة محمد أن يدلِّس عليها تدخُّل الشياطين بشيء يفسد على الناس عقائدهم، فقال: فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ٢].
ومن عجائب الزَّجْر أنه يأتي على معنيين. فمعنى: زَجَرْتُ إنساناً يعنى: نهيتُه عن عمل شيء، أما زجرتُ الدابة يعني: أحثُّها على السير، ومن ذلك قول الشاعر:
فَيَا وَيْحَنَا إلْفَيْنِ بُوعِدَ بَيْنَنَا فَهَذا لهُ عُشٌّ وَذَلِكَ فِي عُشّ
فَلَمَّا ألحَّتْ لِلْوِصَالِ صَبَابَتي زَجَرْتُ جَوَادِى أنْ يطِيرَ ولاَ يَمْشِي
وفي المعنى الآخر، قال الشاعر:
.... لَمْ يُبْقِ فِيـ ـنَا لِلْمودَّةِ مَطْرَحاً
إِنِّي زَجَرْتُكَ عَنْ خَناً فَزَجَرْتَنِي أَنْ أَنْصَحَا
فالزَّجْر يأتي بمعنيين متضادين.
ومعنى لاَّ يَسَّمَّعُونَ [الصافات: ٨] فَرْق بين سَمِع وتسمَّع: سَمِع يعني دون قَصْد منه، إنما تسمَّع يعني حاول وتكلَّف أنْ يسمع بصرف النظر أنه سمع شيئاً أو لم يسمع.
والمعنى: أن هؤلاء الشياطين مُنِعُوا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم من تسمُّع الأخبار في الملأ الأعلى، وهم يحاولون، لكن تزجرهم الملائكة وتنقضُّ عليهم الشُّهُب.
وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ [الصافات: ٨] والقذف: الرَّجْم بحيث تكون الضربة نافذة دُحُوراً [الصافات: ٩] يعني: مذمومين مطرودين، والمدحور هو المطرود بإهانة وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ [الصافات: ٩] يعني: دائم لا يتغير، ومنه قوله تعالى وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً.. [النحل: ٥٢] يعني: دائماً، فالدين هو هو واحد مع كل الرسل، ووَصْف العذاب هنا بأنه دائم؛ لأنه حِيَل بينه وبين إنفاذ مهمته في استراق السمع والتقاط الأخبار من الملأ الأعلى.
وحين تتأمل هذه النجوم في السماء ترى أن الله تعالى أراد أنْ يرحمنا من حرارة الشمس، ويُبقي لنا آثار الضوء نهتدي به ليلاً؛ لأن هذه النجوم إنما تستمد ضوءها من ضوء الشمس.
ثم للكواكب مهمة أخرى: وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [الصافات: ٧] يعني: تحفظنا هذه الكواكب من الشياطين؛ لأنها تنقضّ على الشياطين فتحرقها، وهذا النوع يُسمُّونه النيازك، أما زينة الكواكب فباقية لأنها لا دَخْل لها بهذه المسألة، أما النجوم المخصصة للشيطان المارد، فلا بُدَّ أنْ تتناقص.
ومعنى (المارد) أي: المتمرد على منهج ربه، لأنه وارث لإبليس، يقف من ذريته نفس الموقف الذي وقفه إبليس من آدم، فإنْ قلْتَ: الله تعالى يريد أن يسود منهجه الكونَ، ليسود السلامُ والأَمْن والطمأنينة، فلماذا إذن يخلق الشيطان المارد؟ نقول: ليُوصِّل الإيمان في النفس المؤمنة مع وجود المخالف، وإلا فما الميزة إذا كان الجميع مؤمنين طائعين، إذن: لابُدَّ أنْ نُصفي أهل الإيمان، وأنْ نُمحِّصهم لنعلم أهل الثبات، لأنهم سيحملون دعوة يظل نداؤها إلى أنْ تقومَ الساعة، فهذه لا يحملها ألا أولو العزم.
وقوله: لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ [الصافات: ٨] جاءت هذه الآيات بعد أنْ أقسم الله بالزاجرات زَجْراً، وقلنا: من معانيها أن الملائكة تزجر الشياطين عن استراقِ السمع في الملأ الأعلى، حيث كانوا يخطفون بعض الجزئيات ويُلْقُونها إلى أوليائهم من الكهنة فيضيف هؤلاء إليها كثيراً من الكذب ليُضلِّلوا به الخَلْق.
وقد كَثُر هذا الاستراق قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بُعِث صلى الله عليه وسلم منعهم الله من استراقِ السمع، وسلَّط عليهم الشهب تزجرهم وتنقضّ عليهم، كما حكى القرآن: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [الجن: ٩] ذلك تكريماً لرسالة محمد أن يدلِّس عليها تدخُّل الشياطين بشيء يفسد على الناس عقائدهم، فقال: فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ٢].
ومن عجائب الزَّجْر أنه يأتي على معنيين. فمعنى: زَجَرْتُ إنساناً يعنى: نهيتُه عن عمل شيء، أما زجرتُ الدابة يعني: أحثُّها على السير، ومن ذلك قول الشاعر:
فَيَا وَيْحَنَا إلْفَيْنِ بُوعِدَ بَيْنَنَا فَهَذا لهُ عُشٌّ وَذَلِكَ فِي عُشّ
فَلَمَّا ألحَّتْ لِلْوِصَالِ صَبَابَتي زَجَرْتُ جَوَادِى أنْ يطِيرَ ولاَ يَمْشِي
وفي المعنى الآخر، قال الشاعر:
.... لَمْ يُبْقِ فِيـ ـنَا لِلْمودَّةِ مَطْرَحاً
إِنِّي زَجَرْتُكَ عَنْ خَناً فَزَجَرْتَنِي أَنْ أَنْصَحَا
فالزَّجْر يأتي بمعنيين متضادين.
ومعنى لاَّ يَسَّمَّعُونَ [الصافات: ٨] فَرْق بين سَمِع وتسمَّع: سَمِع يعني دون قَصْد منه، إنما تسمَّع يعني حاول وتكلَّف أنْ يسمع بصرف النظر أنه سمع شيئاً أو لم يسمع.
والمعنى: أن هؤلاء الشياطين مُنِعُوا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم من تسمُّع الأخبار في الملأ الأعلى، وهم يحاولون، لكن تزجرهم الملائكة وتنقضُّ عليهم الشُّهُب.
وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ [الصافات: ٨] والقذف: الرَّجْم بحيث تكون الضربة نافذة دُحُوراً [الصافات: ٩] يعني: مذمومين مطرودين، والمدحور هو المطرود بإهانة وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ [الصافات: ٩] يعني: دائم لا يتغير، ومنه قوله تعالى وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً.. [النحل: ٥٢] يعني: دائماً، فالدين هو هو واحد مع كل الرسل، ووَصْف العذاب هنا بأنه دائم؛ لأنه حِيَل بينه وبين إنفاذ مهمته في استراق السمع والتقاط الأخبار من الملأ الأعلى.
آية رقم ٧
ﭭﭮﭯﭰﭱ
ﭲ
ثم للكواكب مهمة أخرى: وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ يعني: تحفظنا هذه الكواكب من الشياطين؛ لأنها تنقضّ على الشياطين فتحرقها، وهذا النوع يُسمُّونه النيازك، أما زينة الكواكب فباقية لأنها لا دَخْل لها بهذه المسألة، أما النجوم المخصصة للشيطان المارد، فلا بُدَّ أنْ تتناقص.
ومعنى (المارد) أي: المتمرد على منهج ربه، لأنه وارث لإبليس، يقف من ذريته نفس الموقف الذي وقفه إبليس من آدم، فإنْ قلْتَ: الله تعالى يريد أن يسود منهجه الكونَ، ليسود السلامُ والأَمْن والطمأنينة، فلماذا إذن يخلق الشيطان المارد؟ نقول: ليُوصِّل الإيمان في النفس المؤمنة مع وجود المخالف، وإلا فما الميزة إذا كان الجميع مؤمنين طائعين، إذن: لابُدَّ أنْ نُصفي أهل الإيمان، وأنْ نُمحِّصهم لنعلم أهل الثبات، لأنهم سيحملون دعوة يظل نداؤها إلى أنْ تقومَ الساعة، فهذه لا يحملها ألا أولو العزم.
ومعنى (المارد) أي: المتمرد على منهج ربه، لأنه وارث لإبليس، يقف من ذريته نفس الموقف الذي وقفه إبليس من آدم، فإنْ قلْتَ: الله تعالى يريد أن يسود منهجه الكونَ، ليسود السلامُ والأَمْن والطمأنينة، فلماذا إذن يخلق الشيطان المارد؟ نقول: ليُوصِّل الإيمان في النفس المؤمنة مع وجود المخالف، وإلا فما الميزة إذا كان الجميع مؤمنين طائعين، إذن: لابُدَّ أنْ نُصفي أهل الإيمان، وأنْ نُمحِّصهم لنعلم أهل الثبات، لأنهم سيحملون دعوة يظل نداؤها إلى أنْ تقومَ الساعة، فهذه لا يحملها ألا أولو العزم.
آية رقم ٨
والمعنى: أن هؤلاء الشياطين مُنِعُوا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم من تسمُّع الأخبار في الملأ الأعلى، وهم يحاولون، لكن تزجرهم الملائكة وتنقضُّ عليهم الشُّهُب.
وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ والقذف: الرَّجْم بحيث تكون الضربة نافذة
وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ والقذف: الرَّجْم بحيث تكون الضربة نافذة
آية رقم ٩
ﭽﭾﭿﮀﮁ
ﮂ
دُحُوراً يعني: مذمومين مطرودين، والمدحور هو المطرود بإهانة وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ يعني: دائم لا يتغير، ومنه قوله تعالى
وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً.. [النحل: ٥٢] يعني: دائماً، فالدين هو هو واحد مع كل الرسل، ووَصْف العذاب هنا بأنه دائم؛ لأنه حِيَل بينه وبين إنفاذ مهمته في استراق السمع والتقاط الأخبار من الملأ الأعلى.
وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً.. [النحل: ٥٢] يعني: دائماً، فالدين هو هو واحد مع كل الرسل، ووَصْف العذاب هنا بأنه دائم؛ لأنه حِيَل بينه وبين إنفاذ مهمته في استراق السمع والتقاط الأخبار من الملأ الأعلى.
آية رقم ١٠
إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
المعنى: أن بعض هؤلاء المردة سيستطيعون خطف بعض الأخبار، لكن لن يتمكنوا من الفرار بها، وتوصيلها إلى أوليائهم. والخطف نوع من حيازة الملكية بدون وجه حق، فلكُلٍّ مِنَّا حيازة وملكية، ولا يُخرِجه عن ملكيته إلا مَنْ يأخذها منه اعتداءً وظلماً، ولهذا الاعتداء والظلم وسائل متعددة منها: الخطف وهو أنْ يُؤخَذ منك الشيء خَطْفاً يعني بسرعة، لكن على مَرْأَىً منك ولا تستطيع منعه؛ لأن الشيء بعيد عن متناول يدك، كالولد الصغير يخطف شيئاً من البائع ويجرى به.
فإنْ كان صاحب الشيء قريباً واستطاع الإمساك به فنازعه المعتدى وتغلَّب عليه وأخذه فهو غَصْب، فإنْ أخذ الشيء دون علم صاحبه فهو سرقة، أما إنْ كان مؤتمناً على المال وأخذ منه فهو اختلاس.. هذه كلها وسائل لحيازة أموال الغير دون وجه حق.
كذلك يخطف الشيطان بعض الأخبار ويحاول الفرار بها، لكن هيهات له ذلك فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ يعني: كوكب ينقضُّ عليه، ومعنى ثَاقِبٌ يعني: نافذ يخترق الأجواء، حتى يصل إلى هدفه في أسرع وقت.
فإنْ قُلْتَ: فلماذا لا يُمنع بدايةً من استراق السمع؟ قالوا: فَرْقٌ بين أنْ يُمنَع من الشيء أصلاً، وبين أنْ يناله ثم لا ينفذ به ولا يستفيد منه، إن الله يُمكِّنه من بعض الأخبار بالفعل فيسمعها، لكن تُعاجله الزاجرات والشُّهب من كل ناحية، فتكون حسرته أعظمَ، حسرة أنه تعب وتحمَّل المشاقَّ في استراق السمع والخطف، وحسرة أنه لم ينتفع بما سمع.
المعنى: أن بعض هؤلاء المردة سيستطيعون خطف بعض الأخبار، لكن لن يتمكنوا من الفرار بها، وتوصيلها إلى أوليائهم. والخطف نوع من حيازة الملكية بدون وجه حق، فلكُلٍّ مِنَّا حيازة وملكية، ولا يُخرِجه عن ملكيته إلا مَنْ يأخذها منه اعتداءً وظلماً، ولهذا الاعتداء والظلم وسائل متعددة منها: الخطف وهو أنْ يُؤخَذ منك الشيء خَطْفاً يعني بسرعة، لكن على مَرْأَىً منك ولا تستطيع منعه؛ لأن الشيء بعيد عن متناول يدك، كالولد الصغير يخطف شيئاً من البائع ويجرى به.
فإنْ كان صاحب الشيء قريباً واستطاع الإمساك به فنازعه المعتدى وتغلَّب عليه وأخذه فهو غَصْب، فإنْ أخذ الشيء دون علم صاحبه فهو سرقة، أما إنْ كان مؤتمناً على المال وأخذ منه فهو اختلاس.. هذه كلها وسائل لحيازة أموال الغير دون وجه حق.
كذلك يخطف الشيطان بعض الأخبار ويحاول الفرار بها، لكن هيهات له ذلك فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ يعني: كوكب ينقضُّ عليه، ومعنى ثَاقِبٌ يعني: نافذ يخترق الأجواء، حتى يصل إلى هدفه في أسرع وقت.
فإنْ قُلْتَ: فلماذا لا يُمنع بدايةً من استراق السمع؟ قالوا: فَرْقٌ بين أنْ يُمنَع من الشيء أصلاً، وبين أنْ يناله ثم لا ينفذ به ولا يستفيد منه، إن الله يُمكِّنه من بعض الأخبار بالفعل فيسمعها، لكن تُعاجله الزاجرات والشُّهب من كل ناحية، فتكون حسرته أعظمَ، حسرة أنه تعب وتحمَّل المشاقَّ في استراق السمع والخطف، وحسرة أنه لم ينتفع بما سمع.
آية رقم ١١
قوله تعالى: فَٱسْتَفْتِهِمْ [الصافات: ١١] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، يعني: سَلْهم، واستفتى طلب الفتوى؛ لأن الألف والسين والتاء تدل على الطلب، والفتوى من الفُتوَّة، فحين يكون الإنسان بصدد شيء، يريد أن ينفذه، ولا يعرف فيه طريق الحق والصواب يذهب إلى مَنْ هو أعلم منه يستفتيه. يعني: يطلب منه الفتوى أو الفتوَّة، والقوى الدافعة له على العمل، فكأنه كان ضعيفاً وأراد أن يَقْوَى برأي غيره.
فكأن الحق - سبحانه وتعالى - استأمنهم أنْ يُفتوا، وأنْ يجيبوا هم؛ لأنه سبحانه واثق من أن الخصوم لن يجدوا إلا قَوْلة الحق ينطقون بها؛ لذلك لم يأتِ سبحانه بالمراد إخباراً، إنما أتى به إقراراً منهم وشهادة؛ لأن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أمَّا الإقرار فلا يستطيع أحد إنكاره؛ لذلك قالوا: الإقرار سيد الأدلة.
ومضمون السؤال فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ [الصافات: ١١]؟ يعني: أهم وأعظم وأشدّ خَلْقاً من السماء والأرض، ثم لم يَأْت بالجواب لوضوحه، ولن يكون إلا أنّ خَلْق السماء والأرض أشدُّ من خَلْقهم وأعظم؛ لذلك قال سبحانه في موضع آخر: لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].
فإنْ أردتَ أنْ تُدلِّل على هذه المسألة فتأمل خَلْقك وخَلْق السماوات والأرض، فالسماء والأرض مع أنهما يخدمانك، إلا أنهما أطول عمراً منك وأبقى، فهما منذ خلقهما الله باقيان لم يزولا، أما الإنسان فيموت وهو طفل، ويموت وهو شاب، ويموت وهو شيخ، يموت ويترك التركة باقيةً تتوارثها الأجيال.
إذن: هما أشدّ وأقوى؛ لأنهما مخلوقان خلقة دائمة، وأقوى من ناحية أنهما محكومان باختيارهما حين قالتا: أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
فاختارا أن تكونا مُسخَّرتين قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب: ٧٢].
وقلنا: إن هناك فَرْقاً بين قدرة النفس على تحمُّل الأمانة وقدرتها على الأداء، فقد تتحمل الأمانة وتنوى أداءها، لكن لا تضمن نفسك عند الأداء، فربما تغيَّرتْ الظروف، أو طرأ عليك ما يحول بينك وبين أدائها؛ لذلك امتنعت السماوات والأرض عن حَمْل الأمانة، وخرجت عن مرادها لمراد ربها، فكانت مُسخَّرة. إذن: فهي أيضاً مُخيَّرة إلا أنها اختارتْ بكلمة واحدة منسحبة على الزمن كله، أما الإنسان فاختار أنْ يكون مختاراً ينفذ أو لا ينفذ.
ثم إن السماء والأرض وما بينهما وما فيهما من مخلوقات وكواكب وأجرام وأفلاك تسير وفق نظام دقيق مُحكَم، لا يشذ ولا يتخلف أبداً: ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن: ٥-٦].
وقال: لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠].
أما الإنسان فيتخبط في الحياة، ويخالف منهج ربه، وينحرف عن الطريق الذي رُسِمَ له. إذن: أيّهما أعظم خَلْقاً، وأشدّ تكويناً، وأصحّ أداءً؟ لا يسع هؤلاء الكفار رغم كفرهم إلا أنْ يقولوا: السماوات والأرض أشدُّ وأعظم من خَلْق الإنسان.
ومثال ذلك حين سألهم الله وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ [الزخرف: ٨٧] وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ [الزمر: ٣٨] لأن هذه كلها حقائق لا تُنكر، حتى من الكفار.
ثم يسوق لهم الحق سبحانه دليلاً على صِدْق هذه المسألة، فيقول: إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ [الصافات: ١١] يعني: هذا أصلهم، فأين هم من خَلْق السماوات والأرض؟ ومعنى لاَّزِبٍ [الصافات: ١١] يعني: طين متماسك بعضه ببعض، فهو وَسَط بين السيولة والصلابة، يعني: أشبه ما يكون بطين الصَّلْصَال الذي نوزعه على التلاميذ في المدارس، والطين تراب وُضِع عليه الماء، فإنْ زاد الماء صار الطين لَيِّناً يسيل من يدك، وإنْ قَلَّ الماء جَفَّ وتصلَّبَ.
لذلك وقف المستشرقون عند مراحل التكوين الإنساني يعترضون: من أيِّ شيء خَلِق الإنسان، والقرآن قال مِّن طِينٍ [المؤمنون: ١٢] و مِّن تُرَابٍ [الحج: ٥] و مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ [الحجر: ٣٣] و مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ [الرحمن: ١٤]. وقد غاب عنهم أن هذه مراحل للشيء الواحد كما قلنا، فالماء يُوضَع على التراب فيصير طيناً، ولو تُرِك هذا الطين إلى أنْ يعطن أو يتعفن يصير حمأ مسنوناً، فإنْ تُرِك حتى يجفَّ يصير صَلْصالاً.
الحق سبحانه يُحدِّثنا هنا عن الخَلْق الأول للإنسان فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ [الصافات: ١١]؛ لأن آدم عليه السلام خُلِق من الطين ثم خُلِقت بعده حواء، والقرآن قَصَّ علينا قصة خَلْق آدم، لكن اكتفى في خَلْق حواء بقوله تعالى: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: ١].
قالوا: مِنْهَا يعني من جنس تكوينها، فيصح أن تكون حواءُ قد خُلِقت مثل آدم من الطين، أو خُلِقَتْ من ضلع من أضلاعه، وفي كلتا الحالتين تعود إلى أصل الطين، والله تعالى يخلق ما يشاء، وسبق أنْ بيَّنا طلاقة القدرة في عملية خَلْق الإنسان، وأنها استوعبت كُلُّ الصور العقلية لهذه العملية، فالله سبحانه يخلق من لا أب ولا أم، ويخلق من أب بلا أم، ويخلق من أم بلا أب، وقد يجتمع الأب والأم ولا يحدث بينهما إنجاب.
يقول الحق سبحانه: يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً [الشورى: ٤٩-٥٠].
إذن: خُلِق الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام من الطين، وخُلِقَتْ من جنسه زوجه، ثم جاءت الذرية من آدم بعد أنْ فارق الطينية وصار إنساناً، فنحن وإنْ جئنا من نسل إنسان، إلا أنه يعود في أصله إلى الطين، فإنْ قُلْتَ: أين الطينية، وقد تشكَّل شكلاً آخر غير الطين، بدليل أنه إذا استحم بالماء لا يذوب كما يذوب الطين وتتفكك جزئياته.
نقول: لا بُدَّ أن يرد الإنسان الأصل أو الفرع إلى الأصل الأول وهو الطين؛ لأن الإنسان يتوالد ويتكاثر بواسطة الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في الأنثى، فمن أين يأتي هذا وهذه؟ من الدم، والدم نتيجة الغذاء، والغذاء مصدره الأرض والطين. إذن: سنؤول لا محالة إلى الطين، لكن من الطين مرة بواسطة، ومرة بدون واسطة.
والحق سبحانه نبّهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
فنحن لم نشاهد عملية الخَلْق، إنما أخبرنا الله بها، فعلمنا أن الإنسان خُلِق من الطين الذي مَرَّ بهذه المراحل، حتى نفخ الله فيه الروح، ودبَّتْ فيه الحياة، هذا كله لم نشاهده، لكن شاهدنا الموت الذي ينقض الحياة، وعلينا نحن أن نأخذ مما نشاهده دليلاً على صدق الغيب الذي أخبرنا الله به ولم نشاهده.
ونحن نعلم أن نَقْضَ الشيء يأتي على عكس بنائه، فالذي يهدم عمارة مثلاً من عدة أدوار يبدأ بالدور الأخير، كذلك يأتي الموت عكس الحياة، فأول شيء، تخرج الروح، ومعلوم أنْ نَفْخَ الروح في الإنسان هى آخر مرحلة في مراحل الخَلْق، فإذا ما فارقتْ الروحُ الجسدَ عاد إلى أصله، حيث يرمّ الجسد وتمتص الأرض ما فيه من الماء، ثم يتحلل الباقي ويعود إلى التراب الذي جاء منه.
ثم آخر، هو أن الإنسان الذي خُلِق من الطين وقوامه الغذاء الذي يخرج من الطين، لما حَلَّل العلماء جسمَ الإنسان وجدوه مُكوِّناً من ١٦ عنصراً. أولها: الأوكسجين، ثم الكربون، ثم الهيدروجين، ثم النتروجين.. الخ. وهي نفس العناصر المكوِّنة للتربة الزراعية الخِصْبة التي تعطينا القوت، إذن: يكون هذا دليلاً على صِدْق الحق - تبارك وتعالى - في قوله: إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ [الصافات: ١١].
فكأن الحق - سبحانه وتعالى - استأمنهم أنْ يُفتوا، وأنْ يجيبوا هم؛ لأنه سبحانه واثق من أن الخصوم لن يجدوا إلا قَوْلة الحق ينطقون بها؛ لذلك لم يأتِ سبحانه بالمراد إخباراً، إنما أتى به إقراراً منهم وشهادة؛ لأن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أمَّا الإقرار فلا يستطيع أحد إنكاره؛ لذلك قالوا: الإقرار سيد الأدلة.
ومضمون السؤال فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ [الصافات: ١١]؟ يعني: أهم وأعظم وأشدّ خَلْقاً من السماء والأرض، ثم لم يَأْت بالجواب لوضوحه، ولن يكون إلا أنّ خَلْق السماء والأرض أشدُّ من خَلْقهم وأعظم؛ لذلك قال سبحانه في موضع آخر: لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].
فإنْ أردتَ أنْ تُدلِّل على هذه المسألة فتأمل خَلْقك وخَلْق السماوات والأرض، فالسماء والأرض مع أنهما يخدمانك، إلا أنهما أطول عمراً منك وأبقى، فهما منذ خلقهما الله باقيان لم يزولا، أما الإنسان فيموت وهو طفل، ويموت وهو شاب، ويموت وهو شيخ، يموت ويترك التركة باقيةً تتوارثها الأجيال.
إذن: هما أشدّ وأقوى؛ لأنهما مخلوقان خلقة دائمة، وأقوى من ناحية أنهما محكومان باختيارهما حين قالتا: أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
فاختارا أن تكونا مُسخَّرتين قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب: ٧٢].
وقلنا: إن هناك فَرْقاً بين قدرة النفس على تحمُّل الأمانة وقدرتها على الأداء، فقد تتحمل الأمانة وتنوى أداءها، لكن لا تضمن نفسك عند الأداء، فربما تغيَّرتْ الظروف، أو طرأ عليك ما يحول بينك وبين أدائها؛ لذلك امتنعت السماوات والأرض عن حَمْل الأمانة، وخرجت عن مرادها لمراد ربها، فكانت مُسخَّرة. إذن: فهي أيضاً مُخيَّرة إلا أنها اختارتْ بكلمة واحدة منسحبة على الزمن كله، أما الإنسان فاختار أنْ يكون مختاراً ينفذ أو لا ينفذ.
ثم إن السماء والأرض وما بينهما وما فيهما من مخلوقات وكواكب وأجرام وأفلاك تسير وفق نظام دقيق مُحكَم، لا يشذ ولا يتخلف أبداً: ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن: ٥-٦].
وقال: لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠].
أما الإنسان فيتخبط في الحياة، ويخالف منهج ربه، وينحرف عن الطريق الذي رُسِمَ له. إذن: أيّهما أعظم خَلْقاً، وأشدّ تكويناً، وأصحّ أداءً؟ لا يسع هؤلاء الكفار رغم كفرهم إلا أنْ يقولوا: السماوات والأرض أشدُّ وأعظم من خَلْق الإنسان.
ومثال ذلك حين سألهم الله وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ [الزخرف: ٨٧] وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ [الزمر: ٣٨] لأن هذه كلها حقائق لا تُنكر، حتى من الكفار.
ثم يسوق لهم الحق سبحانه دليلاً على صِدْق هذه المسألة، فيقول: إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ [الصافات: ١١] يعني: هذا أصلهم، فأين هم من خَلْق السماوات والأرض؟ ومعنى لاَّزِبٍ [الصافات: ١١] يعني: طين متماسك بعضه ببعض، فهو وَسَط بين السيولة والصلابة، يعني: أشبه ما يكون بطين الصَّلْصَال الذي نوزعه على التلاميذ في المدارس، والطين تراب وُضِع عليه الماء، فإنْ زاد الماء صار الطين لَيِّناً يسيل من يدك، وإنْ قَلَّ الماء جَفَّ وتصلَّبَ.
لذلك وقف المستشرقون عند مراحل التكوين الإنساني يعترضون: من أيِّ شيء خَلِق الإنسان، والقرآن قال مِّن طِينٍ [المؤمنون: ١٢] و مِّن تُرَابٍ [الحج: ٥] و مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ [الحجر: ٣٣] و مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ [الرحمن: ١٤]. وقد غاب عنهم أن هذه مراحل للشيء الواحد كما قلنا، فالماء يُوضَع على التراب فيصير طيناً، ولو تُرِك هذا الطين إلى أنْ يعطن أو يتعفن يصير حمأ مسنوناً، فإنْ تُرِك حتى يجفَّ يصير صَلْصالاً.
الحق سبحانه يُحدِّثنا هنا عن الخَلْق الأول للإنسان فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ [الصافات: ١١]؛ لأن آدم عليه السلام خُلِق من الطين ثم خُلِقت بعده حواء، والقرآن قَصَّ علينا قصة خَلْق آدم، لكن اكتفى في خَلْق حواء بقوله تعالى: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: ١].
قالوا: مِنْهَا يعني من جنس تكوينها، فيصح أن تكون حواءُ قد خُلِقت مثل آدم من الطين، أو خُلِقَتْ من ضلع من أضلاعه، وفي كلتا الحالتين تعود إلى أصل الطين، والله تعالى يخلق ما يشاء، وسبق أنْ بيَّنا طلاقة القدرة في عملية خَلْق الإنسان، وأنها استوعبت كُلُّ الصور العقلية لهذه العملية، فالله سبحانه يخلق من لا أب ولا أم، ويخلق من أب بلا أم، ويخلق من أم بلا أب، وقد يجتمع الأب والأم ولا يحدث بينهما إنجاب.
يقول الحق سبحانه: يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً [الشورى: ٤٩-٥٠].
إذن: خُلِق الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام من الطين، وخُلِقَتْ من جنسه زوجه، ثم جاءت الذرية من آدم بعد أنْ فارق الطينية وصار إنساناً، فنحن وإنْ جئنا من نسل إنسان، إلا أنه يعود في أصله إلى الطين، فإنْ قُلْتَ: أين الطينية، وقد تشكَّل شكلاً آخر غير الطين، بدليل أنه إذا استحم بالماء لا يذوب كما يذوب الطين وتتفكك جزئياته.
نقول: لا بُدَّ أن يرد الإنسان الأصل أو الفرع إلى الأصل الأول وهو الطين؛ لأن الإنسان يتوالد ويتكاثر بواسطة الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في الأنثى، فمن أين يأتي هذا وهذه؟ من الدم، والدم نتيجة الغذاء، والغذاء مصدره الأرض والطين. إذن: سنؤول لا محالة إلى الطين، لكن من الطين مرة بواسطة، ومرة بدون واسطة.
والحق سبحانه نبّهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
فنحن لم نشاهد عملية الخَلْق، إنما أخبرنا الله بها، فعلمنا أن الإنسان خُلِق من الطين الذي مَرَّ بهذه المراحل، حتى نفخ الله فيه الروح، ودبَّتْ فيه الحياة، هذا كله لم نشاهده، لكن شاهدنا الموت الذي ينقض الحياة، وعلينا نحن أن نأخذ مما نشاهده دليلاً على صدق الغيب الذي أخبرنا الله به ولم نشاهده.
ونحن نعلم أن نَقْضَ الشيء يأتي على عكس بنائه، فالذي يهدم عمارة مثلاً من عدة أدوار يبدأ بالدور الأخير، كذلك يأتي الموت عكس الحياة، فأول شيء، تخرج الروح، ومعلوم أنْ نَفْخَ الروح في الإنسان هى آخر مرحلة في مراحل الخَلْق، فإذا ما فارقتْ الروحُ الجسدَ عاد إلى أصله، حيث يرمّ الجسد وتمتص الأرض ما فيه من الماء، ثم يتحلل الباقي ويعود إلى التراب الذي جاء منه.
ثم آخر، هو أن الإنسان الذي خُلِق من الطين وقوامه الغذاء الذي يخرج من الطين، لما حَلَّل العلماء جسمَ الإنسان وجدوه مُكوِّناً من ١٦ عنصراً. أولها: الأوكسجين، ثم الكربون، ثم الهيدروجين، ثم النتروجين.. الخ. وهي نفس العناصر المكوِّنة للتربة الزراعية الخِصْبة التي تعطينا القوت، إذن: يكون هذا دليلاً على صِدْق الحق - تبارك وتعالى - في قوله: إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ [الصافات: ١١].
آية رقم ١٢
ﮙﮚﮛ
ﮜ
معنى (بَلْ) إضراب عن الكلام السابق وبداية لكلام جديد (عَجِبْتَ) بالفتح أي: يا محمد. والعَجَبُ: هو استغراب وقوع شيء على خلاف نظائره، ومن ذلك قوله تعالى في العقائد: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ.. [البقرة: ٢٨].
يعني: كيف يحدث منكم الكفر بعد أنْ فعلنا بكم ذلك؟ هذا شيء مُسْتغرب، ومسألة عجيبة. يعني: جاءت على خلاف ما يُنتظر منكم.
لكن من أيِّ شيء عجب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عجب من إنكارهم ومن كفرهم، مع وضوح الأدلة الدامغة على صِدْق قضية الإيمان. وقد سُقْنا لهم الدليل تِلْو الدليل، ومع ذلك كذَّبوا...
وقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ السخرية هي الاستهزاء من الشيء، والمعنى أنك تعجب يا محمد من نكرانهم وتكذيبهم مع وضوح الأدلة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك.
يعني: كيف يحدث منكم الكفر بعد أنْ فعلنا بكم ذلك؟ هذا شيء مُسْتغرب، ومسألة عجيبة. يعني: جاءت على خلاف ما يُنتظر منكم.
لكن من أيِّ شيء عجب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عجب من إنكارهم ومن كفرهم، مع وضوح الأدلة الدامغة على صِدْق قضية الإيمان. وقد سُقْنا لهم الدليل تِلْو الدليل، ومع ذلك كذَّبوا...
وقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ السخرية هي الاستهزاء من الشيء، والمعنى أنك تعجب يا محمد من نكرانهم وتكذيبهم مع وضوح الأدلة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك.
آية رقم ١٣
ﮝﮞﮟﮠ
ﮡ
معنى (بَلْ) إضراب عن الكلام السابق وبداية لكلام جديد (عَجِبْتَ) بالفتح أي: يا محمد. والعَجَبُ: هو استغراب وقوع شيء على خلاف نظائره، ومن ذلك قوله تعالى في العقائد: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ.. [البقرة: ٢٨].
يعني: كيف يحدث منكم الكفر بعد أنْ فعلنا بكم ذلك؟ هذا شيء مُسْتغرب، ومسألة عجيبة. يعني: جاءت على خلاف ما يُنتظر منكم.
لكن من أيِّ شيء عجب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عجب من إنكارهم ومن كفرهم، مع وضوح الأدلة الدامغة على صِدْق قضية الإيمان. وقد سُقْنا لهم الدليل تِلْو الدليل، ومع ذلك كذَّبوا؛ لذلك قال تعالى مُخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ.. [الرعد: ٥].
يعني: وافق الله محمداً على أنْ يعجب. والمعنى: إنْ تعجب يا محمد فقولهم عَجَب. لكن عجب عند مَنْ؟ يجوز عجب عند رسول الله، ويجوز عجب عند الله تعالى، إذن: هل يعجب الله تعالى كما نعجب؟ قالوا: نعم، بدليل أن فى هذه الآية قراءةً بالضم (بل عجبتُ) بتاء المتكلم سبحانه، وبدليل ما ورد في الحديث الشريف: لماذا؟ لأنه خرج على طبيعة التكوين الإنساني، أو قدر على نفسه وتحكم فيها، بحيث لم يفعل ما يفعله الشباب، فهذا شيء مستغرب منه، ومعنى تعجب الحق سبحانه من هذا أنه يستغرب منه هذا العمل؛ ليجازيه جزاءً مُستغرباً كذلك.
وسبق أنْ قُلْنا: إذا وُجدت صفة مشتركة بيننا وبين الحق سبحانه، فعلينا أن نأخذها في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. ومن ذلك قوله تعالى: يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢].
وقوله: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
لذلك إياك أن تقول: الله خادع أو الله ماكر؛ لأن هناك فَرْقاً بين أسماء الله تعالى وأفعال وصف الله بها نفسه سبحانه. فالمكر مثلاً من أفعال البشر يُراد به خداع الخصم والتخييل عليه، لتستطيع أنت أنْ تنفذ إلى غَرَضك منه، وهذا المكر يقابله مَكْر مثله يشاكله أو أمكر منه.
والمكر مأخوذ من قولهم شجرة ممكورة، وهي شجرة ذات عيدان ملفوفة بعضها على بعض، بحيث لا تستطيع أنْ تميِّزها، ولا أنْ تردَّ كل فرع فيها إلى أصله، كذلك المكر فيه لفٌّ وحيل لتستر سيئاتك عن خَصْمك، هذا في مكر البشر بعضهم ببعض، لكن إنْ مكر الله بك فلن ينجيك من مكره شيء؛ لذلك قال سبحانه: وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤].
وقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢] السخرية هي الاستهزاء من الشيء، والمعنى أنك تعجب يا محمد من نكرانهم وتكذيبهم مع وضوح الأدلة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ [الصافات: ١٣] يعني: بآيات أخرى وبراهين ترشدهم لاَ يَذْكُرُونَ [الصافات: ١٣] أي: يُعرضون عنها، ولا يلتفتون إليها، ويصرون على الإنكار وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً [الصافات: ١٤] أي: دليلاً جديداً يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] أي: يبالغون في السخرية.
ففي الآية قبل السابقة قال: وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢] وهنا يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] هذا دليل على أن من هؤلاء المكذبين أناساً ترقُّ قلوبهم لآيات الله وللأدلة الإيمانية، وحين ترقُّ قلوبهم تخفّ لديهم نزوة الكيد لمحمد، فيكتفون بالتكذيب دون السخرية؛ لأن الإباء يأتي على درجات، فواحد يأبى أنْ يفعل ما تأمره به، وآخر يأبى أن يفعل ويسخر منك.
فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] يعني: يطلبون ممَّنْ لا يسخر أنْ يسخر، يعني: يستسخرون غيرهم، إذن: هناك فَرْق بين يسخرون ويستخسرون، حتى لا نقول كما يقول بعض المستشرقين: هذا تكرار في كلام الله.
يعني: كيف يحدث منكم الكفر بعد أنْ فعلنا بكم ذلك؟ هذا شيء مُسْتغرب، ومسألة عجيبة. يعني: جاءت على خلاف ما يُنتظر منكم.
لكن من أيِّ شيء عجب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عجب من إنكارهم ومن كفرهم، مع وضوح الأدلة الدامغة على صِدْق قضية الإيمان. وقد سُقْنا لهم الدليل تِلْو الدليل، ومع ذلك كذَّبوا؛ لذلك قال تعالى مُخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ.. [الرعد: ٥].
يعني: وافق الله محمداً على أنْ يعجب. والمعنى: إنْ تعجب يا محمد فقولهم عَجَب. لكن عجب عند مَنْ؟ يجوز عجب عند رسول الله، ويجوز عجب عند الله تعالى، إذن: هل يعجب الله تعالى كما نعجب؟ قالوا: نعم، بدليل أن فى هذه الآية قراءةً بالضم (بل عجبتُ) بتاء المتكلم سبحانه، وبدليل ما ورد في الحديث الشريف: لماذا؟ لأنه خرج على طبيعة التكوين الإنساني، أو قدر على نفسه وتحكم فيها، بحيث لم يفعل ما يفعله الشباب، فهذا شيء مستغرب منه، ومعنى تعجب الحق سبحانه من هذا أنه يستغرب منه هذا العمل؛ ليجازيه جزاءً مُستغرباً كذلك.
وسبق أنْ قُلْنا: إذا وُجدت صفة مشتركة بيننا وبين الحق سبحانه، فعلينا أن نأخذها في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. ومن ذلك قوله تعالى: يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢].
وقوله: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
لذلك إياك أن تقول: الله خادع أو الله ماكر؛ لأن هناك فَرْقاً بين أسماء الله تعالى وأفعال وصف الله بها نفسه سبحانه. فالمكر مثلاً من أفعال البشر يُراد به خداع الخصم والتخييل عليه، لتستطيع أنت أنْ تنفذ إلى غَرَضك منه، وهذا المكر يقابله مَكْر مثله يشاكله أو أمكر منه.
والمكر مأخوذ من قولهم شجرة ممكورة، وهي شجرة ذات عيدان ملفوفة بعضها على بعض، بحيث لا تستطيع أنْ تميِّزها، ولا أنْ تردَّ كل فرع فيها إلى أصله، كذلك المكر فيه لفٌّ وحيل لتستر سيئاتك عن خَصْمك، هذا في مكر البشر بعضهم ببعض، لكن إنْ مكر الله بك فلن ينجيك من مكره شيء؛ لذلك قال سبحانه: وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤].
وقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢] السخرية هي الاستهزاء من الشيء، والمعنى أنك تعجب يا محمد من نكرانهم وتكذيبهم مع وضوح الأدلة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ [الصافات: ١٣] يعني: بآيات أخرى وبراهين ترشدهم لاَ يَذْكُرُونَ [الصافات: ١٣] أي: يُعرضون عنها، ولا يلتفتون إليها، ويصرون على الإنكار وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً [الصافات: ١٤] أي: دليلاً جديداً يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] أي: يبالغون في السخرية.
ففي الآية قبل السابقة قال: وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢] وهنا يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] هذا دليل على أن من هؤلاء المكذبين أناساً ترقُّ قلوبهم لآيات الله وللأدلة الإيمانية، وحين ترقُّ قلوبهم تخفّ لديهم نزوة الكيد لمحمد، فيكتفون بالتكذيب دون السخرية؛ لأن الإباء يأتي على درجات، فواحد يأبى أنْ يفعل ما تأمره به، وآخر يأبى أن يفعل ويسخر منك.
فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] يعني: يطلبون ممَّنْ لا يسخر أنْ يسخر، يعني: يستسخرون غيرهم، إذن: هناك فَرْق بين يسخرون ويستخسرون، حتى لا نقول كما يقول بعض المستشرقين: هذا تكرار في كلام الله.
آية رقم ١٤
ﮢﮣﮤﮥ
ﮦ
... في الآية قبل السابقة قال: وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢] وهنا يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] هذا دليل على أن من هؤلاء المكذبين أناساً ترقُّ قلوبهم لآيات الله وللأدلة الإيمانية، وحين ترقُّ قلوبهم تخفّ لديهم نزوة الكيد لمحمد، فيكتفون بالتكذيب دون السخرية؛ لأن الإباء يأتي على درجات، فواحد يأبى أنْ يفعل ما تأمره به، وآخر يأبى أن يفعل ويسخر منك.
فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما يَسْتَسْخِرُونَ يعني: يطلبون ممَّنْ لا يسخر أنْ يسخر، يعني: يستسخرون غيرهم.
فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما يَسْتَسْخِرُونَ يعني: يطلبون ممَّنْ لا يسخر أنْ يسخر، يعني: يستسخرون غيرهم.
آية رقم ١٥
ﮧﮨﮩﮪﮫﮬ
ﮭ
وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
معنى إِن هَـٰذَآ ما هذا إلا سحر مُّبِينٌ يعني: واضح، والسحر كما قلنا تخييل شيء غير واقع، فيُخيَّل إليك أنه واقع، فالسحر لا يغير حقيقة الشيء، إنما يسحر الناظر إليه، كما قال تعالى في سحرة فرعون: .. سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف: ١١٦]. وقال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه: ٦٦].
إذن: أين السحر من دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قضية الإيمان التي يدعو الناس إليها؟ والرد على هذه الفِرْية سهل وواضح: إذا كانت عند محمد القدرة على أن يسحر الناس، فيؤمنوا بدعوته، وسحر هؤلاء الذين آمنوا، فَلِمَ لم يسحركم أنتم؟ إذن: هذا اتهام باطل لا معنى له.
معنى إِن هَـٰذَآ ما هذا إلا سحر مُّبِينٌ يعني: واضح، والسحر كما قلنا تخييل شيء غير واقع، فيُخيَّل إليك أنه واقع، فالسحر لا يغير حقيقة الشيء، إنما يسحر الناظر إليه، كما قال تعالى في سحرة فرعون: .. سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف: ١١٦]. وقال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه: ٦٦].
إذن: أين السحر من دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قضية الإيمان التي يدعو الناس إليها؟ والرد على هذه الفِرْية سهل وواضح: إذا كانت عند محمد القدرة على أن يسحر الناس، فيؤمنوا بدعوته، وسحر هؤلاء الذين آمنوا، فَلِمَ لم يسحركم أنتم؟ إذن: هذا اتهام باطل لا معنى له.
آية رقم ١٦
عجيب منهم إنكار البعث بعد ما سُقْناه إليهم من أدلة، حتى إنْ أنكروا أدلتنا وكذَّبوا بها، ألم يسمعوا من الأمم السابقة والرسالة التي مَضَتْ أن البعث حَقٌّ؟ إذن: هو العناد والاستكبار عن قبول الحق.
لذلك، فالقرآن الكريم يضرب لهم مثلاً ودليلاً على صِدْق الإخبار بالبعث، ويسوق هذه القصة من الأمم السابقة في سورة البقرة: أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٥٩].
هذه قصة واقعية؛ لأن القرآن حكاها لنا عن الأمم السابقة؛ لتكون دليلاً على قدرة الله على بَعْث الموتى، وهي قصة رجل باحث عن الحقيقة، جعله الله مثالاً ونموذجاً لنفسه أولاً، ولمن جاء بعده، فلما مَرَّ على القرية وهي على هذا الحال من الخراب استبعد أنْ تحيا بأهلها مرة أخرى، فأماته الله لِيُريه كيف يحيي الموتى.
وصدق الرجل في قوله لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [البقرة: ٢٥٩] وصدق الله في قوله بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ [البقرة: ٢٥٩] كيف؟ لأن عظام الحمار التي تحولت إلى تراب دَلَّت على المائة عام، وطعامه الذي لم يتغير دَلَّ على يوم أو بعض يوم، وهذا ليس عجيباً، ما دام أن الفاعل هو الله عز وجل القابض الباسط، فهو وحده القادر على أنْ يجمع بين الضِّدّيْن، فيقبض الزمن في حَقِّ قوم، ويبسطه في حق آخرين.
ألم يأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يضرب بعصاه البحر، فصار الماء كُلُّ فِرْق كالطود العظيم، وأمره أنْ يضرب بعصاه الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عَيْناً؟ إذن: هي طلاقة القدرة.
وعجيبٌ منهم أيضاً أنْ يسألوا عن الآباء، مع أن قضية البعث واحدة، فقولهم أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ [الصافات: ١٧] دليل على تخبُّطهم، أو ربما فهموا أن الذي سيموت حديثاً (طازة) يعني: هو الذي سيُبعث، أما القديم فبَعْثه غير ممكن.
ويردُّ الله عليهم (قُلْ) يعني: قل لهم يا محمد بمِلءْ فِيكَ (نَعَمْ) يعني: ستُبعثون، والنبي يقولها قَوْلة الواثق؛ لأنه مأمور بها من قِبَل الله القادر على أنْ يبعث الخَلْق قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ [الصافات: ١٨] يعني: ستُبْعَثون حال كونكم دَاخِرُونَ [الصافات: ١٨] يعني: صاغرين أذلاء خاضعين، جزاءَ الَّلدَد والعناد والاستكبار على قبول الحق في الدنيا، كما قال تعالى في موضع آخر: بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٦].
لذلك، فالقرآن الكريم يضرب لهم مثلاً ودليلاً على صِدْق الإخبار بالبعث، ويسوق هذه القصة من الأمم السابقة في سورة البقرة: أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٥٩].
هذه قصة واقعية؛ لأن القرآن حكاها لنا عن الأمم السابقة؛ لتكون دليلاً على قدرة الله على بَعْث الموتى، وهي قصة رجل باحث عن الحقيقة، جعله الله مثالاً ونموذجاً لنفسه أولاً، ولمن جاء بعده، فلما مَرَّ على القرية وهي على هذا الحال من الخراب استبعد أنْ تحيا بأهلها مرة أخرى، فأماته الله لِيُريه كيف يحيي الموتى.
وصدق الرجل في قوله لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [البقرة: ٢٥٩] وصدق الله في قوله بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ [البقرة: ٢٥٩] كيف؟ لأن عظام الحمار التي تحولت إلى تراب دَلَّت على المائة عام، وطعامه الذي لم يتغير دَلَّ على يوم أو بعض يوم، وهذا ليس عجيباً، ما دام أن الفاعل هو الله عز وجل القابض الباسط، فهو وحده القادر على أنْ يجمع بين الضِّدّيْن، فيقبض الزمن في حَقِّ قوم، ويبسطه في حق آخرين.
ألم يأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يضرب بعصاه البحر، فصار الماء كُلُّ فِرْق كالطود العظيم، وأمره أنْ يضرب بعصاه الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عَيْناً؟ إذن: هي طلاقة القدرة.
وعجيبٌ منهم أيضاً أنْ يسألوا عن الآباء، مع أن قضية البعث واحدة، فقولهم أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ [الصافات: ١٧] دليل على تخبُّطهم، أو ربما فهموا أن الذي سيموت حديثاً (طازة) يعني: هو الذي سيُبعث، أما القديم فبَعْثه غير ممكن.
ويردُّ الله عليهم (قُلْ) يعني: قل لهم يا محمد بمِلءْ فِيكَ (نَعَمْ) يعني: ستُبعثون، والنبي يقولها قَوْلة الواثق؛ لأنه مأمور بها من قِبَل الله القادر على أنْ يبعث الخَلْق قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ [الصافات: ١٨] يعني: ستُبْعَثون حال كونكم دَاخِرُونَ [الصافات: ١٨] يعني: صاغرين أذلاء خاضعين، جزاءَ الَّلدَد والعناد والاستكبار على قبول الحق في الدنيا، كما قال تعالى في موضع آخر: بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٦].
آية رقم ١٧
ﯗﯘ
ﯙ
وعجيبٌ منهم أيضاً أنْ يسألوا عن الآباء، مع أن قضية البعث واحدة، فقولهم أَوَ آبَآؤُنَا الأَوَّلُونَ دليل على تخبُّطهم، أو ربما فهموا أن الذي سيموت حديثاً يعني: هو الذي سيُبعث، أما القديم فبَعْثه غير ممكن.
آية رقم ١٨
ﯚﯛﯜﯝ
ﯞ
ويردُّ الله عليهم (قُلْ) يعني: قل لهم يا محمد بمِلء فِيكَ (نَعَمْ) يعني: ستُبعثون، والنبي يقولها قَوْلة الواثق؛ لأنه مأمور بها من قِبَل الله القادر على أنْ يبعث الخَلْق قُلْ نَعَمْ وَأَنتُم دَاخِرُونَ يعني: ستُبْعَثون حال كونكم دَاخِرُونَ يعني: صاغرين أذلاء خاضعين، جزاءَ الَّلدَد والعناد والاستكبار على قبول الحق في الدنيا.
آية رقم ١٩
قوله تعالى فَإِنَّمَا هِيَ أي: مسألة البعث زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ صيحة واحدة، أو نفخة واحدة كافية لأن تُخرِجهم من قبورهم فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ لا أننا سنذهب إلى كل واحد منهم ونوقظه... إذن: البعث الذي تكذِّبون به أمرُه يسير علينا، ولا يُكلِّفنا شيئاً.
والصيحة في ذاتها لا تبعث الموتى، إنما هي مجرد إذْنٍ للملَك، بأن يباشر مهمته، فهي مثل الجرس الذي يُبْدأ به العمل، فبعد الزَّجْرة فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ هكذا مباشرة؛ لأن إذا هنا تدل على المفاجأة، فالأمر لن يستغرق وقتاً، وأول ما يقومون من القبور ينظرون أي: هنا وهناك؛ لأنهم سيروْنَ أمراً عجيباً لا عَهْدَ لهم به، وسيُفاجئهم ما كانوا يُكذِّبون به في الدنيا.
والصيحة في ذاتها لا تبعث الموتى، إنما هي مجرد إذْنٍ للملَك، بأن يباشر مهمته، فهي مثل الجرس الذي يُبْدأ به العمل، فبعد الزَّجْرة فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ هكذا مباشرة؛ لأن إذا هنا تدل على المفاجأة، فالأمر لن يستغرق وقتاً، وأول ما يقومون من القبور ينظرون أي: هنا وهناك؛ لأنهم سيروْنَ أمراً عجيباً لا عَهْدَ لهم به، وسيُفاجئهم ما كانوا يُكذِّبون به في الدنيا.
آية رقم ٢٠
ﯧﯨﯩﯪﯫ
ﯬ
فإذا ما عاينوا هذا المنظر، قالوا: يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَـٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات: ٢٠-٢١] هم الذين يقولون، وهم الذين يدْعُون على أنفسهم بالوَيْل والثبور، لا نقولها نحن ويلكم، بل يقولونها هم يٰوَيْلَنَا يعني: احضر، فهذا أوانك؛ لأنهم الآن تكشَّفَتْ لهم الحقائق وبَانَ كذبُهم وفسادُ تفكيرهم، وما كانوا فيه في الدنيا من اللَّدَد والعناد، وأول ما يتبين للإنسان فسادُ تفكيره وسوء عمله أوَّل ما يلوم يلوم نفسه، فيدعو عليها.
وقولهم: هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: يوم الجزاء على الأعمال، هذا الجزاء الذي لم يؤمنوا به في الدنيا، ها هم يعترفون به، أو هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: هذا هو اليوم الذي ينفع فيه الدين، كما تقول لولدك وهو مُقبل على الامتحان: هذا يوم المذاكرة. يعني: اليوم الذي لا تنفعك فيه إلا مذاكرتك
وقولهم: هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: يوم الجزاء على الأعمال، هذا الجزاء الذي لم يؤمنوا به في الدنيا، ها هم يعترفون به، أو هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: هذا هو اليوم الذي ينفع فيه الدين، كما تقول لولدك وهو مُقبل على الامتحان: هذا يوم المذاكرة. يعني: اليوم الذي لا تنفعك فيه إلا مذاكرتك
آية رقم ٢١
... والفصل لا يكون إلا في الخصومة، والخصومة هنا كانت بين الرسل وأقوامهم المكذِّبين لهم والمعاندين، ومثْل هذه الخصومة لا يُنهيها الجدل؛ لأن المكذبين لديهم لدَد وعناد، وقد لا يُنهيها السيف حتى يموت الظالم دون أنْ يقتصَّ منه.
آية رقم ٢٢
أي: اجمعوا كل هؤلاء معاً في النار ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ [الصافات: ٢٢] إذن: المحشور ثلاثة: الذين ظلموا جزاءَ ظلمهم، وأزواجهم، وما كانوا يعبدونه من دون الله. قلنا: الزوج يعني المفرد ومعه مثله. فلا نقول على الرجل والمرأة زوج، إنما زوجان، الرجل يسمى (زوج) والمرأة تسمى (زوج)، لا أن الزوج يعني الاثنين كما يظن البعض، ومثلها كلمة توأم، فكل واحد منهما يُسمَّى توأم، وهما معاً توأمان؛ لذلك قال تعالى في سورة الأنعام: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
وقال: وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٤].
فلو أن الزوج يُطلق على الاثنين لقال: أربعة أزواج.
ومعنى كلمة وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أزواجهم في الدنيا، كالزوجة التي تعين زوجها على الظلم، كامرأة أبي لهب، التي قال الله في حقها: تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد: ١-٥].
أو يُراد بأزواجهم أشكالهم ونظائرهم وقرناءهم الذين أضلُّوهم وأغوَوْهم وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ.. [الصافات: ٢٢-٢٣] أي: الأصنام التي عبدوها من دون الله، تُحشَر معهم في النار، ليَروْا آلهتهم التي عبدوها وتعلّقوا بها تسبقهم إلى النار، فينقطع أملهم في النجاة وبيان لفساد تفكيرهم، حيث عبدوا أصناماً لا تضرُّ ولا تنفع، وهذا توبيخ لهم؛ لذلك يمتدُّ هذا التوبيخ بعنف في قوله تعالى: فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] وهل القذف في النار هُدىً؟ والمعنى: دُلُّوهم على طريق جهنم، يعني: سخريةً منهم وتهكماً بهم.
ثم يقول سبحانه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤] أي: احبسوهم للسؤال وللحساب، وهذا السؤال سيكون فردياً ليس جماعياً، فكل واحد منهم سيُسأل وسيُناقش، قالوا: في السؤال تبكيت النفسِ للنفسِ قبل أن يُبكِّتهم الله الذي كفروا به، يعني: ساعةَ يعاينون البعث وموقف الحساب يُبكِّتون أنفسهم، ويندمون ساعةَ لا ينفعُ الندم.
وقال: وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٤].
فلو أن الزوج يُطلق على الاثنين لقال: أربعة أزواج.
ومعنى كلمة وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أزواجهم في الدنيا، كالزوجة التي تعين زوجها على الظلم، كامرأة أبي لهب، التي قال الله في حقها: تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد: ١-٥].
أو يُراد بأزواجهم أشكالهم ونظائرهم وقرناءهم الذين أضلُّوهم وأغوَوْهم وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ.. [الصافات: ٢٢-٢٣] أي: الأصنام التي عبدوها من دون الله، تُحشَر معهم في النار، ليَروْا آلهتهم التي عبدوها وتعلّقوا بها تسبقهم إلى النار، فينقطع أملهم في النجاة وبيان لفساد تفكيرهم، حيث عبدوا أصناماً لا تضرُّ ولا تنفع، وهذا توبيخ لهم؛ لذلك يمتدُّ هذا التوبيخ بعنف في قوله تعالى: فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] وهل القذف في النار هُدىً؟ والمعنى: دُلُّوهم على طريق جهنم، يعني: سخريةً منهم وتهكماً بهم.
ثم يقول سبحانه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤] أي: احبسوهم للسؤال وللحساب، وهذا السؤال سيكون فردياً ليس جماعياً، فكل واحد منهم سيُسأل وسيُناقش، قالوا: في السؤال تبكيت النفسِ للنفسِ قبل أن يُبكِّتهم الله الذي كفروا به، يعني: ساعةَ يعاينون البعث وموقف الحساب يُبكِّتون أنفسهم، ويندمون ساعةَ لا ينفعُ الندم.
آية رقم ٢٣
أي: اجمعوا كل هؤلاء معاً في النار ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ [الصافات: ٢٢] إذن: المحشور ثلاثة: الذين ظلموا جزاءَ ظلمهم، وأزواجهم، وما كانوا يعبدونه من دون الله. قلنا: الزوج يعني المفرد ومعه مثله. فلا نقول على الرجل والمرأة زوج، إنما زوجان، الرجل يسمى (زوج) والمرأة تسمى (زوج)، لا أن الزوج يعني الاثنين كما يظن البعض، ومثلها كلمة توأم، فكل واحد منهما يُسمَّى توأم، وهما معاً توأمان؛ لذلك قال تعالى في سورة الأنعام: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
وقال: وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٤].
فلو أن الزوج يُطلق على الاثنين لقال: أربعة أزواج.
ومعنى كلمة وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أزواجهم في الدنيا، كالزوجة التي تعين زوجها على الظلم، كامرأة أبي لهب، التي قال الله في حقها: تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد: ١-٥].
أو يُراد بأزواجهم أشكالهم ونظائرهم وقرناءهم الذين أضلُّوهم وأغوَوْهم وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ.. [الصافات: ٢٢-٢٣] أي: الأصنام التي عبدوها من دون الله، تُحشَر معهم في النار، ليَروْا آلهتهم التي عبدوها وتعلّقوا بها تسبقهم إلى النار، فينقطع أملهم في النجاة وبيان لفساد تفكيرهم، حيث عبدوا أصناماً لا تضرُّ ولا تنفع، وهذا توبيخ لهم؛ لذلك يمتدُّ هذا التوبيخ بعنف في قوله تعالى: فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] وهل القذف في النار هُدىً؟ والمعنى: دُلُّوهم على طريق جهنم، يعني: سخريةً منهم وتهكماً بهم.
ثم يقول سبحانه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤] أي: احبسوهم للسؤال وللحساب، وهذا السؤال سيكون فردياً ليس جماعياً، فكل واحد منهم سيُسأل وسيُناقش، قالوا: في السؤال تبكيت النفسِ للنفسِ قبل أن يُبكِّتهم الله الذي كفروا به، يعني: ساعةَ يعاينون البعث وموقف الحساب يُبكِّتون أنفسهم، ويندمون ساعةَ لا ينفعُ الندم.
وقال: وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٤].
فلو أن الزوج يُطلق على الاثنين لقال: أربعة أزواج.
ومعنى كلمة وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أزواجهم في الدنيا، كالزوجة التي تعين زوجها على الظلم، كامرأة أبي لهب، التي قال الله في حقها: تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد: ١-٥].
أو يُراد بأزواجهم أشكالهم ونظائرهم وقرناءهم الذين أضلُّوهم وأغوَوْهم وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ.. [الصافات: ٢٢-٢٣] أي: الأصنام التي عبدوها من دون الله، تُحشَر معهم في النار، ليَروْا آلهتهم التي عبدوها وتعلّقوا بها تسبقهم إلى النار، فينقطع أملهم في النجاة وبيان لفساد تفكيرهم، حيث عبدوا أصناماً لا تضرُّ ولا تنفع، وهذا توبيخ لهم؛ لذلك يمتدُّ هذا التوبيخ بعنف في قوله تعالى: فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] وهل القذف في النار هُدىً؟ والمعنى: دُلُّوهم على طريق جهنم، يعني: سخريةً منهم وتهكماً بهم.
ثم يقول سبحانه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤] أي: احبسوهم للسؤال وللحساب، وهذا السؤال سيكون فردياً ليس جماعياً، فكل واحد منهم سيُسأل وسيُناقش، قالوا: في السؤال تبكيت النفسِ للنفسِ قبل أن يُبكِّتهم الله الذي كفروا به، يعني: ساعةَ يعاينون البعث وموقف الحساب يُبكِّتون أنفسهم، ويندمون ساعةَ لا ينفعُ الندم.
آية رقم ٢٤
ﰆﰇﰈﰉ
ﰊ
أي: اجمعوا كل هؤلاء معاً في النار ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ [الصافات: ٢٢] إذن: المحشور ثلاثة: الذين ظلموا جزاءَ ظلمهم، وأزواجهم، وما كانوا يعبدونه من دون الله. قلنا: الزوج يعني المفرد ومعه مثله. فلا نقول على الرجل والمرأة زوج، إنما زوجان، الرجل يسمى (زوج) والمرأة تسمى (زوج)، لا أن الزوج يعني الاثنين كما يظن البعض، ومثلها كلمة توأم، فكل واحد منهما يُسمَّى توأم، وهما معاً توأمان؛ لذلك قال تعالى في سورة الأنعام: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
وقال: وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٤].
فلو أن الزوج يُطلق على الاثنين لقال: أربعة أزواج.
ومعنى كلمة وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أزواجهم في الدنيا، كالزوجة التي تعين زوجها على الظلم، كامرأة أبي لهب، التي قال الله في حقها: تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد: ١-٥].
أو يُراد بأزواجهم أشكالهم ونظائرهم وقرناءهم الذين أضلُّوهم وأغوَوْهم وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ.. [الصافات: ٢٢-٢٣] أي: الأصنام التي عبدوها من دون الله، تُحشَر معهم في النار، ليَروْا آلهتهم التي عبدوها وتعلّقوا بها تسبقهم إلى النار، فينقطع أملهم في النجاة وبيان لفساد تفكيرهم، حيث عبدوا أصناماً لا تضرُّ ولا تنفع، وهذا توبيخ لهم؛ لذلك يمتدُّ هذا التوبيخ بعنف في قوله تعالى: فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] وهل القذف في النار هُدىً؟ والمعنى: دُلُّوهم على طريق جهنم، يعني: سخريةً منهم وتهكماً بهم.
ثم يقول سبحانه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤] أي: احبسوهم للسؤال وللحساب، وهذا السؤال سيكون فردياً ليس جماعياً، فكل واحد منهم سيُسأل وسيُناقش، قالوا: في السؤال تبكيت النفسِ للنفسِ قبل أن يُبكِّتهم الله الذي كفروا به، يعني: ساعةَ يعاينون البعث وموقف الحساب يُبكِّتون أنفسهم، ويندمون ساعةَ لا ينفعُ الندم.
وقال: وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٤].
فلو أن الزوج يُطلق على الاثنين لقال: أربعة أزواج.
ومعنى كلمة وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أزواجهم في الدنيا، كالزوجة التي تعين زوجها على الظلم، كامرأة أبي لهب، التي قال الله في حقها: تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد: ١-٥].
أو يُراد بأزواجهم أشكالهم ونظائرهم وقرناءهم الذين أضلُّوهم وأغوَوْهم وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ.. [الصافات: ٢٢-٢٣] أي: الأصنام التي عبدوها من دون الله، تُحشَر معهم في النار، ليَروْا آلهتهم التي عبدوها وتعلّقوا بها تسبقهم إلى النار، فينقطع أملهم في النجاة وبيان لفساد تفكيرهم، حيث عبدوا أصناماً لا تضرُّ ولا تنفع، وهذا توبيخ لهم؛ لذلك يمتدُّ هذا التوبيخ بعنف في قوله تعالى: فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] وهل القذف في النار هُدىً؟ والمعنى: دُلُّوهم على طريق جهنم، يعني: سخريةً منهم وتهكماً بهم.
ثم يقول سبحانه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤] أي: احبسوهم للسؤال وللحساب، وهذا السؤال سيكون فردياً ليس جماعياً، فكل واحد منهم سيُسأل وسيُناقش، قالوا: في السؤال تبكيت النفسِ للنفسِ قبل أن يُبكِّتهم الله الذي كفروا به، يعني: ساعةَ يعاينون البعث وموقف الحساب يُبكِّتون أنفسهم، ويندمون ساعةَ لا ينفعُ الندم.
آية رقم ٢٥
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
وهذا الاستفهام أيضاً على سبيل السخرية والتهكُّم، يعني: ما لكم الآن لا ينصر بعضكم بعضاً وكنتم تَنَاصرون في الدنيا، الأتباع ينصرون السادة، والسادة يُجنِّدون الأتباع...
آية رقم ٢٦
ﭖﭗﭘﭙ
ﭚ
وهذا الاستفهام أيضاً على سبيل السخرية والتهكُّم، يعني: ما لكم الآن لا ينصر بعضكم بعضاً وكنتم تَنَاصرون في الدنيا، الأتباع ينصرون السادة، والسادة يُجنِّدون الأتباع، وما أشبههم في هذا الموقف بالمثل القائل: وافق شنٌ طبقه، أو قولنا (اتلم المتعوس على خايب الرجا).
لذلك يقول تعالى بعدها: بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٦] أي: خاضعين منقادين أذلاَّء مُهانين، ونحن نقول: رفع الراية البيضاء. يعني: لم يَعُدْ لديه شيء من القوة يدافع بها عن نفسه، ولا حجة ولا منطق، إنه الآن قاعد في ذِلَّة وصَغَار، ينتظر أمر الله فيه.
لذلك يقول تعالى بعدها: بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٦] أي: خاضعين منقادين أذلاَّء مُهانين، ونحن نقول: رفع الراية البيضاء. يعني: لم يَعُدْ لديه شيء من القوة يدافع بها عن نفسه، ولا حجة ولا منطق، إنه الآن قاعد في ذِلَّة وصَغَار، ينتظر أمر الله فيه.
آية رقم ٢٧
ﭛﭜﭝﭞﭟ
ﭠ
تأمل هذه المواجهة بين التابع والمتبوع، بعد أنْ ظهرت خيبة الجميع وتكشَّفَتْ الحقائق التي طالما أنكروها في الدنيا وكذَّبوا بها، إنهم الآن يُلْقي كل منهم بالمسئولية على الآخر، ويتساءلون فيما بينهم.
قَالُوۤاْ [الصافات: ٢٨] أي: الأتباع إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] اليمين يعني من جهة اليمين، واليمين منه اليمن والتيمن، واليمين جهة الخير؛ لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمُّن في كل شيء، فبها نُسلِّم، وبها نأكل ونشرب، ونتناول الأشياء ونكتب، لأنها مُشرَّفة مُكرَّمة، حتى العرب قديماً كانوا يتفاءلون بجهة اليمين لو طار الطيرُ ناحية اليمين.
واليمين أيضاً من معانيها أنها مصدر القوة في الفعل، وغالبية الناس يستخدمون اليمين، وهي عندهم الأقوى، وقد سُئِلْنا مرة عن الذين يعملون بالشمال: هل ننهاهم عن ذلك؟ نقول: العمل باليمين أو اليسار ليس مجرَّد تعوُّد، إنما هو تكوين طبيعي في الجسم، ففي الجسم مركز يتحكم في توزيع القوة، فبعض الناس يميل مركز القوة عندهم ناحية اليمين، فتكون يمينه أقوى من شماله، وبعضهم العكس، وبعضهم يتساوى عنده مركز القوة، فيعمل باليمين ويعمل باليسار بنفس القوة، وهذا يُسمُّونه (الأضبط) مثل سيدنا عمر رضي الله عنه.
ومن معاني اليمين أيضاً الحَلف والقَسَم، وهذه المعاني كلها واردة في معنى هذه الآية إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] يعني: من جهة الخير والحق لتصرفونا عنه، أو من ناحية البطش والقوة لتجبرونا على الفعل، أو بالحلف يعني: تحلفون لنا أن هذا هو الطريق الصحيح، لا طريق غيره.
ويرد المتبوعون على التابعين قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩] يعني: ما أخرجناكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم بطبيعة الحال غير مؤمنين، وبمجرد أنْ أشرنا إليكم سِرْتم خلفنا وتابعتمونا وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ [الصافات: ٣٠] والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع.
بَلْ كُنتُمْ [الصافات: ٣٠] بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ [الصافات: ٣٠] أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم، كما حكاه القرآن الكريم: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
قَالُوۤاْ [الصافات: ٢٨] أي: الأتباع إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] اليمين يعني من جهة اليمين، واليمين منه اليمن والتيمن، واليمين جهة الخير؛ لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمُّن في كل شيء، فبها نُسلِّم، وبها نأكل ونشرب، ونتناول الأشياء ونكتب، لأنها مُشرَّفة مُكرَّمة، حتى العرب قديماً كانوا يتفاءلون بجهة اليمين لو طار الطيرُ ناحية اليمين.
واليمين أيضاً من معانيها أنها مصدر القوة في الفعل، وغالبية الناس يستخدمون اليمين، وهي عندهم الأقوى، وقد سُئِلْنا مرة عن الذين يعملون بالشمال: هل ننهاهم عن ذلك؟ نقول: العمل باليمين أو اليسار ليس مجرَّد تعوُّد، إنما هو تكوين طبيعي في الجسم، ففي الجسم مركز يتحكم في توزيع القوة، فبعض الناس يميل مركز القوة عندهم ناحية اليمين، فتكون يمينه أقوى من شماله، وبعضهم العكس، وبعضهم يتساوى عنده مركز القوة، فيعمل باليمين ويعمل باليسار بنفس القوة، وهذا يُسمُّونه (الأضبط) مثل سيدنا عمر رضي الله عنه.
ومن معاني اليمين أيضاً الحَلف والقَسَم، وهذه المعاني كلها واردة في معنى هذه الآية إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] يعني: من جهة الخير والحق لتصرفونا عنه، أو من ناحية البطش والقوة لتجبرونا على الفعل، أو بالحلف يعني: تحلفون لنا أن هذا هو الطريق الصحيح، لا طريق غيره.
ويرد المتبوعون على التابعين قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩] يعني: ما أخرجناكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم بطبيعة الحال غير مؤمنين، وبمجرد أنْ أشرنا إليكم سِرْتم خلفنا وتابعتمونا وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ [الصافات: ٣٠] والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع.
بَلْ كُنتُمْ [الصافات: ٣٠] بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ [الصافات: ٣٠] أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم، كما حكاه القرآن الكريم: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
آية رقم ٢٨
ﭡﭢﭣﭤﭥﭦ
ﭧ
تأمل هذه المواجهة بين التابع والمتبوع، بعد أنْ ظهرت خيبة الجميع وتكشَّفَتْ الحقائق التي طالما أنكروها في الدنيا وكذَّبوا بها، إنهم الآن يُلْقي كل منهم بالمسئولية على الآخر، ويتساءلون فيما بينهم.
قَالُوۤاْ [الصافات: ٢٨] أي: الأتباع إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] اليمين يعني من جهة اليمين، واليمين منه اليمن والتيمن، واليمين جهة الخير؛ لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمُّن في كل شيء، فبها نُسلِّم، وبها نأكل ونشرب، ونتناول الأشياء ونكتب، لأنها مُشرَّفة مُكرَّمة، حتى العرب قديماً كانوا يتفاءلون بجهة اليمين لو طار الطيرُ ناحية اليمين.
واليمين أيضاً من معانيها أنها مصدر القوة في الفعل، وغالبية الناس يستخدمون اليمين، وهي عندهم الأقوى، وقد سُئِلْنا مرة عن الذين يعملون بالشمال: هل ننهاهم عن ذلك؟ نقول: العمل باليمين أو اليسار ليس مجرَّد تعوُّد، إنما هو تكوين طبيعي في الجسم، ففي الجسم مركز يتحكم في توزيع القوة، فبعض الناس يميل مركز القوة عندهم ناحية اليمين، فتكون يمينه أقوى من شماله، وبعضهم العكس، وبعضهم يتساوى عنده مركز القوة، فيعمل باليمين ويعمل باليسار بنفس القوة، وهذا يُسمُّونه (الأضبط) مثل سيدنا عمر رضي الله عنه.
ومن معاني اليمين أيضاً الحَلف والقَسَم، وهذه المعاني كلها واردة في معنى هذه الآية إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] يعني: من جهة الخير والحق لتصرفونا عنه، أو من ناحية البطش والقوة لتجبرونا على الفعل، أو بالحلف يعني: تحلفون لنا أن هذا هو الطريق الصحيح، لا طريق غيره.
ويرد المتبوعون على التابعين قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩] يعني: ما أخرجناكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم بطبيعة الحال غير مؤمنين، وبمجرد أنْ أشرنا إليكم سِرْتم خلفنا وتابعتمونا وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ [الصافات: ٣٠] والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع.
بَلْ كُنتُمْ [الصافات: ٣٠] بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ [الصافات: ٣٠] أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم، كما حكاه القرآن الكريم: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
قَالُوۤاْ [الصافات: ٢٨] أي: الأتباع إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] اليمين يعني من جهة اليمين، واليمين منه اليمن والتيمن، واليمين جهة الخير؛ لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمُّن في كل شيء، فبها نُسلِّم، وبها نأكل ونشرب، ونتناول الأشياء ونكتب، لأنها مُشرَّفة مُكرَّمة، حتى العرب قديماً كانوا يتفاءلون بجهة اليمين لو طار الطيرُ ناحية اليمين.
واليمين أيضاً من معانيها أنها مصدر القوة في الفعل، وغالبية الناس يستخدمون اليمين، وهي عندهم الأقوى، وقد سُئِلْنا مرة عن الذين يعملون بالشمال: هل ننهاهم عن ذلك؟ نقول: العمل باليمين أو اليسار ليس مجرَّد تعوُّد، إنما هو تكوين طبيعي في الجسم، ففي الجسم مركز يتحكم في توزيع القوة، فبعض الناس يميل مركز القوة عندهم ناحية اليمين، فتكون يمينه أقوى من شماله، وبعضهم العكس، وبعضهم يتساوى عنده مركز القوة، فيعمل باليمين ويعمل باليسار بنفس القوة، وهذا يُسمُّونه (الأضبط) مثل سيدنا عمر رضي الله عنه.
ومن معاني اليمين أيضاً الحَلف والقَسَم، وهذه المعاني كلها واردة في معنى هذه الآية إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] يعني: من جهة الخير والحق لتصرفونا عنه، أو من ناحية البطش والقوة لتجبرونا على الفعل، أو بالحلف يعني: تحلفون لنا أن هذا هو الطريق الصحيح، لا طريق غيره.
ويرد المتبوعون على التابعين قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩] يعني: ما أخرجناكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم بطبيعة الحال غير مؤمنين، وبمجرد أنْ أشرنا إليكم سِرْتم خلفنا وتابعتمونا وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ [الصافات: ٣٠] والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع.
بَلْ كُنتُمْ [الصافات: ٣٠] بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ [الصافات: ٣٠] أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم، كما حكاه القرآن الكريم: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
آية رقم ٢٩
ﭨﭩﭪﭫﭬ
ﭭ
تأمل هذه المواجهة بين التابع والمتبوع، بعد أنْ ظهرت خيبة الجميع وتكشَّفَتْ الحقائق التي طالما أنكروها في الدنيا وكذَّبوا بها، إنهم الآن يُلْقي كل منهم بالمسئولية على الآخر، ويتساءلون فيما بينهم.
قَالُوۤاْ [الصافات: ٢٨] أي: الأتباع إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] اليمين يعني من جهة اليمين، واليمين منه اليمن والتيمن، واليمين جهة الخير؛ لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمُّن في كل شيء، فبها نُسلِّم، وبها نأكل ونشرب، ونتناول الأشياء ونكتب، لأنها مُشرَّفة مُكرَّمة، حتى العرب قديماً كانوا يتفاءلون بجهة اليمين لو طار الطيرُ ناحية اليمين.
واليمين أيضاً من معانيها أنها مصدر القوة في الفعل، وغالبية الناس يستخدمون اليمين، وهي عندهم الأقوى، وقد سُئِلْنا مرة عن الذين يعملون بالشمال: هل ننهاهم عن ذلك؟ نقول: العمل باليمين أو اليسار ليس مجرَّد تعوُّد، إنما هو تكوين طبيعي في الجسم، ففي الجسم مركز يتحكم في توزيع القوة، فبعض الناس يميل مركز القوة عندهم ناحية اليمين، فتكون يمينه أقوى من شماله، وبعضهم العكس، وبعضهم يتساوى عنده مركز القوة، فيعمل باليمين ويعمل باليسار بنفس القوة، وهذا يُسمُّونه (الأضبط) مثل سيدنا عمر رضي الله عنه.
ومن معاني اليمين أيضاً الحَلف والقَسَم، وهذه المعاني كلها واردة في معنى هذه الآية إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] يعني: من جهة الخير والحق لتصرفونا عنه، أو من ناحية البطش والقوة لتجبرونا على الفعل، أو بالحلف يعني: تحلفون لنا أن هذا هو الطريق الصحيح، لا طريق غيره.
ويرد المتبوعون على التابعين قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩] يعني: ما أخرجناكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم بطبيعة الحال غير مؤمنين، وبمجرد أنْ أشرنا إليكم سِرْتم خلفنا وتابعتمونا وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ [الصافات: ٣٠] والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع.
بَلْ كُنتُمْ [الصافات: ٣٠] بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ [الصافات: ٣٠] أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم، كما حكاه القرآن الكريم: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
قَالُوۤاْ [الصافات: ٢٨] أي: الأتباع إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] اليمين يعني من جهة اليمين، واليمين منه اليمن والتيمن، واليمين جهة الخير؛ لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمُّن في كل شيء، فبها نُسلِّم، وبها نأكل ونشرب، ونتناول الأشياء ونكتب، لأنها مُشرَّفة مُكرَّمة، حتى العرب قديماً كانوا يتفاءلون بجهة اليمين لو طار الطيرُ ناحية اليمين.
واليمين أيضاً من معانيها أنها مصدر القوة في الفعل، وغالبية الناس يستخدمون اليمين، وهي عندهم الأقوى، وقد سُئِلْنا مرة عن الذين يعملون بالشمال: هل ننهاهم عن ذلك؟ نقول: العمل باليمين أو اليسار ليس مجرَّد تعوُّد، إنما هو تكوين طبيعي في الجسم، ففي الجسم مركز يتحكم في توزيع القوة، فبعض الناس يميل مركز القوة عندهم ناحية اليمين، فتكون يمينه أقوى من شماله، وبعضهم العكس، وبعضهم يتساوى عنده مركز القوة، فيعمل باليمين ويعمل باليسار بنفس القوة، وهذا يُسمُّونه (الأضبط) مثل سيدنا عمر رضي الله عنه.
ومن معاني اليمين أيضاً الحَلف والقَسَم، وهذه المعاني كلها واردة في معنى هذه الآية إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] يعني: من جهة الخير والحق لتصرفونا عنه، أو من ناحية البطش والقوة لتجبرونا على الفعل، أو بالحلف يعني: تحلفون لنا أن هذا هو الطريق الصحيح، لا طريق غيره.
ويرد المتبوعون على التابعين قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الصافات: ٢٩] يعني: ما أخرجناكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم بطبيعة الحال غير مؤمنين، وبمجرد أنْ أشرنا إليكم سِرْتم خلفنا وتابعتمونا وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ [الصافات: ٣٠] والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع.
بَلْ كُنتُمْ [الصافات: ٣٠] بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ [الصافات: ٣٠] أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم، كما حكاه القرآن الكريم: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
آية رقم ٣٠
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع.
بَلْ كُنتُمْ بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم...
بَلْ كُنتُمْ بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم...
آية رقم ٣١
... وتأمل قوله سبحانه: إِنَّا لَذَآئِقُونَ ولم يقولوا مُعذَّبون أو مُحرَّقون، لأن العذاب أو الإحراق يمكن أنْ ينتهي في وقت من الأوقات، أما الإذاقة فهي دائمة ومستمرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى:
كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء: ٥٦].
كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء: ٥٦].
آية رقم ٣٢
ﮂﮃﮄﮅ
ﮆ
وقولهم: فَأَغْوَيْنَاكُمْ أي: دَلَلْناهم على طريق الغواية والضلال، والغاوي هو الذي ضلَّ طريق الخير والحق إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ والمعنى: إنْ كُنَّا نحن ضالين غاوين، فلماذا نترككم للهداية وللإيمان، لا بُدَّ أنْ تشربوا معنا من نفس الكأس، وهذا منطق أستاذهم إبليس، فلما عصى وطُرِد من رحمة الله أقسم أنْ يُضِلَّ معه ذرية آدم، ليكونوا مثله في الضلال.
آية رقم ٣٣
ﮇﮈﮉﮊﮋ
ﮌ
ثم يُنهي الحق سبحانه هذه المواجهة بين أهل الباطل، ويقرر هذه الحقيقة فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ وهذه سُنَّتنا في أهل الضلال.
آية رقم ٣٤
ﮍﮎﮏﮐ
ﮑ
إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ والمجرم هو الذي يُكذِّب بقضية الإيمان الأولى، وهي التوحيد؛ لذلك يصفهم الحق سبحانه في الآية بعدها: إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ....
آية رقم ٣٥
قوله سبحانه: إِنَّهُمْ [الصافات: ٣٥] أى: الكفار الذين وُصِفُوا بالإجرام كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات: ٣٥] أي: يستكبرون عن قبولها والتصديق بها وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا [الصافات: ٣٦] يعني: منصرفون عن عبادتها لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات: ٣٦] أي: من أجله، ومن أجل دعوته.
وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا آلِهَتِنَا [الصافات: ٣٦] وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟
نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.
ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!
الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق، لذلك يردُّ الحق عليهم ويدفع عن رسوله اتهاماتهم، فيقول: نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ١-٤].
لذلك يقول تعالى هنا: (بل) وهي للإضراب عن الكلام السابق، يعني: دَعْكَ من هذا الهُرَاء بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ [الصافات: ٣٧] بالشيء الثابت الذي لا يتغير وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ [الصافات: ٣٧] صدق مَنْ سبقوه من الرسل في منهج الله.
وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا آلِهَتِنَا [الصافات: ٣٦] وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟
نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.
ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!
الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق، لذلك يردُّ الحق عليهم ويدفع عن رسوله اتهاماتهم، فيقول: نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ١-٤].
لذلك يقول تعالى هنا: (بل) وهي للإضراب عن الكلام السابق، يعني: دَعْكَ من هذا الهُرَاء بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ [الصافات: ٣٧] بالشيء الثابت الذي لا يتغير وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ [الصافات: ٣٧] صدق مَنْ سبقوه من الرسل في منهج الله.
آية رقم ٣٦
ﮝﮞﮟﮠﮡﮢ
ﮣ
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا يعني: منصرفون عن عبادتها لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ أي: من أجله، ومن أجل دعوته.
وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا آلِهَتِنَا وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟
نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.
ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!
الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق...
وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا آلِهَتِنَا وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟
نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.
ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!
الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق...
آية رقم ٣٧
ﮤﮥﮦﮧﮨ
ﮩ
قوله سبحانه: إِنَّهُمْ [الصافات: ٣٥] أى: الكفار الذين وُصِفُوا بالإجرام كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات: ٣٥] أي: يستكبرون عن قبولها والتصديق بها وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا [الصافات: ٣٦] يعني: منصرفون عن عبادتها لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات: ٣٦] أي: من أجله، ومن أجل دعوته.
وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا آلِهَتِنَا [الصافات: ٣٦] وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟
نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.
ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!
الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق، لذلك يردُّ الحق عليهم ويدفع عن رسوله اتهاماتهم، فيقول: نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ١-٤].
لذلك يقول تعالى هنا: (بل) وهي للإضراب عن الكلام السابق، يعني: دَعْكَ من هذا الهُرَاء بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ [الصافات: ٣٧] بالشيء الثابت الذي لا يتغير وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ [الصافات: ٣٧] صدق مَنْ سبقوه من الرسل في منهج الله.
وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا آلِهَتِنَا [الصافات: ٣٦] وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟
نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.
ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!
الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق، لذلك يردُّ الحق عليهم ويدفع عن رسوله اتهاماتهم، فيقول: نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ١-٤].
لذلك يقول تعالى هنا: (بل) وهي للإضراب عن الكلام السابق، يعني: دَعْكَ من هذا الهُرَاء بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ [الصافات: ٣٧] بالشيء الثابت الذي لا يتغير وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ [الصافات: ٣٧] صدق مَنْ سبقوه من الرسل في منهج الله.
آية رقم ٣٨
ﮪﮫﮬﮭ
ﮮ
إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم:
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ [الصافات: ٣١] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات: ٣٩].
في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم:
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ [الصافات: ٣١] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات: ٣٩].
آية رقم ٣٩
ﮯﮰﮱﯓﯔﯕ
ﯖ
إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم:
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ [الصافات: ٣١] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ [الصافات: ٣٨] وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم:
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ [الصافات: ٣١] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ [الصافات: ٣٨] وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
آية رقم ٤٠
ﯗﯘﯙﯚ
ﯛ
سبق الحديث عن جزاء الكافرين، وهنا استثناء إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] فهم مُسْتَثْنون بعيدون من هذا المصير، وكلمة ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] جمع مخلَص بالفتح، فهي اسم مفعول. يعني: الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعبادته أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ [الصافات: ٤١] أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوماً؛ لأنك تكدُّ وتتعب في الدنيا، وقد تُحرَم ثمرة هذا الكَدِّ، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ [الصافات: ٤٢-٤٣] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
وقوله تعالى: عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨].
الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ [الصافات: ٤٢-٤٣] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
وقوله تعالى: عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨].
الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
آية رقم ٤١
ﯜﯝﯞﯟ
ﯠ
أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوماً؛ لأنك تكدُّ وتتعب في الدنيا، وقد تُحرَم ثمرة هذا الكَدِّ، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة -كما قلنا- مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به...
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة -كما قلنا- مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به...
آية رقم ٤٢
ﯡﯢﯣ
ﯤ
وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ... لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ... لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
آية رقم ٤٣
ﯥﯦﯧ
ﯨ
سبق الحديث عن جزاء الكافرين، وهنا استثناء إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] فهم مُسْتَثْنون بعيدون من هذا المصير، وكلمة ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] جمع مخلَص بالفتح، فهي اسم مفعول. يعني: الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعبادته أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ [الصافات: ٤١] أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوماً؛ لأنك تكدُّ وتتعب في الدنيا، وقد تُحرَم ثمرة هذا الكَدِّ، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ [الصافات: ٤٢-٤٣] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
وقوله تعالى: عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨].
الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ [الصافات: ٤٢-٤٣] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
وقوله تعالى: عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨].
الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
آية رقم ٤٤
ﯩﯪﯫ
ﯬ
سبق الحديث عن جزاء الكافرين، وهنا استثناء إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] فهم مُسْتَثْنون بعيدون من هذا المصير، وكلمة ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] جمع مخلَص بالفتح، فهي اسم مفعول. يعني: الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعبادته أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ [الصافات: ٤١] أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوماً؛ لأنك تكدُّ وتتعب في الدنيا، وقد تُحرَم ثمرة هذا الكَدِّ، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ [الصافات: ٤٢-٤٣] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
وقوله تعالى: عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨].
الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ [الصافات: ٤٢-٤٣] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
وقوله تعالى: عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨].
الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
آية رقم ٤٥
ﯭﯮﯯﯰﯱ
ﯲ
سبق الحديث عن جزاء الكافرين، وهنا استثناء إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] فهم مُسْتَثْنون بعيدون من هذا المصير، وكلمة ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] جمع مخلَص بالفتح، فهي اسم مفعول. يعني: الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعبادته أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ [الصافات: ٤١] أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوماً؛ لأنك تكدُّ وتتعب في الدنيا، وقد تُحرَم ثمرة هذا الكَدِّ، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ [الصافات: ٤٢-٤٣] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
وقوله تعالى: عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨].
الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ [الصافات: ٤٢-٤٣] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
وقوله تعالى: عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧-١٨].
الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر مِّن مَّعِينٍ [الصافات: ٤٥] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] ولم يقُلْ لذيذة. إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
آية رقم ٤٦
ﯳﯴﯵ
ﯶ
ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ولم يقُلْ لذيذة.
إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها،
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ولم يقُلْ لذيذة.
إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها،
آية رقم ٤٧
ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
آية رقم ٤٨
ﯿﰀﰁﰂ
ﰃ
هذا وَصْف لنساء الجنة فهُنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ.. يعني: تغضّ بصرها، فلا تنظر إلى غير زوجها...
فالحق سبحانه يحفظ حُسْن المرأة، ويحرص على التكوين العفيف في المجتمع، ليأتيَ النسْلُ شريفاً طاهراً، وهذه المقاييس التي للمؤمنة في الدنيا هي كذلك في الآخرة، فكأن الحق سبحانه يُطمئن الأزواج على هذه الخصوصية، ويؤكد أن الزوجة فيها لا يشاركه فيها أحد، ولو حتى بالنظرة...
ومعنى (عندهم) يعني: في حَوْزتهم؛ لأنها من مَتَاع الجنة، فمَنِ اشتهى منهن شيئاً وجده.
فالحق سبحانه يحفظ حُسْن المرأة، ويحرص على التكوين العفيف في المجتمع، ليأتيَ النسْلُ شريفاً طاهراً، وهذه المقاييس التي للمؤمنة في الدنيا هي كذلك في الآخرة، فكأن الحق سبحانه يُطمئن الأزواج على هذه الخصوصية، ويؤكد أن الزوجة فيها لا يشاركه فيها أحد، ولو حتى بالنظرة...
ومعنى (عندهم) يعني: في حَوْزتهم؛ لأنها من مَتَاع الجنة، فمَنِ اشتهى منهن شيئاً وجده.
آية رقم ٤٩
ﰄﰅﰆ
ﰇ
هذا وَصْف لنساء الجنة فهُنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ.. [الصافات: ٤٨] يعني: تغضّ بصرها، فلا تنظر إلى غير زوجها، وقلنا: إن أغلى ما يتملّكه الإنسان يمكن أنْ يهبه لغيره، فأنت تُعِيرُ صاحبك سيارتك مثلاً أو بيتك أو ثوبك.. الخ
أما المرأة فهي الشيء الوحيد الذي لا تقبل مجرد النظرة إليها، لِمَا لها من خُصُوصية ومنزلة، كذلك تحبُّ من زوجتك ألاَّ تمتدَّ عَيْنُها إلى غيرك، وهذه من صفات أهل الجنة فَهُنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ.. [الصافات: ٤٨] تقصر نظرها على زوجها، وهُنَّ كما في آية أخرى: حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ [الرحمن: ٧٢] يعني: مأسورات محفوظات لأزواجهن.
فالحق سبحانه يحفظ حُسْن المرأة، ويحرص على التكوين العفيف في المجتمع، ليأتيَ النسْلُ شريفاً طاهراً، وهذه المقاييس التي للمؤمنة في الدنيا هي كذلك في الآخرة، فكأن الحق سبحانه يُطمئن الأزواج على هذه الخصوصية، ويؤكد أن الزوجة فيها لا يشاركه فيها أحد، ولو حتى بالنظرة.
ومعنى عِينٌ [الصافات: ٤٨] عين جمع عَيْناء. يعني: واسعة العينين مع حُسْنهما، وهذه من علامات الملاحة والحُسْن في المرأة عند العرب؛ لذلك من المقاييس التي وضعوها للجمال أنَّ العين تكون واسعة، والفم ضيق، بحيث إذا قِيسَتْ عينها بفمها، كانت عينُها أوسع.
ومعنى (عندهم) يعني: في حَوْزتهم؛ لأنها من مَتَاع الجنة، فمَنِ اشتهى منهن شيئاً وجده وإلاَّ ترفَّع عنها، لكن هي موجودة عندهم.
ثم يصفهُنَّ سبحانه بقوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ [الصافات: ٤٩] كلمة بَيْضٌ [الصافات: ٤٩] جمع بيضة، والمراد بيضة النعام؛ لأنها أكبر وأجمل في اللون. ويقولون لمن يحمى الجِمَال في قبيلته: يحمى بيضتها؛ لذلك وصف البيض هنا بأنه مَّكْنُونٌ [الصافات: ٤٩] مُصَان مستور لم تُمَدّ إليه يَدٌ.
أما المرأة فهي الشيء الوحيد الذي لا تقبل مجرد النظرة إليها، لِمَا لها من خُصُوصية ومنزلة، كذلك تحبُّ من زوجتك ألاَّ تمتدَّ عَيْنُها إلى غيرك، وهذه من صفات أهل الجنة فَهُنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ.. [الصافات: ٤٨] تقصر نظرها على زوجها، وهُنَّ كما في آية أخرى: حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ [الرحمن: ٧٢] يعني: مأسورات محفوظات لأزواجهن.
فالحق سبحانه يحفظ حُسْن المرأة، ويحرص على التكوين العفيف في المجتمع، ليأتيَ النسْلُ شريفاً طاهراً، وهذه المقاييس التي للمؤمنة في الدنيا هي كذلك في الآخرة، فكأن الحق سبحانه يُطمئن الأزواج على هذه الخصوصية، ويؤكد أن الزوجة فيها لا يشاركه فيها أحد، ولو حتى بالنظرة.
ومعنى عِينٌ [الصافات: ٤٨] عين جمع عَيْناء. يعني: واسعة العينين مع حُسْنهما، وهذه من علامات الملاحة والحُسْن في المرأة عند العرب؛ لذلك من المقاييس التي وضعوها للجمال أنَّ العين تكون واسعة، والفم ضيق، بحيث إذا قِيسَتْ عينها بفمها، كانت عينُها أوسع.
ومعنى (عندهم) يعني: في حَوْزتهم؛ لأنها من مَتَاع الجنة، فمَنِ اشتهى منهن شيئاً وجده وإلاَّ ترفَّع عنها، لكن هي موجودة عندهم.
ثم يصفهُنَّ سبحانه بقوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ [الصافات: ٤٩] كلمة بَيْضٌ [الصافات: ٤٩] جمع بيضة، والمراد بيضة النعام؛ لأنها أكبر وأجمل في اللون. ويقولون لمن يحمى الجِمَال في قبيلته: يحمى بيضتها؛ لذلك وصف البيض هنا بأنه مَّكْنُونٌ [الصافات: ٤٩] مُصَان مستور لم تُمَدّ إليه يَدٌ.
آية رقم ٥٠
ﰈﰉﰊﰋﰌ
ﰍ
سبق أن استمعنا إلى حوار دار بين الكافرين المجرمين في النار.
وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ [الصافات: ٥١] من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أي: صاحبٌ في الدنيا يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] أي: بالبعث أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ [الصافات: ٥١] من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أي: صاحبٌ في الدنيا يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] أي: بالبعث أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
آية رقم ٥١
سبق أن استمعنا إلى حوار دار بين الكافرين المجرمين في النار.
وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ [الصافات: ٥١] من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أي: صاحبٌ في الدنيا يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] أي: بالبعث أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ [الصافات: ٥١] من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أي: صاحبٌ في الدنيا يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] أي: بالبعث أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
آية رقم ٥٢
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
سبق أن استمعنا إلى حوار دار بين الكافرين المجرمين في النار.
وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ [الصافات: ٥١] من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أي: صاحبٌ في الدنيا يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] أي: بالبعث أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ [الصافات: ٥١] من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أي: صاحبٌ في الدنيا يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] أي: بالبعث أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
آية رقم ٥٣
سبق أن استمعنا إلى حوار دار بين الكافرين المجرمين في النار.
وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ [الصافات: ٥١] من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أي: صاحبٌ في الدنيا يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] أي: بالبعث أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
وهنا يحكي لنا الحق سبحانه هذا الحوارَ بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ [الصافات: ٥١] من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أي: صاحبٌ في الدنيا يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] أي: بالبعث أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] يعني: محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث والحساب.
آية رقم ٥٤
ﭞﭟﭠﭡ
ﭢ
القرآن يُصوِّر لك هذا الموقف كأنك تراه، ويحكيه كأنك تسمعه، فبينما أهل الجنة مشغولون في تساؤلهم عن أهل الضلالِ ممَّنْ كانوا يعرفونهم في الدنيا، إذ نظر أحدهم فاطلع على أهل النار، فرأى صاحبه الذي حاول أنْ يُضِلَّه، صاحبه المكذِّب بالبعث وبالحساب.
فقال لجلسائه: انظروا هذا فلان في النار.
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها، فلا أملَ له في النجاة منها، عندها تذكَّر المؤمنُ نعمةَ الله التي شملتْه وأنقذتْه من هاوية الضلال، التي كاد أنْ يُوقِعه فيها صاحبه، فقال مخاطباً هذا القرين: تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: تُهلكني معك وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي.. [الصافات: ٥٧] أي: تداركَتْني وأنقذتني لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا يُنغِّص عليهم هذه الفرحةَ إلا الخوفُ من الموت وفوات هذا النعيم، فيقولون:
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ... .
فقال لجلسائه: انظروا هذا فلان في النار.
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها، فلا أملَ له في النجاة منها، عندها تذكَّر المؤمنُ نعمةَ الله التي شملتْه وأنقذتْه من هاوية الضلال، التي كاد أنْ يُوقِعه فيها صاحبه، فقال مخاطباً هذا القرين: تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: تُهلكني معك وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي.. [الصافات: ٥٧] أي: تداركَتْني وأنقذتني لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا يُنغِّص عليهم هذه الفرحةَ إلا الخوفُ من الموت وفوات هذا النعيم، فيقولون:
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ... .
آية رقم ٥٥
ﭣﭤﭥﭦﭧ
ﭨ
القرآن يُصوِّر لك هذا الموقف كأنك تراه، ويحكيه كأنك تسمعه، فبينما أهل الجنة مشغولون في تساؤلهم عن أهل الضلالِ ممَّنْ كانوا يعرفونهم في الدنيا، إذ نظر أحدهم فاطلع على أهل النار، فرأى صاحبه الذي حاول أنْ يُضِلَّه، صاحبه المكذِّب بالبعث وبالحساب.
فقال لجلسائه: انظروا هذا فلان في النار.
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها، فلا أملَ له في النجاة منها، عندها تذكَّر المؤمنُ نعمةَ الله التي شملتْه وأنقذتْه من هاوية الضلال، التي كاد أنْ يُوقِعه فيها صاحبه، فقال مخاطباً هذا القرين: تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: تُهلكني معك وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي.. [الصافات: ٥٧] أي: تداركَتْني وأنقذتني لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا يُنغِّص عليهم هذه الفرحةَ إلا الخوفُ من الموت وفوات هذا النعيم، فيقولون:
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ... .
فقال لجلسائه: انظروا هذا فلان في النار.
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها، فلا أملَ له في النجاة منها، عندها تذكَّر المؤمنُ نعمةَ الله التي شملتْه وأنقذتْه من هاوية الضلال، التي كاد أنْ يُوقِعه فيها صاحبه، فقال مخاطباً هذا القرين: تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: تُهلكني معك وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي.. [الصافات: ٥٧] أي: تداركَتْني وأنقذتني لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا يُنغِّص عليهم هذه الفرحةَ إلا الخوفُ من الموت وفوات هذا النعيم، فيقولون:
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ... .
آية رقم ٥٦
ﭩﭪﭫﭬﭭ
ﭮ
القرآن يُصوِّر لك هذا الموقف كأنك تراه، ويحكيه كأنك تسمعه، فبينما أهل الجنة مشغولون في تساؤلهم عن أهل الضلالِ ممَّنْ كانوا يعرفونهم في الدنيا، إذ نظر أحدهم فاطلع على أهل النار، فرأى صاحبه الذي حاول أنْ يُضِلَّه، صاحبه المكذِّب بالبعث وبالحساب.
فقال لجلسائه: انظروا هذا فلان في النار.
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها، فلا أملَ له في النجاة منها، عندها تذكَّر المؤمنُ نعمةَ الله التي شملتْه وأنقذتْه من هاوية الضلال، التي كاد أنْ يُوقِعه فيها صاحبه، فقال مخاطباً هذا القرين: تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: تُهلكني معك وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي.. [الصافات: ٥٧] أي: تداركَتْني وأنقذتني لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا يُنغِّص عليهم هذه الفرحةَ إلا الخوفُ من الموت وفوات هذا النعيم، فيقولون:
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ... .
فقال لجلسائه: انظروا هذا فلان في النار.
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها، فلا أملَ له في النجاة منها، عندها تذكَّر المؤمنُ نعمةَ الله التي شملتْه وأنقذتْه من هاوية الضلال، التي كاد أنْ يُوقِعه فيها صاحبه، فقال مخاطباً هذا القرين: تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: تُهلكني معك وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي.. [الصافات: ٥٧] أي: تداركَتْني وأنقذتني لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا يُنغِّص عليهم هذه الفرحةَ إلا الخوفُ من الموت وفوات هذا النعيم، فيقولون:
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ... .
آية رقم ٥٧
ﭯﭰﭱﭲﭳﭴ
ﭵ
القرآن يُصوِّر لك هذا الموقف كأنك تراه، ويحكيه كأنك تسمعه، فبينما أهل الجنة مشغولون في تساؤلهم عن أهل الضلالِ ممَّنْ كانوا يعرفونهم في الدنيا، إذ نظر أحدهم فاطلع على أهل النار، فرأى صاحبه الذي حاول أنْ يُضِلَّه، صاحبه المكذِّب بالبعث وبالحساب.
فقال لجلسائه: انظروا هذا فلان في النار.
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها، فلا أملَ له في النجاة منها، عندها تذكَّر المؤمنُ نعمةَ الله التي شملتْه وأنقذتْه من هاوية الضلال، التي كاد أنْ يُوقِعه فيها صاحبه، فقال مخاطباً هذا القرين: تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: تُهلكني معك وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي.. [الصافات: ٥٧] أي: تداركَتْني وأنقذتني لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا يُنغِّص عليهم هذه الفرحةَ إلا الخوفُ من الموت وفوات هذا النعيم، فيقولون:
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ... .
فقال لجلسائه: انظروا هذا فلان في النار.
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها، فلا أملَ له في النجاة منها، عندها تذكَّر المؤمنُ نعمةَ الله التي شملتْه وأنقذتْه من هاوية الضلال، التي كاد أنْ يُوقِعه فيها صاحبه، فقال مخاطباً هذا القرين: تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] أي: تُهلكني معك وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي.. [الصافات: ٥٧] أي: تداركَتْني وأنقذتني لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا يُنغِّص عليهم هذه الفرحةَ إلا الخوفُ من الموت وفوات هذا النعيم، فيقولون:
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ... .
آية رقم ٥٨
ﭶﭷﭸ
ﭹ
فهم إذن يخافون فواتَ هذا النعيم، فيتساءلون أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ [الصافات: ٥٨-٥٩] يعني: ألسنا سنموتُ مرة أخرى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الصافات: ٥٩] أي: بعد ما نحن فيه من النعيم، أليس هناك شيء آخر نُحَاسَب ونُعذَّب عليه، كأن أمنيته أنْ يظلَّ على هذه الحال من التنعُّم، فلا يفوته لا بموت ولا بتغيُّر الحال من النعيم إلى العذاب.
إِنَّ هَـٰذَا [الصافات: ٦٠] أي: ما نحن فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول، ولا يأتي بعده حساب آخر ولا عذاب لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ [الصافات: ٦٠] ولا شك أنْ هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١].
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
إِنَّ هَـٰذَا [الصافات: ٦٠] أي: ما نحن فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول، ولا يأتي بعده حساب آخر ولا عذاب لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ [الصافات: ٦٠] ولا شك أنْ هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١].
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
آية رقم ٥٩
ﭺﭻﭼﭽﭾﭿ
ﮀ
فهم إذن يخافون فواتَ هذا النعيم، فيتساءلون أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ [الصافات: ٥٨-٥٩] يعني: ألسنا سنموتُ مرة أخرى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الصافات: ٥٩] أي: بعد ما نحن فيه من النعيم، أليس هناك شيء آخر نُحَاسَب ونُعذَّب عليه، كأن أمنيته أنْ يظلَّ على هذه الحال من التنعُّم، فلا يفوته لا بموت ولا بتغيُّر الحال من النعيم إلى العذاب.
إِنَّ هَـٰذَا [الصافات: ٦٠] أي: ما نحن فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول، ولا يأتي بعده حساب آخر ولا عذاب لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ [الصافات: ٦٠] ولا شك أنْ هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١].
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
إِنَّ هَـٰذَا [الصافات: ٦٠] أي: ما نحن فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول، ولا يأتي بعده حساب آخر ولا عذاب لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ [الصافات: ٦٠] ولا شك أنْ هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١].
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
آية رقم ٦٠
ﮁﮂﮃﮄﮅ
ﮆ
فهم إذن يخافون فواتَ هذا النعيم، فيتساءلون أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ [الصافات: ٥٨-٥٩] يعني: ألسنا سنموتُ مرة أخرى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الصافات: ٥٩] أي: بعد ما نحن فيه من النعيم، أليس هناك شيء آخر نُحَاسَب ونُعذَّب عليه، كأن أمنيته أنْ يظلَّ على هذه الحال من التنعُّم، فلا يفوته لا بموت ولا بتغيُّر الحال من النعيم إلى العذاب.
إِنَّ هَـٰذَا [الصافات: ٦٠] أي: ما نحن فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول، ولا يأتي بعده حساب آخر ولا عذاب لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ [الصافات: ٦٠] ولا شك أنْ هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١].
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
إِنَّ هَـٰذَا [الصافات: ٦٠] أي: ما نحن فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول، ولا يأتي بعده حساب آخر ولا عذاب لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ [الصافات: ٦٠] ولا شك أنْ هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١].
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
آية رقم ٦١
ﮇﮈﮉﮊ
ﮋ
ولا شك أن هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
آية رقم ٦٢
ﮌﮍﮎﮏﮐﮑ
ﮒ
الآيات هنا تراوح بين ذِكْر الجنة وما فيها من النعيم، وذِكْر النار وما فيها من العذاب، فتعود مرة أخرى إلى جهنم وعذابها ووَصْف ما فيها أَذَلِكَ [الصافات: ٦٢] أي: ما سبق ذكْره من نعيم الجنة خَيْرٌ [الصافات: ٦٢] أفضل، فهي بمعنى أفعل التفضيل. نُّزُلاً [الصافات: ٦٢] أي: مَنْزِلاً وضيافةً.
فالنُّزُل مَا يُعَدُّ للضيف الطارئ من مسكن، فيه مُقوِّمات الحياة من مأكل ومشرب وخلافه، لذلك يسمون الفندق (نُزُل)، والفنادق مع ما فيها الآن من سبل الراحة هي ما أعدَّه البشر للبشر، فما أدراك بما أعدَّه ربُّ البشر؟ لا بُدَّ أنْ تكون الضيافةُ على قدر إمكانات المضيف.
أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ [الصافات: ٦٢] وطبيعي أن نسألَ: ما هي يا ربّ شجرةُ الزَّقُّوم؟ فيصِفُها الله لَنَا إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ [الصافات: ٦٣] فتنة بمعنى: محنة وعذاب إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] أي: في وسطها.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
ومعنى طَلْعُهَا [الصافات: ٦٥] أي: ثمرها كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] لكن نحن لم نَرَ رءوس الشياطين، لذلك وقف بعض المستشرقين الذين يحاولون الاستدراك على كلام الله، وقف يقول:
كيف يُشبِّه اللهُ في هذه الآية مجهولاً بمجهول، فنحن لم نَرَ شجرةَ الزقوم، ولم نر رءوس الشياطين، والتشبيه يأتي لتوضيح المشبّه بذكر المشبَّه به، فما فائدة أنْ تُشبه مجهولاً بمجهول؟
نقول: مُخ الإنسان فيه جزء للحافظة، وجزء للذاكرة، وجزء للتخيُّل يُسمَّى مُخَيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء وتكوِّن صوراً جديدة مُتخيَّلة، لا أصلَ لها في الواقع.
هنا أنت مع هذا التشبيه طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] مع أنك لم تَرَ رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النُّزُل الذي أعَدَّهُ الله للمؤمنين في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين الصورتين مقصود، فكأن ربّكَ عزَّ وجلَّ أراد أنْ يسوقَ لك العِظَة في وقت الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب.
وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، مُنتنة الرائحة، مُرَّة الطَّعْم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلاً للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم، قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذَّبين بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يُكذِّبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعم لهم غير ثمرها.
والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذَّبوا بها في الدنيا. إذن: كَوْن هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذّبوا به.
وهذه المسألة تُذكِّرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين أُلْقِي في النار، فجعلها الله عليه بَرْداً وسلاماً، وعطَّل بقدرته تعالى قانون الإحراق.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبشِّع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة بهذا الاسم، ويعرفون خُبْثَها ونَتْن ريحها ومرارة طَعْمها، ويعرفون طَلْعها البسيط، لكن أحداً لم يَرَ الطَّلْع الذي يُشبه رءوس الشياطين.
إذن: المراد تبشيعه وإعطاء الفرصة للتخيُّل أنْ يذهبَ في تصوُّر بشاعته كلَّ مذهب، فطَلْع كل شيء يكون جميلاً، بل هو أجمل ما في الشجرة، أما هذه فطَلْعُها كأنه رءوس الشياطين، ولك أنْ تتصوَّر ما فيه من القُبح والدَّمَامَة والشكل المنفِّر.
ومعلوم أن العرب كانت تعتقد أن الشياطين أقبحُ صورة، ويقابله الملاك أحسن وأجمل صورة، ومن ذلك قول النِّسْوة لما رأيْنَ يوسف عليه السلام: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١].
إذن: رَاعَى القرآن في هذا التشبيه معتقدات العرب، وجاء بصورة مجهولة. نعم لكن سيتصورَّها كلُّ واحد بمقاييس القبح عنده، ولو أتى بمثَل محدَّد معروف في القُبْح، لكَانَ على لَوْنٍ واحد، وربما كان قبيحاً في نظر شخص وغير قبيح في نظر الآخر، لكن الحق سبحانه يريد منظراً مُقبَّحاً عند الكل، ومَنْ مِنَّا يتصوَّر الشيطانَ جميلاً؟
لذلك قلنا: إذا جئنا برسامي الكاريكاتير في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة تخيُّلية للشيطان، فسوف يرسم كلٌّ منهم صورةً للقبح في نظره، ولن تجد فيها صورة مثل الأخرى. إذن: جاء تشبيه طلْع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، ليُشيعَ معاني القبح جميعاً في النفوس، وهذه الصورة كفيلة بأنْ تُنفِّرنا من هذه الشجرة.
وأصل الطَّلْع هو الكِمُّ الذي يحوي أول ثمرة للشجرة، ويُقَال للكوز الذي يحوي ثمرة النخل وما يشبهها. فإذا خرجتْ منه الشماريخ، وبانت استدارته وتكوينه يسمى (بلح) طالما كان أخضرَ اللون.
والبلحة لها ثلاثة أوصاف:
الأول: حجمها، فإذا أخذتْ حجمها الطبيعي والنهائي يبدو دون لون، فتتلوَّن إما حمراء أو صفراء، وفي هذه المرحلة يقولون (البلح عَفَّرْ) ويسمونه (زهو).
الثاني: إذا استقر اللون وكمُلَتْ حُمْرته أو صُفْرته يُسمُّونه (بُسْر).
الوصف الثالث: بعد الحجم واللون يأتي القوام: لين أو يابس بحسب البيئة، فإنْ كانت حارة جافة، فإنها تؤثر على البُسْر وتُجفِّفه، فيتحول إلى تمر، وإنْ كانت البيئة باردة رطبة صار البُسْر رطباً.
فالنُّزُل مَا يُعَدُّ للضيف الطارئ من مسكن، فيه مُقوِّمات الحياة من مأكل ومشرب وخلافه، لذلك يسمون الفندق (نُزُل)، والفنادق مع ما فيها الآن من سبل الراحة هي ما أعدَّه البشر للبشر، فما أدراك بما أعدَّه ربُّ البشر؟ لا بُدَّ أنْ تكون الضيافةُ على قدر إمكانات المضيف.
أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ [الصافات: ٦٢] وطبيعي أن نسألَ: ما هي يا ربّ شجرةُ الزَّقُّوم؟ فيصِفُها الله لَنَا إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ [الصافات: ٦٣] فتنة بمعنى: محنة وعذاب إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] أي: في وسطها.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
ومعنى طَلْعُهَا [الصافات: ٦٥] أي: ثمرها كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] لكن نحن لم نَرَ رءوس الشياطين، لذلك وقف بعض المستشرقين الذين يحاولون الاستدراك على كلام الله، وقف يقول:
كيف يُشبِّه اللهُ في هذه الآية مجهولاً بمجهول، فنحن لم نَرَ شجرةَ الزقوم، ولم نر رءوس الشياطين، والتشبيه يأتي لتوضيح المشبّه بذكر المشبَّه به، فما فائدة أنْ تُشبه مجهولاً بمجهول؟
نقول: مُخ الإنسان فيه جزء للحافظة، وجزء للذاكرة، وجزء للتخيُّل يُسمَّى مُخَيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء وتكوِّن صوراً جديدة مُتخيَّلة، لا أصلَ لها في الواقع.
هنا أنت مع هذا التشبيه طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] مع أنك لم تَرَ رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النُّزُل الذي أعَدَّهُ الله للمؤمنين في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين الصورتين مقصود، فكأن ربّكَ عزَّ وجلَّ أراد أنْ يسوقَ لك العِظَة في وقت الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب.
وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، مُنتنة الرائحة، مُرَّة الطَّعْم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلاً للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم، قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذَّبين بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يُكذِّبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعم لهم غير ثمرها.
والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذَّبوا بها في الدنيا. إذن: كَوْن هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذّبوا به.
وهذه المسألة تُذكِّرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين أُلْقِي في النار، فجعلها الله عليه بَرْداً وسلاماً، وعطَّل بقدرته تعالى قانون الإحراق.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبشِّع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة بهذا الاسم، ويعرفون خُبْثَها ونَتْن ريحها ومرارة طَعْمها، ويعرفون طَلْعها البسيط، لكن أحداً لم يَرَ الطَّلْع الذي يُشبه رءوس الشياطين.
إذن: المراد تبشيعه وإعطاء الفرصة للتخيُّل أنْ يذهبَ في تصوُّر بشاعته كلَّ مذهب، فطَلْع كل شيء يكون جميلاً، بل هو أجمل ما في الشجرة، أما هذه فطَلْعُها كأنه رءوس الشياطين، ولك أنْ تتصوَّر ما فيه من القُبح والدَّمَامَة والشكل المنفِّر.
ومعلوم أن العرب كانت تعتقد أن الشياطين أقبحُ صورة، ويقابله الملاك أحسن وأجمل صورة، ومن ذلك قول النِّسْوة لما رأيْنَ يوسف عليه السلام: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١].
إذن: رَاعَى القرآن في هذا التشبيه معتقدات العرب، وجاء بصورة مجهولة. نعم لكن سيتصورَّها كلُّ واحد بمقاييس القبح عنده، ولو أتى بمثَل محدَّد معروف في القُبْح، لكَانَ على لَوْنٍ واحد، وربما كان قبيحاً في نظر شخص وغير قبيح في نظر الآخر، لكن الحق سبحانه يريد منظراً مُقبَّحاً عند الكل، ومَنْ مِنَّا يتصوَّر الشيطانَ جميلاً؟
لذلك قلنا: إذا جئنا برسامي الكاريكاتير في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة تخيُّلية للشيطان، فسوف يرسم كلٌّ منهم صورةً للقبح في نظره، ولن تجد فيها صورة مثل الأخرى. إذن: جاء تشبيه طلْع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، ليُشيعَ معاني القبح جميعاً في النفوس، وهذه الصورة كفيلة بأنْ تُنفِّرنا من هذه الشجرة.
وأصل الطَّلْع هو الكِمُّ الذي يحوي أول ثمرة للشجرة، ويُقَال للكوز الذي يحوي ثمرة النخل وما يشبهها. فإذا خرجتْ منه الشماريخ، وبانت استدارته وتكوينه يسمى (بلح) طالما كان أخضرَ اللون.
والبلحة لها ثلاثة أوصاف:
الأول: حجمها، فإذا أخذتْ حجمها الطبيعي والنهائي يبدو دون لون، فتتلوَّن إما حمراء أو صفراء، وفي هذه المرحلة يقولون (البلح عَفَّرْ) ويسمونه (زهو).
الثاني: إذا استقر اللون وكمُلَتْ حُمْرته أو صُفْرته يُسمُّونه (بُسْر).
الوصف الثالث: بعد الحجم واللون يأتي القوام: لين أو يابس بحسب البيئة، فإنْ كانت حارة جافة، فإنها تؤثر على البُسْر وتُجفِّفه، فيتحول إلى تمر، وإنْ كانت البيئة باردة رطبة صار البُسْر رطباً.
آية رقم ٦٣
ﮓﮔﮕﮖ
ﮗ
الآيات هنا تراوح بين ذِكْر الجنة وما فيها من النعيم، وذِكْر النار وما فيها من العذاب، فتعود مرة أخرى إلى جهنم وعذابها ووَصْف ما فيها أَذَلِكَ [الصافات: ٦٢] أي: ما سبق ذكْره من نعيم الجنة خَيْرٌ [الصافات: ٦٢] أفضل، فهي بمعنى أفعل التفضيل. نُّزُلاً [الصافات: ٦٢] أي: مَنْزِلاً وضيافةً.
فالنُّزُل مَا يُعَدُّ للضيف الطارئ من مسكن، فيه مُقوِّمات الحياة من مأكل ومشرب وخلافه، لذلك يسمون الفندق (نُزُل)، والفنادق مع ما فيها الآن من سبل الراحة هي ما أعدَّه البشر للبشر، فما أدراك بما أعدَّه ربُّ البشر؟ لا بُدَّ أنْ تكون الضيافةُ على قدر إمكانات المضيف.
أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ [الصافات: ٦٢] وطبيعي أن نسألَ: ما هي يا ربّ شجرةُ الزَّقُّوم؟ فيصِفُها الله لَنَا إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ [الصافات: ٦٣] فتنة بمعنى: محنة وعذاب إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] أي: في وسطها.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
ومعنى طَلْعُهَا [الصافات: ٦٥] أي: ثمرها كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] لكن نحن لم نَرَ رءوس الشياطين، لذلك وقف بعض المستشرقين الذين يحاولون الاستدراك على كلام الله، وقف يقول:
كيف يُشبِّه اللهُ في هذه الآية مجهولاً بمجهول، فنحن لم نَرَ شجرةَ الزقوم، ولم نر رءوس الشياطين، والتشبيه يأتي لتوضيح المشبّه بذكر المشبَّه به، فما فائدة أنْ تُشبه مجهولاً بمجهول؟
نقول: مُخ الإنسان فيه جزء للحافظة، وجزء للذاكرة، وجزء للتخيُّل يُسمَّى مُخَيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء وتكوِّن صوراً جديدة مُتخيَّلة، لا أصلَ لها في الواقع.
هنا أنت مع هذا التشبيه طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] مع أنك لم تَرَ رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النُّزُل الذي أعَدَّهُ الله للمؤمنين في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين الصورتين مقصود، فكأن ربّكَ عزَّ وجلَّ أراد أنْ يسوقَ لك العِظَة في وقت الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب.
وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، مُنتنة الرائحة، مُرَّة الطَّعْم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلاً للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم، قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذَّبين بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يُكذِّبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعم لهم غير ثمرها.
والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذَّبوا بها في الدنيا. إذن: كَوْن هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذّبوا به.
وهذه المسألة تُذكِّرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين أُلْقِي في النار، فجعلها الله عليه بَرْداً وسلاماً، وعطَّل بقدرته تعالى قانون الإحراق.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبشِّع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة بهذا الاسم، ويعرفون خُبْثَها ونَتْن ريحها ومرارة طَعْمها، ويعرفون طَلْعها البسيط، لكن أحداً لم يَرَ الطَّلْع الذي يُشبه رءوس الشياطين.
إذن: المراد تبشيعه وإعطاء الفرصة للتخيُّل أنْ يذهبَ في تصوُّر بشاعته كلَّ مذهب، فطَلْع كل شيء يكون جميلاً، بل هو أجمل ما في الشجرة، أما هذه فطَلْعُها كأنه رءوس الشياطين، ولك أنْ تتصوَّر ما فيه من القُبح والدَّمَامَة والشكل المنفِّر.
ومعلوم أن العرب كانت تعتقد أن الشياطين أقبحُ صورة، ويقابله الملاك أحسن وأجمل صورة، ومن ذلك قول النِّسْوة لما رأيْنَ يوسف عليه السلام: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١].
إذن: رَاعَى القرآن في هذا التشبيه معتقدات العرب، وجاء بصورة مجهولة. نعم لكن سيتصورَّها كلُّ واحد بمقاييس القبح عنده، ولو أتى بمثَل محدَّد معروف في القُبْح، لكَانَ على لَوْنٍ واحد، وربما كان قبيحاً في نظر شخص وغير قبيح في نظر الآخر، لكن الحق سبحانه يريد منظراً مُقبَّحاً عند الكل، ومَنْ مِنَّا يتصوَّر الشيطانَ جميلاً؟
لذلك قلنا: إذا جئنا برسامي الكاريكاتير في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة تخيُّلية للشيطان، فسوف يرسم كلٌّ منهم صورةً للقبح في نظره، ولن تجد فيها صورة مثل الأخرى. إذن: جاء تشبيه طلْع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، ليُشيعَ معاني القبح جميعاً في النفوس، وهذه الصورة كفيلة بأنْ تُنفِّرنا من هذه الشجرة.
وأصل الطَّلْع هو الكِمُّ الذي يحوي أول ثمرة للشجرة، ويُقَال للكوز الذي يحوي ثمرة النخل وما يشبهها. فإذا خرجتْ منه الشماريخ، وبانت استدارته وتكوينه يسمى (بلح) طالما كان أخضرَ اللون.
والبلحة لها ثلاثة أوصاف:
الأول: حجمها، فإذا أخذتْ حجمها الطبيعي والنهائي يبدو دون لون، فتتلوَّن إما حمراء أو صفراء، وفي هذه المرحلة يقولون (البلح عَفَّرْ) ويسمونه (زهو).
الثاني: إذا استقر اللون وكمُلَتْ حُمْرته أو صُفْرته يُسمُّونه (بُسْر).
الوصف الثالث: بعد الحجم واللون يأتي القوام: لين أو يابس بحسب البيئة، فإنْ كانت حارة جافة، فإنها تؤثر على البُسْر وتُجفِّفه، فيتحول إلى تمر، وإنْ كانت البيئة باردة رطبة صار البُسْر رطباً.
فالنُّزُل مَا يُعَدُّ للضيف الطارئ من مسكن، فيه مُقوِّمات الحياة من مأكل ومشرب وخلافه، لذلك يسمون الفندق (نُزُل)، والفنادق مع ما فيها الآن من سبل الراحة هي ما أعدَّه البشر للبشر، فما أدراك بما أعدَّه ربُّ البشر؟ لا بُدَّ أنْ تكون الضيافةُ على قدر إمكانات المضيف.
أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ [الصافات: ٦٢] وطبيعي أن نسألَ: ما هي يا ربّ شجرةُ الزَّقُّوم؟ فيصِفُها الله لَنَا إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ [الصافات: ٦٣] فتنة بمعنى: محنة وعذاب إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] أي: في وسطها.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
ومعنى طَلْعُهَا [الصافات: ٦٥] أي: ثمرها كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] لكن نحن لم نَرَ رءوس الشياطين، لذلك وقف بعض المستشرقين الذين يحاولون الاستدراك على كلام الله، وقف يقول:
كيف يُشبِّه اللهُ في هذه الآية مجهولاً بمجهول، فنحن لم نَرَ شجرةَ الزقوم، ولم نر رءوس الشياطين، والتشبيه يأتي لتوضيح المشبّه بذكر المشبَّه به، فما فائدة أنْ تُشبه مجهولاً بمجهول؟
نقول: مُخ الإنسان فيه جزء للحافظة، وجزء للذاكرة، وجزء للتخيُّل يُسمَّى مُخَيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء وتكوِّن صوراً جديدة مُتخيَّلة، لا أصلَ لها في الواقع.
هنا أنت مع هذا التشبيه طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] مع أنك لم تَرَ رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النُّزُل الذي أعَدَّهُ الله للمؤمنين في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين الصورتين مقصود، فكأن ربّكَ عزَّ وجلَّ أراد أنْ يسوقَ لك العِظَة في وقت الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب.
وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، مُنتنة الرائحة، مُرَّة الطَّعْم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلاً للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم، قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذَّبين بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يُكذِّبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعم لهم غير ثمرها.
والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذَّبوا بها في الدنيا. إذن: كَوْن هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذّبوا به.
وهذه المسألة تُذكِّرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين أُلْقِي في النار، فجعلها الله عليه بَرْداً وسلاماً، وعطَّل بقدرته تعالى قانون الإحراق.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبشِّع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة بهذا الاسم، ويعرفون خُبْثَها ونَتْن ريحها ومرارة طَعْمها، ويعرفون طَلْعها البسيط، لكن أحداً لم يَرَ الطَّلْع الذي يُشبه رءوس الشياطين.
إذن: المراد تبشيعه وإعطاء الفرصة للتخيُّل أنْ يذهبَ في تصوُّر بشاعته كلَّ مذهب، فطَلْع كل شيء يكون جميلاً، بل هو أجمل ما في الشجرة، أما هذه فطَلْعُها كأنه رءوس الشياطين، ولك أنْ تتصوَّر ما فيه من القُبح والدَّمَامَة والشكل المنفِّر.
ومعلوم أن العرب كانت تعتقد أن الشياطين أقبحُ صورة، ويقابله الملاك أحسن وأجمل صورة، ومن ذلك قول النِّسْوة لما رأيْنَ يوسف عليه السلام: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١].
إذن: رَاعَى القرآن في هذا التشبيه معتقدات العرب، وجاء بصورة مجهولة. نعم لكن سيتصورَّها كلُّ واحد بمقاييس القبح عنده، ولو أتى بمثَل محدَّد معروف في القُبْح، لكَانَ على لَوْنٍ واحد، وربما كان قبيحاً في نظر شخص وغير قبيح في نظر الآخر، لكن الحق سبحانه يريد منظراً مُقبَّحاً عند الكل، ومَنْ مِنَّا يتصوَّر الشيطانَ جميلاً؟
لذلك قلنا: إذا جئنا برسامي الكاريكاتير في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة تخيُّلية للشيطان، فسوف يرسم كلٌّ منهم صورةً للقبح في نظره، ولن تجد فيها صورة مثل الأخرى. إذن: جاء تشبيه طلْع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، ليُشيعَ معاني القبح جميعاً في النفوس، وهذه الصورة كفيلة بأنْ تُنفِّرنا من هذه الشجرة.
وأصل الطَّلْع هو الكِمُّ الذي يحوي أول ثمرة للشجرة، ويُقَال للكوز الذي يحوي ثمرة النخل وما يشبهها. فإذا خرجتْ منه الشماريخ، وبانت استدارته وتكوينه يسمى (بلح) طالما كان أخضرَ اللون.
والبلحة لها ثلاثة أوصاف:
الأول: حجمها، فإذا أخذتْ حجمها الطبيعي والنهائي يبدو دون لون، فتتلوَّن إما حمراء أو صفراء، وفي هذه المرحلة يقولون (البلح عَفَّرْ) ويسمونه (زهو).
الثاني: إذا استقر اللون وكمُلَتْ حُمْرته أو صُفْرته يُسمُّونه (بُسْر).
الوصف الثالث: بعد الحجم واللون يأتي القوام: لين أو يابس بحسب البيئة، فإنْ كانت حارة جافة، فإنها تؤثر على البُسْر وتُجفِّفه، فيتحول إلى تمر، وإنْ كانت البيئة باردة رطبة صار البُسْر رطباً.
آية رقم ٦٤
ﮘﮙﮚﮛﮜﮝ
ﮞ
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ الْجَحِيمِ أي: في وسطها.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
آية رقم ٦٥
ﮟﮠﮡﮢ
ﮣ
الآيات هنا تراوح بين ذِكْر الجنة وما فيها من النعيم، وذِكْر النار وما فيها من العذاب، فتعود مرة أخرى إلى جهنم وعذابها ووَصْف ما فيها أَذَلِكَ [الصافات: ٦٢] أي: ما سبق ذكْره من نعيم الجنة خَيْرٌ [الصافات: ٦٢] أفضل، فهي بمعنى أفعل التفضيل. نُّزُلاً [الصافات: ٦٢] أي: مَنْزِلاً وضيافةً.
فالنُّزُل مَا يُعَدُّ للضيف الطارئ من مسكن، فيه مُقوِّمات الحياة من مأكل ومشرب وخلافه، لذلك يسمون الفندق (نُزُل)، والفنادق مع ما فيها الآن من سبل الراحة هي ما أعدَّه البشر للبشر، فما أدراك بما أعدَّه ربُّ البشر؟ لا بُدَّ أنْ تكون الضيافةُ على قدر إمكانات المضيف.
أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ [الصافات: ٦٢] وطبيعي أن نسألَ: ما هي يا ربّ شجرةُ الزَّقُّوم؟ فيصِفُها الله لَنَا إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ [الصافات: ٦٣] فتنة بمعنى: محنة وعذاب إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] أي: في وسطها.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
ومعنى طَلْعُهَا [الصافات: ٦٥] أي: ثمرها كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] لكن نحن لم نَرَ رءوس الشياطين، لذلك وقف بعض المستشرقين الذين يحاولون الاستدراك على كلام الله، وقف يقول:
كيف يُشبِّه اللهُ في هذه الآية مجهولاً بمجهول، فنحن لم نَرَ شجرةَ الزقوم، ولم نر رءوس الشياطين، والتشبيه يأتي لتوضيح المشبّه بذكر المشبَّه به، فما فائدة أنْ تُشبه مجهولاً بمجهول؟
نقول: مُخ الإنسان فيه جزء للحافظة، وجزء للذاكرة، وجزء للتخيُّل يُسمَّى مُخَيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء وتكوِّن صوراً جديدة مُتخيَّلة، لا أصلَ لها في الواقع.
هنا أنت مع هذا التشبيه طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] مع أنك لم تَرَ رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النُّزُل الذي أعَدَّهُ الله للمؤمنين في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين الصورتين مقصود، فكأن ربّكَ عزَّ وجلَّ أراد أنْ يسوقَ لك العِظَة في وقت الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب.
وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، مُنتنة الرائحة، مُرَّة الطَّعْم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلاً للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم، قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذَّبين بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يُكذِّبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعم لهم غير ثمرها.
والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذَّبوا بها في الدنيا. إذن: كَوْن هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذّبوا به.
وهذه المسألة تُذكِّرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين أُلْقِي في النار، فجعلها الله عليه بَرْداً وسلاماً، وعطَّل بقدرته تعالى قانون الإحراق.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبشِّع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة بهذا الاسم، ويعرفون خُبْثَها ونَتْن ريحها ومرارة طَعْمها، ويعرفون طَلْعها البسيط، لكن أحداً لم يَرَ الطَّلْع الذي يُشبه رءوس الشياطين.
إذن: المراد تبشيعه وإعطاء الفرصة للتخيُّل أنْ يذهبَ في تصوُّر بشاعته كلَّ مذهب، فطَلْع كل شيء يكون جميلاً، بل هو أجمل ما في الشجرة، أما هذه فطَلْعُها كأنه رءوس الشياطين، ولك أنْ تتصوَّر ما فيه من القُبح والدَّمَامَة والشكل المنفِّر.
ومعلوم أن العرب كانت تعتقد أن الشياطين أقبحُ صورة، ويقابله الملاك أحسن وأجمل صورة، ومن ذلك قول النِّسْوة لما رأيْنَ يوسف عليه السلام: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١].
إذن: رَاعَى القرآن في هذا التشبيه معتقدات العرب، وجاء بصورة مجهولة. نعم لكن سيتصورَّها كلُّ واحد بمقاييس القبح عنده، ولو أتى بمثَل محدَّد معروف في القُبْح، لكَانَ على لَوْنٍ واحد، وربما كان قبيحاً في نظر شخص وغير قبيح في نظر الآخر، لكن الحق سبحانه يريد منظراً مُقبَّحاً عند الكل، ومَنْ مِنَّا يتصوَّر الشيطانَ جميلاً؟
لذلك قلنا: إذا جئنا برسامي الكاريكاتير في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة تخيُّلية للشيطان، فسوف يرسم كلٌّ منهم صورةً للقبح في نظره، ولن تجد فيها صورة مثل الأخرى. إذن: جاء تشبيه طلْع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، ليُشيعَ معاني القبح جميعاً في النفوس، وهذه الصورة كفيلة بأنْ تُنفِّرنا من هذه الشجرة.
وأصل الطَّلْع هو الكِمُّ الذي يحوي أول ثمرة للشجرة، ويُقَال للكوز الذي يحوي ثمرة النخل وما يشبهها. فإذا خرجتْ منه الشماريخ، وبانت استدارته وتكوينه يسمى (بلح) طالما كان أخضرَ اللون.
والبلحة لها ثلاثة أوصاف:
الأول: حجمها، فإذا أخذتْ حجمها الطبيعي والنهائي يبدو دون لون، فتتلوَّن إما حمراء أو صفراء، وفي هذه المرحلة يقولون (البلح عَفَّرْ) ويسمونه (زهو).
الثاني: إذا استقر اللون وكمُلَتْ حُمْرته أو صُفْرته يُسمُّونه (بُسْر).
الوصف الثالث: بعد الحجم واللون يأتي القوام: لين أو يابس بحسب البيئة، فإنْ كانت حارة جافة، فإنها تؤثر على البُسْر وتُجفِّفه، فيتحول إلى تمر، وإنْ كانت البيئة باردة رطبة صار البُسْر رطباً.
فالنُّزُل مَا يُعَدُّ للضيف الطارئ من مسكن، فيه مُقوِّمات الحياة من مأكل ومشرب وخلافه، لذلك يسمون الفندق (نُزُل)، والفنادق مع ما فيها الآن من سبل الراحة هي ما أعدَّه البشر للبشر، فما أدراك بما أعدَّه ربُّ البشر؟ لا بُدَّ أنْ تكون الضيافةُ على قدر إمكانات المضيف.
أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ [الصافات: ٦٢] وطبيعي أن نسألَ: ما هي يا ربّ شجرةُ الزَّقُّوم؟ فيصِفُها الله لَنَا إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ [الصافات: ٦٣] فتنة بمعنى: محنة وعذاب إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] أي: في وسطها.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
ومعنى طَلْعُهَا [الصافات: ٦٥] أي: ثمرها كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] لكن نحن لم نَرَ رءوس الشياطين، لذلك وقف بعض المستشرقين الذين يحاولون الاستدراك على كلام الله، وقف يقول:
كيف يُشبِّه اللهُ في هذه الآية مجهولاً بمجهول، فنحن لم نَرَ شجرةَ الزقوم، ولم نر رءوس الشياطين، والتشبيه يأتي لتوضيح المشبّه بذكر المشبَّه به، فما فائدة أنْ تُشبه مجهولاً بمجهول؟
نقول: مُخ الإنسان فيه جزء للحافظة، وجزء للذاكرة، وجزء للتخيُّل يُسمَّى مُخَيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء وتكوِّن صوراً جديدة مُتخيَّلة، لا أصلَ لها في الواقع.
هنا أنت مع هذا التشبيه طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] مع أنك لم تَرَ رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النُّزُل الذي أعَدَّهُ الله للمؤمنين في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين الصورتين مقصود، فكأن ربّكَ عزَّ وجلَّ أراد أنْ يسوقَ لك العِظَة في وقت الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب.
وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، مُنتنة الرائحة، مُرَّة الطَّعْم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلاً للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم، قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذَّبين بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يُكذِّبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعم لهم غير ثمرها.
والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذَّبوا بها في الدنيا. إذن: كَوْن هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذّبوا به.
وهذه المسألة تُذكِّرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين أُلْقِي في النار، فجعلها الله عليه بَرْداً وسلاماً، وعطَّل بقدرته تعالى قانون الإحراق.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبشِّع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة بهذا الاسم، ويعرفون خُبْثَها ونَتْن ريحها ومرارة طَعْمها، ويعرفون طَلْعها البسيط، لكن أحداً لم يَرَ الطَّلْع الذي يُشبه رءوس الشياطين.
إذن: المراد تبشيعه وإعطاء الفرصة للتخيُّل أنْ يذهبَ في تصوُّر بشاعته كلَّ مذهب، فطَلْع كل شيء يكون جميلاً، بل هو أجمل ما في الشجرة، أما هذه فطَلْعُها كأنه رءوس الشياطين، ولك أنْ تتصوَّر ما فيه من القُبح والدَّمَامَة والشكل المنفِّر.
ومعلوم أن العرب كانت تعتقد أن الشياطين أقبحُ صورة، ويقابله الملاك أحسن وأجمل صورة، ومن ذلك قول النِّسْوة لما رأيْنَ يوسف عليه السلام: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١].
إذن: رَاعَى القرآن في هذا التشبيه معتقدات العرب، وجاء بصورة مجهولة. نعم لكن سيتصورَّها كلُّ واحد بمقاييس القبح عنده، ولو أتى بمثَل محدَّد معروف في القُبْح، لكَانَ على لَوْنٍ واحد، وربما كان قبيحاً في نظر شخص وغير قبيح في نظر الآخر، لكن الحق سبحانه يريد منظراً مُقبَّحاً عند الكل، ومَنْ مِنَّا يتصوَّر الشيطانَ جميلاً؟
لذلك قلنا: إذا جئنا برسامي الكاريكاتير في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة تخيُّلية للشيطان، فسوف يرسم كلٌّ منهم صورةً للقبح في نظره، ولن تجد فيها صورة مثل الأخرى. إذن: جاء تشبيه طلْع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، ليُشيعَ معاني القبح جميعاً في النفوس، وهذه الصورة كفيلة بأنْ تُنفِّرنا من هذه الشجرة.
وأصل الطَّلْع هو الكِمُّ الذي يحوي أول ثمرة للشجرة، ويُقَال للكوز الذي يحوي ثمرة النخل وما يشبهها. فإذا خرجتْ منه الشماريخ، وبانت استدارته وتكوينه يسمى (بلح) طالما كان أخضرَ اللون.
والبلحة لها ثلاثة أوصاف:
الأول: حجمها، فإذا أخذتْ حجمها الطبيعي والنهائي يبدو دون لون، فتتلوَّن إما حمراء أو صفراء، وفي هذه المرحلة يقولون (البلح عَفَّرْ) ويسمونه (زهو).
الثاني: إذا استقر اللون وكمُلَتْ حُمْرته أو صُفْرته يُسمُّونه (بُسْر).
الوصف الثالث: بعد الحجم واللون يأتي القوام: لين أو يابس بحسب البيئة، فإنْ كانت حارة جافة، فإنها تؤثر على البُسْر وتُجفِّفه، فيتحول إلى تمر، وإنْ كانت البيئة باردة رطبة صار البُسْر رطباً.
آية رقم ٦٦
ﮤﮥﮦﮧﮨﮩ
ﮪ
فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ
معنى: ستضطرهم الضرورة وتُلْجئهم لهذا المثل المكدِّر المنكِّد لهم، حيث لا طعامَ لهم غيرها فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا ولن يأكلوا على قَدْر الضرورة، بل فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ وعندما يملأون منها بطونهم تَزْداد النارُ فيها، فيريدون شراباً يُطفىء هذه النار، فيكون شرابهم الحميم، والعياذ بالله.
معنى: ستضطرهم الضرورة وتُلْجئهم لهذا المثل المكدِّر المنكِّد لهم، حيث لا طعامَ لهم غيرها فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا ولن يأكلوا على قَدْر الضرورة، بل فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ وعندما يملأون منها بطونهم تَزْداد النارُ فيها، فيريدون شراباً يُطفىء هذه النار، فيكون شرابهم الحميم، والعياذ بالله.
آية رقم ٦٧
معنى: ستضطرهم الضرورة وتُلْجئهم لهذا المثل المكدِّر المنكِّد لهم، حيث لا طعامَ لهم غيرها فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا [الصافات: ٦٦] ولن يأكلوا على قَدْر الضرورة، بل فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ [الصافات: ٦٦] وعندما يملأون منها بطونهم تَزْداد النارُ فيها، فيريدون شراباً يُطفىء هذه النار، فيكون شرابهم الحميم، والعياذ بالله.
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ [الصافات: ٦٧] الشَّوْب هو الشيء المخلوط الممزوج، والحميم هو الماء الذي بلغ غايةَ الحرارة. وفي موضع آخر، سَمَّاه القرآن (الغسلين) هذا شرابهم والعياذ بالله، فإذا ما أكلوا وشربوا عادوا للجحيم مرة أخرى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٨].
ثم يُبيِّن الحق سبحانه عِلَّة ذلك، وسبب هذا المصير المؤلم، وأنه ليس ظلماً لهم، إنما جزاء ما فعلوا:
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ... .
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ [الصافات: ٦٧] الشَّوْب هو الشيء المخلوط الممزوج، والحميم هو الماء الذي بلغ غايةَ الحرارة. وفي موضع آخر، سَمَّاه القرآن (الغسلين) هذا شرابهم والعياذ بالله، فإذا ما أكلوا وشربوا عادوا للجحيم مرة أخرى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٨].
ثم يُبيِّن الحق سبحانه عِلَّة ذلك، وسبب هذا المصير المؤلم، وأنه ليس ظلماً لهم، إنما جزاء ما فعلوا:
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ... .
آية رقم ٦٨
ﯔﯕﯖﯗﯘ
ﯙ
معنى: ستضطرهم الضرورة وتُلْجئهم لهذا المثل المكدِّر المنكِّد لهم، حيث لا طعامَ لهم غيرها فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا [الصافات: ٦٦] ولن يأكلوا على قَدْر الضرورة، بل فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ [الصافات: ٦٦] وعندما يملأون منها بطونهم تَزْداد النارُ فيها، فيريدون شراباً يُطفىء هذه النار، فيكون شرابهم الحميم، والعياذ بالله.
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ [الصافات: ٦٧] الشَّوْب هو الشيء المخلوط الممزوج، والحميم هو الماء الذي بلغ غايةَ الحرارة. وفي موضع آخر، سَمَّاه القرآن (الغسلين) هذا شرابهم والعياذ بالله، فإذا ما أكلوا وشربوا عادوا للجحيم مرة أخرى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٨].
ثم يُبيِّن الحق سبحانه عِلَّة ذلك، وسبب هذا المصير المؤلم، وأنه ليس ظلماً لهم، إنما جزاء ما فعلوا:
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ... .
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ [الصافات: ٦٧] الشَّوْب هو الشيء المخلوط الممزوج، والحميم هو الماء الذي بلغ غايةَ الحرارة. وفي موضع آخر، سَمَّاه القرآن (الغسلين) هذا شرابهم والعياذ بالله، فإذا ما أكلوا وشربوا عادوا للجحيم مرة أخرى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٨].
ثم يُبيِّن الحق سبحانه عِلَّة ذلك، وسبب هذا المصير المؤلم، وأنه ليس ظلماً لهم، إنما جزاء ما فعلوا:
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ... .
آية رقم ٦٩
ﯚﯛﯜﯝ
ﯞ
يعني: وجدوا آباءهم على ضلال فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ [الصافات: ٧٠] يعني: يتبعون طريقهم ويُقلِّدونهم، ومعنى يُهْرَعُونَ [الصافات: ٧٠] أي: يُزعجون ويسرعون كأن شيئاً يحملهم على الإسراع؛ لأن هذا الفعل (يُهْرَعُونَ) مبني للمجهول. أى: لِمَا لم يُسَمَّ فاعله كما نقول: زُكم فلان، فالفاعل غير معروف.
ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لَقَال يَهرعون بالفتح، إنما يُهرعون كأن شيئاً يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليفَ للنفس فيه ولا حجزَ للشهوة، لذلك يجري الإنسان إليه ويُسرع في طلبه.
أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه يُضيِّق عليه مجال الشهوات، ويُقيِّد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم يُقلِّدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قَيْد التكاليف الشرعية.
لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من موضع من كتاب الله، فقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] ويردُّ عليهم أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلَّدهم مَنْ بعدهم وهكذا، ولاستمرَّ منهج الله، إنما حَكَمتكم الشهواتُ، وسيطرتْ عليكم الرغباتُ، فأخرجتكم عن منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يَعِي هذا الضلال، ويأنف أنْ يتبعه، ويبحث عن هدى؟.
ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لَقَال يَهرعون بالفتح، إنما يُهرعون كأن شيئاً يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليفَ للنفس فيه ولا حجزَ للشهوة، لذلك يجري الإنسان إليه ويُسرع في طلبه.
أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه يُضيِّق عليه مجال الشهوات، ويُقيِّد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم يُقلِّدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قَيْد التكاليف الشرعية.
لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من موضع من كتاب الله، فقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] ويردُّ عليهم أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلَّدهم مَنْ بعدهم وهكذا، ولاستمرَّ منهج الله، إنما حَكَمتكم الشهواتُ، وسيطرتْ عليكم الرغباتُ، فأخرجتكم عن منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يَعِي هذا الضلال، ويأنف أنْ يتبعه، ويبحث عن هدى؟.
آية رقم ٧٠
ﯟﯠﯡﯢ
ﯣ
فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يعني: يتبعون طريقهم ويُقلِّدونهم، ومعنى يُهْرَعُونَ أي: يُزعجون ويسرعون كأن شيئاً يحملهم على الإسراع؛ لأن هذا الفعل (يُهْرَعُونَ) مبني للمجهول. أى: لِمَا لم يُسَمَّ فاعله كما نقول: زُكم فلان، فالفاعل غير معروف.
ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لَقَال يَهرعون بالفتح، إنما يُهرعون كأن شيئاً يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليفَ للنفس فيه ولا حجزَ للشهوة، لذلك يجري الإنسان إليه ويُسرع في طلبه.
أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه يُضيِّق عليه مجال الشهوات، ويُقيِّد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم يُقلِّدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قَيْد التكاليف الشرعية.
لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال سبحانه:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من موضع من كتاب الله، فقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] ويردُّ عليهم: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلَّدهم مَنْ بعدهم وهكذا، ولا ستمرَّ منهج الله، إنما حَكَمتكم الشهواتُ، وسيطرتْ عليكم الرغباتُ، فأخرجتكم عن منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يَعِي هذا الضلال، ويأنف أنْ يتبعه، ويبحث عن هدى؟.
ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لَقَال يَهرعون بالفتح، إنما يُهرعون كأن شيئاً يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليفَ للنفس فيه ولا حجزَ للشهوة، لذلك يجري الإنسان إليه ويُسرع في طلبه.
أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه يُضيِّق عليه مجال الشهوات، ويُقيِّد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم يُقلِّدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قَيْد التكاليف الشرعية.
لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال سبحانه:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من موضع من كتاب الله، فقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] ويردُّ عليهم: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلَّدهم مَنْ بعدهم وهكذا، ولا ستمرَّ منهج الله، إنما حَكَمتكم الشهواتُ، وسيطرتْ عليكم الرغباتُ، فأخرجتكم عن منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يَعِي هذا الضلال، ويأنف أنْ يتبعه، ويبحث عن هدى؟.
آية رقم ٧١
ﯤﯥﯦﯧﯨ
ﯩ
قوله تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ٧١] يعني: ليس هؤلاء بدعاً في الضلال، فقد ضَلَّ قبلهم كثيرون ممَّنْ سبقوهم، وهذا يعني أن قِلَّة آمنتْ، والكثرة ضَلَّتْ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] يعني: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم.
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى: وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
وقوله: فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ [الصافات: ٧٣] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميعُ بالإنذار؟ لا بل منهم مَن انتفع به، ومنهم مَنْ أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٧٤] أي: الذين أخلصهم واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالاً، فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] أراد سبحانه أنْ يتكلَّم عنهم ببعض التفصيل، فقال سبحانه:
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ... .
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى: وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
وقوله: فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ [الصافات: ٧٣] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميعُ بالإنذار؟ لا بل منهم مَن انتفع به، ومنهم مَنْ أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٧٤] أي: الذين أخلصهم واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالاً، فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] أراد سبحانه أنْ يتكلَّم عنهم ببعض التفصيل، فقال سبحانه:
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ... .
آية رقم ٧٢
ﯪﯫﯬﯭ
ﯮ
يعني: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم.
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى:
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى:
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
آية رقم ٧٣
ﯯﯰﯱﯲﯳ
ﯴ
قوله تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ٧١] يعني: ليس هؤلاء بدعاً في الضلال، فقد ضَلَّ قبلهم كثيرون ممَّنْ سبقوهم، وهذا يعني أن قِلَّة آمنتْ، والكثرة ضَلَّتْ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] يعني: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم.
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى: وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
وقوله: فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ [الصافات: ٧٣] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميعُ بالإنذار؟ لا بل منهم مَن انتفع به، ومنهم مَنْ أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٧٤] أي: الذين أخلصهم واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالاً، فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] أراد سبحانه أنْ يتكلَّم عنهم ببعض التفصيل، فقال سبحانه:
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ... .
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى: وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
وقوله: فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ [الصافات: ٧٣] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميعُ بالإنذار؟ لا بل منهم مَن انتفع به، ومنهم مَنْ أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٧٤] أي: الذين أخلصهم واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالاً، فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] أراد سبحانه أنْ يتكلَّم عنهم ببعض التفصيل، فقال سبحانه:
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ... .
آية رقم ٧٤
ﯵﯶﯷﯸ
ﯹ
قوله تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ٧١] يعني: ليس هؤلاء بدعاً في الضلال، فقد ضَلَّ قبلهم كثيرون ممَّنْ سبقوهم، وهذا يعني أن قِلَّة آمنتْ، والكثرة ضَلَّتْ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] يعني: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم.
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى: وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
وقوله: فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ [الصافات: ٧٣] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميعُ بالإنذار؟ لا بل منهم مَن انتفع به، ومنهم مَنْ أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٧٤] أي: الذين أخلصهم واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالاً، فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] أراد سبحانه أنْ يتكلَّم عنهم ببعض التفصيل، فقال سبحانه:
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ... .
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى: وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
وقوله: فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ [الصافات: ٧٣] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميعُ بالإنذار؟ لا بل منهم مَن انتفع به، ومنهم مَنْ أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٧٤] أي: الذين أخلصهم واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالاً، فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ [الصافات: ٧٢] أراد سبحانه أنْ يتكلَّم عنهم ببعض التفصيل، فقال سبحانه:
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ... .
آية رقم ٧٥
ﯺﯻﯼﯽﯾ
ﯿ
لكن، لماذا بدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟ قالوا: لأن دعوته كانت أشبه بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ [الشورى: ١٣].
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
آية رقم ٧٦
ﰀﰁﰂﰃﰄ
ﰅ
لكن، لماذا بدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟ قالوا: لأن دعوته كانت أشبه بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ [الشورى: ١٣].
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
آية رقم ٧٧
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
لكن، لماذا بدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟ قالوا: لأن دعوته كانت أشبه بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ [الشورى: ١٣].
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
آية رقم ٧٨
ﭖﭗﭘﭙ
ﭚ
لكن، لماذا بدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟ قالوا: لأن دعوته كانت أشبه بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ [الشورى: ١٣].
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
آية رقم ٧٩
ﭛﭜﭝﭞﭟ
ﭠ
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ.
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ أي: اعْطِه السلامة والسلام.
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ أي: اعْطِه السلامة والسلام.
آية رقم ٨٠
ﭡﭢﭣﭤ
ﭥ
لكن، لماذا بدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟ قالوا: لأن دعوته كانت أشبه بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ [الشورى: ١٣].
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
آية رقم ٨١
ﭦﭧﭨﭩ
ﭪ
لكن، لماذا بدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟ قالوا: لأن دعوته كانت أشبه بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ [الشورى: ١٣].
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
الحق سبحانه وَصَّى نُوحاً، ووصَّى غيره من الرسل مِمَّنْ هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم الذين نجَوْا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك الوقت، فكأن له عموميةَ رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع.
قوله سبحانه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات: ٧٥] كلمة (نَادَانَا) تدلُّ على أنه - عليه السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع آخر كما حكى القرآن: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧] وما دعا نوحٌ على قومه هذه الدعوة إلا بعد يَأْسٍ منهم، وبعد أنْ وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، فلمَنْ يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أنْ يُخلِّصه منهم، فيناديه: يا ربِّ أنت بعثتني فلا تتخلَّ عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإنْ عَزَّ المغيثُ تقول - كما قُلْنا سابقاً - (يا هوه) يعني: يا ربِّ ليس غيرك يُغيثني.
ثم يأتي جواب هذا النداء: فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] لأنه عليه السلام - كان نِعْمَ الداعي، فلا بُدَّ أنْ يقابل بنعم المجيبون، ولم يقُلْ: فلنعم المجيبُ، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء والماء والملائكة.. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١] ونتيجة هذه الإجابة وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦].
وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف وقد أهلك اللهُ ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قَصَّ القرآن علينا قصة نوح عليه السلام وولده الذي شَذَّ عنه، فغرق مع المغْرَقين ولم تُفلح توسُّلاتُ نوح: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أنَّ بنوة الأنبياء ليستْ بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله؛ لذلك رَدَّ اللهُ على نوحٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
فالأهلية هنا أهليةُ عقيدةٍ وإيمانٍ بالله، لا أهلية دمٍ ونسبٍ؛ لذلك إذا نظرتَ في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم يَنْفِ الذاتَ، إنما نفى فعل الذات إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.. [هود: ٤٦].
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكلمة مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] المراد: الغرق، والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك مَنْ حولك حين تستغيثُ بهم، فإنْ كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يُسمَّى كَرْباً، ووَصْف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحدٌ دَفْعه، فالماء ينهمر من السماء، وتتفجَّر به الأرض، ويغطي قِمَمَ الجبال، فأين المفرُّ إذن؟
ومعلوم أن الماء قِوَام حياة كل حَىٍّ، ومن أَجَلِّ نِعَم الله علينا، لكن إنْ أراد سبحانه جَعَلَ الماء نقمة وعذاباً، وقد رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجَّى اللهُ موسى بالماء، وأهلك فرعونَ بنفس الماء.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] أي: في الناس جميعاً من بعده يثنون عليه.
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ [الصافات: ٧٩] أي: اعْطِه السلامة والسلام إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] يعني: هذه سُنة لله مُتَّبعة في أنبيائه، أنْ ينصرهم ويُبْقِى لهم الذكْرَ الحسن من بعدهم إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ٨١].
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ٨٢] يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
آية رقم ٨٢
ﭫﭬﭭ
ﭮ
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
آية رقم ٨٣
ﭯﭰﭱﭲﭳ
ﭴ
قوله تعالى: وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ [الصافات: ٨٣] أي: أن إبراهيم - عليه السلام - كان من شيعة سيدنا نوح. يعني: من أتباعه الذين تابعوه، وساروا على منهجه. والشيعة هم الذين يُشايعون الإنسان على فكره فيؤمنون به، بل ويحاولون أنْ يحملوا دعوته إلى الناس معه، وأنْ يتحمَّلوا الأذى في سبيل ذلك، ومن هنا سُمِّيَتْ الشيعة المذهب المعروف الذين شايعوا الإمام عليّاً رضي الله عنه، وتعلمون طبعاً الفرق بين الشيعة والشيوعية.
لكن، لماذا بدأ الحق سبحانه هنا موكبَ الرسل بنوح - عليه السلام - ثم تبعه بإبراهيم - عليه السلام؟
يقول سبحانه: إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: ٨٤] هذه هي العلة؛ لأن سلامة القلب هي الأساسُ في الدين وفي العقيدة، لأن فطرة الله التي فطر الناسَ عليها ابتداءً مبنية كلها على هيئة الصلاح والسلامة، فإنْ طرأ على هذه الفطرة فسادٌ فمن الإنسان.
لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: ٨٤] وهو القلب الذي فطر عليه أولاً ظل كما هو لم يتغيَّر، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر به في الآخرة: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها باستصحاب منهج الله، فسَلِم في الدنيا، فلقىَ اللهَ بقلْبٍ سليم في الآخرة، وهكذا وصف اللهُ نبيَّه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف.
وتأمل كلمة إِذْ جَآءَ رَبَّهُ [الصافات: ٨٤] فهي تُوحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أنْ يأتي له رسولٌ يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوتِ السماوات والأرض، إلى أنِ اهتدى إلى الله.
لذلك لما أراد الله تعالى أنْ يُعرِّف نبيه إبراهيمَ، وأنْ يُقدِّمه لمعشر الإيمان قال هذه البرقية الموجزة: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً.. [النحل: ١٢٠].
تعلمون أن الحق سبحانه خلق المواهب ووزَّعها على الناس، فكلٌّ مِنَّا له موهبة في شيء ما، ذلك ليظلَّ الناسُ مترابطين ترابطَ حاجةٍ، فتحتاج لي وأحتاجُ لك، أما سيدنا إبراهيم فقد جمع وحاز كل المواهب التي في أمة كاملة، فالمعنى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠] يعني: حاز مواهب أمة.
لذلك استحق - عليه السلام - أنْ يُريه الله ملكوتَ السماوات والأرض، فالناس جميعاً يكتفون بعالم المُلْك، أما هو فقد تجاوز هذا العَالَم إلى عالم الملكوت، لماذا؟ لأنه جرَّد نفسه عن شبهة اليقين بأحدٍ غيرِ الله، بدليل أنه لما أُلْقِى في النار وجاءه المَلَك يعرض عليه المساعدة: (ألكَ حاجة)؟ فيقول سيدنا إبراهيم بما لديه من رصيد الإيمان واليقين بالله (أما إليك فلا). يقولها في هذا الوقت العصيب، وهذا الكرب المُلِمّ.
وقوله سبحانه: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ٨٥] وهذه تُعَدُّ من سلامة القلب، لأنه أحبَّ شيئاً وسَعِد به، فأراد أنْ ينقله إلى غيره وأوَّلهم الأقارب، فهم أَوْلَى الناس بأنْ تُعدِّي لهم خيرك؛ لذلك أول ما دعا إبراهيم دعا أباه وقومه: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ٨٥].
وكلمة (لأبيه) وردتْ في القرآن عشرَ مرات، واحد فقط منها لسيدنا يوسف - عليه السلام - في قوله تعالى: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف: ٤] والتسع الباقيات لسيدنا إبراهيم بدايةً من سورة الأنعام إلى سورة الممتحنة، من هذه التسع موضع واحد جمع فيه بين الاسم العَلَم والوصف، فقال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الأنعام: ٧٤].
وفي الثمان الباقيات جاءت كلمة (لأبِيهِ) بدون ذكر آزر، فكأن كلمة آزر جاءتْ في هذا الموضع لِتُشْعرنا بشيء، هو أنك إذا جمعتَ بين الوصف والعَلَم، فلا بُدَّ أنْ يكون الوصفُ مشتركاً مع غير العَلَم، وضربنا لذلك مثلاً قُلْنا: إذا أردتَ أنْ تسألَ عن شخص، وقابلك ولده في الشارع تقول له: أبوك موجود؟
لأن هذا السؤال لا ينصرف إلا إلى أبيه الحقيقي، فإنْ قلتَ: أبوك محمد موجود؟ فإنك لا شكَّ تقصد عمه، لأنك مَيَّزته باسمه لإزالة الاشتراك في الأُبوّة.
إذن: آزر لم يكُن الأب الحقيقي لسيدنا إبراهيم، إنما هو عمه، ولا غرابةَ في ذلك، فالقرآن يُسمِّي العم أباً في قوله تعالى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٣].
ومعلوم أن إسماعيل أخو إسحاق، ومع ذلك أدخله في جملة الآباء بالنسبة لسيدنا يعقوب، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.
وسيدنا إبراهيم في معرض دعوته لأبيه وقومه يسألهم هذا السؤال: مَا تَعْبُدُونَ [الشعراء: ٧٠] وفي موضع آخر: مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ٨٥] و مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء: ٥٢].
وهنا: مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات: ٨٥-٨٦] وهذه كلها استفهام إنكاري، وقُلْنا: إن الاستفهام أقوى من الإخبار؛ لأن الإخبارَ يمكن أنْ يُكذَّب، أمَّا الاستفهام فيجعل الخصم يُقِرّ بالقضية، ولا يستطيع أنْ يُكذِّبها.
والإفْك هو أقبح أنواع الكذب؛ لأن القُبْح في الكذب على مراحل، كيف؟ قالوا: ننظر في الموضوع الذي يكون فيه الكذب، فإنْ كان في الحقيقة العُلْيا في الذات الإلهية، فهو أقبح الكذب كمَنْ يدَّعِي لله شريكاً.
فإنْ كان الكذب على البشر فهو بحسب مَنْ تكذب في حَقه، فمثلاً الذين اتهموا السيدة عائشة وخاضوا في عِرْضها سَمَّاهُ الله إفْكاً لشناعته وعِظَم منزلة مَنْ قيل في حَقِّه هذا الكذب، فقال سبحانه: إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ.. [النور: ١١].
ومن معاني الإفك قَلْب الشيء على وجهه، وقَلْب الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣].
والمعنى: أتريدون آلهة إفكاً وكذباً دون الله فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٨٧] أخبرونا ماذا تظنون في الله؟ وما الذي لا يعجبكم في ألوهيته سبحانه؟ وكيف تخدعون أنفسكم، فتنصرفون عنه سبحانه، وهو رَبُّ العالمين، ومثَالُ ذلك قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ [الانفطار: ٦].
لذلك قال أحد العارفين: كأن الحق سبحانه لقَّن الناسَ الجوابَ، فالذي غَرَّني بالله أنه كريم. والطُّرْفة هنا أن رجلاً رأى آخر يصلي صلاة على عَجَلٍ، ينقرها نقراً، فقال له: بالله لو عليك خمسة قروش لواحد، يصح أنك تعطيها له ممسوحة؟ فقال الرجل: والله، لو كان كريماً سيقبلها ولا ينظر فيها.
فكأن الحق سبحانه يتعجَّب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بُطلان شركهم، والشيء لا يُتعجَّب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أنْ يكونَ عليه من الصِّدْق؛ لذلك قال سبحانه في أول البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٨].
يعني: هذا أمر عجيب منكم، ومسألة لا يقبلها العقل.
ثم بدأ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يُحقِّق قَوْلَ ربه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الأنعام: ٧٥] وسبق أنْ فرَّقْنا بين المِلك والمُلك والملكوت.
لكن، لماذا بدأ الحق سبحانه هنا موكبَ الرسل بنوح - عليه السلام - ثم تبعه بإبراهيم - عليه السلام؟
يقول سبحانه: إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: ٨٤] هذه هي العلة؛ لأن سلامة القلب هي الأساسُ في الدين وفي العقيدة، لأن فطرة الله التي فطر الناسَ عليها ابتداءً مبنية كلها على هيئة الصلاح والسلامة، فإنْ طرأ على هذه الفطرة فسادٌ فمن الإنسان.
لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: ٨٤] وهو القلب الذي فطر عليه أولاً ظل كما هو لم يتغيَّر، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر به في الآخرة: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها باستصحاب منهج الله، فسَلِم في الدنيا، فلقىَ اللهَ بقلْبٍ سليم في الآخرة، وهكذا وصف اللهُ نبيَّه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف.
وتأمل كلمة إِذْ جَآءَ رَبَّهُ [الصافات: ٨٤] فهي تُوحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أنْ يأتي له رسولٌ يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوتِ السماوات والأرض، إلى أنِ اهتدى إلى الله.
لذلك لما أراد الله تعالى أنْ يُعرِّف نبيه إبراهيمَ، وأنْ يُقدِّمه لمعشر الإيمان قال هذه البرقية الموجزة: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً.. [النحل: ١٢٠].
تعلمون أن الحق سبحانه خلق المواهب ووزَّعها على الناس، فكلٌّ مِنَّا له موهبة في شيء ما، ذلك ليظلَّ الناسُ مترابطين ترابطَ حاجةٍ، فتحتاج لي وأحتاجُ لك، أما سيدنا إبراهيم فقد جمع وحاز كل المواهب التي في أمة كاملة، فالمعنى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠] يعني: حاز مواهب أمة.
لذلك استحق - عليه السلام - أنْ يُريه الله ملكوتَ السماوات والأرض، فالناس جميعاً يكتفون بعالم المُلْك، أما هو فقد تجاوز هذا العَالَم إلى عالم الملكوت، لماذا؟ لأنه جرَّد نفسه عن شبهة اليقين بأحدٍ غيرِ الله، بدليل أنه لما أُلْقِى في النار وجاءه المَلَك يعرض عليه المساعدة: (ألكَ حاجة)؟ فيقول سيدنا إبراهيم بما لديه من رصيد الإيمان واليقين بالله (أما إليك فلا). يقولها في هذا الوقت العصيب، وهذا الكرب المُلِمّ.
وقوله سبحانه: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ٨٥] وهذه تُعَدُّ من سلامة القلب، لأنه أحبَّ شيئاً وسَعِد به، فأراد أنْ ينقله إلى غيره وأوَّلهم الأقارب، فهم أَوْلَى الناس بأنْ تُعدِّي لهم خيرك؛ لذلك أول ما دعا إبراهيم دعا أباه وقومه: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ٨٥].
وكلمة (لأبيه) وردتْ في القرآن عشرَ مرات، واحد فقط منها لسيدنا يوسف - عليه السلام - في قوله تعالى: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف: ٤] والتسع الباقيات لسيدنا إبراهيم بدايةً من سورة الأنعام إلى سورة الممتحنة، من هذه التسع موضع واحد جمع فيه بين الاسم العَلَم والوصف، فقال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الأنعام: ٧٤].
وفي الثمان الباقيات جاءت كلمة (لأبِيهِ) بدون ذكر آزر، فكأن كلمة آزر جاءتْ في هذا الموضع لِتُشْعرنا بشيء، هو أنك إذا جمعتَ بين الوصف والعَلَم، فلا بُدَّ أنْ يكون الوصفُ مشتركاً مع غير العَلَم، وضربنا لذلك مثلاً قُلْنا: إذا أردتَ أنْ تسألَ عن شخص، وقابلك ولده في الشارع تقول له: أبوك موجود؟
لأن هذا السؤال لا ينصرف إلا إلى أبيه الحقيقي، فإنْ قلتَ: أبوك محمد موجود؟ فإنك لا شكَّ تقصد عمه، لأنك مَيَّزته باسمه لإزالة الاشتراك في الأُبوّة.
إذن: آزر لم يكُن الأب الحقيقي لسيدنا إبراهيم، إنما هو عمه، ولا غرابةَ في ذلك، فالقرآن يُسمِّي العم أباً في قوله تعالى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٣].
ومعلوم أن إسماعيل أخو إسحاق، ومع ذلك أدخله في جملة الآباء بالنسبة لسيدنا يعقوب، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.
وسيدنا إبراهيم في معرض دعوته لأبيه وقومه يسألهم هذا السؤال: مَا تَعْبُدُونَ [الشعراء: ٧٠] وفي موضع آخر: مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ٨٥] و مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء: ٥٢].
وهنا: مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات: ٨٥-٨٦] وهذه كلها استفهام إنكاري، وقُلْنا: إن الاستفهام أقوى من الإخبار؛ لأن الإخبارَ يمكن أنْ يُكذَّب، أمَّا الاستفهام فيجعل الخصم يُقِرّ بالقضية، ولا يستطيع أنْ يُكذِّبها.
والإفْك هو أقبح أنواع الكذب؛ لأن القُبْح في الكذب على مراحل، كيف؟ قالوا: ننظر في الموضوع الذي يكون فيه الكذب، فإنْ كان في الحقيقة العُلْيا في الذات الإلهية، فهو أقبح الكذب كمَنْ يدَّعِي لله شريكاً.
فإنْ كان الكذب على البشر فهو بحسب مَنْ تكذب في حَقه، فمثلاً الذين اتهموا السيدة عائشة وخاضوا في عِرْضها سَمَّاهُ الله إفْكاً لشناعته وعِظَم منزلة مَنْ قيل في حَقِّه هذا الكذب، فقال سبحانه: إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ.. [النور: ١١].
ومن معاني الإفك قَلْب الشيء على وجهه، وقَلْب الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣].
والمعنى: أتريدون آلهة إفكاً وكذباً دون الله فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [الصافات: ٨٧] أخبرونا ماذا تظنون في الله؟ وما الذي لا يعجبكم في ألوهيته سبحانه؟ وكيف تخدعون أنفسكم، فتنصرفون عنه سبحانه، وهو رَبُّ العالمين، ومثَالُ ذلك قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ [الانفطار: ٦].
لذلك قال أحد العارفين: كأن الحق سبحانه لقَّن الناسَ الجوابَ، فالذي غَرَّني بالله أنه كريم. والطُّرْفة هنا أن رجلاً رأى آخر يصلي صلاة على عَجَلٍ، ينقرها نقراً، فقال له: بالله لو عليك خمسة قروش لواحد، يصح أنك تعطيها له ممسوحة؟ فقال الرجل: والله، لو كان كريماً سيقبلها ولا ينظر فيها.
فكأن الحق سبحانه يتعجَّب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بُطلان شركهم، والشيء لا يُتعجَّب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أنْ يكونَ عليه من الصِّدْق؛ لذلك قال سبحانه في أول البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٨].
يعني: هذا أمر عجيب منكم، ومسألة لا يقبلها العقل.
ثم بدأ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يُحقِّق قَوْلَ ربه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الأنعام: ٧٥] وسبق أنْ فرَّقْنا بين المِلك والمُلك والملكوت.
آية رقم ٨٤
ﭵﭶﭷﭸﭹ
ﭺ
يقول سبحانه: إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هذه هي العلة؛ لأن سلامة القلب هي الأساسُ في الدين وفي العقيدة، لأن فطرة الله التي فطر الناسَ عليها ابتداءً مبنية كلها على هيئة الصلاح والسلامة، فإن طرأ على هذه الفطرة فسادٌ فمن الإنسان.
لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وهو القلب الذي فطر عليه أولاً ظل كما هو لم يتغيَّر، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر به في الآخرة: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها باستصحاب منهج الله، فسَلِم في الدنيا، فلقىَ اللهَ بقلْبٍ سليم في الآخرة، وهكذا وصف اللهُ نبيَّه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف.
وتأمل كلمة إِذْ جَآءَ رَبَّهُ فهي تُوحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أن يأتي له رسولٌ يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوتِ السماوات والأرض، إلى أنِ اهتدى إلى الله.
لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وهو القلب الذي فطر عليه أولاً ظل كما هو لم يتغيَّر، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر به في الآخرة: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها باستصحاب منهج الله، فسَلِم في الدنيا، فلقىَ اللهَ بقلْبٍ سليم في الآخرة، وهكذا وصف اللهُ نبيَّه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف.
وتأمل كلمة إِذْ جَآءَ رَبَّهُ فهي تُوحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أن يأتي له رسولٌ يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوتِ السماوات والأرض، إلى أنِ اهتدى إلى الله.
آية رقم ٨٥
ﭻﭼﭽﭾﭿﮀ
ﮁ
وقوله سبحانه: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ وهذه تُعَدُّ من سلامة القلب، لأنه أحبَّ شيئاً وسَعِد به، فأراد أنْ ينقله إلى غيره وأوَّلهم الأقارب، فهم أَوْلَى الناس بأنْ تُعدِّي لهم خيرك؛ لذلك أول ما دعا إبراهيم دعا أباه وقومه: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ.
آية رقم ٨٦
ﮂﮃﮄﮅﮆ
ﮇ
والمعنى: أتريدون آلهة إفكاً وكذباً دون الله.
آية رقم ٨٧
ﮈﮉﮊﮋ
ﮌ
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أخبرونا ماذا تظنون في الله؟ وما الذي لا يعجبكم في ألوهيته سبحانه؟ وكيف تخدعون أنفسكم، فتنصرفون عنه سبحانه، وهو رَبُّ العالمين...
فكأن الحق سبحانه يتعجَّب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بُطلان شركهم، والشيء لا يُتعجَّب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أنْ يكونَ عليه من الصِّدْق...
فكأن الحق سبحانه يتعجَّب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بُطلان شركهم، والشيء لا يُتعجَّب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أنْ يكونَ عليه من الصِّدْق...
آية رقم ٨٨
ﮍﮎﮏﮐ
ﮑ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٨٩
ﮒﮓﮔ
ﮕ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٩٠
ﮖﮗﮘ
ﮙ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٩١
ﮚﮛﮜﮝﮞﮟ
ﮠ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٩٢
ﮡﮢﮣﮤ
ﮥ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٩٣
ﮦﮧﮨﮩ
ﮪ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٩٤
ﮫﮬﮭ
ﮮ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٩٥
ﮯﮰﮱﯓ
ﯔ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٩٦
ﯕﯖﯗﯘ
ﯙ
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليستْ هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمُّل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رَأَى بتمعُّن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمُّل وتأنٍّ. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءةً ذاتية، لا أنْ يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمسُ نَجْم من النجوم.
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
فقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ [الصافات: ٨٨] دَلَّ على أنها نظرة طويلة مُتأملة مستوعبة، لأنها استوعبتْ كوكباً وقمراً وشمساً. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
إذن: كانت نظرةُ إبراهيمَ طويلةً متأنيةً؛ لأنها استغرقتْ طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأنْ تكونَ آلهة تُعْبد، قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] البعض يعدُّها كذبةً من كَذِبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض.
إذن: أخذوا السُّقْم على أنه سُقْم الأبدان والمراد هنا سُقْم القلب، وشُغُله بما لا يستطيع الإنسانُ تحمُّله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتُؤرِّقه.
وهذا هو السُّقم الذي أراده سيدنا إبراهيم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي: مُجهد فكرياً من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ ينظر في النجوم ليرى دليلاً يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس.
لكن، ما الذي أحوجه أنْ يقولَ للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات: ٩٠] أي: انصرفوا وتركوه.
فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] معنى راغ: ذهب خُفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلَّل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوَّغ أو زاغ.
وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أنْ يحطمها استهزأ بها فَقَالَ [الصافات: ٩١] أي: للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات: ٩١] فلم يُجيبوا، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ [الصافات: ٩٢] قالها سخريةً واستهزاءً بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضرباً فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ [الصافات: ٩٣] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يُحطمها بقوة ويُكسِّرها، حتى أحدث التكسيرُ صوتاً عالياً سمعه القوم فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] أي: مسرعين.
فلما رآهم قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥-٩٦] الاستفهام هنا للتعجُّب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلهاً من صُنْع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلمُ الناس به، وتروْنه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه.
إذن: كيف يُعْبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟
وطبعاً ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رَدٌّ على إبراهيم إلا ردّ القوة والبطش، فلا حُجَّة لديهم، ولا منطقَ يدافعون به عن آلهتهم:
قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً... .
آية رقم ٩٧
تعلمون قصة النار التي أوقدوها، ثم ألقوْا بنبيِّ الله إبراهيم في وسطها، هذا هو الكيد الذي أرادوه بإبراهيم، وما كان الله تعالى ليبعثَ نبياً ثم يُسْلِمه، فردَّ الله كيدهم عليهم إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق: ١٥-١٦].
ومعنى فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٨] أي: في هذا المقام. وفي هذا الموقف الذي فعلوه بإبراهيم، فليسوا الأسفلين لأنهم كفار، إنما (أسفلين) لأنهم تعالَوْا على إبراهيم وتمكَّنوا منه، وقدروا على إلقائه في النار فعلاً وهي مشتعلة، وظنوا ساعتها أنهم هم العالون.
لكن سرعان ما تكشفتْ حقيقة الموقف، وظهرتْ الآية الكبرى التي أرادها الله تعالى؛ فلو أراد الله لَنَجا إبراهيم، فلم يتمكَّنوا من الإمساك به، ولو أراد سبحانه لأمطرتْ السماء على النار فأطفأتها، لكن أراد الله أنْ يُبطل حججهم، فلو هرب إبراهيم من أيديهم لَقالوا: لو لم يهرب لأحرقناه، ولو أمطرتْ السماء لقالوا: ظاهرة طبيعية لا دَخْلَ لنا بها.
لكن ها هو إبراهيم، وها هي النار تشتعل، ومع ذلك ينجو إبراهيم بعد أنْ جاء نداء الحق وكلمة الحق للخَلْق قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
الخطاب من الله تعالى، والأمر للنار على طبيعتها، وبذات مواصفاتها كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً [الأنبياء: ٦٩] لا في ذاتك، إنما عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فهذه خصوصية لهذه النار بالذات، فهي من ظاهرها مشتعلة، وفي حقيقتها بَرْداً وَسَلَٰماً [الأنبياء: ٦٩] على إبراهيم، فهي مثل شجرة الزقوم، تبدو لهم شجرةً خضراءَ، وهي نار تحرقهم.
وهكذا جعلهم الله في هذا المقام ٱلأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٨] أي: في الكيد الذي دبَّروه، فهم يكيدون والله يكيدُ، ولا بُدَّ أنْ يُؤْخَذَ الكيدُ من خلال فاعله.
ومعنى فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٨] أي: في هذا المقام. وفي هذا الموقف الذي فعلوه بإبراهيم، فليسوا الأسفلين لأنهم كفار، إنما (أسفلين) لأنهم تعالَوْا على إبراهيم وتمكَّنوا منه، وقدروا على إلقائه في النار فعلاً وهي مشتعلة، وظنوا ساعتها أنهم هم العالون.
لكن سرعان ما تكشفتْ حقيقة الموقف، وظهرتْ الآية الكبرى التي أرادها الله تعالى؛ فلو أراد الله لَنَجا إبراهيم، فلم يتمكَّنوا من الإمساك به، ولو أراد سبحانه لأمطرتْ السماء على النار فأطفأتها، لكن أراد الله أنْ يُبطل حججهم، فلو هرب إبراهيم من أيديهم لَقالوا: لو لم يهرب لأحرقناه، ولو أمطرتْ السماء لقالوا: ظاهرة طبيعية لا دَخْلَ لنا بها.
لكن ها هو إبراهيم، وها هي النار تشتعل، ومع ذلك ينجو إبراهيم بعد أنْ جاء نداء الحق وكلمة الحق للخَلْق قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
الخطاب من الله تعالى، والأمر للنار على طبيعتها، وبذات مواصفاتها كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً [الأنبياء: ٦٩] لا في ذاتك، إنما عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فهذه خصوصية لهذه النار بالذات، فهي من ظاهرها مشتعلة، وفي حقيقتها بَرْداً وَسَلَٰماً [الأنبياء: ٦٩] على إبراهيم، فهي مثل شجرة الزقوم، تبدو لهم شجرةً خضراءَ، وهي نار تحرقهم.
وهكذا جعلهم الله في هذا المقام ٱلأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٨] أي: في الكيد الذي دبَّروه، فهم يكيدون والله يكيدُ، ولا بُدَّ أنْ يُؤْخَذَ الكيدُ من خلال فاعله.
آية رقم ٩٨
ﯢﯣﯤﯥﯦ
ﯧ
تعلمون قصة النار التي أوقدوها، ثم ألقوْا بنبيِّ الله إبراهيم في وسطها، هذا هو الكيد الذي أرادوه بإبراهيم، وما كان الله تعالى ليبعثَ نبياً ثم يُسْلِمه، فردَّ الله كيدهم عليهم إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق: ١٥-١٦].
ومعنى فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٨] أي: في هذا المقام. وفي هذا الموقف الذي فعلوه بإبراهيم، فليسوا الأسفلين لأنهم كفار، إنما (أسفلين) لأنهم تعالَوْا على إبراهيم وتمكَّنوا منه، وقدروا على إلقائه في النار فعلاً وهي مشتعلة، وظنوا ساعتها أنهم هم العالون.
لكن سرعان ما تكشفتْ حقيقة الموقف، وظهرتْ الآية الكبرى التي أرادها الله تعالى؛ فلو أراد الله لَنَجا إبراهيم، فلم يتمكَّنوا من الإمساك به، ولو أراد سبحانه لأمطرتْ السماء على النار فأطفأتها، لكن أراد الله أنْ يُبطل حججهم، فلو هرب إبراهيم من أيديهم لَقالوا: لو لم يهرب لأحرقناه، ولو أمطرتْ السماء لقالوا: ظاهرة طبيعية لا دَخْلَ لنا بها.
لكن ها هو إبراهيم، وها هي النار تشتعل، ومع ذلك ينجو إبراهيم بعد أنْ جاء نداء الحق وكلمة الحق للخَلْق قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
الخطاب من الله تعالى، والأمر للنار على طبيعتها، وبذات مواصفاتها كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً [الأنبياء: ٦٩] لا في ذاتك، إنما عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فهذه خصوصية لهذه النار بالذات، فهي من ظاهرها مشتعلة، وفي حقيقتها بَرْداً وَسَلَٰماً [الأنبياء: ٦٩] على إبراهيم، فهي مثل شجرة الزقوم، تبدو لهم شجرةً خضراءَ، وهي نار تحرقهم.
وهكذا جعلهم الله في هذا المقام ٱلأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٨] أي: في الكيد الذي دبَّروه، فهم يكيدون والله يكيدُ، ولا بُدَّ أنْ يُؤْخَذَ الكيدُ من خلال فاعله.
ومعنى فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٨] أي: في هذا المقام. وفي هذا الموقف الذي فعلوه بإبراهيم، فليسوا الأسفلين لأنهم كفار، إنما (أسفلين) لأنهم تعالَوْا على إبراهيم وتمكَّنوا منه، وقدروا على إلقائه في النار فعلاً وهي مشتعلة، وظنوا ساعتها أنهم هم العالون.
لكن سرعان ما تكشفتْ حقيقة الموقف، وظهرتْ الآية الكبرى التي أرادها الله تعالى؛ فلو أراد الله لَنَجا إبراهيم، فلم يتمكَّنوا من الإمساك به، ولو أراد سبحانه لأمطرتْ السماء على النار فأطفأتها، لكن أراد الله أنْ يُبطل حججهم، فلو هرب إبراهيم من أيديهم لَقالوا: لو لم يهرب لأحرقناه، ولو أمطرتْ السماء لقالوا: ظاهرة طبيعية لا دَخْلَ لنا بها.
لكن ها هو إبراهيم، وها هي النار تشتعل، ومع ذلك ينجو إبراهيم بعد أنْ جاء نداء الحق وكلمة الحق للخَلْق قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
الخطاب من الله تعالى، والأمر للنار على طبيعتها، وبذات مواصفاتها كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً [الأنبياء: ٦٩] لا في ذاتك، إنما عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فهذه خصوصية لهذه النار بالذات، فهي من ظاهرها مشتعلة، وفي حقيقتها بَرْداً وَسَلَٰماً [الأنبياء: ٦٩] على إبراهيم، فهي مثل شجرة الزقوم، تبدو لهم شجرةً خضراءَ، وهي نار تحرقهم.
وهكذا جعلهم الله في هذا المقام ٱلأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٨] أي: في الكيد الذي دبَّروه، فهم يكيدون والله يكيدُ، ولا بُدَّ أنْ يُؤْخَذَ الكيدُ من خلال فاعله.
آية رقم ٩٩
ﯨﯩﯪﯫﯬﯭ
ﯮ
لَمَّا لم يجد إبراهيم -عليه السلام- فائدة من دعوته لقومه، قال: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ، والمعنى ذاهب لنصرة دينه وإلا فربُّه موجود معه، وفي كل مكان، أو مهاجر إلى ربي. أي: إلى مكان آخر، حيث أجد مَنْ يسمعني ويستجيب لدعوتي، وما دُمْتُ ذاهباً إلى ربي سَيَهْدِينِ أي: يهديني المقام الطيب المناسب لدعوتي.
آية رقم ١٠٠
ﯯﯰﯱﯲﯳ
ﯴ
ثم يدعو إبراهيمُ ربَّه رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] أي: هَبْ لي ذريةً صالحةً مؤمنة، ونبيُّ الله حين يتمنى الذرية لا يتمناها لتكون ذِكْرى أو عزوة أو امتداداً ينتقل إليه الميراث، فالأنبياء يريدون الولد ليَحمل رسالتهم، وليكون نموذجاً إيمانياً يرثه في دعوته؛ لذلك قال في قصة سيدنا زكريا: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٦].
فكأن سيدنا إبراهيم عَزَّ عليه ألاَّ يتسعَ عمره ليكون جندياً من جنود منهج الله في الأرض، فقال: يا رب قرّ عيني بأنْ أرى ولداً لي يحمل مسئولية النبوة من بعدي.
وقال رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] ولم يقل رب هَبْ لي الصالحين، فأراد من ذريته مَنْ هو صالح من ضمن صلاح غيره، فهو يريد الصلاحَ لذريته وللآخرين؛ لذلك أجابه ربه: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١] الحليم: هو الذي لا يستفزه غضب، ويتحمل الأمور على مقدار ما تطيب به أخلاقه، ومن الحِلْم تَرْكُ المراء واللجاج، ولو كان في الحق.
لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقاً..".
فكأن سيدنا إبراهيم عَزَّ عليه ألاَّ يتسعَ عمره ليكون جندياً من جنود منهج الله في الأرض، فقال: يا رب قرّ عيني بأنْ أرى ولداً لي يحمل مسئولية النبوة من بعدي.
وقال رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] ولم يقل رب هَبْ لي الصالحين، فأراد من ذريته مَنْ هو صالح من ضمن صلاح غيره، فهو يريد الصلاحَ لذريته وللآخرين؛ لذلك أجابه ربه: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١] الحليم: هو الذي لا يستفزه غضب، ويتحمل الأمور على مقدار ما تطيب به أخلاقه، ومن الحِلْم تَرْكُ المراء واللجاج، ولو كان في الحق.
لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقاً..".
آية رقم ١٠١
ﯵﯶﯷ
ﯸ
وقوله سبحانه: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ البُشْرى بالشيء تكون قبل وجوده، فوصفه الله بأنه سيكون حليماً وهو ما يزال غلاماً. يعني: سيجمع الوصفين معاً؛ لأن الحِلْم عادة ما يتكوَّن لدى الرجل الواعي الذي يستطيع تقدير الأمور، فالميزة هنا أن يتصفَ الغلامُ بالحِلْم في صغَره.
وفعلاً ظهر حِلْم هذا الغلام في أول اختبار يتعرَّض له، حين قال له أبوه:
يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ تأمل ماذا قال الغلام، وأبوه يريد أنْ يذبحه، قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ هذا هو الحِلْم، يتجلَّى منه وهو غلام.
وفعلاً ظهر حِلْم هذا الغلام في أول اختبار يتعرَّض له، حين قال له أبوه:
يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ تأمل ماذا قال الغلام، وأبوه يريد أنْ يذبحه، قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ هذا هو الحِلْم، يتجلَّى منه وهو غلام.
آية رقم ١٠٢
هنا لم يتعرض السياق لحمل السيدة هاجر ولا ولادتها لإسماعيل، إنما انتقل مباشرة من البشارة به إلى مرحلة بلوغه السَّعْيَ مع أبيه، فقال سبحانه بعدها: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ذلك لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلَّم، وهو الذي يحكي.
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان -عليه السلام- والهدهد، قال تعالى:
اذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول:
قَالَتْ يٰأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَانظُرْ يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: برك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ، فقوله افْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ أي: على هذا البلاء
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان -عليه السلام- والهدهد، قال تعالى:
اذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول:
قَالَتْ يٰأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَانظُرْ يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: برك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ، فقوله افْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ أي: على هذا البلاء
آية رقم ١٠٣
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
فَلَمَّا أَسْلَمَا يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم -عليه السلام- ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم -عليه السلام- ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
آية رقم ١٠٤
ﭖﭗﭘ
ﭙ
يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم -عليه السلام- في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل.
آية رقم ١٠٥
هنا لم يتعرض السياق لحمل السيدة هاجر ولا ولادتها لإسماعيل، إنما انتقل مباشرة من البشارة به إلى مرحلة بلوغه السَّعْيَ مع أبيه، فقال سبحانه بعدها: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠٢] ذلك لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلَّم، وهو الذي يحكي.
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - والهدهد، قال تعالى: ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠١-١٠٢] فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢] ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَٱنظُرْ [الصافات: ١٠٢] يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ [الصافات: ١٠٢] أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: بربّك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢]، فقوله ٱفْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] أي: على هذا البلاء فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات: ١٠٣] يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على كِبَر.
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
نقول: لما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ [الصافات: ١٠٤] وكأن الله كان معهما يرقب هذا الانقياد من عبدين صَدَقا مع الله، فجاءهما فرج الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ [الصافات: ١٠٤-١٠٦].
يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم - عليه السلام - في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل.
وجاء الفداء: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فِداءً لإسماعيل.
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - والهدهد، قال تعالى: ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠١-١٠٢] فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢] ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَٱنظُرْ [الصافات: ١٠٢] يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ [الصافات: ١٠٢] أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: بربّك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢]، فقوله ٱفْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] أي: على هذا البلاء فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات: ١٠٣] يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على كِبَر.
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
نقول: لما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ [الصافات: ١٠٤] وكأن الله كان معهما يرقب هذا الانقياد من عبدين صَدَقا مع الله، فجاءهما فرج الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ [الصافات: ١٠٤-١٠٦].
يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم - عليه السلام - في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل.
وجاء الفداء: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فِداءً لإسماعيل.
آية رقم ١٠٦
ﭣﭤﭥﭦﭧ
ﭨ
هنا لم يتعرض السياق لحمل السيدة هاجر ولا ولادتها لإسماعيل، إنما انتقل مباشرة من البشارة به إلى مرحلة بلوغه السَّعْيَ مع أبيه، فقال سبحانه بعدها: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠٢] ذلك لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلَّم، وهو الذي يحكي.
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - والهدهد، قال تعالى: ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠١-١٠٢] فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢] ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَٱنظُرْ [الصافات: ١٠٢] يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ [الصافات: ١٠٢] أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: بربّك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢]، فقوله ٱفْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] أي: على هذا البلاء فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات: ١٠٣] يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على كِبَر.
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
نقول: لما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ [الصافات: ١٠٤] وكأن الله كان معهما يرقب هذا الانقياد من عبدين صَدَقا مع الله، فجاءهما فرج الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ [الصافات: ١٠٤-١٠٦].
يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم - عليه السلام - في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل.
وجاء الفداء: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فِداءً لإسماعيل.
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - والهدهد، قال تعالى: ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠١-١٠٢] فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢] ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَٱنظُرْ [الصافات: ١٠٢] يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ [الصافات: ١٠٢] أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: بربّك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢]، فقوله ٱفْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] أي: على هذا البلاء فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات: ١٠٣] يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على كِبَر.
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
نقول: لما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ [الصافات: ١٠٤] وكأن الله كان معهما يرقب هذا الانقياد من عبدين صَدَقا مع الله، فجاءهما فرج الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ [الصافات: ١٠٤-١٠٦].
يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم - عليه السلام - في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل.
وجاء الفداء: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فِداءً لإسماعيل.
آية رقم ١٠٧
ﭩﭪﭫ
ﭬ
هنا لم يتعرض السياق لحمل السيدة هاجر ولا ولادتها لإسماعيل، إنما انتقل مباشرة من البشارة به إلى مرحلة بلوغه السَّعْيَ مع أبيه، فقال سبحانه بعدها: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠٢] ذلك لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلَّم، وهو الذي يحكي.
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - والهدهد، قال تعالى: ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠١-١٠٢] فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢] ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَٱنظُرْ [الصافات: ١٠٢] يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ [الصافات: ١٠٢] أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: بربّك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢]، فقوله ٱفْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] أي: على هذا البلاء فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات: ١٠٣] يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على كِبَر.
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
نقول: لما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ [الصافات: ١٠٤] وكأن الله كان معهما يرقب هذا الانقياد من عبدين صَدَقا مع الله، فجاءهما فرج الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ [الصافات: ١٠٤-١٠٦].
يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم - عليه السلام - في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل.
وجاء الفداء: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فِداءً لإسماعيل.
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - والهدهد، قال تعالى: ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ [الصافات: ١٠١-١٠٢] فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢] ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ [الصافات: ١٠٢] يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَٱنظُرْ [الصافات: ١٠٢] يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ [الصافات: ١٠٢] أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: بربّك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ [الصافات: ١٠٢]، فقوله ٱفْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] أي: على هذا البلاء فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات: ١٠٣] يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢].
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على كِبَر.
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
نقول: لما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ [الصافات: ١٠٤] وكأن الله كان معهما يرقب هذا الانقياد من عبدين صَدَقا مع الله، فجاءهما فرج الله وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ [الصافات: ١٠٤-١٠٦].
يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم - عليه السلام - في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل.
وجاء الفداء: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فِداءً لإسماعيل.
آية رقم ١٠٨
ﭭﭮﭯﭰ
ﭱ
لقد استحقَّ سيدنا إبراهيم هذه المنزلة في جميع الأمم من بعده أنْ يُسلِّموا عليه، كلما ذُكِر، فيقولون سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٩] فلو ذبح إبراهيم ولده لَصارتْ سنةً من بعده أنْ يتقرَّب الإنسان إلى الله بذبح ولده، لكن لما صبر سيدنا إبراهيم، واستسلم لأمر ربه جاءه الفرج من الله وعُوفي وولده من هذا البلاء، وعُوفينا جميعاً معه من هذه المسألة، فكلما ذُكِر قلنا: عليه السلام، لأنه حمانا من هذا الموقف الصعب.
وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٠] كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان.
الله فرض علينا الحقَّ المعلوم للفقير وهو الزكاة، فمَنْ زاد وأعطى غير المعلوم فهو من الإحسان، واقرأ في سورة الذاريات: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: ١٥-١٦]. يعني: زائدين عما فرض الله من جنس ما فرض الله عليهم.
ثم يذكر سبحانه حيثيات هذا الإحسان كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٠] كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان.
الله فرض علينا الحقَّ المعلوم للفقير وهو الزكاة، فمَنْ زاد وأعطى غير المعلوم فهو من الإحسان، واقرأ في سورة الذاريات: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: ١٥-١٦]. يعني: زائدين عما فرض الله من جنس ما فرض الله عليهم.
ثم يذكر سبحانه حيثيات هذا الإحسان كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
آية رقم ١٠٩
ﭲﭳﭴ
ﭵ
لقد استحقَّ سيدنا إبراهيم هذه المنزلة في جميع الأمم من بعده أنْ يُسلِّموا عليه، كلما ذُكِر، فيقولون سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٩] فلو ذبح إبراهيم ولده لَصارتْ سنةً من بعده أنْ يتقرَّب الإنسان إلى الله بذبح ولده، لكن لما صبر سيدنا إبراهيم، واستسلم لأمر ربه جاءه الفرج من الله وعُوفي وولده من هذا البلاء، وعُوفينا جميعاً معه من هذه المسألة، فكلما ذُكِر قلنا: عليه السلام، لأنه حمانا من هذا الموقف الصعب.
وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٠] كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان.
الله فرض علينا الحقَّ المعلوم للفقير وهو الزكاة، فمَنْ زاد وأعطى غير المعلوم فهو من الإحسان، واقرأ في سورة الذاريات: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: ١٥-١٦]. يعني: زائدين عما فرض الله من جنس ما فرض الله عليهم.
ثم يذكر سبحانه حيثيات هذا الإحسان كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٠] كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان.
الله فرض علينا الحقَّ المعلوم للفقير وهو الزكاة، فمَنْ زاد وأعطى غير المعلوم فهو من الإحسان، واقرأ في سورة الذاريات: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: ١٥-١٦]. يعني: زائدين عما فرض الله من جنس ما فرض الله عليهم.
ثم يذكر سبحانه حيثيات هذا الإحسان كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
آية رقم ١١٠
ﭶﭷﭸ
ﭹ
وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان...
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان...
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
آية رقم ١١١
ﭺﭻﭼﭽ
ﭾ
لقد استحقَّ سيدنا إبراهيم هذه المنزلة في جميع الأمم من بعده أنْ يُسلِّموا عليه، كلما ذُكِر، فيقولون سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٩] فلو ذبح إبراهيم ولده لَصارتْ سنةً من بعده أنْ يتقرَّب الإنسان إلى الله بذبح ولده، لكن لما صبر سيدنا إبراهيم، واستسلم لأمر ربه جاءه الفرج من الله وعُوفي وولده من هذا البلاء، وعُوفينا جميعاً معه من هذه المسألة، فكلما ذُكِر قلنا: عليه السلام، لأنه حمانا من هذا الموقف الصعب.
وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٠] كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان.
الله فرض علينا الحقَّ المعلوم للفقير وهو الزكاة، فمَنْ زاد وأعطى غير المعلوم فهو من الإحسان، واقرأ في سورة الذاريات: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: ١٥-١٦]. يعني: زائدين عما فرض الله من جنس ما فرض الله عليهم.
ثم يذكر سبحانه حيثيات هذا الإحسان كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٠] كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان.
الله فرض علينا الحقَّ المعلوم للفقير وهو الزكاة، فمَنْ زاد وأعطى غير المعلوم فهو من الإحسان، واقرأ في سورة الذاريات: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: ١٥-١٦]. يعني: زائدين عما فرض الله من جنس ما فرض الله عليهم.
ثم يذكر سبحانه حيثيات هذا الإحسان كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
آية رقم ١١٢
ﭿﮀﮁﮂﮃ
ﮄ
وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ
هذه العطاءات كلها نتيجة فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] لأن الابتلاء الذي وقع لسيدنا إبراهيم كان ابتلاءً مُركباً من مراحل ثلاث: فَقْد الولد الذي جاء على كِبَر، وأنْ يقتله بيده، ثم تاج هذه المراحل أنْ يُقتلَ ولده برؤيا منامية؛ لذلك جاءه الجزاء على قَدْر هذه العقبات في الابتلاء، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧].
والفداء فِدَاء إسماعيل من الذبح فعاش إسماعيل، ثم زاده الله فأعطاه إسحاق وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] فهو أيضاً نبي، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] ويعقوب أيضاً نبي. إذن: كلُّ هذا الخير جاء ثمرة الاستسلام لله تعالى والرضا بحكمه... ثم يمتد هذا العطاء، فيقول سبحانه: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ [الصافات: ١١٣].
فلما تكلَّم الحق سبحانه عن الذرية، قال: وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] يعني: الذرية فيها هذا وذاك، الخير والشر.
هكذا عرضتْ لنا هذه الآيات قصة سيدنا إبراهيم على وجه الاختصار، حيث لم تتعرَّض لكل الأحداث..
هذه العطاءات كلها نتيجة فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] لأن الابتلاء الذي وقع لسيدنا إبراهيم كان ابتلاءً مُركباً من مراحل ثلاث: فَقْد الولد الذي جاء على كِبَر، وأنْ يقتله بيده، ثم تاج هذه المراحل أنْ يُقتلَ ولده برؤيا منامية؛ لذلك جاءه الجزاء على قَدْر هذه العقبات في الابتلاء، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧].
والفداء فِدَاء إسماعيل من الذبح فعاش إسماعيل، ثم زاده الله فأعطاه إسحاق وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] فهو أيضاً نبي، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] ويعقوب أيضاً نبي. إذن: كلُّ هذا الخير جاء ثمرة الاستسلام لله تعالى والرضا بحكمه... ثم يمتد هذا العطاء، فيقول سبحانه: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ [الصافات: ١١٣].
فلما تكلَّم الحق سبحانه عن الذرية، قال: وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] يعني: الذرية فيها هذا وذاك، الخير والشر.
هكذا عرضتْ لنا هذه الآيات قصة سيدنا إبراهيم على وجه الاختصار، حيث لم تتعرَّض لكل الأحداث..
آية رقم ١١٣
هذه العطاءات كلها نتيجة فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] لأن الابتلاء الذي وقع لسيدنا إبراهيم كان ابتلاءً مُركباً من مراحل ثلاث: فَقْد الولد الذي جاء على كِبَر، وأنْ يقتله بيده، ثم تاج هذه المراحل أنْ يُقتلَ ولده برؤيا منامية؛ لذلك جاءه الجزاء على قَدْر هذه العقبات في الابتلاء، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧].
والفداء فِدَاء إسماعيل من الذبح فعاش إسماعيل، ثم زاده الله فأعطاه إسحاق وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] فهو أيضاً نبي، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] ويعقوب أيضاً نبي. إذن: كلُّ هذا الخير جاء ثمرة الاستسلام لله تعالى والرضا بحكمه؛ لذلك صدق القائل:
سَلِّمْ لِربِّكَ حُكْمَهُ فَلِحكْمَةٍ يَقْضِي وَحَتَّى تَسْتفِيدَ وتَسْلَمَا
واذْكُرْ خلِيلَ اللهِ فِي ذَبْح ابْنِهِ إذْ قَالَ خالِقُهُ فلَمَّا أَسْلَمَا
ثم يمتد هذا العطاء، فيقول سبحانه: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ [الصافات: ١١٣].
فلما تكلَّم الحق سبحانه عن الذرية، قال: وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] يعني: الذرية فيها هذا وذاك، الخير والشر.
هكذا عرضتْ لنا هذه الآيات قصة سيدنا إبراهيم على وجه الاختصار، حيث لم تتعرَّض لكل الأحداث.. وينبغي هنا أنْ نذكر معركةَ الأديان في مسألة الذبيح، فالمسلمون يعتقدون أن الذبيح إسماعيل، وغير المسلمين يقولون: الذبيح إسحاق، وهذا القول مردود من عدة وجوه:
أولاً: لو كان الذبيح إسحاق لكانت مسألةُ الذبح والفداء وما يتعلق بهما من مناسك مَغْداها ومَراحها بأرض الشام، حيث عاشَ هناك سيدنا إسحاق، أما وهي تُفعل في أرض الحجاز حيث وُلِدَ وعاش سيدنا إسماعيل، فهذا دليل من الواقع على أن الذبيح إسماعيل.
ثانياً: ثم معنا دليل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: أي: الذبيحين اللذين كان لهما فداء من الذبح، وتعلمون أن الذبيح الأول هو عبد الله أبو النبي، وقد فداه أبوه من الذبح بمائة ناقة، أما الذبيح الثاني فإسماعيل عليه السلام الذي فَدَاه ربه بكبش.
فإنْ أنكر غيرنا هذه الأدلة لأنهم لا يؤمنون بها، فعلينا أنْ نأتيهم بدليل من كتبهم؛ لأن الإنسان لا يُصدِّق إلا بما يؤمن به، فلو حلفتَ للكافر باللات والعزى فإنه لا يُصدِّقك؛ لأنه يعلم أنك لا تؤمن باللات والعزى، والإنسان لا يحلف إلا بما يُعظِّمه. ولو قُلْتَ له: والله لصَدَّقك.
لذلك نسوق لغير المسلمين هذا الدليل من التوراة التي يؤمنون بها، وقد ترك الله لنا في الكتب السابقة على القرآن مواضع تؤيد ما جاء به القرآن، وما زالت هذه المواضع موجودة، وكأن الله أعماهم عنها لتظلَّ دليلاً على الحقيقة التي لا يعترفون بها.
وعليهم أن يقرأوا في الأصحاح الثالث والعشرين في سفر التكوين (وأوحى الله إلى إبراهيم أن اصعد بابنك الوحيد جبل الموريا وقدَّمْه قرباناً لي) ومتى كان إسحاق عليه السلام وحيداً وقد وُلِد إسحاق وعمر إسماعيل أربعة عشر عاماً. وفي الأصحاح الرابع والعشرين (وُلِد إسحاقُ وعمر إسماعيل أربع عشرة سنة).
والفداء فِدَاء إسماعيل من الذبح فعاش إسماعيل، ثم زاده الله فأعطاه إسحاق وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] فهو أيضاً نبي، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] ويعقوب أيضاً نبي. إذن: كلُّ هذا الخير جاء ثمرة الاستسلام لله تعالى والرضا بحكمه؛ لذلك صدق القائل:
سَلِّمْ لِربِّكَ حُكْمَهُ فَلِحكْمَةٍ يَقْضِي وَحَتَّى تَسْتفِيدَ وتَسْلَمَا
واذْكُرْ خلِيلَ اللهِ فِي ذَبْح ابْنِهِ إذْ قَالَ خالِقُهُ فلَمَّا أَسْلَمَا
ثم يمتد هذا العطاء، فيقول سبحانه: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ [الصافات: ١١٣].
فلما تكلَّم الحق سبحانه عن الذرية، قال: وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] يعني: الذرية فيها هذا وذاك، الخير والشر.
هكذا عرضتْ لنا هذه الآيات قصة سيدنا إبراهيم على وجه الاختصار، حيث لم تتعرَّض لكل الأحداث.. وينبغي هنا أنْ نذكر معركةَ الأديان في مسألة الذبيح، فالمسلمون يعتقدون أن الذبيح إسماعيل، وغير المسلمين يقولون: الذبيح إسحاق، وهذا القول مردود من عدة وجوه:
أولاً: لو كان الذبيح إسحاق لكانت مسألةُ الذبح والفداء وما يتعلق بهما من مناسك مَغْداها ومَراحها بأرض الشام، حيث عاشَ هناك سيدنا إسحاق، أما وهي تُفعل في أرض الحجاز حيث وُلِدَ وعاش سيدنا إسماعيل، فهذا دليل من الواقع على أن الذبيح إسماعيل.
ثانياً: ثم معنا دليل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: أي: الذبيحين اللذين كان لهما فداء من الذبح، وتعلمون أن الذبيح الأول هو عبد الله أبو النبي، وقد فداه أبوه من الذبح بمائة ناقة، أما الذبيح الثاني فإسماعيل عليه السلام الذي فَدَاه ربه بكبش.
فإنْ أنكر غيرنا هذه الأدلة لأنهم لا يؤمنون بها، فعلينا أنْ نأتيهم بدليل من كتبهم؛ لأن الإنسان لا يُصدِّق إلا بما يؤمن به، فلو حلفتَ للكافر باللات والعزى فإنه لا يُصدِّقك؛ لأنه يعلم أنك لا تؤمن باللات والعزى، والإنسان لا يحلف إلا بما يُعظِّمه. ولو قُلْتَ له: والله لصَدَّقك.
لذلك نسوق لغير المسلمين هذا الدليل من التوراة التي يؤمنون بها، وقد ترك الله لنا في الكتب السابقة على القرآن مواضع تؤيد ما جاء به القرآن، وما زالت هذه المواضع موجودة، وكأن الله أعماهم عنها لتظلَّ دليلاً على الحقيقة التي لا يعترفون بها.
وعليهم أن يقرأوا في الأصحاح الثالث والعشرين في سفر التكوين (وأوحى الله إلى إبراهيم أن اصعد بابنك الوحيد جبل الموريا وقدَّمْه قرباناً لي) ومتى كان إسحاق عليه السلام وحيداً وقد وُلِد إسحاق وعمر إسماعيل أربعة عشر عاماً. وفي الأصحاح الرابع والعشرين (وُلِد إسحاقُ وعمر إسماعيل أربع عشرة سنة).
آية رقم ١١٤
ﮑﮒﮓﮔﮕ
ﮖ
... منَّ الله على موسى وهارون مِنَّةَ عطاء، بأنْ جعلهما رسولين إلى بني إسرائيل، ومنةَ نَصْر بأنْ نصرهما على فرعون وجنوده.
آية رقم ١١٥
ﮗﮘﮙﮚﮛ
ﮜ
هذا موكب أُولِي العزم من الرسل، فبعد أنْ حدَّثنا القرآنُ عن سيدنا إبراهيم، يحدثنا عن سيدنا موسى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤] منَّ الله على موسى وهارون مِنَّةَ عطاء، بأنْ جعلهما رسولين إلى بني إسرائيل، ومنةَ نَصْر بأنْ نصرهما على فرعون وجنوده وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] والمراد فرعون، ووصفه الله بالكرب العظيم، لأن فرعون لم يكُنْ رجلاً متسلطاً على الناس كملك، إنما متسلط عليهم كإله، وقد أراد الكيد بموسى عليه السلام، وأراد الكيد لقومه في مصر، حيث أخذ منهم الخدم والفعلة والسحرة.
وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه.
فمعنى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
ثم وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩-١٢٠] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] أي: موسى وهارون.
ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل.
والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس: ٨٨].
فيردّ الحق سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون.
وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين.
ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ... .
وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه.
فمعنى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
ثم وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩-١٢٠] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] أي: موسى وهارون.
ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل.
والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس: ٨٨].
فيردّ الحق سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون.
وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين.
ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ... .
آية رقم ١١٦
ﮝﮞﮟﮠ
ﮡ
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
آية رقم ١١٧
ﮢﮣﮤ
ﮥ
ثم وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة.
آية رقم ١١٨
ﮦﮧﮨ
ﮩ
وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق.
آية رقم ١١٩
ﮪﮫﮬﮭ
ﮮ
يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما.
آية رقم ١٢٠
ﮯﮰﮱﯓ
ﯔ
هذا موكب أُولِي العزم من الرسل، فبعد أنْ حدَّثنا القرآنُ عن سيدنا إبراهيم، يحدثنا عن سيدنا موسى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤] منَّ الله على موسى وهارون مِنَّةَ عطاء، بأنْ جعلهما رسولين إلى بني إسرائيل، ومنةَ نَصْر بأنْ نصرهما على فرعون وجنوده وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] والمراد فرعون، ووصفه الله بالكرب العظيم، لأن فرعون لم يكُنْ رجلاً متسلطاً على الناس كملك، إنما متسلط عليهم كإله، وقد أراد الكيد بموسى عليه السلام، وأراد الكيد لقومه في مصر، حيث أخذ منهم الخدم والفعلة والسحرة.
وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه.
فمعنى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
ثم وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩-١٢٠] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] أي: موسى وهارون.
ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل.
والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس: ٨٨].
فيردّ الحق سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون.
وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين.
ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ... .
وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه.
فمعنى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
ثم وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩-١٢٠] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] أي: موسى وهارون.
ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل.
والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس: ٨٨].
فيردّ الحق سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون.
وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين.
ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ... .
آية رقم ١٢١
ﯕﯖﯗﯘ
ﯙ
هذا موكب أُولِي العزم من الرسل، فبعد أنْ حدَّثنا القرآنُ عن سيدنا إبراهيم، يحدثنا عن سيدنا موسى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤] منَّ الله على موسى وهارون مِنَّةَ عطاء، بأنْ جعلهما رسولين إلى بني إسرائيل، ومنةَ نَصْر بأنْ نصرهما على فرعون وجنوده وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] والمراد فرعون، ووصفه الله بالكرب العظيم، لأن فرعون لم يكُنْ رجلاً متسلطاً على الناس كملك، إنما متسلط عليهم كإله، وقد أراد الكيد بموسى عليه السلام، وأراد الكيد لقومه في مصر، حيث أخذ منهم الخدم والفعلة والسحرة.
وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه.
فمعنى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
ثم وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩-١٢٠] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] أي: موسى وهارون.
ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل.
والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس: ٨٨].
فيردّ الحق سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون.
وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين.
ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ... .
وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه.
فمعنى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
ثم وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩-١٢٠] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] أي: موسى وهارون.
ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل.
والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس: ٨٨].
فيردّ الحق سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون.
وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين.
ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ... .
آية رقم ١٢٢
ﯚﯛﯜﯝ
ﯞ
هذا موكب أُولِي العزم من الرسل، فبعد أنْ حدَّثنا القرآنُ عن سيدنا إبراهيم، يحدثنا عن سيدنا موسى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤] منَّ الله على موسى وهارون مِنَّةَ عطاء، بأنْ جعلهما رسولين إلى بني إسرائيل، ومنةَ نَصْر بأنْ نصرهما على فرعون وجنوده وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] والمراد فرعون، ووصفه الله بالكرب العظيم، لأن فرعون لم يكُنْ رجلاً متسلطاً على الناس كملك، إنما متسلط عليهم كإله، وقد أراد الكيد بموسى عليه السلام، وأراد الكيد لقومه في مصر، حيث أخذ منهم الخدم والفعلة والسحرة.
وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه.
فمعنى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
ثم وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩-١٢٠] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] أي: موسى وهارون.
ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل.
والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس: ٨٨].
فيردّ الحق سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون.
وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين.
ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ... .
وكلمة فرعون تُطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم يسمى (فرعون)، لكن في سورة يوسف سُمِّي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقُلْ فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أنْ فُكَّ حجر رشيد علمنا أن الهكسوس حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكاً في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه.
فمعنى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أي: من فرعون ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم.
وما أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم.
وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك؛ فهم لا محالة مُدْركون بقوانين البشر، لكِنْ لموسى مع ربه قانونٌ آخرُ، جعل موسى عليه السلام يقول بملء فيه (كلا) كلا لن نُدْرَكَ، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما لديه من الرصيد الإيماني: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] وفعلاً، جاءه الفرج لِتوِّه، وأمره ربه أنْ يضرب بعصاه البحر، وكان ما تعلمون من القصة.
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
ثم وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩-١٢٠] يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] أي: موسى وهارون.
ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤] فاستجاب الله لطلب موسى وأيَّده بأخيه هارون، وجعلهما معاً رسولاً واحداً إلى بني إسرائيل.
والقرآن يُبيِّن لنا هذه المسألة، وأنهما كانا كرسول واحد في قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس: ٨٨].
فيردّ الحق سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] أي: موسى وهارون؛ لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون.
وقد حاول بعض العلماء أن يُقرِّبوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩] لأن موسى دعا، وهارون أمَّنَ على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعين.
ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢] ثم ينتقل السياق إلى نبي آخر، هو سيدنا إلياس:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ... .
آية رقم ١٢٣
ﯟﯠﯡﯢ
ﯣ
كلمة (إلياس) تُكتب هكذا بالسين، والبعض لا يكتبون السين، إنما يكتبون اسمها فيقولون (إلياسين) فهما عَلَم على هذا النبي الكريم نقول: إلياس أو إلياسين اسم لمسمى واحد، وهو غير اليَسَعَ عليهم جميعاً السلام.
وهذه الآيات توضح أن سيدنا إلياس جاء بقضية عقدية، لا بمنهج تكليفي، جاء ليُصحح القمة العقدية في الإيمان بواجب الوجود الإله الواحد الذي يجب أنْ يُدْعى وحده، وموكب الرسالات من لَدُنْ آدم عليه السلام إنما جاء ليصحح صِلَة المخلوق بالخالق.
لذلك أثبت له أنه الخالق الرازق، وأنه العليم القادر الحكيم العزيز.. الخ، فهو الذي خلقك وأنعم عليك، لتتلقى أوامره برضاً، وتُقبل عليها باطمئنان، وإنْ لم تكُنْ عبادتك له جزاء ما قدَّم لك من النعم التي هيَِّأها لك قبل أن توجد، فلا تكُنْ عبادتك له خوفاً من عقابه حين تعود إليه.
معنى أَلاَ تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤] ألاَ للحثّ وللحضِّ على التقوى، أو للعرض كما تقول: هل لك من كذا؟ وقوله أَتَدْعُونَ بَعْلاً [الصافات: ١٢٥] أي: تعبدون صنماً اسمه بَعْلاً وَتَذَرُونَ [الصافات: ١٢٥] تتركون أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥].
الحق سبحانه حين يصف نفسه بأنه تعالى (أحسن الخالقين) يعني: أنه سبحانه لا يضنُّ على عبده بصفة الخَلق، فالإنسان الذي يُعمِل عقله في الكون، ويخترع شيئاً نافعاً لمجتمعه يُسمِّيه الله خالقاً، لأنه أبدع شيئاً جديداً لم يكُنْ موجوداً.
فهو خالق، والله أحسن الخالقين، لأن الله يخلق من عدم محض، أما أنت فتخلق من موجود، خلق الله فيه حياةً ونمواً وحركة.. الخ، وخَلْقُك جامد ثابت عند شيء معين، وقد سبق أنْ بيَّنا الفرق بين الاثنين.
وتأمل هنا: الحق سبحانه ينكر عليهم أنْ يعبدوا صنماً، ويتركوا عبادة الله لكن لم يقُلْ: وتذرون الله، إنما وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥] فذكر الوصف المشوِّق الدال على أحقيته تعالى في العبادة، وكأنهم سألوا، ومَنْ أحسن الخالقين؟ فقال سبحانه: ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] فأنا أحسن الخالقين، وأنا ربّكم وأنا ربُّ آبائكم الأولين، المستحق للعبادة.
فماذا كان الجواب؟
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ... .
وهذه الآيات توضح أن سيدنا إلياس جاء بقضية عقدية، لا بمنهج تكليفي، جاء ليُصحح القمة العقدية في الإيمان بواجب الوجود الإله الواحد الذي يجب أنْ يُدْعى وحده، وموكب الرسالات من لَدُنْ آدم عليه السلام إنما جاء ليصحح صِلَة المخلوق بالخالق.
لذلك أثبت له أنه الخالق الرازق، وأنه العليم القادر الحكيم العزيز.. الخ، فهو الذي خلقك وأنعم عليك، لتتلقى أوامره برضاً، وتُقبل عليها باطمئنان، وإنْ لم تكُنْ عبادتك له جزاء ما قدَّم لك من النعم التي هيَِّأها لك قبل أن توجد، فلا تكُنْ عبادتك له خوفاً من عقابه حين تعود إليه.
معنى أَلاَ تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤] ألاَ للحثّ وللحضِّ على التقوى، أو للعرض كما تقول: هل لك من كذا؟ وقوله أَتَدْعُونَ بَعْلاً [الصافات: ١٢٥] أي: تعبدون صنماً اسمه بَعْلاً وَتَذَرُونَ [الصافات: ١٢٥] تتركون أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥].
الحق سبحانه حين يصف نفسه بأنه تعالى (أحسن الخالقين) يعني: أنه سبحانه لا يضنُّ على عبده بصفة الخَلق، فالإنسان الذي يُعمِل عقله في الكون، ويخترع شيئاً نافعاً لمجتمعه يُسمِّيه الله خالقاً، لأنه أبدع شيئاً جديداً لم يكُنْ موجوداً.
فهو خالق، والله أحسن الخالقين، لأن الله يخلق من عدم محض، أما أنت فتخلق من موجود، خلق الله فيه حياةً ونمواً وحركة.. الخ، وخَلْقُك جامد ثابت عند شيء معين، وقد سبق أنْ بيَّنا الفرق بين الاثنين.
وتأمل هنا: الحق سبحانه ينكر عليهم أنْ يعبدوا صنماً، ويتركوا عبادة الله لكن لم يقُلْ: وتذرون الله، إنما وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥] فذكر الوصف المشوِّق الدال على أحقيته تعالى في العبادة، وكأنهم سألوا، ومَنْ أحسن الخالقين؟ فقال سبحانه: ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] فأنا أحسن الخالقين، وأنا ربّكم وأنا ربُّ آبائكم الأولين، المستحق للعبادة.
فماذا كان الجواب؟
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ... .
آية رقم ١٢٤
ﯤﯥﯦﯧﯨ
ﯩ
أَلاَ تَتَّقُونَ ألاَ للحثّ وللحضِّ على التقوى، أو للعرض كما تقول: هل لك من كذا؟
آية رقم ١٢٥
ﯪﯫﯬﯭﯮ
ﯯ
... وتأمل هنا: الحق سبحانه ينكر عليهم أنْ يعبدوا صنماً، ويتركوا عبادة الله لكن لم يقُلْ: وتذرون الله، إنما وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ فذكر الوصف المشوِّق الدال على أحقيته تعالى في العبادة.
آية رقم ١٢٦
ﯰﯱﯲﯳﯴ
ﯵ
كلمة (إلياس) تُكتب هكذا بالسين، والبعض لا يكتبون السين، إنما يكتبون اسمها فيقولون (إلياسين) فهما عَلَم على هذا النبي الكريم نقول: إلياس أو إلياسين اسم لمسمى واحد، وهو غير اليَسَعَ عليهم جميعاً السلام.
وهذه الآيات توضح أن سيدنا إلياس جاء بقضية عقدية، لا بمنهج تكليفي، جاء ليُصحح القمة العقدية في الإيمان بواجب الوجود الإله الواحد الذي يجب أنْ يُدْعى وحده، وموكب الرسالات من لَدُنْ آدم عليه السلام إنما جاء ليصحح صِلَة المخلوق بالخالق.
لذلك أثبت له أنه الخالق الرازق، وأنه العليم القادر الحكيم العزيز.. الخ، فهو الذي خلقك وأنعم عليك، لتتلقى أوامره برضاً، وتُقبل عليها باطمئنان، وإنْ لم تكُنْ عبادتك له جزاء ما قدَّم لك من النعم التي هيَِّأها لك قبل أن توجد، فلا تكُنْ عبادتك له خوفاً من عقابه حين تعود إليه.
معنى أَلاَ تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤] ألاَ للحثّ وللحضِّ على التقوى، أو للعرض كما تقول: هل لك من كذا؟ وقوله أَتَدْعُونَ بَعْلاً [الصافات: ١٢٥] أي: تعبدون صنماً اسمه بَعْلاً وَتَذَرُونَ [الصافات: ١٢٥] تتركون أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥].
الحق سبحانه حين يصف نفسه بأنه تعالى (أحسن الخالقين) يعني: أنه سبحانه لا يضنُّ على عبده بصفة الخَلق، فالإنسان الذي يُعمِل عقله في الكون، ويخترع شيئاً نافعاً لمجتمعه يُسمِّيه الله خالقاً، لأنه أبدع شيئاً جديداً لم يكُنْ موجوداً.
فهو خالق، والله أحسن الخالقين، لأن الله يخلق من عدم محض، أما أنت فتخلق من موجود، خلق الله فيه حياةً ونمواً وحركة.. الخ، وخَلْقُك جامد ثابت عند شيء معين، وقد سبق أنْ بيَّنا الفرق بين الاثنين.
وتأمل هنا: الحق سبحانه ينكر عليهم أنْ يعبدوا صنماً، ويتركوا عبادة الله لكن لم يقُلْ: وتذرون الله، إنما وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥] فذكر الوصف المشوِّق الدال على أحقيته تعالى في العبادة، وكأنهم سألوا، ومَنْ أحسن الخالقين؟ فقال سبحانه: ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] فأنا أحسن الخالقين، وأنا ربّكم وأنا ربُّ آبائكم الأولين، المستحق للعبادة.
فماذا كان الجواب؟
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ... .
وهذه الآيات توضح أن سيدنا إلياس جاء بقضية عقدية، لا بمنهج تكليفي، جاء ليُصحح القمة العقدية في الإيمان بواجب الوجود الإله الواحد الذي يجب أنْ يُدْعى وحده، وموكب الرسالات من لَدُنْ آدم عليه السلام إنما جاء ليصحح صِلَة المخلوق بالخالق.
لذلك أثبت له أنه الخالق الرازق، وأنه العليم القادر الحكيم العزيز.. الخ، فهو الذي خلقك وأنعم عليك، لتتلقى أوامره برضاً، وتُقبل عليها باطمئنان، وإنْ لم تكُنْ عبادتك له جزاء ما قدَّم لك من النعم التي هيَِّأها لك قبل أن توجد، فلا تكُنْ عبادتك له خوفاً من عقابه حين تعود إليه.
معنى أَلاَ تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤] ألاَ للحثّ وللحضِّ على التقوى، أو للعرض كما تقول: هل لك من كذا؟ وقوله أَتَدْعُونَ بَعْلاً [الصافات: ١٢٥] أي: تعبدون صنماً اسمه بَعْلاً وَتَذَرُونَ [الصافات: ١٢٥] تتركون أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥].
الحق سبحانه حين يصف نفسه بأنه تعالى (أحسن الخالقين) يعني: أنه سبحانه لا يضنُّ على عبده بصفة الخَلق، فالإنسان الذي يُعمِل عقله في الكون، ويخترع شيئاً نافعاً لمجتمعه يُسمِّيه الله خالقاً، لأنه أبدع شيئاً جديداً لم يكُنْ موجوداً.
فهو خالق، والله أحسن الخالقين، لأن الله يخلق من عدم محض، أما أنت فتخلق من موجود، خلق الله فيه حياةً ونمواً وحركة.. الخ، وخَلْقُك جامد ثابت عند شيء معين، وقد سبق أنْ بيَّنا الفرق بين الاثنين.
وتأمل هنا: الحق سبحانه ينكر عليهم أنْ يعبدوا صنماً، ويتركوا عبادة الله لكن لم يقُلْ: وتذرون الله، إنما وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥] فذكر الوصف المشوِّق الدال على أحقيته تعالى في العبادة، وكأنهم سألوا، ومَنْ أحسن الخالقين؟ فقال سبحانه: ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] فأنا أحسن الخالقين، وأنا ربّكم وأنا ربُّ آبائكم الأولين، المستحق للعبادة.
فماذا كان الجواب؟
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ... .
آية رقم ١٢٧
ﭑﭒﭓ
ﭔ
فَكَذَّبُوهُ كشأن كل الأقوام التي جاءها الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ولا بُدَّ أنْ يُكذبَ الرسل، يُكذّبهم أهلُ الفساد والمنتفعون من الفساد، يُكذِّبهم سَادَةُ القوم وكبراؤهم، لتظلَّ لهم سيادتهم وجبروتهم واستعبادهم للضعفاء فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي: عندنا للحساب تحضرهم ملائكة العذاب، والمعنى: لا تظنوا أنكم تُفلتون من أيدينا، لأن لكم مَعاداً ورجعة كما قال سبحانه:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
آية رقم ١٢٨
ﭕﭖﭗﭘ
ﭙ
إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته،
آية رقم ١٢٩
ﭚﭛﭜﭝ
ﭞ
... ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسانَ فَرْعُ الإيمان، يعني ما كان مُحسِناً إلا لأنه كان مؤمناً أولاً.
آية رقم ١٣٠
ﭟﭠﭡﭢ
ﭣ
قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ [الصافات: ١٢٧] كشأن كل الأقوام التي جاءها الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ولا بُدَّ أنْ يُكذبَ الرسل، يُكذّبهم أهلُ الفساد والمنتفعون من الفساد، يُكذِّبهم سَادَةُ القوم وكبراؤهم، لتظلَّ لهم سيادتهم وجبروتهم واستعبادهم للضعفاء فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٢٧] أي: عندنا للحساب تحضرهم ملائكة العذاب، والمعنى: لا تظنوا أنكم تُفلتون من أيدينا، لأن لكم مَعاداً ورجعة كما قال سبحانه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
وقوله: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٢٨] أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته، ثم تُختم هذه القصة الموجزة لهذا النبي الكريم بما خُتِمتْ به سابقتها وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٩-١٣٢].
ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسانَ فَرْعُ الإيمان، يعني ما كان مُحسِناً إلا لأنه كان مؤمناً أولاً.
هكذا لخَّص لنا القرآن قصة هذا النبي، وبيَّن أنه جاء بقضية عقدية لا قضية تكليفية، جاء ليُصحِّح للقوم الأساسَ والقاعدةَ التي تُبنى عليها الحياة، وهذه مهمة الرسل من لدُن آدم عليه السلام، فقد خلق اللهُ آدمَ أبا البشر خليفةً في الأرض. ومعنى خليفة في الأرض أنْ يزاولَ في الأرض مهمة عن الحق سبحانه وتعالى.
ولكي يزاول هذه المهمة أمَدَّه الله بصفات من صفاته، وهذه الصفات موهوبة ممدودة ليست ذاتية في الخليفة، لذلك يسلبها الخالق في أيّ وقت، فالله تعالى هو واجب الوجود الأعلى، وهو المتصف بهذه الصفات بذاته، فالله قادر ويعطيك من قدرته قدرةً، وحكيم ويهبك من حكمته حكمةً تزاول بها الأشياء، والله قهَّار ويعطيك قهارية تزجر بها مَنْ كان تحت تصرُّفك لتستقيم أمورهم، ويعطيك رحمانية تحنُو بها على الضعيف والمحتاج.
إذن: فمن صفات الحقِّ واجب الوجود الأعلى أنه يعطينا من وجوده وجوداً، بل وجوداتٍ متعددة بتعدُّد الأفراد ومتوالية الأمثال، لكن يعطي سبحانه من الوجود الذاتي وجوداً عَرَضياً. فإنْ نظرتَ إلى الآفات التي تصيب الناسَ في حواسِّهم أو في جوارحهم تجدها مرادةً لله تعالى خلقاً أو توجّهاً، لماذا؟ لأن الإنسان كما أخبر عنه خالقه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وضربنا لذلك مثلاً بالولد مع أبيه، فلو أن الأب يعطي ولده المصروف كلَّ شهر تجد الولد لا يحرص على لقاء أبيه إلا كل شهر، إنما لو أعطاه يوماً بيوم لتعرَّض له الولد كل يوم وتمحَّك فيه، وأظهر نفسه ليأخذ مصروفه الذي تعوَّد عليه، فتراه مثلاً يمرُّ على أبيه في الصباح. ويقول: يا أبي أنا رايح المدرسة، فالحاجة هي التي ألجأتْه لمودَّة أبيه.
إذن: يجب أنْ نُفسِّر فلسفة الحاجات التي تُعوز النتيجة، وهذه الحاجات هي التي تُلجئك إلى ربك، والواقع يؤيد ذلك، وكثيراً ما نرى الإنسان لا يلجأ لربه ولا يُصلح ما بينه وبين خالقه إلا إذا اختلَّ عنده شيء، وعزَّتْ عليه أسبابه، فلا يجد إلا ربه فيقول: يا رب، يا الله.
إذن نقول: الخالق يَهبُ الخليفةَ من صفاته، لكن تظل هذه الصفات الموهوبة عَرَضيةً غير دائمة؛ لذلك يموت الإنسان جنيناً، ويموت طفلاً، ويموت شاباً وكهلاً وشيخاً، وهذه القضية تُفسِّر لنا الحديث الشريف:
فالهاء يجوز أن تعود على الله تعالى، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته تعالى، لا على حقيقته، وفَرْق بين الصورة والحقيقة، الصورة هى التي تُؤخذ لك لقطة على هيئة معينة، ثم تتجمد على هذه الهيئة، إذن: هذا الخلق لا يعني أن آدم أخذ شيئاً من صفات الله على الحقيقة، لا إنما على الصورة، لأن الحقيقة لها دوام، والصفات في آدم لا دوامَ لها.
ويجوز أنْ تعود الهاء على آدم، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته أي على صورة آدم؛ لأن الله تعالى لم يخلق آدم جنيناً، ثم وُلِد ثم صار طفلاً فشاباً، لا بل خلقه أول الأمر هكذا على هذه الهيئة المعروفة للإنسان الكامل الأعضاء والجوارح. إذن: يجوز الوجهان.
وفَرْقٌ بين مَنْ يخلق، ومَنْ يخلق مَنْ يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير لا يقدر مثلاً على نقل المائدة من مكانها، أما الرجل القوي فيستطيع أنْ ينقلها له، وهو في هذه الحالة لم يُعَدِّ قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدَّى له أثرَ صفته فحمل عنه واشتال له، وظلَّ الطفل ضعيفاً غير قادر على الحَمْل.
لذلك نقول: إن وَجْه العظمة في خَلْق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق من قدرته قدرةً، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدك، فالخَلْق يتطوَّعون ويُعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفاً، أما الخالق سبحانه فيعطي الضعيف قوةً فيفعل بنفسه.
لكن تنبَّه أن هذه الصفات موهوبةٌ لك لا ذاتية فيك؛ لأنك لستَ أصيلاً في الوجود بل أنت خليفة، ولا بُدَّ لك أنْ تظلَّ في حضن مَنِ استخلفك، وإياك أنْ تشذّ عَمَّنْ استخلفك، وإلا سحبَ منك مقومات هذا الاستخلاف.
وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا أعور وهذا أعرج.. الخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتكَ إليه، ويُنبِّهك إلى أنك لست أصيلاً في الوجود إنما مُسْتخلَفٌ، وأنك شيء ما دام معك مَنِ استخلفك، فإنْ تخلَّى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في الكون أنْ يعتبر نفسه أصيلاً، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامتْ الأمور.
البعض ينظر إلى هذه العاهات على أنها تشويه للخَلْق ولا يرى فيها حكمة، والحقيقة أنها خُلِقَت لحكمةٍ مرادةٍ لله تعالى، وما هي إلا وسيلةُ إيضاحٍ للناس كي لا تغترّ بالجوارح السليمة، وكي تظلَّ على ذِكْر لله الخالق، وكما قلنا الحاجة هي التي تُلجئك.
ونحن نرى مثلاً رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة مُحطَّمة، ويجعلونها في مكان بارز يراه الناسُ ليرتدع السائقون عن الرعونة في السُّرعة، فهذه السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جُعِل كذلك لهدف، وربما تعمَّدوا إعدام السيارة لما يترتَّبُ على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات.
كذلك أنت أيها المعَافَى، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نِعَم الله عليك التي كثيراً ما تغفل عنها، فإنْ قُلْتَ: فما ذنبُ هذا المبتلى أنْ يجعله اللهُ وسيلةَ إيضاحٍ لغيره؟
نقول: لو أدركتَ ما وجده من العِوَض عما فقد لتمنيتَ أن تكون مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوَّضهم الله بخصلة أخرى تُعوِّض ما فيه من نقص؛ لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد الذراعين (يلضم) الخيط في الإبرة برِجلْيه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا يستطيعها الأصحاء.
وسبق أنْ قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفتَ أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، ففيها من القوة ما ليس للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوَّته في هذه اليد.
ونحن نقول لإخواننا الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصَّلوا من العلم ما يعجز عنه المبصرون؛ ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من حوله، أما المكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائماً خالية جاهزة للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يُقرأ له، فيُنصت جيداً، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى؛ لذلك قال أحدهم:
عَمِيتُ جَنيناً وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى فَجِئتُ عَجِيبَ الظنِّ لِلعِلْم مَوئِلاً
وَغَابَ ضِياءُ العَيْن بالقَلْبِ رَافِداً لعلمٍ إذَا مَا ضَيَّع الناسُ حَصَّلاَ
إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ولا ننظر إلى ما عُوِّضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أنْ قلنا: إن الذي أبدع السيمْفونية العالمية المشهورة كان أصمَّ!! وتيمورلنك الذي دوَّخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرجَ!!
والمؤمن الحق حين يرى غيره ممَّن ابتلاهم الله لا يتعالَى عليهم ولا يدلّ عليهم بسلامة جوارحه، إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عِوَض فيقول في نفسه: يا ترى في أيِّ الجوانب تتفوَّق عليَّ وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى الجميع.
نقول: فعلى الإنسان أنْ يظلَّ دائماً على ذِكْر لهذه الحقيقة أنه خليفةٌ لله في الكون ليس أصيلاً فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين تُوكِّل غيرك في شيء بعينه، فإنِ اعتبر نفسه وكيلاً في كل شيء فسدتْ الوكالة؛ لذلك نرى العقلاء حين يُوكِّلون غيرهم يُوكِّلون على قَدْر الحاجة والضرورة حتى لا تُستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق الأصيل.
وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أنْ يظلَّ خليفةً محتاجاً لمن استخلفه، والعادة أن الاستغناء يُنسِيك، والحاجة تُلجِئك وتعطفك إلى مَنِ استخلفك.
ولما خلق اللهُ آدمَ ليكون خليفةً في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يُعِدَّهُ لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلاً اللاعب الذي نعده لمجرد أنْ يلعب فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاءه، إلى أنْ يصلَ إلى المستوى المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟
كذلك الحق - سبحانه وتعالى - درَّبَ آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس: وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ [البقرة: ٣٥].
وهكذا حدَّد الخالق سبحانه لآدم كيفيةَ معيشته في الجنة، فأحلَّ له أنْ يأكلَ منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال كثير لا يُعَدُّ ولا يُحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نصٌّ يحرمه وهو محصور في أشياء بعينها.
وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه: وَلاَ تَقْرَبَا [البقرة: ٣٥] ولم يقُلْ: ولا تأكلا، فالمنهيُّ عنه مجرد قُربها؛ لأن قُرْبك من المحرم يُغريكَ به حتى تقع فيه؛ لذلك تجد أسلوب القرآن في الأوامر يقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أما في النواهي فيقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
لذلك لما حرّم الإسلامُ الخمرَ لم يحرم شُرْبها فحسب، إنما حرَّم كلَّ ما يتصل بها من بيع أو شراء أو نقل أو صناعة، أو حتى التواجد في مكان هي فيه، لماذا؟ لِيَسُدَّ كل الطرق المؤدية إليها المُغْرية بها.
وحين يُبين لنا الحق سبحانه الحلالَ والحرامَ والأوامر والنواهي، فإنما يلفت أنظارنا إلى قضية مهمة، وكأنه يقول لنا: إن استقمتَ على منهجنا وتكليفنا لك ستظلّ حياتك سليمةً بلا عورة، خالية من المشاكل والصعاب، فإنْ تعدَّيْتَ هذه الحدود فانتظر ظهور العورات في المجتمع، سواء أكانت عوراتٍ اجتماعية، أم أخلاقية، أم اقتصادية.. الخ.
وفي قصة آدم - عليه السلام - حين أكل من الشجرة رمز إلى هذه المسألة، كيف؟ لَمَّا استقامَ آدمُ على منْهج ربه والتزم بما أمره الله به عاش في الجنة معافَى بلا سَوْءةٍ، فلما خالف وأطاع وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها بدتْ سوءتُه لأول مرة، لأنه لما استقام كان يأكل بطهي ربه له وهو طهْي على قَدْر حاجة الجسم ومُقوِّمات الحياة فلا يبقى منه شيء، يخرج فضلات من الجسم.
ولكن لما تدخلتْ الشهوة، وأطاع الشيطان أفسد الخلطة الغذائية التي أُعِدَّتْ له، فتكوَّنت في بطنه الفضلات وأحسَّ لأول مرة بشيء غريب لم يعهده، وفوجئ بأنْ خُرْقاً في بدنه يخرج منه شيء قذر كريه الرائحة.
لذلك عرف آدم أنها عورة ينبغي أنْ تُستر، فأخذ يقطع من أوراق الشجر ليستر عورته، ويداري سَوْءَته، هذا قوله تعالى: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ [الأعراف: ٢٢].
وقد رأينا في أثناء الحروب أن الجندي يتغذَّى على قرص صغير يؤدي مهمة الوجبة الغذائية، لكن لا يترك فضلات في الجسم، ذلك لتخفَّ مؤونة التموين، ولا يحتاج الجندي لعملية الإخراج.
إذن: في قصة آدم والأكل من الشجرة إشارة رمزية إلى أن أحكامَ الله ما دامتْ مُنفَّذة يستقيم حال البلاد والعباد، ولا تظهر في المجتمع عورات ومساوئ، لذلك حين ترى في المجتمع عورة ظهرت في أي ناحية: علمية، اقتصادية، اجتماعية، خلقية.. الخ فاعلم أن بنداً من بنود منهج الله قد عُطِّل، فابحث عنه، وحاول إصلاحه بنفسك أولاً، إنْ كان الإصلاح في مقدورك؛ لذلك قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. [الرعد: ١١].
وآدم - عليه السلام - وقع في هذه المخالفة بعد أن بيَّن الله له ما أحلَّ له وما حرَّم عليه، وبيَّن له عداوة الشيطان، وأنها عداوة مُسبقة منذ أمره الله بالسجود فلم يسجد، ومع ذلك سمع آدم لوسوسة الشيطان، وكان عليه أنْ يُعمل نعمة العقل، وأنْ يفكر فيما قاله عدوه إبليس، حين قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠].
يعني: أن مَنْ يأكل من هذه الشجرة يخلد ولا يموت، إذن: لماذا لم تأكل أنت يا إبليس منها، ما دام الأمر كذلك؟ ألستَ القائل لله تعالى: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] فهنا إشارة إلى وجوب التفكر في وسوسة الشيطان وعدم الخضوع له.
إذن: ففترة وجود آدم في الجنة كانت فترةَ التدريب على المنهج الخلافي، فلما حدثتْ منه المخالفة وحصل منه عصيان أراد الله أنْ يُخرجه من الجنة، وأنْ يُنزِله إلى حياة الأرض ليتحرك فيها حركةَ الخليفة، مُستصحباً للتجربة السابقة.
وكأن الله يقول له: خُذْ من الحلال ما شئتَ، وابتعد عن الحرام واحذر الشيطان فهو عدوك، وسيظل يوسوس لك ليُوقِعك في المخالفة كما أوقعك في المخالفة الأولى، فإياك أنْ تسمعَ له لأنك لو سمعتَ له وهو عدوُّك سيُخرِجك من حياة النعيم إلى حياة الشقاء، كما أخرجك من جنة الالتزام بأمر والالتزام بنهي: فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] ولم يقل: فتشقيا.
والحق سبحانه وتعالى وضع لنا في هذه الآية إشارة رمزية منذ أوَّل الخَلْق، لِتَحُلَّ لَنَا مشكلة وقضية ما زال العالم يتحدث فيها إلى الآن وسيظل، إنها قضية خروج المرأة للعمل والمساواة بالرجل، وأن المرأة تريد أن تثبت ذاتها.. الخ.
وعجيبٌ أنْ تطالب المرأةُ بالمزيد من المسئوليات، فهى تريد أنْ تأخذ من مهمة الرجل، في حين أن الرجل لن يأخذ من مهمتها شيئاً، ولن يحمل عنها عبئاً من أعبائها، الرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع. إذن: أخذتِ أنت مهمةَ الرجل مضافاً إليها مهمتك الخاصة التي لا يقوم هو بها، وفي هذا ظلم للمرأة.
فقوله تعالى لآدم فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] دَل منذ أول الخَلْق على أن الشقاء والكدح والعمل وتحمُّل المسئولية مهمة الرجل، وأن المرأة سيدةٌ في بيتها مُعزَّزة مُكرَّمة، وهذه الصورة ظلتْ موروثة في مجتمعاتنا بدون تضليل وبدون انطماس، فحتى الآن حين يتقدَّم شابٌ لخطبة البنت يشترط عليه كبير العائلة يقول (أنت حتستتها ولا حتشغلها) يعني: أتجعلها سيدةً مَصُونةً في بيتها، أم أنك ستخُرِجها للعمل؟
البعض يقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟ فهو إذن مثل الشيطان: هذا عصى وهذا عصى. نقول: عصى آدم وهو فى فترة التدريب التي لا يُؤاخَذ فيها المخطئ، بل نُصحِّح له دون مؤاخذة، فالتلميذ في المدرسة يُصوِّب له المعلم خطأه باللون الأحمر دون أنْ يحاسبه عليه، إلى أنْ يأتيَ اختبار آخر العام، فيحاسبه على الخطأ.
فآدم حين أخطأ كان في فترة التدريب، وقد صَوَّب اللهُ له خَطأه، ثم إنه لم يكُنْ نبياً في هذه الفترة، لأن آدم خُلق ليكون أباً للبشر جميعاً، والبشر سيُقَسَّمون إلى قسمين: قسم مُصْطفى وهم الرسل، وقسم مُصْطَفىً عليه وهم المرسل إليهم.
إذن: آدم في البداية كان يمثل القسمين، وجاءت تجربته تمثل عصيان البشر وعصمة الأنبياء، لذلك أخطأ فصوَّب الله له، ثم تابَ فتابَ الله عليه واصطفاه، وكذلك حال البشر واقرأ: وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ [طه: ١٢١] هذه إشارة إلى ما سيكون من البشر ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: الاجتباء والعصمة جاءت بعد التجربة الأولى؛ لأن آدم مَثَّلَ الجميع، مثّل عصيان البشر، ومثّل عصمة الأنبياء.
هذا الخليفة طرأ على وجود خُلِق له قبل أنْ يُوجد؛ لا أن الله خلقه، ثم نظر ماذا يريد وماذا يحتاج، ثم خلقه سبحانه خَلْقاً يناسب قيامه بمهمته في عمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: ٦١].
ولم يجعل الحق سبحانه العبادات الأصيلة - أي أركان الإسلام - هي كل حركة الحياة، بل جعلها هي الشحنة التي تُعينك على حركة الحياة؛ لذلك مَنْ قال إن الإسلام هو هذه الأركان يؤديها وحسب نقول له: لا لأن هذه الأركان بها تستمد القوة من الله لتنجح في حركة الحياة، والإسلام أوسَعُ من هذه الخمس بكثير، بدليل قوله تعالى في سورة الجمعة: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
إذن: ناداهم وأخذهم من شغل ومن عمل هو قمة حركة الحياة، ألا وهو البيع، وإن كان البيع مرتبطاً بالشراء إلا أنه أقوى، لذلك خَصَّه بالذكر ولم يقُلْ: وذروا البيع والشراء، لماذا؟
قالوا: لأنه سبحانه خالق الطبع الإنساني، ويعلم أن الإنسان ثقيل عند الشراء غير حريص عليه، لكنه حريص عليه، لكنه حريص على البيع ويسعى إليه؛ لذلك عندما يكلِّفك أهل البيت بشراء شيء ربما تماطل في شرائه أو تؤجّله، وتُسَرُّ حين تذهب فتجد المحل مغلقاً، أما لو كنت بائعاً فإنك تحرص كل الحرص على أنْ تبيع، لماذا؟ لأن المشتري ينفق والبائع يأخذ؛ لذلك ذكر الحق سبحانه البيع لأنه ثمرة الحركة.
وبعد انتهاء الصلاة قال: فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ.. [الجمعة: ١٠] إذن: أخذك للصلاة من عمل، وأعادك بعد الصلاة إلى العمل والسعي.
وحين تتأمل لفظ الحديث: يعني: هذه الخمس هي الدعائم التي يقوم عليها الإسلام والمبنى غير المبنى عليه، وهل البناء الذي نسكنه مُكوَّن من الأساس والأعمدة فحسب؟ إذن: الإسلام ليس هو الأركان الخمس، إنما الإسلام أوسع من ذلك، الأركان هي الشحنة التي يستدعيك ربك إليها، فتأخذ من لقائه المددَ الذي يُعينك على القيام بحركة الحياة.
ومثَّلنا ذلك (بالبطارية) حين تذهب بها إلى الشحن، فنحن لا نستفيد بها في فترة الشحن، إنما نعطيها الشحنة اللازمة لتعمل بها بعد ذلك.
ومن عجيب أمر الرحمة الإلهية أن الله تعالى جعل الذهاب إلى شحنة الطاقة الإنسانية فَرْضاً تكليفياً لا بُدَّ لك من القيام به، لا بُدَّ لك أنْ تقابلني خمسَ مرات في اليوم والليلة؛ لأنك خَلْقي وصَنْعتي، والصانع أعلم بما يُصلح صنعته، وتصوَّرْ صنعة تُعْرض على صانعها خمسَ مرات في اليوم والليلة: هل يبقى فيها عطب، هذا في الصانع إنْ كان من البشر، فما بالك في الصانع إنْ كان هو ربّ البشر وخالقهم سبحانه.
الصانع من البشر يُصْلِح صنعته بشيء مادي مثل مسمار أو قطعة غيار مثلاً، أما الخالق سبحانه فيصلحك دون شيء مادي؛ ذلك لأن المهندس وصنعته شيء مادي فيصلح بالمادة، أما الخالق سبحانه فغَيْبٌ، فحين يصلحك من عطب فيك يُصلِحك بالغيب فلا تشعر به ولا تراه.
إذن: نقول لا بُدَّ أنْ نفهم الدين على حقيقته، وأنْ نفهمَ أن لكل مِنَّا مهمة، فإذا تفوَّق عليك غيرك فاعلم أن تفوقه لصالحك وعائد عليك، لأنه بتفوقه يؤدي إليك خدمة، في حين أنه لا يستفيد منك، فالذي يجيد عملاً لا شكَّ أنه ينفع نفسه وينفع الآخرين، على خلاف مَنْ لا يجيد شيئاً.
لذلك نقول في الفلاحين (باب النجار مخلع)، فالنجار تظهر مهارته حينما يصنع لغيره؛ لأنه يتقاضى أجراً، إنما لا يجيد الصناعة لنفسه، إذن: حين ترى المتفوِّق عنك، لا تحسده ولا تحقد عليه، بل تمَنَّ له الزيادة، وتمَنَّ له الخير، فسوف يُصيبك شيء لا محالة من هذا الخير، وسيعود عليك هذا التفوق في شكل خدمة يُقدِّمها لك.
لذلك كنا في الفلاحين، لو مات لأحدنا بقرة أو جاموسة يحزن الجميع، لدرجة أننا رأينا مرة جماعة يُبْكون على عجل مات فتعجبنا، الناس يبكون على الميت منهم، لكن من الحيوانات؟! بعدها عرفنا أن هذا العجل هو الذي يدير الساقية، ويحرث الأرض التي يأكل منها هؤلاء الناس، وينالهم خير هذه الأرض، وكنا في الريف لا نشتري الخيار ولا الملوخية ولا البامية وغيرها كثير، بل كان يُهْدى ولا يُباع.
إذن: الهبة المبذولة عند الخَلْق عائدة على كل الخَلْق، فحين ترى سيفيض عليك، وحين ترى مَنْ يجيد عملاً لا تجيده أنت لا تحقد عليه، لأنك ستحتاجه ليجيد لك عملك حتى لو كنتَ تكرهه، أو على خلاف معه تحرص عليه ليعمل لك، فأنت تعلم مدى إجادته للعمل، فتذهب إليه حرصاً على مصلحتك أنت، وبذلك يتم التعادل المطلوب في المجتمع، وتستقيم أمور الخَلْق استقامةً مبنيةً على الحاجة.
ولو تأملتَ في نفسك كما قال الله تعالى: وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] لوجدتَ في نفسك هذا التعادل بين الأعضاء، فعندك مثلاً اليد اليمنى تزاول بها بعض الأعمال التي تناسبها، واليد اليُسْرى تزاول بها أعمالاً أخرى تناسبها، اليد اليمنى للأعمال الشريفة المكرَّمة، أما اليسرى فهي لما دون ذلك، وغالباً ما تكون اليمين أقوى من الشمال وأكثر حركة منها وأدقّ في التناول.
وتأول مثلاً حين تريد أنْ تقصَّ أظافرك، فإنك تقصّ الشمال باليمين فيأتي القَصُّ دقيقاً مُريحاً، على خلاف قَصِّ اليمين بالشمال، إذن: موهبة اليمين عادتْ على الشمال، وعدم موهبة الشمال عادت على اليمين، وهذا يلفتنا إلى أنَّ الكمالات في الكون كمالاتٌ مُسْتطرقة تستطرق فيه، كاستطراق الماء.
والحق - سبحانه تعالى - حين خلق الإنسان الخليفة أعطى له تكوينات تناسب مهمته، وأول هذه التكوينات الجوارح التي نسميها الحواس التي نُحسّ بها الأشياء، ويُسمُّونها الحواس الخمس الظاهرة، وقولهم الظاهرة احتياط لما سيجدّ من حواس يعرفها العلم، وفعلاً اكتشف في الإنسان حواسّ أخرى غير الخمس كالحاسة التى أعرف بها الجوع، وكحاسة البَيْن التي أميز بها البُعْد بين شيئين، وحاسة العضل التي أعرف بها ثقل الأشياء.
وحين تتأمل هذه الحواس الخمس المعروفة، تجد أن التكليف الشرعي جاء على مقتضى هذا التكوين في الحواس، فلكلِّ حاسة في الإنسان، ولكل جارحة عمل، فأداء كل جارحة لمهمتها يُسمَّى (عمل)، فالقلب يعمل بالنية، واللسان يتكلم، والأذن تسمع، والأنف يشمُّ، واليد تمس الأشياء، والعين ترى، هذا كله عمل.
ولا بُدَّ هنا أنْ نفرق بين العمل والفعل، والفعل يقابله القول الذي هو مهمة اللسان؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف: ٢].
إذن: فالقول، وهو مهمة اللسان أخذ قسماً وحده، وبقية الحواس أخذتْ القسم الآخر، فالقول للسان، والفعل لبقية الحواس، لماذا أخذ اللسانُ الشطر، وبقية الحواس الشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول هو وسيلةُ نقل مطلوب الرسل منا لنفعل، ونقل مطلوباتنا من الغير ليفعلوها.
إذن: فكل الأفعال في خدمة القول، ومنهج الله لا يأتينا إلا بالقول الذي يحمل الأمر للحواسّ فتعمل، والعمل ليس بالضرورة عملاً عضلياً، بل ربما يكون عملاً معنوياً، كعمل القلب وهو النية كما قلنا، والشرع هو الذي يحكم هذه الحواس، ويُحدّد لها الإطار الذي تعمل فيه في ضوء الحلال والحرام.
ومهمة الحواس أنْ تلتقط المدْرَكَات، ثم تعرضها على العقل، فيُصفِّيها تصفيةً حقيقيةً، بأنْ يقارن بينها، ويعرف أن هذه تصلح لكذا، وهذه لكذا، وبعد هذه التصفية يُسلِّمها للقلب لتصير عقيدةً فيه، وكلمة عقيدة تعني الشيء المعقود الذي لا يُفَكُّ، ولا يعرض للنقاش مرة أخرى في العقل، فالطفل الصغير مثلاً يُغريه شكل النار الجميل، فيحاول الإمساك بها، فتحرقه النار، ويُحِسّ لأول مرة بالحرارة، فتتكوّن عنده عقيدة أو قضية عقلية أن النار تحرق، فلا يقترب منها بعد ذلك، ويظل طوال حياته يسير على هذه العقيدة أو هذا المبدأ، ولا يحتاج لأنْ يُجرِّبه مرة أخرى.
هذه العقيدة ساعةَ تستقر في القلب يضخها القلب مع الدم، فتسير في جميع البدن، وتتخلل كل الأعضاء فتتشرَّبها، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: وبعد أن خلق الحق سبحانه للإنسان الجوارحَ والحواسّ خلق الغرائز، وهي أمور لازمة لك، ثابتة في تكوينك، ولا يمكن لك الاستغناء عنها، لكن هذه الغريزة قد تُلِحّ عليك فتخرجك عن الهدف منها، وعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل الشرع لِيكبحَ جماحها، وليُعيدها إلى توازنها الذي خلقها الله من أجله.
يتدخل الشرع لِيُعلي الغريزة ويُهذِّبها، لا ليكبتها ويقضي عليها، فالأكل غريزة لاستبقاء الحياة ويكفي فيه ما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا ينبغي أنْ تخرج عن ذلك، وتتحوَّل إلى شَرَهٍ وتخمة. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله لاستكشاف أسراره في الكون، والتأمل في مخلوقاته، فإنْ خرجت عن هذا الإطار وصارتْ تَجسُّساً وتتبُّعاً للعورات، فقد خردتْ عن مهمتها، وهنا يتدخَّل الشرع ليُعْليها ويُعيد إليها توازنها.
وأعنف غرائز الإنسان الغريزة الجنسية، خاصة في سِنِّ الشباب وهذه الغريزة جعلها الله لحفظ النوع واستبقاء النسل، هذه هي المهمة التي من أجلها خُلِقَتْ غريزة الجنس، وقد حرص الشرع على استبقاء هذه الغريزة مصحوبةً بمنهج حركتها لمَنْ خلقها لتستقيمَ الأمور، لأن النسلَ هو الثروة الأولى التي ينبغي الحفاظ عليها ليأتي النسلُ شريفاً طاهراً.
وسبق أنْ فرَّقْنا بين النسل الشرعي المحسوب على الوالدين، والنسل غير الشرعى، وكيف أن الأول يُقابَل بالفرحة وبالحنان والعطف والرعاية، والآخر يُقابل بالكراهية وعدم الرغبة، وربما فكرتْ أمه في التخلص منه، ولو بإلقائه في الشارع.
من هنا حرص الدين على بناء الأسرة بناءً سليماً فيه شرف وكبرياء وعزَّةُ نفس في ظِلِّ كلمة الله ومنهجه الذي يُؤمِّن لك سلامة نَسْلك، فيأتي موثوقاً به تطمئن إليه، وتعتني به، وتربيه أحسنَ تربية، وهذا هو هدف الشرع.
وسبق أنْ تحدَّثنا عن الفرق بين الحلال والحرام في هذه المسألة، وذكرنا الحديث الشريف: إذن: فهذه الغريزة مخلوقة في النفس البشرية لأداء مهمة، ولكي تبقى في إطار ما خُلِقتْ له، لكن الحاصل أن كثيرين يخرجون بها عن هدفها، والعجيب أنْ يظلمَ الإنسانُ الحيوانَ في هذه المسألة، حين يقول: هذه شهوة بهيمية ويتشدَّق بها.
وهذا القول يدل على عدم فهم لغريزة الحيوان؛ لأن الحيوان يقف بالغريزة عند حدودها كما خلقها الله؛ لذلك لم نَرَ بهيمة أنثى حملتْ ثم مكَّنَتْ فحْلاً منها بعد ذلك، كذلك الفحل يشمُّها، فيعرف أنها حامل فينصرف عنها.
أهذه شهوة بهيمية على حسب ما نقصد نحن من هذه الكلمة؟ لا، بل هي إنسانية.. ولك أنْ تقارن بين هذه الغريزة عند الحيوان وعند الإنسان، وسوف ترى العجب في خروج الإنسان بهذه الغريزة عن المراد منها.
ومن حكمة الخالقِ سبحانه أنْ ربطَ الغريزة الجنسية والنسل بالاستمتاع، ذلك لأن للنسل مطالب وتبعات ومسئوليات، فلو لم تَكنْ هناك متعة تُرغِّب الإنسان لَزَهد في المسألة، وانصرف عنها.
والحق سبحانه وتعالى يأتي للمؤمنين على منهج واحد بأمور متقابلة مثل: العزة والذِّلَّة، فالمؤمن غير مطبوع على عِزَّة دائمة ولا على ذلة دائمة، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه أنْ يكون عزيزاً، أو أنْ يكون ذليلاً، فالذلّة والانكسار لإخوانه المؤمنين والعِزَّة والتعالي على الكافرين الجاحدين، كما قال تعالى في وصف سيدنا رسول الله والمؤمنين: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩].
إذن: فهُمْ أشداء رحماء في وقت واحد، وهذا دليل على أن المؤمن لا تكيفه غرائزه إلا بمعدلات خالق الغرائز.
من التكوينات أيضاً في خَلْق الإنسان بعد الحواس والغرائز أن الله خلق في الإنسان العاطفةَ، والعاطفة شعور لا نعرف سببه؛ لذلك تقابل شخصاً فترتاح إليه وآخر تكرهه هكذا دون سابق تعامل، لماذا إذن تحب هذا وتكره ذاك؟ إنها العاطفة؛ لذلك تحب ولدك ولو كان غبياً؛ لأنك تحبه بعاطفتك، وتحب ابن عدوك الذكي تحبه بعقلك.. لذلك لم يجعل الحق سبحانه العاطفةَ مجالاً للتكليف.
ويبيِّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العاطفة في قوله لصحابته، وفيهم سيدنا عمر: وقفتْ هذه الكلمة في نفس عمر. فقال: يا رسول الله، أنت أحب إليَّ من أمي وأبي أو من ولدي ومالي، لكن نفسي يا رسول الله؟ فكرَّرها رسول الله مرة أخرى، حتى علم عمر أنها عزيمة، ولا بُدَّ أن رسول الله يقصد حباً غير الذي يراه عمر، إنه يقصد الحبَّ العقلي، عندها قال عمر: الآن يا رسول الله، يعني: الآن أصبحتَ أحب إليَّ من أبي وأمي، وأحب إليَّ من ولدي ومالي، وأحب إليَّ من نفسي التي بين جَنْبَيَّ.
إذن: المراد في حب رسول الله الحب العقلي، فلولاه صلى الله عليه وسلم ما اهتدينا ولا بلغنا الهدى، ولولاه لهلكنا، فأنت تحب محمداً صلى الله عليه وسلم كما تحب الدواء المرَّ، لا تحبه بعاطفتك إنما بعقلك؛ لذلك فهم سيدنا عمر أن الحب المطلوب شرعاً حبّ العقل، وإنْ تحوَّل بعد ذلك إلى عاطفة وعشق للذات، وهذه درجة أخرى أعلى من الأولى.
والقرآن الكريم يُعلِّمنا هذا في قول الله تعالى: ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة: ٨] يعني: لا يحملنكم البغض لقوم أنْ تظلموهم، وألاَّ تعدلوا معهم، إذن: البُغْض غير ممنوع؛ لأنه مسألة عاطفية، فأحبب مَنْ شئتَ، وابغضْ مَنْ شئتَ، لكن إياك أنْ يحملَك الحبُّ أو البُغْض على أنّ تظلم بأنْ تجامل مَنْ تحب، وتظلم مَنْ تكره.
ولأن العواطف بهذا الشكل، يعني: ليس لها انضباط في الذات خرجتْ من نطاق التكاليف الشرعية؛ لأنك لا تعرف لماذا مالتْ بك العاطفة لأنْ تحبَّ أو تكره.
وحين نتأمل الحواسَّ والغرائز والعاطفة نجد أن الحواسَّ ظاهرةٌ معروفة؛ فالعين ترى، والأذن تسمع.. الخ. وكذلك الغرائز ظاهرة بأثرها وأسبابها، فحين تجوع تطلب الطعام، وحين تريد أهلك تحِنُّ إليهم، أما العاطفة فشيء خفي غير ظاهر، لذلك يضرب لها القرآن مثلاً ليس في الإنسان ولا حتى فيما دونه من الحيوان أو النبات إنما مثلاً في الجماد، واقرأ قوله تعالى في عاقبة الكافرين قوم فرعون: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ.. [الدخان: ٢٩].
ومعلوم أن البكاء مظهرٌ عاطفيٌّ، فهل تبكي السماء؟ وهل تبكي الأرض؟ نعم تبكي وتنفعل، وكأنها تقول لهؤلاء: اذهبوا غَيْرَ مأسوف عليكم، وإلا لما نفى الله عنها البكاءَ، ولِمَ نستبعد ذلك؟ والسماء والأرض خَلْق من خَلْق الله خاضع للتسخير، ألم يَقُل الحق سبحانه: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
إذن: لا غرابة أنْ يفرح الجماد حين يجد مَنْ يُسبِّح معه وينسجم مع الكون المسبِّح، ولا غرابةَ أنْ يحزن، وأنْ يبكي عندما يشذّ البشر عن هذه المنظومة المسبِّحة، وعليه يمكن القول بأن السماء والأرض لم تَبْك على هلاك قوم فرعون، وفرحتْ لهداية آسية امرأة فرعون. إذن: للسماء والأرض انفعال وعاطفة فهي تحب وتكره، وتبكي وتفرح.
وهذا المعنى أوضحه لنا الإمام علي رضي الله عنه، حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله - يبكيه لأنه حُرِم من صعود الكَلِم الطيب والعمل الصالح - أما موضعه في الأرض فمُصلاَّهُ - يعني: المكان الذي كان يُصلِّي فيه.
كانت هذه مقدمة ضرورية ندخل بها على قِصَّة سيدنا لوطٍ في قوله تعالى:
وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ... .
وقوله: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٢٨] أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته، ثم تُختم هذه القصة الموجزة لهذا النبي الكريم بما خُتِمتْ به سابقتها وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٩-١٣٢].
ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسانَ فَرْعُ الإيمان، يعني ما كان مُحسِناً إلا لأنه كان مؤمناً أولاً.
هكذا لخَّص لنا القرآن قصة هذا النبي، وبيَّن أنه جاء بقضية عقدية لا قضية تكليفية، جاء ليُصحِّح للقوم الأساسَ والقاعدةَ التي تُبنى عليها الحياة، وهذه مهمة الرسل من لدُن آدم عليه السلام، فقد خلق اللهُ آدمَ أبا البشر خليفةً في الأرض. ومعنى خليفة في الأرض أنْ يزاولَ في الأرض مهمة عن الحق سبحانه وتعالى.
ولكي يزاول هذه المهمة أمَدَّه الله بصفات من صفاته، وهذه الصفات موهوبة ممدودة ليست ذاتية في الخليفة، لذلك يسلبها الخالق في أيّ وقت، فالله تعالى هو واجب الوجود الأعلى، وهو المتصف بهذه الصفات بذاته، فالله قادر ويعطيك من قدرته قدرةً، وحكيم ويهبك من حكمته حكمةً تزاول بها الأشياء، والله قهَّار ويعطيك قهارية تزجر بها مَنْ كان تحت تصرُّفك لتستقيم أمورهم، ويعطيك رحمانية تحنُو بها على الضعيف والمحتاج.
إذن: فمن صفات الحقِّ واجب الوجود الأعلى أنه يعطينا من وجوده وجوداً، بل وجوداتٍ متعددة بتعدُّد الأفراد ومتوالية الأمثال، لكن يعطي سبحانه من الوجود الذاتي وجوداً عَرَضياً. فإنْ نظرتَ إلى الآفات التي تصيب الناسَ في حواسِّهم أو في جوارحهم تجدها مرادةً لله تعالى خلقاً أو توجّهاً، لماذا؟ لأن الإنسان كما أخبر عنه خالقه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وضربنا لذلك مثلاً بالولد مع أبيه، فلو أن الأب يعطي ولده المصروف كلَّ شهر تجد الولد لا يحرص على لقاء أبيه إلا كل شهر، إنما لو أعطاه يوماً بيوم لتعرَّض له الولد كل يوم وتمحَّك فيه، وأظهر نفسه ليأخذ مصروفه الذي تعوَّد عليه، فتراه مثلاً يمرُّ على أبيه في الصباح. ويقول: يا أبي أنا رايح المدرسة، فالحاجة هي التي ألجأتْه لمودَّة أبيه.
إذن: يجب أنْ نُفسِّر فلسفة الحاجات التي تُعوز النتيجة، وهذه الحاجات هي التي تُلجئك إلى ربك، والواقع يؤيد ذلك، وكثيراً ما نرى الإنسان لا يلجأ لربه ولا يُصلح ما بينه وبين خالقه إلا إذا اختلَّ عنده شيء، وعزَّتْ عليه أسبابه، فلا يجد إلا ربه فيقول: يا رب، يا الله.
إذن نقول: الخالق يَهبُ الخليفةَ من صفاته، لكن تظل هذه الصفات الموهوبة عَرَضيةً غير دائمة؛ لذلك يموت الإنسان جنيناً، ويموت طفلاً، ويموت شاباً وكهلاً وشيخاً، وهذه القضية تُفسِّر لنا الحديث الشريف:
فالهاء يجوز أن تعود على الله تعالى، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته تعالى، لا على حقيقته، وفَرْق بين الصورة والحقيقة، الصورة هى التي تُؤخذ لك لقطة على هيئة معينة، ثم تتجمد على هذه الهيئة، إذن: هذا الخلق لا يعني أن آدم أخذ شيئاً من صفات الله على الحقيقة، لا إنما على الصورة، لأن الحقيقة لها دوام، والصفات في آدم لا دوامَ لها.
ويجوز أنْ تعود الهاء على آدم، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته أي على صورة آدم؛ لأن الله تعالى لم يخلق آدم جنيناً، ثم وُلِد ثم صار طفلاً فشاباً، لا بل خلقه أول الأمر هكذا على هذه الهيئة المعروفة للإنسان الكامل الأعضاء والجوارح. إذن: يجوز الوجهان.
وفَرْقٌ بين مَنْ يخلق، ومَنْ يخلق مَنْ يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير لا يقدر مثلاً على نقل المائدة من مكانها، أما الرجل القوي فيستطيع أنْ ينقلها له، وهو في هذه الحالة لم يُعَدِّ قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدَّى له أثرَ صفته فحمل عنه واشتال له، وظلَّ الطفل ضعيفاً غير قادر على الحَمْل.
لذلك نقول: إن وَجْه العظمة في خَلْق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق من قدرته قدرةً، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدك، فالخَلْق يتطوَّعون ويُعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفاً، أما الخالق سبحانه فيعطي الضعيف قوةً فيفعل بنفسه.
لكن تنبَّه أن هذه الصفات موهوبةٌ لك لا ذاتية فيك؛ لأنك لستَ أصيلاً في الوجود بل أنت خليفة، ولا بُدَّ لك أنْ تظلَّ في حضن مَنِ استخلفك، وإياك أنْ تشذّ عَمَّنْ استخلفك، وإلا سحبَ منك مقومات هذا الاستخلاف.
وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا أعور وهذا أعرج.. الخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتكَ إليه، ويُنبِّهك إلى أنك لست أصيلاً في الوجود إنما مُسْتخلَفٌ، وأنك شيء ما دام معك مَنِ استخلفك، فإنْ تخلَّى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في الكون أنْ يعتبر نفسه أصيلاً، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامتْ الأمور.
البعض ينظر إلى هذه العاهات على أنها تشويه للخَلْق ولا يرى فيها حكمة، والحقيقة أنها خُلِقَت لحكمةٍ مرادةٍ لله تعالى، وما هي إلا وسيلةُ إيضاحٍ للناس كي لا تغترّ بالجوارح السليمة، وكي تظلَّ على ذِكْر لله الخالق، وكما قلنا الحاجة هي التي تُلجئك.
ونحن نرى مثلاً رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة مُحطَّمة، ويجعلونها في مكان بارز يراه الناسُ ليرتدع السائقون عن الرعونة في السُّرعة، فهذه السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جُعِل كذلك لهدف، وربما تعمَّدوا إعدام السيارة لما يترتَّبُ على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات.
كذلك أنت أيها المعَافَى، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نِعَم الله عليك التي كثيراً ما تغفل عنها، فإنْ قُلْتَ: فما ذنبُ هذا المبتلى أنْ يجعله اللهُ وسيلةَ إيضاحٍ لغيره؟
نقول: لو أدركتَ ما وجده من العِوَض عما فقد لتمنيتَ أن تكون مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوَّضهم الله بخصلة أخرى تُعوِّض ما فيه من نقص؛ لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد الذراعين (يلضم) الخيط في الإبرة برِجلْيه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا يستطيعها الأصحاء.
وسبق أنْ قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفتَ أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، ففيها من القوة ما ليس للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوَّته في هذه اليد.
ونحن نقول لإخواننا الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصَّلوا من العلم ما يعجز عنه المبصرون؛ ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من حوله، أما المكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائماً خالية جاهزة للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يُقرأ له، فيُنصت جيداً، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى؛ لذلك قال أحدهم:
عَمِيتُ جَنيناً وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى فَجِئتُ عَجِيبَ الظنِّ لِلعِلْم مَوئِلاً
وَغَابَ ضِياءُ العَيْن بالقَلْبِ رَافِداً لعلمٍ إذَا مَا ضَيَّع الناسُ حَصَّلاَ
إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ولا ننظر إلى ما عُوِّضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أنْ قلنا: إن الذي أبدع السيمْفونية العالمية المشهورة كان أصمَّ!! وتيمورلنك الذي دوَّخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرجَ!!
والمؤمن الحق حين يرى غيره ممَّن ابتلاهم الله لا يتعالَى عليهم ولا يدلّ عليهم بسلامة جوارحه، إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عِوَض فيقول في نفسه: يا ترى في أيِّ الجوانب تتفوَّق عليَّ وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى الجميع.
نقول: فعلى الإنسان أنْ يظلَّ دائماً على ذِكْر لهذه الحقيقة أنه خليفةٌ لله في الكون ليس أصيلاً فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين تُوكِّل غيرك في شيء بعينه، فإنِ اعتبر نفسه وكيلاً في كل شيء فسدتْ الوكالة؛ لذلك نرى العقلاء حين يُوكِّلون غيرهم يُوكِّلون على قَدْر الحاجة والضرورة حتى لا تُستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق الأصيل.
وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أنْ يظلَّ خليفةً محتاجاً لمن استخلفه، والعادة أن الاستغناء يُنسِيك، والحاجة تُلجِئك وتعطفك إلى مَنِ استخلفك.
ولما خلق اللهُ آدمَ ليكون خليفةً في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يُعِدَّهُ لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلاً اللاعب الذي نعده لمجرد أنْ يلعب فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاءه، إلى أنْ يصلَ إلى المستوى المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟
كذلك الحق - سبحانه وتعالى - درَّبَ آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس: وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ [البقرة: ٣٥].
وهكذا حدَّد الخالق سبحانه لآدم كيفيةَ معيشته في الجنة، فأحلَّ له أنْ يأكلَ منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال كثير لا يُعَدُّ ولا يُحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نصٌّ يحرمه وهو محصور في أشياء بعينها.
وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه: وَلاَ تَقْرَبَا [البقرة: ٣٥] ولم يقُلْ: ولا تأكلا، فالمنهيُّ عنه مجرد قُربها؛ لأن قُرْبك من المحرم يُغريكَ به حتى تقع فيه؛ لذلك تجد أسلوب القرآن في الأوامر يقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أما في النواهي فيقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
لذلك لما حرّم الإسلامُ الخمرَ لم يحرم شُرْبها فحسب، إنما حرَّم كلَّ ما يتصل بها من بيع أو شراء أو نقل أو صناعة، أو حتى التواجد في مكان هي فيه، لماذا؟ لِيَسُدَّ كل الطرق المؤدية إليها المُغْرية بها.
وحين يُبين لنا الحق سبحانه الحلالَ والحرامَ والأوامر والنواهي، فإنما يلفت أنظارنا إلى قضية مهمة، وكأنه يقول لنا: إن استقمتَ على منهجنا وتكليفنا لك ستظلّ حياتك سليمةً بلا عورة، خالية من المشاكل والصعاب، فإنْ تعدَّيْتَ هذه الحدود فانتظر ظهور العورات في المجتمع، سواء أكانت عوراتٍ اجتماعية، أم أخلاقية، أم اقتصادية.. الخ.
وفي قصة آدم - عليه السلام - حين أكل من الشجرة رمز إلى هذه المسألة، كيف؟ لَمَّا استقامَ آدمُ على منْهج ربه والتزم بما أمره الله به عاش في الجنة معافَى بلا سَوْءةٍ، فلما خالف وأطاع وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها بدتْ سوءتُه لأول مرة، لأنه لما استقام كان يأكل بطهي ربه له وهو طهْي على قَدْر حاجة الجسم ومُقوِّمات الحياة فلا يبقى منه شيء، يخرج فضلات من الجسم.
ولكن لما تدخلتْ الشهوة، وأطاع الشيطان أفسد الخلطة الغذائية التي أُعِدَّتْ له، فتكوَّنت في بطنه الفضلات وأحسَّ لأول مرة بشيء غريب لم يعهده، وفوجئ بأنْ خُرْقاً في بدنه يخرج منه شيء قذر كريه الرائحة.
لذلك عرف آدم أنها عورة ينبغي أنْ تُستر، فأخذ يقطع من أوراق الشجر ليستر عورته، ويداري سَوْءَته، هذا قوله تعالى: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ [الأعراف: ٢٢].
وقد رأينا في أثناء الحروب أن الجندي يتغذَّى على قرص صغير يؤدي مهمة الوجبة الغذائية، لكن لا يترك فضلات في الجسم، ذلك لتخفَّ مؤونة التموين، ولا يحتاج الجندي لعملية الإخراج.
إذن: في قصة آدم والأكل من الشجرة إشارة رمزية إلى أن أحكامَ الله ما دامتْ مُنفَّذة يستقيم حال البلاد والعباد، ولا تظهر في المجتمع عورات ومساوئ، لذلك حين ترى في المجتمع عورة ظهرت في أي ناحية: علمية، اقتصادية، اجتماعية، خلقية.. الخ فاعلم أن بنداً من بنود منهج الله قد عُطِّل، فابحث عنه، وحاول إصلاحه بنفسك أولاً، إنْ كان الإصلاح في مقدورك؛ لذلك قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. [الرعد: ١١].
وآدم - عليه السلام - وقع في هذه المخالفة بعد أن بيَّن الله له ما أحلَّ له وما حرَّم عليه، وبيَّن له عداوة الشيطان، وأنها عداوة مُسبقة منذ أمره الله بالسجود فلم يسجد، ومع ذلك سمع آدم لوسوسة الشيطان، وكان عليه أنْ يُعمل نعمة العقل، وأنْ يفكر فيما قاله عدوه إبليس، حين قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠].
يعني: أن مَنْ يأكل من هذه الشجرة يخلد ولا يموت، إذن: لماذا لم تأكل أنت يا إبليس منها، ما دام الأمر كذلك؟ ألستَ القائل لله تعالى: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] فهنا إشارة إلى وجوب التفكر في وسوسة الشيطان وعدم الخضوع له.
إذن: ففترة وجود آدم في الجنة كانت فترةَ التدريب على المنهج الخلافي، فلما حدثتْ منه المخالفة وحصل منه عصيان أراد الله أنْ يُخرجه من الجنة، وأنْ يُنزِله إلى حياة الأرض ليتحرك فيها حركةَ الخليفة، مُستصحباً للتجربة السابقة.
وكأن الله يقول له: خُذْ من الحلال ما شئتَ، وابتعد عن الحرام واحذر الشيطان فهو عدوك، وسيظل يوسوس لك ليُوقِعك في المخالفة كما أوقعك في المخالفة الأولى، فإياك أنْ تسمعَ له لأنك لو سمعتَ له وهو عدوُّك سيُخرِجك من حياة النعيم إلى حياة الشقاء، كما أخرجك من جنة الالتزام بأمر والالتزام بنهي: فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] ولم يقل: فتشقيا.
والحق سبحانه وتعالى وضع لنا في هذه الآية إشارة رمزية منذ أوَّل الخَلْق، لِتَحُلَّ لَنَا مشكلة وقضية ما زال العالم يتحدث فيها إلى الآن وسيظل، إنها قضية خروج المرأة للعمل والمساواة بالرجل، وأن المرأة تريد أن تثبت ذاتها.. الخ.
وعجيبٌ أنْ تطالب المرأةُ بالمزيد من المسئوليات، فهى تريد أنْ تأخذ من مهمة الرجل، في حين أن الرجل لن يأخذ من مهمتها شيئاً، ولن يحمل عنها عبئاً من أعبائها، الرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع. إذن: أخذتِ أنت مهمةَ الرجل مضافاً إليها مهمتك الخاصة التي لا يقوم هو بها، وفي هذا ظلم للمرأة.
فقوله تعالى لآدم فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] دَل منذ أول الخَلْق على أن الشقاء والكدح والعمل وتحمُّل المسئولية مهمة الرجل، وأن المرأة سيدةٌ في بيتها مُعزَّزة مُكرَّمة، وهذه الصورة ظلتْ موروثة في مجتمعاتنا بدون تضليل وبدون انطماس، فحتى الآن حين يتقدَّم شابٌ لخطبة البنت يشترط عليه كبير العائلة يقول (أنت حتستتها ولا حتشغلها) يعني: أتجعلها سيدةً مَصُونةً في بيتها، أم أنك ستخُرِجها للعمل؟
البعض يقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟ فهو إذن مثل الشيطان: هذا عصى وهذا عصى. نقول: عصى آدم وهو فى فترة التدريب التي لا يُؤاخَذ فيها المخطئ، بل نُصحِّح له دون مؤاخذة، فالتلميذ في المدرسة يُصوِّب له المعلم خطأه باللون الأحمر دون أنْ يحاسبه عليه، إلى أنْ يأتيَ اختبار آخر العام، فيحاسبه على الخطأ.
فآدم حين أخطأ كان في فترة التدريب، وقد صَوَّب اللهُ له خَطأه، ثم إنه لم يكُنْ نبياً في هذه الفترة، لأن آدم خُلق ليكون أباً للبشر جميعاً، والبشر سيُقَسَّمون إلى قسمين: قسم مُصْطفى وهم الرسل، وقسم مُصْطَفىً عليه وهم المرسل إليهم.
إذن: آدم في البداية كان يمثل القسمين، وجاءت تجربته تمثل عصيان البشر وعصمة الأنبياء، لذلك أخطأ فصوَّب الله له، ثم تابَ فتابَ الله عليه واصطفاه، وكذلك حال البشر واقرأ: وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ [طه: ١٢١] هذه إشارة إلى ما سيكون من البشر ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: الاجتباء والعصمة جاءت بعد التجربة الأولى؛ لأن آدم مَثَّلَ الجميع، مثّل عصيان البشر، ومثّل عصمة الأنبياء.
هذا الخليفة طرأ على وجود خُلِق له قبل أنْ يُوجد؛ لا أن الله خلقه، ثم نظر ماذا يريد وماذا يحتاج، ثم خلقه سبحانه خَلْقاً يناسب قيامه بمهمته في عمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: ٦١].
ولم يجعل الحق سبحانه العبادات الأصيلة - أي أركان الإسلام - هي كل حركة الحياة، بل جعلها هي الشحنة التي تُعينك على حركة الحياة؛ لذلك مَنْ قال إن الإسلام هو هذه الأركان يؤديها وحسب نقول له: لا لأن هذه الأركان بها تستمد القوة من الله لتنجح في حركة الحياة، والإسلام أوسَعُ من هذه الخمس بكثير، بدليل قوله تعالى في سورة الجمعة: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
إذن: ناداهم وأخذهم من شغل ومن عمل هو قمة حركة الحياة، ألا وهو البيع، وإن كان البيع مرتبطاً بالشراء إلا أنه أقوى، لذلك خَصَّه بالذكر ولم يقُلْ: وذروا البيع والشراء، لماذا؟
قالوا: لأنه سبحانه خالق الطبع الإنساني، ويعلم أن الإنسان ثقيل عند الشراء غير حريص عليه، لكنه حريص عليه، لكنه حريص على البيع ويسعى إليه؛ لذلك عندما يكلِّفك أهل البيت بشراء شيء ربما تماطل في شرائه أو تؤجّله، وتُسَرُّ حين تذهب فتجد المحل مغلقاً، أما لو كنت بائعاً فإنك تحرص كل الحرص على أنْ تبيع، لماذا؟ لأن المشتري ينفق والبائع يأخذ؛ لذلك ذكر الحق سبحانه البيع لأنه ثمرة الحركة.
وبعد انتهاء الصلاة قال: فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ.. [الجمعة: ١٠] إذن: أخذك للصلاة من عمل، وأعادك بعد الصلاة إلى العمل والسعي.
وحين تتأمل لفظ الحديث: يعني: هذه الخمس هي الدعائم التي يقوم عليها الإسلام والمبنى غير المبنى عليه، وهل البناء الذي نسكنه مُكوَّن من الأساس والأعمدة فحسب؟ إذن: الإسلام ليس هو الأركان الخمس، إنما الإسلام أوسع من ذلك، الأركان هي الشحنة التي يستدعيك ربك إليها، فتأخذ من لقائه المددَ الذي يُعينك على القيام بحركة الحياة.
ومثَّلنا ذلك (بالبطارية) حين تذهب بها إلى الشحن، فنحن لا نستفيد بها في فترة الشحن، إنما نعطيها الشحنة اللازمة لتعمل بها بعد ذلك.
ومن عجيب أمر الرحمة الإلهية أن الله تعالى جعل الذهاب إلى شحنة الطاقة الإنسانية فَرْضاً تكليفياً لا بُدَّ لك من القيام به، لا بُدَّ لك أنْ تقابلني خمسَ مرات في اليوم والليلة؛ لأنك خَلْقي وصَنْعتي، والصانع أعلم بما يُصلح صنعته، وتصوَّرْ صنعة تُعْرض على صانعها خمسَ مرات في اليوم والليلة: هل يبقى فيها عطب، هذا في الصانع إنْ كان من البشر، فما بالك في الصانع إنْ كان هو ربّ البشر وخالقهم سبحانه.
الصانع من البشر يُصْلِح صنعته بشيء مادي مثل مسمار أو قطعة غيار مثلاً، أما الخالق سبحانه فيصلحك دون شيء مادي؛ ذلك لأن المهندس وصنعته شيء مادي فيصلح بالمادة، أما الخالق سبحانه فغَيْبٌ، فحين يصلحك من عطب فيك يُصلِحك بالغيب فلا تشعر به ولا تراه.
إذن: نقول لا بُدَّ أنْ نفهم الدين على حقيقته، وأنْ نفهمَ أن لكل مِنَّا مهمة، فإذا تفوَّق عليك غيرك فاعلم أن تفوقه لصالحك وعائد عليك، لأنه بتفوقه يؤدي إليك خدمة، في حين أنه لا يستفيد منك، فالذي يجيد عملاً لا شكَّ أنه ينفع نفسه وينفع الآخرين، على خلاف مَنْ لا يجيد شيئاً.
لذلك نقول في الفلاحين (باب النجار مخلع)، فالنجار تظهر مهارته حينما يصنع لغيره؛ لأنه يتقاضى أجراً، إنما لا يجيد الصناعة لنفسه، إذن: حين ترى المتفوِّق عنك، لا تحسده ولا تحقد عليه، بل تمَنَّ له الزيادة، وتمَنَّ له الخير، فسوف يُصيبك شيء لا محالة من هذا الخير، وسيعود عليك هذا التفوق في شكل خدمة يُقدِّمها لك.
لذلك كنا في الفلاحين، لو مات لأحدنا بقرة أو جاموسة يحزن الجميع، لدرجة أننا رأينا مرة جماعة يُبْكون على عجل مات فتعجبنا، الناس يبكون على الميت منهم، لكن من الحيوانات؟! بعدها عرفنا أن هذا العجل هو الذي يدير الساقية، ويحرث الأرض التي يأكل منها هؤلاء الناس، وينالهم خير هذه الأرض، وكنا في الريف لا نشتري الخيار ولا الملوخية ولا البامية وغيرها كثير، بل كان يُهْدى ولا يُباع.
إذن: الهبة المبذولة عند الخَلْق عائدة على كل الخَلْق، فحين ترى سيفيض عليك، وحين ترى مَنْ يجيد عملاً لا تجيده أنت لا تحقد عليه، لأنك ستحتاجه ليجيد لك عملك حتى لو كنتَ تكرهه، أو على خلاف معه تحرص عليه ليعمل لك، فأنت تعلم مدى إجادته للعمل، فتذهب إليه حرصاً على مصلحتك أنت، وبذلك يتم التعادل المطلوب في المجتمع، وتستقيم أمور الخَلْق استقامةً مبنيةً على الحاجة.
ولو تأملتَ في نفسك كما قال الله تعالى: وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] لوجدتَ في نفسك هذا التعادل بين الأعضاء، فعندك مثلاً اليد اليمنى تزاول بها بعض الأعمال التي تناسبها، واليد اليُسْرى تزاول بها أعمالاً أخرى تناسبها، اليد اليمنى للأعمال الشريفة المكرَّمة، أما اليسرى فهي لما دون ذلك، وغالباً ما تكون اليمين أقوى من الشمال وأكثر حركة منها وأدقّ في التناول.
وتأول مثلاً حين تريد أنْ تقصَّ أظافرك، فإنك تقصّ الشمال باليمين فيأتي القَصُّ دقيقاً مُريحاً، على خلاف قَصِّ اليمين بالشمال، إذن: موهبة اليمين عادتْ على الشمال، وعدم موهبة الشمال عادت على اليمين، وهذا يلفتنا إلى أنَّ الكمالات في الكون كمالاتٌ مُسْتطرقة تستطرق فيه، كاستطراق الماء.
والحق - سبحانه تعالى - حين خلق الإنسان الخليفة أعطى له تكوينات تناسب مهمته، وأول هذه التكوينات الجوارح التي نسميها الحواس التي نُحسّ بها الأشياء، ويُسمُّونها الحواس الخمس الظاهرة، وقولهم الظاهرة احتياط لما سيجدّ من حواس يعرفها العلم، وفعلاً اكتشف في الإنسان حواسّ أخرى غير الخمس كالحاسة التى أعرف بها الجوع، وكحاسة البَيْن التي أميز بها البُعْد بين شيئين، وحاسة العضل التي أعرف بها ثقل الأشياء.
وحين تتأمل هذه الحواس الخمس المعروفة، تجد أن التكليف الشرعي جاء على مقتضى هذا التكوين في الحواس، فلكلِّ حاسة في الإنسان، ولكل جارحة عمل، فأداء كل جارحة لمهمتها يُسمَّى (عمل)، فالقلب يعمل بالنية، واللسان يتكلم، والأذن تسمع، والأنف يشمُّ، واليد تمس الأشياء، والعين ترى، هذا كله عمل.
ولا بُدَّ هنا أنْ نفرق بين العمل والفعل، والفعل يقابله القول الذي هو مهمة اللسان؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف: ٢].
إذن: فالقول، وهو مهمة اللسان أخذ قسماً وحده، وبقية الحواس أخذتْ القسم الآخر، فالقول للسان، والفعل لبقية الحواس، لماذا أخذ اللسانُ الشطر، وبقية الحواس الشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول هو وسيلةُ نقل مطلوب الرسل منا لنفعل، ونقل مطلوباتنا من الغير ليفعلوها.
إذن: فكل الأفعال في خدمة القول، ومنهج الله لا يأتينا إلا بالقول الذي يحمل الأمر للحواسّ فتعمل، والعمل ليس بالضرورة عملاً عضلياً، بل ربما يكون عملاً معنوياً، كعمل القلب وهو النية كما قلنا، والشرع هو الذي يحكم هذه الحواس، ويُحدّد لها الإطار الذي تعمل فيه في ضوء الحلال والحرام.
ومهمة الحواس أنْ تلتقط المدْرَكَات، ثم تعرضها على العقل، فيُصفِّيها تصفيةً حقيقيةً، بأنْ يقارن بينها، ويعرف أن هذه تصلح لكذا، وهذه لكذا، وبعد هذه التصفية يُسلِّمها للقلب لتصير عقيدةً فيه، وكلمة عقيدة تعني الشيء المعقود الذي لا يُفَكُّ، ولا يعرض للنقاش مرة أخرى في العقل، فالطفل الصغير مثلاً يُغريه شكل النار الجميل، فيحاول الإمساك بها، فتحرقه النار، ويُحِسّ لأول مرة بالحرارة، فتتكوّن عنده عقيدة أو قضية عقلية أن النار تحرق، فلا يقترب منها بعد ذلك، ويظل طوال حياته يسير على هذه العقيدة أو هذا المبدأ، ولا يحتاج لأنْ يُجرِّبه مرة أخرى.
هذه العقيدة ساعةَ تستقر في القلب يضخها القلب مع الدم، فتسير في جميع البدن، وتتخلل كل الأعضاء فتتشرَّبها، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: وبعد أن خلق الحق سبحانه للإنسان الجوارحَ والحواسّ خلق الغرائز، وهي أمور لازمة لك، ثابتة في تكوينك، ولا يمكن لك الاستغناء عنها، لكن هذه الغريزة قد تُلِحّ عليك فتخرجك عن الهدف منها، وعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل الشرع لِيكبحَ جماحها، وليُعيدها إلى توازنها الذي خلقها الله من أجله.
يتدخل الشرع لِيُعلي الغريزة ويُهذِّبها، لا ليكبتها ويقضي عليها، فالأكل غريزة لاستبقاء الحياة ويكفي فيه ما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا ينبغي أنْ تخرج عن ذلك، وتتحوَّل إلى شَرَهٍ وتخمة. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله لاستكشاف أسراره في الكون، والتأمل في مخلوقاته، فإنْ خرجت عن هذا الإطار وصارتْ تَجسُّساً وتتبُّعاً للعورات، فقد خردتْ عن مهمتها، وهنا يتدخَّل الشرع ليُعْليها ويُعيد إليها توازنها.
وأعنف غرائز الإنسان الغريزة الجنسية، خاصة في سِنِّ الشباب وهذه الغريزة جعلها الله لحفظ النوع واستبقاء النسل، هذه هي المهمة التي من أجلها خُلِقَتْ غريزة الجنس، وقد حرص الشرع على استبقاء هذه الغريزة مصحوبةً بمنهج حركتها لمَنْ خلقها لتستقيمَ الأمور، لأن النسلَ هو الثروة الأولى التي ينبغي الحفاظ عليها ليأتي النسلُ شريفاً طاهراً.
وسبق أنْ فرَّقْنا بين النسل الشرعي المحسوب على الوالدين، والنسل غير الشرعى، وكيف أن الأول يُقابَل بالفرحة وبالحنان والعطف والرعاية، والآخر يُقابل بالكراهية وعدم الرغبة، وربما فكرتْ أمه في التخلص منه، ولو بإلقائه في الشارع.
من هنا حرص الدين على بناء الأسرة بناءً سليماً فيه شرف وكبرياء وعزَّةُ نفس في ظِلِّ كلمة الله ومنهجه الذي يُؤمِّن لك سلامة نَسْلك، فيأتي موثوقاً به تطمئن إليه، وتعتني به، وتربيه أحسنَ تربية، وهذا هو هدف الشرع.
وسبق أنْ تحدَّثنا عن الفرق بين الحلال والحرام في هذه المسألة، وذكرنا الحديث الشريف: إذن: فهذه الغريزة مخلوقة في النفس البشرية لأداء مهمة، ولكي تبقى في إطار ما خُلِقتْ له، لكن الحاصل أن كثيرين يخرجون بها عن هدفها، والعجيب أنْ يظلمَ الإنسانُ الحيوانَ في هذه المسألة، حين يقول: هذه شهوة بهيمية ويتشدَّق بها.
وهذا القول يدل على عدم فهم لغريزة الحيوان؛ لأن الحيوان يقف بالغريزة عند حدودها كما خلقها الله؛ لذلك لم نَرَ بهيمة أنثى حملتْ ثم مكَّنَتْ فحْلاً منها بعد ذلك، كذلك الفحل يشمُّها، فيعرف أنها حامل فينصرف عنها.
أهذه شهوة بهيمية على حسب ما نقصد نحن من هذه الكلمة؟ لا، بل هي إنسانية.. ولك أنْ تقارن بين هذه الغريزة عند الحيوان وعند الإنسان، وسوف ترى العجب في خروج الإنسان بهذه الغريزة عن المراد منها.
ومن حكمة الخالقِ سبحانه أنْ ربطَ الغريزة الجنسية والنسل بالاستمتاع، ذلك لأن للنسل مطالب وتبعات ومسئوليات، فلو لم تَكنْ هناك متعة تُرغِّب الإنسان لَزَهد في المسألة، وانصرف عنها.
والحق سبحانه وتعالى يأتي للمؤمنين على منهج واحد بأمور متقابلة مثل: العزة والذِّلَّة، فالمؤمن غير مطبوع على عِزَّة دائمة ولا على ذلة دائمة، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه أنْ يكون عزيزاً، أو أنْ يكون ذليلاً، فالذلّة والانكسار لإخوانه المؤمنين والعِزَّة والتعالي على الكافرين الجاحدين، كما قال تعالى في وصف سيدنا رسول الله والمؤمنين: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩].
إذن: فهُمْ أشداء رحماء في وقت واحد، وهذا دليل على أن المؤمن لا تكيفه غرائزه إلا بمعدلات خالق الغرائز.
من التكوينات أيضاً في خَلْق الإنسان بعد الحواس والغرائز أن الله خلق في الإنسان العاطفةَ، والعاطفة شعور لا نعرف سببه؛ لذلك تقابل شخصاً فترتاح إليه وآخر تكرهه هكذا دون سابق تعامل، لماذا إذن تحب هذا وتكره ذاك؟ إنها العاطفة؛ لذلك تحب ولدك ولو كان غبياً؛ لأنك تحبه بعاطفتك، وتحب ابن عدوك الذكي تحبه بعقلك.. لذلك لم يجعل الحق سبحانه العاطفةَ مجالاً للتكليف.
ويبيِّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العاطفة في قوله لصحابته، وفيهم سيدنا عمر: وقفتْ هذه الكلمة في نفس عمر. فقال: يا رسول الله، أنت أحب إليَّ من أمي وأبي أو من ولدي ومالي، لكن نفسي يا رسول الله؟ فكرَّرها رسول الله مرة أخرى، حتى علم عمر أنها عزيمة، ولا بُدَّ أن رسول الله يقصد حباً غير الذي يراه عمر، إنه يقصد الحبَّ العقلي، عندها قال عمر: الآن يا رسول الله، يعني: الآن أصبحتَ أحب إليَّ من أبي وأمي، وأحب إليَّ من ولدي ومالي، وأحب إليَّ من نفسي التي بين جَنْبَيَّ.
إذن: المراد في حب رسول الله الحب العقلي، فلولاه صلى الله عليه وسلم ما اهتدينا ولا بلغنا الهدى، ولولاه لهلكنا، فأنت تحب محمداً صلى الله عليه وسلم كما تحب الدواء المرَّ، لا تحبه بعاطفتك إنما بعقلك؛ لذلك فهم سيدنا عمر أن الحب المطلوب شرعاً حبّ العقل، وإنْ تحوَّل بعد ذلك إلى عاطفة وعشق للذات، وهذه درجة أخرى أعلى من الأولى.
والقرآن الكريم يُعلِّمنا هذا في قول الله تعالى: ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة: ٨] يعني: لا يحملنكم البغض لقوم أنْ تظلموهم، وألاَّ تعدلوا معهم، إذن: البُغْض غير ممنوع؛ لأنه مسألة عاطفية، فأحبب مَنْ شئتَ، وابغضْ مَنْ شئتَ، لكن إياك أنْ يحملَك الحبُّ أو البُغْض على أنّ تظلم بأنْ تجامل مَنْ تحب، وتظلم مَنْ تكره.
ولأن العواطف بهذا الشكل، يعني: ليس لها انضباط في الذات خرجتْ من نطاق التكاليف الشرعية؛ لأنك لا تعرف لماذا مالتْ بك العاطفة لأنْ تحبَّ أو تكره.
وحين نتأمل الحواسَّ والغرائز والعاطفة نجد أن الحواسَّ ظاهرةٌ معروفة؛ فالعين ترى، والأذن تسمع.. الخ. وكذلك الغرائز ظاهرة بأثرها وأسبابها، فحين تجوع تطلب الطعام، وحين تريد أهلك تحِنُّ إليهم، أما العاطفة فشيء خفي غير ظاهر، لذلك يضرب لها القرآن مثلاً ليس في الإنسان ولا حتى فيما دونه من الحيوان أو النبات إنما مثلاً في الجماد، واقرأ قوله تعالى في عاقبة الكافرين قوم فرعون: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ.. [الدخان: ٢٩].
ومعلوم أن البكاء مظهرٌ عاطفيٌّ، فهل تبكي السماء؟ وهل تبكي الأرض؟ نعم تبكي وتنفعل، وكأنها تقول لهؤلاء: اذهبوا غَيْرَ مأسوف عليكم، وإلا لما نفى الله عنها البكاءَ، ولِمَ نستبعد ذلك؟ والسماء والأرض خَلْق من خَلْق الله خاضع للتسخير، ألم يَقُل الحق سبحانه: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
إذن: لا غرابة أنْ يفرح الجماد حين يجد مَنْ يُسبِّح معه وينسجم مع الكون المسبِّح، ولا غرابةَ أنْ يحزن، وأنْ يبكي عندما يشذّ البشر عن هذه المنظومة المسبِّحة، وعليه يمكن القول بأن السماء والأرض لم تَبْك على هلاك قوم فرعون، وفرحتْ لهداية آسية امرأة فرعون. إذن: للسماء والأرض انفعال وعاطفة فهي تحب وتكره، وتبكي وتفرح.
وهذا المعنى أوضحه لنا الإمام علي رضي الله عنه، حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله - يبكيه لأنه حُرِم من صعود الكَلِم الطيب والعمل الصالح - أما موضعه في الأرض فمُصلاَّهُ - يعني: المكان الذي كان يُصلِّي فيه.
كانت هذه مقدمة ضرورية ندخل بها على قِصَّة سيدنا لوطٍ في قوله تعالى:
وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ... .
آية رقم ١٣١
ﭤﭥﭦﭧ
ﭨ
قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ [الصافات: ١٢٧] كشأن كل الأقوام التي جاءها الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ولا بُدَّ أنْ يُكذبَ الرسل، يُكذّبهم أهلُ الفساد والمنتفعون من الفساد، يُكذِّبهم سَادَةُ القوم وكبراؤهم، لتظلَّ لهم سيادتهم وجبروتهم واستعبادهم للضعفاء فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٢٧] أي: عندنا للحساب تحضرهم ملائكة العذاب، والمعنى: لا تظنوا أنكم تُفلتون من أيدينا، لأن لكم مَعاداً ورجعة كما قال سبحانه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
وقوله: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٢٨] أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته، ثم تُختم هذه القصة الموجزة لهذا النبي الكريم بما خُتِمتْ به سابقتها وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٩-١٣٢].
ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسانَ فَرْعُ الإيمان، يعني ما كان مُحسِناً إلا لأنه كان مؤمناً أولاً.
هكذا لخَّص لنا القرآن قصة هذا النبي، وبيَّن أنه جاء بقضية عقدية لا قضية تكليفية، جاء ليُصحِّح للقوم الأساسَ والقاعدةَ التي تُبنى عليها الحياة، وهذه مهمة الرسل من لدُن آدم عليه السلام، فقد خلق اللهُ آدمَ أبا البشر خليفةً في الأرض. ومعنى خليفة في الأرض أنْ يزاولَ في الأرض مهمة عن الحق سبحانه وتعالى.
ولكي يزاول هذه المهمة أمَدَّه الله بصفات من صفاته، وهذه الصفات موهوبة ممدودة ليست ذاتية في الخليفة، لذلك يسلبها الخالق في أيّ وقت، فالله تعالى هو واجب الوجود الأعلى، وهو المتصف بهذه الصفات بذاته، فالله قادر ويعطيك من قدرته قدرةً، وحكيم ويهبك من حكمته حكمةً تزاول بها الأشياء، والله قهَّار ويعطيك قهارية تزجر بها مَنْ كان تحت تصرُّفك لتستقيم أمورهم، ويعطيك رحمانية تحنُو بها على الضعيف والمحتاج.
إذن: فمن صفات الحقِّ واجب الوجود الأعلى أنه يعطينا من وجوده وجوداً، بل وجوداتٍ متعددة بتعدُّد الأفراد ومتوالية الأمثال، لكن يعطي سبحانه من الوجود الذاتي وجوداً عَرَضياً. فإنْ نظرتَ إلى الآفات التي تصيب الناسَ في حواسِّهم أو في جوارحهم تجدها مرادةً لله تعالى خلقاً أو توجّهاً، لماذا؟ لأن الإنسان كما أخبر عنه خالقه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وضربنا لذلك مثلاً بالولد مع أبيه، فلو أن الأب يعطي ولده المصروف كلَّ شهر تجد الولد لا يحرص على لقاء أبيه إلا كل شهر، إنما لو أعطاه يوماً بيوم لتعرَّض له الولد كل يوم وتمحَّك فيه، وأظهر نفسه ليأخذ مصروفه الذي تعوَّد عليه، فتراه مثلاً يمرُّ على أبيه في الصباح. ويقول: يا أبي أنا رايح المدرسة، فالحاجة هي التي ألجأتْه لمودَّة أبيه.
إذن: يجب أنْ نُفسِّر فلسفة الحاجات التي تُعوز النتيجة، وهذه الحاجات هي التي تُلجئك إلى ربك، والواقع يؤيد ذلك، وكثيراً ما نرى الإنسان لا يلجأ لربه ولا يُصلح ما بينه وبين خالقه إلا إذا اختلَّ عنده شيء، وعزَّتْ عليه أسبابه، فلا يجد إلا ربه فيقول: يا رب، يا الله.
إذن نقول: الخالق يَهبُ الخليفةَ من صفاته، لكن تظل هذه الصفات الموهوبة عَرَضيةً غير دائمة؛ لذلك يموت الإنسان جنيناً، ويموت طفلاً، ويموت شاباً وكهلاً وشيخاً، وهذه القضية تُفسِّر لنا الحديث الشريف:
فالهاء يجوز أن تعود على الله تعالى، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته تعالى، لا على حقيقته، وفَرْق بين الصورة والحقيقة، الصورة هى التي تُؤخذ لك لقطة على هيئة معينة، ثم تتجمد على هذه الهيئة، إذن: هذا الخلق لا يعني أن آدم أخذ شيئاً من صفات الله على الحقيقة، لا إنما على الصورة، لأن الحقيقة لها دوام، والصفات في آدم لا دوامَ لها.
ويجوز أنْ تعود الهاء على آدم، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته أي على صورة آدم؛ لأن الله تعالى لم يخلق آدم جنيناً، ثم وُلِد ثم صار طفلاً فشاباً، لا بل خلقه أول الأمر هكذا على هذه الهيئة المعروفة للإنسان الكامل الأعضاء والجوارح. إذن: يجوز الوجهان.
وفَرْقٌ بين مَنْ يخلق، ومَنْ يخلق مَنْ يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير لا يقدر مثلاً على نقل المائدة من مكانها، أما الرجل القوي فيستطيع أنْ ينقلها له، وهو في هذه الحالة لم يُعَدِّ قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدَّى له أثرَ صفته فحمل عنه واشتال له، وظلَّ الطفل ضعيفاً غير قادر على الحَمْل.
لذلك نقول: إن وَجْه العظمة في خَلْق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق من قدرته قدرةً، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدك، فالخَلْق يتطوَّعون ويُعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفاً، أما الخالق سبحانه فيعطي الضعيف قوةً فيفعل بنفسه.
لكن تنبَّه أن هذه الصفات موهوبةٌ لك لا ذاتية فيك؛ لأنك لستَ أصيلاً في الوجود بل أنت خليفة، ولا بُدَّ لك أنْ تظلَّ في حضن مَنِ استخلفك، وإياك أنْ تشذّ عَمَّنْ استخلفك، وإلا سحبَ منك مقومات هذا الاستخلاف.
وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا أعور وهذا أعرج.. الخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتكَ إليه، ويُنبِّهك إلى أنك لست أصيلاً في الوجود إنما مُسْتخلَفٌ، وأنك شيء ما دام معك مَنِ استخلفك، فإنْ تخلَّى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في الكون أنْ يعتبر نفسه أصيلاً، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامتْ الأمور.
البعض ينظر إلى هذه العاهات على أنها تشويه للخَلْق ولا يرى فيها حكمة، والحقيقة أنها خُلِقَت لحكمةٍ مرادةٍ لله تعالى، وما هي إلا وسيلةُ إيضاحٍ للناس كي لا تغترّ بالجوارح السليمة، وكي تظلَّ على ذِكْر لله الخالق، وكما قلنا الحاجة هي التي تُلجئك.
ونحن نرى مثلاً رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة مُحطَّمة، ويجعلونها في مكان بارز يراه الناسُ ليرتدع السائقون عن الرعونة في السُّرعة، فهذه السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جُعِل كذلك لهدف، وربما تعمَّدوا إعدام السيارة لما يترتَّبُ على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات.
كذلك أنت أيها المعَافَى، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نِعَم الله عليك التي كثيراً ما تغفل عنها، فإنْ قُلْتَ: فما ذنبُ هذا المبتلى أنْ يجعله اللهُ وسيلةَ إيضاحٍ لغيره؟
نقول: لو أدركتَ ما وجده من العِوَض عما فقد لتمنيتَ أن تكون مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوَّضهم الله بخصلة أخرى تُعوِّض ما فيه من نقص؛ لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد الذراعين (يلضم) الخيط في الإبرة برِجلْيه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا يستطيعها الأصحاء.
وسبق أنْ قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفتَ أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، ففيها من القوة ما ليس للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوَّته في هذه اليد.
ونحن نقول لإخواننا الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصَّلوا من العلم ما يعجز عنه المبصرون؛ ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من حوله، أما المكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائماً خالية جاهزة للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يُقرأ له، فيُنصت جيداً، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى؛ لذلك قال أحدهم:
عَمِيتُ جَنيناً وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى فَجِئتُ عَجِيبَ الظنِّ لِلعِلْم مَوئِلاً
وَغَابَ ضِياءُ العَيْن بالقَلْبِ رَافِداً لعلمٍ إذَا مَا ضَيَّع الناسُ حَصَّلاَ
إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ولا ننظر إلى ما عُوِّضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أنْ قلنا: إن الذي أبدع السيمْفونية العالمية المشهورة كان أصمَّ!! وتيمورلنك الذي دوَّخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرجَ!!
والمؤمن الحق حين يرى غيره ممَّن ابتلاهم الله لا يتعالَى عليهم ولا يدلّ عليهم بسلامة جوارحه، إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عِوَض فيقول في نفسه: يا ترى في أيِّ الجوانب تتفوَّق عليَّ وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى الجميع.
نقول: فعلى الإنسان أنْ يظلَّ دائماً على ذِكْر لهذه الحقيقة أنه خليفةٌ لله في الكون ليس أصيلاً فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين تُوكِّل غيرك في شيء بعينه، فإنِ اعتبر نفسه وكيلاً في كل شيء فسدتْ الوكالة؛ لذلك نرى العقلاء حين يُوكِّلون غيرهم يُوكِّلون على قَدْر الحاجة والضرورة حتى لا تُستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق الأصيل.
وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أنْ يظلَّ خليفةً محتاجاً لمن استخلفه، والعادة أن الاستغناء يُنسِيك، والحاجة تُلجِئك وتعطفك إلى مَنِ استخلفك.
ولما خلق اللهُ آدمَ ليكون خليفةً في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يُعِدَّهُ لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلاً اللاعب الذي نعده لمجرد أنْ يلعب فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاءه، إلى أنْ يصلَ إلى المستوى المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟
كذلك الحق - سبحانه وتعالى - درَّبَ آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس: وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ [البقرة: ٣٥].
وهكذا حدَّد الخالق سبحانه لآدم كيفيةَ معيشته في الجنة، فأحلَّ له أنْ يأكلَ منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال كثير لا يُعَدُّ ولا يُحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نصٌّ يحرمه وهو محصور في أشياء بعينها.
وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه: وَلاَ تَقْرَبَا [البقرة: ٣٥] ولم يقُلْ: ولا تأكلا، فالمنهيُّ عنه مجرد قُربها؛ لأن قُرْبك من المحرم يُغريكَ به حتى تقع فيه؛ لذلك تجد أسلوب القرآن في الأوامر يقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أما في النواهي فيقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
لذلك لما حرّم الإسلامُ الخمرَ لم يحرم شُرْبها فحسب، إنما حرَّم كلَّ ما يتصل بها من بيع أو شراء أو نقل أو صناعة، أو حتى التواجد في مكان هي فيه، لماذا؟ لِيَسُدَّ كل الطرق المؤدية إليها المُغْرية بها.
وحين يُبين لنا الحق سبحانه الحلالَ والحرامَ والأوامر والنواهي، فإنما يلفت أنظارنا إلى قضية مهمة، وكأنه يقول لنا: إن استقمتَ على منهجنا وتكليفنا لك ستظلّ حياتك سليمةً بلا عورة، خالية من المشاكل والصعاب، فإنْ تعدَّيْتَ هذه الحدود فانتظر ظهور العورات في المجتمع، سواء أكانت عوراتٍ اجتماعية، أم أخلاقية، أم اقتصادية.. الخ.
وفي قصة آدم - عليه السلام - حين أكل من الشجرة رمز إلى هذه المسألة، كيف؟ لَمَّا استقامَ آدمُ على منْهج ربه والتزم بما أمره الله به عاش في الجنة معافَى بلا سَوْءةٍ، فلما خالف وأطاع وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها بدتْ سوءتُه لأول مرة، لأنه لما استقام كان يأكل بطهي ربه له وهو طهْي على قَدْر حاجة الجسم ومُقوِّمات الحياة فلا يبقى منه شيء، يخرج فضلات من الجسم.
ولكن لما تدخلتْ الشهوة، وأطاع الشيطان أفسد الخلطة الغذائية التي أُعِدَّتْ له، فتكوَّنت في بطنه الفضلات وأحسَّ لأول مرة بشيء غريب لم يعهده، وفوجئ بأنْ خُرْقاً في بدنه يخرج منه شيء قذر كريه الرائحة.
لذلك عرف آدم أنها عورة ينبغي أنْ تُستر، فأخذ يقطع من أوراق الشجر ليستر عورته، ويداري سَوْءَته، هذا قوله تعالى: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ [الأعراف: ٢٢].
وقد رأينا في أثناء الحروب أن الجندي يتغذَّى على قرص صغير يؤدي مهمة الوجبة الغذائية، لكن لا يترك فضلات في الجسم، ذلك لتخفَّ مؤونة التموين، ولا يحتاج الجندي لعملية الإخراج.
إذن: في قصة آدم والأكل من الشجرة إشارة رمزية إلى أن أحكامَ الله ما دامتْ مُنفَّذة يستقيم حال البلاد والعباد، ولا تظهر في المجتمع عورات ومساوئ، لذلك حين ترى في المجتمع عورة ظهرت في أي ناحية: علمية، اقتصادية، اجتماعية، خلقية.. الخ فاعلم أن بنداً من بنود منهج الله قد عُطِّل، فابحث عنه، وحاول إصلاحه بنفسك أولاً، إنْ كان الإصلاح في مقدورك؛ لذلك قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. [الرعد: ١١].
وآدم - عليه السلام - وقع في هذه المخالفة بعد أن بيَّن الله له ما أحلَّ له وما حرَّم عليه، وبيَّن له عداوة الشيطان، وأنها عداوة مُسبقة منذ أمره الله بالسجود فلم يسجد، ومع ذلك سمع آدم لوسوسة الشيطان، وكان عليه أنْ يُعمل نعمة العقل، وأنْ يفكر فيما قاله عدوه إبليس، حين قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠].
يعني: أن مَنْ يأكل من هذه الشجرة يخلد ولا يموت، إذن: لماذا لم تأكل أنت يا إبليس منها، ما دام الأمر كذلك؟ ألستَ القائل لله تعالى: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] فهنا إشارة إلى وجوب التفكر في وسوسة الشيطان وعدم الخضوع له.
إذن: ففترة وجود آدم في الجنة كانت فترةَ التدريب على المنهج الخلافي، فلما حدثتْ منه المخالفة وحصل منه عصيان أراد الله أنْ يُخرجه من الجنة، وأنْ يُنزِله إلى حياة الأرض ليتحرك فيها حركةَ الخليفة، مُستصحباً للتجربة السابقة.
وكأن الله يقول له: خُذْ من الحلال ما شئتَ، وابتعد عن الحرام واحذر الشيطان فهو عدوك، وسيظل يوسوس لك ليُوقِعك في المخالفة كما أوقعك في المخالفة الأولى، فإياك أنْ تسمعَ له لأنك لو سمعتَ له وهو عدوُّك سيُخرِجك من حياة النعيم إلى حياة الشقاء، كما أخرجك من جنة الالتزام بأمر والالتزام بنهي: فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] ولم يقل: فتشقيا.
والحق سبحانه وتعالى وضع لنا في هذه الآية إشارة رمزية منذ أوَّل الخَلْق، لِتَحُلَّ لَنَا مشكلة وقضية ما زال العالم يتحدث فيها إلى الآن وسيظل، إنها قضية خروج المرأة للعمل والمساواة بالرجل، وأن المرأة تريد أن تثبت ذاتها.. الخ.
وعجيبٌ أنْ تطالب المرأةُ بالمزيد من المسئوليات، فهى تريد أنْ تأخذ من مهمة الرجل، في حين أن الرجل لن يأخذ من مهمتها شيئاً، ولن يحمل عنها عبئاً من أعبائها، الرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع. إذن: أخذتِ أنت مهمةَ الرجل مضافاً إليها مهمتك الخاصة التي لا يقوم هو بها، وفي هذا ظلم للمرأة.
فقوله تعالى لآدم فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] دَل منذ أول الخَلْق على أن الشقاء والكدح والعمل وتحمُّل المسئولية مهمة الرجل، وأن المرأة سيدةٌ في بيتها مُعزَّزة مُكرَّمة، وهذه الصورة ظلتْ موروثة في مجتمعاتنا بدون تضليل وبدون انطماس، فحتى الآن حين يتقدَّم شابٌ لخطبة البنت يشترط عليه كبير العائلة يقول (أنت حتستتها ولا حتشغلها) يعني: أتجعلها سيدةً مَصُونةً في بيتها، أم أنك ستخُرِجها للعمل؟
البعض يقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟ فهو إذن مثل الشيطان: هذا عصى وهذا عصى. نقول: عصى آدم وهو فى فترة التدريب التي لا يُؤاخَذ فيها المخطئ، بل نُصحِّح له دون مؤاخذة، فالتلميذ في المدرسة يُصوِّب له المعلم خطأه باللون الأحمر دون أنْ يحاسبه عليه، إلى أنْ يأتيَ اختبار آخر العام، فيحاسبه على الخطأ.
فآدم حين أخطأ كان في فترة التدريب، وقد صَوَّب اللهُ له خَطأه، ثم إنه لم يكُنْ نبياً في هذه الفترة، لأن آدم خُلق ليكون أباً للبشر جميعاً، والبشر سيُقَسَّمون إلى قسمين: قسم مُصْطفى وهم الرسل، وقسم مُصْطَفىً عليه وهم المرسل إليهم.
إذن: آدم في البداية كان يمثل القسمين، وجاءت تجربته تمثل عصيان البشر وعصمة الأنبياء، لذلك أخطأ فصوَّب الله له، ثم تابَ فتابَ الله عليه واصطفاه، وكذلك حال البشر واقرأ: وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ [طه: ١٢١] هذه إشارة إلى ما سيكون من البشر ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: الاجتباء والعصمة جاءت بعد التجربة الأولى؛ لأن آدم مَثَّلَ الجميع، مثّل عصيان البشر، ومثّل عصمة الأنبياء.
هذا الخليفة طرأ على وجود خُلِق له قبل أنْ يُوجد؛ لا أن الله خلقه، ثم نظر ماذا يريد وماذا يحتاج، ثم خلقه سبحانه خَلْقاً يناسب قيامه بمهمته في عمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: ٦١].
ولم يجعل الحق سبحانه العبادات الأصيلة - أي أركان الإسلام - هي كل حركة الحياة، بل جعلها هي الشحنة التي تُعينك على حركة الحياة؛ لذلك مَنْ قال إن الإسلام هو هذه الأركان يؤديها وحسب نقول له: لا لأن هذه الأركان بها تستمد القوة من الله لتنجح في حركة الحياة، والإسلام أوسَعُ من هذه الخمس بكثير، بدليل قوله تعالى في سورة الجمعة: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
إذن: ناداهم وأخذهم من شغل ومن عمل هو قمة حركة الحياة، ألا وهو البيع، وإن كان البيع مرتبطاً بالشراء إلا أنه أقوى، لذلك خَصَّه بالذكر ولم يقُلْ: وذروا البيع والشراء، لماذا؟
قالوا: لأنه سبحانه خالق الطبع الإنساني، ويعلم أن الإنسان ثقيل عند الشراء غير حريص عليه، لكنه حريص عليه، لكنه حريص على البيع ويسعى إليه؛ لذلك عندما يكلِّفك أهل البيت بشراء شيء ربما تماطل في شرائه أو تؤجّله، وتُسَرُّ حين تذهب فتجد المحل مغلقاً، أما لو كنت بائعاً فإنك تحرص كل الحرص على أنْ تبيع، لماذا؟ لأن المشتري ينفق والبائع يأخذ؛ لذلك ذكر الحق سبحانه البيع لأنه ثمرة الحركة.
وبعد انتهاء الصلاة قال: فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ.. [الجمعة: ١٠] إذن: أخذك للصلاة من عمل، وأعادك بعد الصلاة إلى العمل والسعي.
وحين تتأمل لفظ الحديث: يعني: هذه الخمس هي الدعائم التي يقوم عليها الإسلام والمبنى غير المبنى عليه، وهل البناء الذي نسكنه مُكوَّن من الأساس والأعمدة فحسب؟ إذن: الإسلام ليس هو الأركان الخمس، إنما الإسلام أوسع من ذلك، الأركان هي الشحنة التي يستدعيك ربك إليها، فتأخذ من لقائه المددَ الذي يُعينك على القيام بحركة الحياة.
ومثَّلنا ذلك (بالبطارية) حين تذهب بها إلى الشحن، فنحن لا نستفيد بها في فترة الشحن، إنما نعطيها الشحنة اللازمة لتعمل بها بعد ذلك.
ومن عجيب أمر الرحمة الإلهية أن الله تعالى جعل الذهاب إلى شحنة الطاقة الإنسانية فَرْضاً تكليفياً لا بُدَّ لك من القيام به، لا بُدَّ لك أنْ تقابلني خمسَ مرات في اليوم والليلة؛ لأنك خَلْقي وصَنْعتي، والصانع أعلم بما يُصلح صنعته، وتصوَّرْ صنعة تُعْرض على صانعها خمسَ مرات في اليوم والليلة: هل يبقى فيها عطب، هذا في الصانع إنْ كان من البشر، فما بالك في الصانع إنْ كان هو ربّ البشر وخالقهم سبحانه.
الصانع من البشر يُصْلِح صنعته بشيء مادي مثل مسمار أو قطعة غيار مثلاً، أما الخالق سبحانه فيصلحك دون شيء مادي؛ ذلك لأن المهندس وصنعته شيء مادي فيصلح بالمادة، أما الخالق سبحانه فغَيْبٌ، فحين يصلحك من عطب فيك يُصلِحك بالغيب فلا تشعر به ولا تراه.
إذن: نقول لا بُدَّ أنْ نفهم الدين على حقيقته، وأنْ نفهمَ أن لكل مِنَّا مهمة، فإذا تفوَّق عليك غيرك فاعلم أن تفوقه لصالحك وعائد عليك، لأنه بتفوقه يؤدي إليك خدمة، في حين أنه لا يستفيد منك، فالذي يجيد عملاً لا شكَّ أنه ينفع نفسه وينفع الآخرين، على خلاف مَنْ لا يجيد شيئاً.
لذلك نقول في الفلاحين (باب النجار مخلع)، فالنجار تظهر مهارته حينما يصنع لغيره؛ لأنه يتقاضى أجراً، إنما لا يجيد الصناعة لنفسه، إذن: حين ترى المتفوِّق عنك، لا تحسده ولا تحقد عليه، بل تمَنَّ له الزيادة، وتمَنَّ له الخير، فسوف يُصيبك شيء لا محالة من هذا الخير، وسيعود عليك هذا التفوق في شكل خدمة يُقدِّمها لك.
لذلك كنا في الفلاحين، لو مات لأحدنا بقرة أو جاموسة يحزن الجميع، لدرجة أننا رأينا مرة جماعة يُبْكون على عجل مات فتعجبنا، الناس يبكون على الميت منهم، لكن من الحيوانات؟! بعدها عرفنا أن هذا العجل هو الذي يدير الساقية، ويحرث الأرض التي يأكل منها هؤلاء الناس، وينالهم خير هذه الأرض، وكنا في الريف لا نشتري الخيار ولا الملوخية ولا البامية وغيرها كثير، بل كان يُهْدى ولا يُباع.
إذن: الهبة المبذولة عند الخَلْق عائدة على كل الخَلْق، فحين ترى سيفيض عليك، وحين ترى مَنْ يجيد عملاً لا تجيده أنت لا تحقد عليه، لأنك ستحتاجه ليجيد لك عملك حتى لو كنتَ تكرهه، أو على خلاف معه تحرص عليه ليعمل لك، فأنت تعلم مدى إجادته للعمل، فتذهب إليه حرصاً على مصلحتك أنت، وبذلك يتم التعادل المطلوب في المجتمع، وتستقيم أمور الخَلْق استقامةً مبنيةً على الحاجة.
ولو تأملتَ في نفسك كما قال الله تعالى: وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] لوجدتَ في نفسك هذا التعادل بين الأعضاء، فعندك مثلاً اليد اليمنى تزاول بها بعض الأعمال التي تناسبها، واليد اليُسْرى تزاول بها أعمالاً أخرى تناسبها، اليد اليمنى للأعمال الشريفة المكرَّمة، أما اليسرى فهي لما دون ذلك، وغالباً ما تكون اليمين أقوى من الشمال وأكثر حركة منها وأدقّ في التناول.
وتأول مثلاً حين تريد أنْ تقصَّ أظافرك، فإنك تقصّ الشمال باليمين فيأتي القَصُّ دقيقاً مُريحاً، على خلاف قَصِّ اليمين بالشمال، إذن: موهبة اليمين عادتْ على الشمال، وعدم موهبة الشمال عادت على اليمين، وهذا يلفتنا إلى أنَّ الكمالات في الكون كمالاتٌ مُسْتطرقة تستطرق فيه، كاستطراق الماء.
والحق - سبحانه تعالى - حين خلق الإنسان الخليفة أعطى له تكوينات تناسب مهمته، وأول هذه التكوينات الجوارح التي نسميها الحواس التي نُحسّ بها الأشياء، ويُسمُّونها الحواس الخمس الظاهرة، وقولهم الظاهرة احتياط لما سيجدّ من حواس يعرفها العلم، وفعلاً اكتشف في الإنسان حواسّ أخرى غير الخمس كالحاسة التى أعرف بها الجوع، وكحاسة البَيْن التي أميز بها البُعْد بين شيئين، وحاسة العضل التي أعرف بها ثقل الأشياء.
وحين تتأمل هذه الحواس الخمس المعروفة، تجد أن التكليف الشرعي جاء على مقتضى هذا التكوين في الحواس، فلكلِّ حاسة في الإنسان، ولكل جارحة عمل، فأداء كل جارحة لمهمتها يُسمَّى (عمل)، فالقلب يعمل بالنية، واللسان يتكلم، والأذن تسمع، والأنف يشمُّ، واليد تمس الأشياء، والعين ترى، هذا كله عمل.
ولا بُدَّ هنا أنْ نفرق بين العمل والفعل، والفعل يقابله القول الذي هو مهمة اللسان؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف: ٢].
إذن: فالقول، وهو مهمة اللسان أخذ قسماً وحده، وبقية الحواس أخذتْ القسم الآخر، فالقول للسان، والفعل لبقية الحواس، لماذا أخذ اللسانُ الشطر، وبقية الحواس الشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول هو وسيلةُ نقل مطلوب الرسل منا لنفعل، ونقل مطلوباتنا من الغير ليفعلوها.
إذن: فكل الأفعال في خدمة القول، ومنهج الله لا يأتينا إلا بالقول الذي يحمل الأمر للحواسّ فتعمل، والعمل ليس بالضرورة عملاً عضلياً، بل ربما يكون عملاً معنوياً، كعمل القلب وهو النية كما قلنا، والشرع هو الذي يحكم هذه الحواس، ويُحدّد لها الإطار الذي تعمل فيه في ضوء الحلال والحرام.
ومهمة الحواس أنْ تلتقط المدْرَكَات، ثم تعرضها على العقل، فيُصفِّيها تصفيةً حقيقيةً، بأنْ يقارن بينها، ويعرف أن هذه تصلح لكذا، وهذه لكذا، وبعد هذه التصفية يُسلِّمها للقلب لتصير عقيدةً فيه، وكلمة عقيدة تعني الشيء المعقود الذي لا يُفَكُّ، ولا يعرض للنقاش مرة أخرى في العقل، فالطفل الصغير مثلاً يُغريه شكل النار الجميل، فيحاول الإمساك بها، فتحرقه النار، ويُحِسّ لأول مرة بالحرارة، فتتكوّن عنده عقيدة أو قضية عقلية أن النار تحرق، فلا يقترب منها بعد ذلك، ويظل طوال حياته يسير على هذه العقيدة أو هذا المبدأ، ولا يحتاج لأنْ يُجرِّبه مرة أخرى.
هذه العقيدة ساعةَ تستقر في القلب يضخها القلب مع الدم، فتسير في جميع البدن، وتتخلل كل الأعضاء فتتشرَّبها، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: وبعد أن خلق الحق سبحانه للإنسان الجوارحَ والحواسّ خلق الغرائز، وهي أمور لازمة لك، ثابتة في تكوينك، ولا يمكن لك الاستغناء عنها، لكن هذه الغريزة قد تُلِحّ عليك فتخرجك عن الهدف منها، وعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل الشرع لِيكبحَ جماحها، وليُعيدها إلى توازنها الذي خلقها الله من أجله.
يتدخل الشرع لِيُعلي الغريزة ويُهذِّبها، لا ليكبتها ويقضي عليها، فالأكل غريزة لاستبقاء الحياة ويكفي فيه ما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا ينبغي أنْ تخرج عن ذلك، وتتحوَّل إلى شَرَهٍ وتخمة. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله لاستكشاف أسراره في الكون، والتأمل في مخلوقاته، فإنْ خرجت عن هذا الإطار وصارتْ تَجسُّساً وتتبُّعاً للعورات، فقد خردتْ عن مهمتها، وهنا يتدخَّل الشرع ليُعْليها ويُعيد إليها توازنها.
وأعنف غرائز الإنسان الغريزة الجنسية، خاصة في سِنِّ الشباب وهذه الغريزة جعلها الله لحفظ النوع واستبقاء النسل، هذه هي المهمة التي من أجلها خُلِقَتْ غريزة الجنس، وقد حرص الشرع على استبقاء هذه الغريزة مصحوبةً بمنهج حركتها لمَنْ خلقها لتستقيمَ الأمور، لأن النسلَ هو الثروة الأولى التي ينبغي الحفاظ عليها ليأتي النسلُ شريفاً طاهراً.
وسبق أنْ فرَّقْنا بين النسل الشرعي المحسوب على الوالدين، والنسل غير الشرعى، وكيف أن الأول يُقابَل بالفرحة وبالحنان والعطف والرعاية، والآخر يُقابل بالكراهية وعدم الرغبة، وربما فكرتْ أمه في التخلص منه، ولو بإلقائه في الشارع.
من هنا حرص الدين على بناء الأسرة بناءً سليماً فيه شرف وكبرياء وعزَّةُ نفس في ظِلِّ كلمة الله ومنهجه الذي يُؤمِّن لك سلامة نَسْلك، فيأتي موثوقاً به تطمئن إليه، وتعتني به، وتربيه أحسنَ تربية، وهذا هو هدف الشرع.
وسبق أنْ تحدَّثنا عن الفرق بين الحلال والحرام في هذه المسألة، وذكرنا الحديث الشريف: إذن: فهذه الغريزة مخلوقة في النفس البشرية لأداء مهمة، ولكي تبقى في إطار ما خُلِقتْ له، لكن الحاصل أن كثيرين يخرجون بها عن هدفها، والعجيب أنْ يظلمَ الإنسانُ الحيوانَ في هذه المسألة، حين يقول: هذه شهوة بهيمية ويتشدَّق بها.
وهذا القول يدل على عدم فهم لغريزة الحيوان؛ لأن الحيوان يقف بالغريزة عند حدودها كما خلقها الله؛ لذلك لم نَرَ بهيمة أنثى حملتْ ثم مكَّنَتْ فحْلاً منها بعد ذلك، كذلك الفحل يشمُّها، فيعرف أنها حامل فينصرف عنها.
أهذه شهوة بهيمية على حسب ما نقصد نحن من هذه الكلمة؟ لا، بل هي إنسانية.. ولك أنْ تقارن بين هذه الغريزة عند الحيوان وعند الإنسان، وسوف ترى العجب في خروج الإنسان بهذه الغريزة عن المراد منها.
ومن حكمة الخالقِ سبحانه أنْ ربطَ الغريزة الجنسية والنسل بالاستمتاع، ذلك لأن للنسل مطالب وتبعات ومسئوليات، فلو لم تَكنْ هناك متعة تُرغِّب الإنسان لَزَهد في المسألة، وانصرف عنها.
والحق سبحانه وتعالى يأتي للمؤمنين على منهج واحد بأمور متقابلة مثل: العزة والذِّلَّة، فالمؤمن غير مطبوع على عِزَّة دائمة ولا على ذلة دائمة، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه أنْ يكون عزيزاً، أو أنْ يكون ذليلاً، فالذلّة والانكسار لإخوانه المؤمنين والعِزَّة والتعالي على الكافرين الجاحدين، كما قال تعالى في وصف سيدنا رسول الله والمؤمنين: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩].
إذن: فهُمْ أشداء رحماء في وقت واحد، وهذا دليل على أن المؤمن لا تكيفه غرائزه إلا بمعدلات خالق الغرائز.
من التكوينات أيضاً في خَلْق الإنسان بعد الحواس والغرائز أن الله خلق في الإنسان العاطفةَ، والعاطفة شعور لا نعرف سببه؛ لذلك تقابل شخصاً فترتاح إليه وآخر تكرهه هكذا دون سابق تعامل، لماذا إذن تحب هذا وتكره ذاك؟ إنها العاطفة؛ لذلك تحب ولدك ولو كان غبياً؛ لأنك تحبه بعاطفتك، وتحب ابن عدوك الذكي تحبه بعقلك.. لذلك لم يجعل الحق سبحانه العاطفةَ مجالاً للتكليف.
ويبيِّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العاطفة في قوله لصحابته، وفيهم سيدنا عمر: وقفتْ هذه الكلمة في نفس عمر. فقال: يا رسول الله، أنت أحب إليَّ من أمي وأبي أو من ولدي ومالي، لكن نفسي يا رسول الله؟ فكرَّرها رسول الله مرة أخرى، حتى علم عمر أنها عزيمة، ولا بُدَّ أن رسول الله يقصد حباً غير الذي يراه عمر، إنه يقصد الحبَّ العقلي، عندها قال عمر: الآن يا رسول الله، يعني: الآن أصبحتَ أحب إليَّ من أبي وأمي، وأحب إليَّ من ولدي ومالي، وأحب إليَّ من نفسي التي بين جَنْبَيَّ.
إذن: المراد في حب رسول الله الحب العقلي، فلولاه صلى الله عليه وسلم ما اهتدينا ولا بلغنا الهدى، ولولاه لهلكنا، فأنت تحب محمداً صلى الله عليه وسلم كما تحب الدواء المرَّ، لا تحبه بعاطفتك إنما بعقلك؛ لذلك فهم سيدنا عمر أن الحب المطلوب شرعاً حبّ العقل، وإنْ تحوَّل بعد ذلك إلى عاطفة وعشق للذات، وهذه درجة أخرى أعلى من الأولى.
والقرآن الكريم يُعلِّمنا هذا في قول الله تعالى: ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة: ٨] يعني: لا يحملنكم البغض لقوم أنْ تظلموهم، وألاَّ تعدلوا معهم، إذن: البُغْض غير ممنوع؛ لأنه مسألة عاطفية، فأحبب مَنْ شئتَ، وابغضْ مَنْ شئتَ، لكن إياك أنْ يحملَك الحبُّ أو البُغْض على أنّ تظلم بأنْ تجامل مَنْ تحب، وتظلم مَنْ تكره.
ولأن العواطف بهذا الشكل، يعني: ليس لها انضباط في الذات خرجتْ من نطاق التكاليف الشرعية؛ لأنك لا تعرف لماذا مالتْ بك العاطفة لأنْ تحبَّ أو تكره.
وحين نتأمل الحواسَّ والغرائز والعاطفة نجد أن الحواسَّ ظاهرةٌ معروفة؛ فالعين ترى، والأذن تسمع.. الخ. وكذلك الغرائز ظاهرة بأثرها وأسبابها، فحين تجوع تطلب الطعام، وحين تريد أهلك تحِنُّ إليهم، أما العاطفة فشيء خفي غير ظاهر، لذلك يضرب لها القرآن مثلاً ليس في الإنسان ولا حتى فيما دونه من الحيوان أو النبات إنما مثلاً في الجماد، واقرأ قوله تعالى في عاقبة الكافرين قوم فرعون: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ.. [الدخان: ٢٩].
ومعلوم أن البكاء مظهرٌ عاطفيٌّ، فهل تبكي السماء؟ وهل تبكي الأرض؟ نعم تبكي وتنفعل، وكأنها تقول لهؤلاء: اذهبوا غَيْرَ مأسوف عليكم، وإلا لما نفى الله عنها البكاءَ، ولِمَ نستبعد ذلك؟ والسماء والأرض خَلْق من خَلْق الله خاضع للتسخير، ألم يَقُل الحق سبحانه: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
إذن: لا غرابة أنْ يفرح الجماد حين يجد مَنْ يُسبِّح معه وينسجم مع الكون المسبِّح، ولا غرابةَ أنْ يحزن، وأنْ يبكي عندما يشذّ البشر عن هذه المنظومة المسبِّحة، وعليه يمكن القول بأن السماء والأرض لم تَبْك على هلاك قوم فرعون، وفرحتْ لهداية آسية امرأة فرعون. إذن: للسماء والأرض انفعال وعاطفة فهي تحب وتكره، وتبكي وتفرح.
وهذا المعنى أوضحه لنا الإمام علي رضي الله عنه، حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله - يبكيه لأنه حُرِم من صعود الكَلِم الطيب والعمل الصالح - أما موضعه في الأرض فمُصلاَّهُ - يعني: المكان الذي كان يُصلِّي فيه.
كانت هذه مقدمة ضرورية ندخل بها على قِصَّة سيدنا لوطٍ في قوله تعالى:
وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ... .
وقوله: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٢٨] أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته، ثم تُختم هذه القصة الموجزة لهذا النبي الكريم بما خُتِمتْ به سابقتها وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٩-١٣٢].
ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسانَ فَرْعُ الإيمان، يعني ما كان مُحسِناً إلا لأنه كان مؤمناً أولاً.
هكذا لخَّص لنا القرآن قصة هذا النبي، وبيَّن أنه جاء بقضية عقدية لا قضية تكليفية، جاء ليُصحِّح للقوم الأساسَ والقاعدةَ التي تُبنى عليها الحياة، وهذه مهمة الرسل من لدُن آدم عليه السلام، فقد خلق اللهُ آدمَ أبا البشر خليفةً في الأرض. ومعنى خليفة في الأرض أنْ يزاولَ في الأرض مهمة عن الحق سبحانه وتعالى.
ولكي يزاول هذه المهمة أمَدَّه الله بصفات من صفاته، وهذه الصفات موهوبة ممدودة ليست ذاتية في الخليفة، لذلك يسلبها الخالق في أيّ وقت، فالله تعالى هو واجب الوجود الأعلى، وهو المتصف بهذه الصفات بذاته، فالله قادر ويعطيك من قدرته قدرةً، وحكيم ويهبك من حكمته حكمةً تزاول بها الأشياء، والله قهَّار ويعطيك قهارية تزجر بها مَنْ كان تحت تصرُّفك لتستقيم أمورهم، ويعطيك رحمانية تحنُو بها على الضعيف والمحتاج.
إذن: فمن صفات الحقِّ واجب الوجود الأعلى أنه يعطينا من وجوده وجوداً، بل وجوداتٍ متعددة بتعدُّد الأفراد ومتوالية الأمثال، لكن يعطي سبحانه من الوجود الذاتي وجوداً عَرَضياً. فإنْ نظرتَ إلى الآفات التي تصيب الناسَ في حواسِّهم أو في جوارحهم تجدها مرادةً لله تعالى خلقاً أو توجّهاً، لماذا؟ لأن الإنسان كما أخبر عنه خالقه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وضربنا لذلك مثلاً بالولد مع أبيه، فلو أن الأب يعطي ولده المصروف كلَّ شهر تجد الولد لا يحرص على لقاء أبيه إلا كل شهر، إنما لو أعطاه يوماً بيوم لتعرَّض له الولد كل يوم وتمحَّك فيه، وأظهر نفسه ليأخذ مصروفه الذي تعوَّد عليه، فتراه مثلاً يمرُّ على أبيه في الصباح. ويقول: يا أبي أنا رايح المدرسة، فالحاجة هي التي ألجأتْه لمودَّة أبيه.
إذن: يجب أنْ نُفسِّر فلسفة الحاجات التي تُعوز النتيجة، وهذه الحاجات هي التي تُلجئك إلى ربك، والواقع يؤيد ذلك، وكثيراً ما نرى الإنسان لا يلجأ لربه ولا يُصلح ما بينه وبين خالقه إلا إذا اختلَّ عنده شيء، وعزَّتْ عليه أسبابه، فلا يجد إلا ربه فيقول: يا رب، يا الله.
إذن نقول: الخالق يَهبُ الخليفةَ من صفاته، لكن تظل هذه الصفات الموهوبة عَرَضيةً غير دائمة؛ لذلك يموت الإنسان جنيناً، ويموت طفلاً، ويموت شاباً وكهلاً وشيخاً، وهذه القضية تُفسِّر لنا الحديث الشريف:
فالهاء يجوز أن تعود على الله تعالى، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته تعالى، لا على حقيقته، وفَرْق بين الصورة والحقيقة، الصورة هى التي تُؤخذ لك لقطة على هيئة معينة، ثم تتجمد على هذه الهيئة، إذن: هذا الخلق لا يعني أن آدم أخذ شيئاً من صفات الله على الحقيقة، لا إنما على الصورة، لأن الحقيقة لها دوام، والصفات في آدم لا دوامَ لها.
ويجوز أنْ تعود الهاء على آدم، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته أي على صورة آدم؛ لأن الله تعالى لم يخلق آدم جنيناً، ثم وُلِد ثم صار طفلاً فشاباً، لا بل خلقه أول الأمر هكذا على هذه الهيئة المعروفة للإنسان الكامل الأعضاء والجوارح. إذن: يجوز الوجهان.
وفَرْقٌ بين مَنْ يخلق، ومَنْ يخلق مَنْ يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير لا يقدر مثلاً على نقل المائدة من مكانها، أما الرجل القوي فيستطيع أنْ ينقلها له، وهو في هذه الحالة لم يُعَدِّ قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدَّى له أثرَ صفته فحمل عنه واشتال له، وظلَّ الطفل ضعيفاً غير قادر على الحَمْل.
لذلك نقول: إن وَجْه العظمة في خَلْق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق من قدرته قدرةً، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدك، فالخَلْق يتطوَّعون ويُعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفاً، أما الخالق سبحانه فيعطي الضعيف قوةً فيفعل بنفسه.
لكن تنبَّه أن هذه الصفات موهوبةٌ لك لا ذاتية فيك؛ لأنك لستَ أصيلاً في الوجود بل أنت خليفة، ولا بُدَّ لك أنْ تظلَّ في حضن مَنِ استخلفك، وإياك أنْ تشذّ عَمَّنْ استخلفك، وإلا سحبَ منك مقومات هذا الاستخلاف.
وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا أعور وهذا أعرج.. الخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتكَ إليه، ويُنبِّهك إلى أنك لست أصيلاً في الوجود إنما مُسْتخلَفٌ، وأنك شيء ما دام معك مَنِ استخلفك، فإنْ تخلَّى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في الكون أنْ يعتبر نفسه أصيلاً، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامتْ الأمور.
البعض ينظر إلى هذه العاهات على أنها تشويه للخَلْق ولا يرى فيها حكمة، والحقيقة أنها خُلِقَت لحكمةٍ مرادةٍ لله تعالى، وما هي إلا وسيلةُ إيضاحٍ للناس كي لا تغترّ بالجوارح السليمة، وكي تظلَّ على ذِكْر لله الخالق، وكما قلنا الحاجة هي التي تُلجئك.
ونحن نرى مثلاً رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة مُحطَّمة، ويجعلونها في مكان بارز يراه الناسُ ليرتدع السائقون عن الرعونة في السُّرعة، فهذه السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جُعِل كذلك لهدف، وربما تعمَّدوا إعدام السيارة لما يترتَّبُ على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات.
كذلك أنت أيها المعَافَى، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نِعَم الله عليك التي كثيراً ما تغفل عنها، فإنْ قُلْتَ: فما ذنبُ هذا المبتلى أنْ يجعله اللهُ وسيلةَ إيضاحٍ لغيره؟
نقول: لو أدركتَ ما وجده من العِوَض عما فقد لتمنيتَ أن تكون مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوَّضهم الله بخصلة أخرى تُعوِّض ما فيه من نقص؛ لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد الذراعين (يلضم) الخيط في الإبرة برِجلْيه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا يستطيعها الأصحاء.
وسبق أنْ قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفتَ أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، ففيها من القوة ما ليس للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوَّته في هذه اليد.
ونحن نقول لإخواننا الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصَّلوا من العلم ما يعجز عنه المبصرون؛ ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من حوله، أما المكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائماً خالية جاهزة للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يُقرأ له، فيُنصت جيداً، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى؛ لذلك قال أحدهم:
عَمِيتُ جَنيناً وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى فَجِئتُ عَجِيبَ الظنِّ لِلعِلْم مَوئِلاً
وَغَابَ ضِياءُ العَيْن بالقَلْبِ رَافِداً لعلمٍ إذَا مَا ضَيَّع الناسُ حَصَّلاَ
إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ولا ننظر إلى ما عُوِّضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أنْ قلنا: إن الذي أبدع السيمْفونية العالمية المشهورة كان أصمَّ!! وتيمورلنك الذي دوَّخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرجَ!!
والمؤمن الحق حين يرى غيره ممَّن ابتلاهم الله لا يتعالَى عليهم ولا يدلّ عليهم بسلامة جوارحه، إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عِوَض فيقول في نفسه: يا ترى في أيِّ الجوانب تتفوَّق عليَّ وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى الجميع.
نقول: فعلى الإنسان أنْ يظلَّ دائماً على ذِكْر لهذه الحقيقة أنه خليفةٌ لله في الكون ليس أصيلاً فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين تُوكِّل غيرك في شيء بعينه، فإنِ اعتبر نفسه وكيلاً في كل شيء فسدتْ الوكالة؛ لذلك نرى العقلاء حين يُوكِّلون غيرهم يُوكِّلون على قَدْر الحاجة والضرورة حتى لا تُستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق الأصيل.
وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أنْ يظلَّ خليفةً محتاجاً لمن استخلفه، والعادة أن الاستغناء يُنسِيك، والحاجة تُلجِئك وتعطفك إلى مَنِ استخلفك.
ولما خلق اللهُ آدمَ ليكون خليفةً في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يُعِدَّهُ لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلاً اللاعب الذي نعده لمجرد أنْ يلعب فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاءه، إلى أنْ يصلَ إلى المستوى المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟
كذلك الحق - سبحانه وتعالى - درَّبَ آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس: وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ [البقرة: ٣٥].
وهكذا حدَّد الخالق سبحانه لآدم كيفيةَ معيشته في الجنة، فأحلَّ له أنْ يأكلَ منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال كثير لا يُعَدُّ ولا يُحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نصٌّ يحرمه وهو محصور في أشياء بعينها.
وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه: وَلاَ تَقْرَبَا [البقرة: ٣٥] ولم يقُلْ: ولا تأكلا، فالمنهيُّ عنه مجرد قُربها؛ لأن قُرْبك من المحرم يُغريكَ به حتى تقع فيه؛ لذلك تجد أسلوب القرآن في الأوامر يقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أما في النواهي فيقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
لذلك لما حرّم الإسلامُ الخمرَ لم يحرم شُرْبها فحسب، إنما حرَّم كلَّ ما يتصل بها من بيع أو شراء أو نقل أو صناعة، أو حتى التواجد في مكان هي فيه، لماذا؟ لِيَسُدَّ كل الطرق المؤدية إليها المُغْرية بها.
وحين يُبين لنا الحق سبحانه الحلالَ والحرامَ والأوامر والنواهي، فإنما يلفت أنظارنا إلى قضية مهمة، وكأنه يقول لنا: إن استقمتَ على منهجنا وتكليفنا لك ستظلّ حياتك سليمةً بلا عورة، خالية من المشاكل والصعاب، فإنْ تعدَّيْتَ هذه الحدود فانتظر ظهور العورات في المجتمع، سواء أكانت عوراتٍ اجتماعية، أم أخلاقية، أم اقتصادية.. الخ.
وفي قصة آدم - عليه السلام - حين أكل من الشجرة رمز إلى هذه المسألة، كيف؟ لَمَّا استقامَ آدمُ على منْهج ربه والتزم بما أمره الله به عاش في الجنة معافَى بلا سَوْءةٍ، فلما خالف وأطاع وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها بدتْ سوءتُه لأول مرة، لأنه لما استقام كان يأكل بطهي ربه له وهو طهْي على قَدْر حاجة الجسم ومُقوِّمات الحياة فلا يبقى منه شيء، يخرج فضلات من الجسم.
ولكن لما تدخلتْ الشهوة، وأطاع الشيطان أفسد الخلطة الغذائية التي أُعِدَّتْ له، فتكوَّنت في بطنه الفضلات وأحسَّ لأول مرة بشيء غريب لم يعهده، وفوجئ بأنْ خُرْقاً في بدنه يخرج منه شيء قذر كريه الرائحة.
لذلك عرف آدم أنها عورة ينبغي أنْ تُستر، فأخذ يقطع من أوراق الشجر ليستر عورته، ويداري سَوْءَته، هذا قوله تعالى: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ [الأعراف: ٢٢].
وقد رأينا في أثناء الحروب أن الجندي يتغذَّى على قرص صغير يؤدي مهمة الوجبة الغذائية، لكن لا يترك فضلات في الجسم، ذلك لتخفَّ مؤونة التموين، ولا يحتاج الجندي لعملية الإخراج.
إذن: في قصة آدم والأكل من الشجرة إشارة رمزية إلى أن أحكامَ الله ما دامتْ مُنفَّذة يستقيم حال البلاد والعباد، ولا تظهر في المجتمع عورات ومساوئ، لذلك حين ترى في المجتمع عورة ظهرت في أي ناحية: علمية، اقتصادية، اجتماعية، خلقية.. الخ فاعلم أن بنداً من بنود منهج الله قد عُطِّل، فابحث عنه، وحاول إصلاحه بنفسك أولاً، إنْ كان الإصلاح في مقدورك؛ لذلك قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. [الرعد: ١١].
وآدم - عليه السلام - وقع في هذه المخالفة بعد أن بيَّن الله له ما أحلَّ له وما حرَّم عليه، وبيَّن له عداوة الشيطان، وأنها عداوة مُسبقة منذ أمره الله بالسجود فلم يسجد، ومع ذلك سمع آدم لوسوسة الشيطان، وكان عليه أنْ يُعمل نعمة العقل، وأنْ يفكر فيما قاله عدوه إبليس، حين قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠].
يعني: أن مَنْ يأكل من هذه الشجرة يخلد ولا يموت، إذن: لماذا لم تأكل أنت يا إبليس منها، ما دام الأمر كذلك؟ ألستَ القائل لله تعالى: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] فهنا إشارة إلى وجوب التفكر في وسوسة الشيطان وعدم الخضوع له.
إذن: ففترة وجود آدم في الجنة كانت فترةَ التدريب على المنهج الخلافي، فلما حدثتْ منه المخالفة وحصل منه عصيان أراد الله أنْ يُخرجه من الجنة، وأنْ يُنزِله إلى حياة الأرض ليتحرك فيها حركةَ الخليفة، مُستصحباً للتجربة السابقة.
وكأن الله يقول له: خُذْ من الحلال ما شئتَ، وابتعد عن الحرام واحذر الشيطان فهو عدوك، وسيظل يوسوس لك ليُوقِعك في المخالفة كما أوقعك في المخالفة الأولى، فإياك أنْ تسمعَ له لأنك لو سمعتَ له وهو عدوُّك سيُخرِجك من حياة النعيم إلى حياة الشقاء، كما أخرجك من جنة الالتزام بأمر والالتزام بنهي: فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] ولم يقل: فتشقيا.
والحق سبحانه وتعالى وضع لنا في هذه الآية إشارة رمزية منذ أوَّل الخَلْق، لِتَحُلَّ لَنَا مشكلة وقضية ما زال العالم يتحدث فيها إلى الآن وسيظل، إنها قضية خروج المرأة للعمل والمساواة بالرجل، وأن المرأة تريد أن تثبت ذاتها.. الخ.
وعجيبٌ أنْ تطالب المرأةُ بالمزيد من المسئوليات، فهى تريد أنْ تأخذ من مهمة الرجل، في حين أن الرجل لن يأخذ من مهمتها شيئاً، ولن يحمل عنها عبئاً من أعبائها، الرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع. إذن: أخذتِ أنت مهمةَ الرجل مضافاً إليها مهمتك الخاصة التي لا يقوم هو بها، وفي هذا ظلم للمرأة.
فقوله تعالى لآدم فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] دَل منذ أول الخَلْق على أن الشقاء والكدح والعمل وتحمُّل المسئولية مهمة الرجل، وأن المرأة سيدةٌ في بيتها مُعزَّزة مُكرَّمة، وهذه الصورة ظلتْ موروثة في مجتمعاتنا بدون تضليل وبدون انطماس، فحتى الآن حين يتقدَّم شابٌ لخطبة البنت يشترط عليه كبير العائلة يقول (أنت حتستتها ولا حتشغلها) يعني: أتجعلها سيدةً مَصُونةً في بيتها، أم أنك ستخُرِجها للعمل؟
البعض يقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟ فهو إذن مثل الشيطان: هذا عصى وهذا عصى. نقول: عصى آدم وهو فى فترة التدريب التي لا يُؤاخَذ فيها المخطئ، بل نُصحِّح له دون مؤاخذة، فالتلميذ في المدرسة يُصوِّب له المعلم خطأه باللون الأحمر دون أنْ يحاسبه عليه، إلى أنْ يأتيَ اختبار آخر العام، فيحاسبه على الخطأ.
فآدم حين أخطأ كان في فترة التدريب، وقد صَوَّب اللهُ له خَطأه، ثم إنه لم يكُنْ نبياً في هذه الفترة، لأن آدم خُلق ليكون أباً للبشر جميعاً، والبشر سيُقَسَّمون إلى قسمين: قسم مُصْطفى وهم الرسل، وقسم مُصْطَفىً عليه وهم المرسل إليهم.
إذن: آدم في البداية كان يمثل القسمين، وجاءت تجربته تمثل عصيان البشر وعصمة الأنبياء، لذلك أخطأ فصوَّب الله له، ثم تابَ فتابَ الله عليه واصطفاه، وكذلك حال البشر واقرأ: وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ [طه: ١٢١] هذه إشارة إلى ما سيكون من البشر ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: الاجتباء والعصمة جاءت بعد التجربة الأولى؛ لأن آدم مَثَّلَ الجميع، مثّل عصيان البشر، ومثّل عصمة الأنبياء.
هذا الخليفة طرأ على وجود خُلِق له قبل أنْ يُوجد؛ لا أن الله خلقه، ثم نظر ماذا يريد وماذا يحتاج، ثم خلقه سبحانه خَلْقاً يناسب قيامه بمهمته في عمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: ٦١].
ولم يجعل الحق سبحانه العبادات الأصيلة - أي أركان الإسلام - هي كل حركة الحياة، بل جعلها هي الشحنة التي تُعينك على حركة الحياة؛ لذلك مَنْ قال إن الإسلام هو هذه الأركان يؤديها وحسب نقول له: لا لأن هذه الأركان بها تستمد القوة من الله لتنجح في حركة الحياة، والإسلام أوسَعُ من هذه الخمس بكثير، بدليل قوله تعالى في سورة الجمعة: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
إذن: ناداهم وأخذهم من شغل ومن عمل هو قمة حركة الحياة، ألا وهو البيع، وإن كان البيع مرتبطاً بالشراء إلا أنه أقوى، لذلك خَصَّه بالذكر ولم يقُلْ: وذروا البيع والشراء، لماذا؟
قالوا: لأنه سبحانه خالق الطبع الإنساني، ويعلم أن الإنسان ثقيل عند الشراء غير حريص عليه، لكنه حريص عليه، لكنه حريص على البيع ويسعى إليه؛ لذلك عندما يكلِّفك أهل البيت بشراء شيء ربما تماطل في شرائه أو تؤجّله، وتُسَرُّ حين تذهب فتجد المحل مغلقاً، أما لو كنت بائعاً فإنك تحرص كل الحرص على أنْ تبيع، لماذا؟ لأن المشتري ينفق والبائع يأخذ؛ لذلك ذكر الحق سبحانه البيع لأنه ثمرة الحركة.
وبعد انتهاء الصلاة قال: فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ.. [الجمعة: ١٠] إذن: أخذك للصلاة من عمل، وأعادك بعد الصلاة إلى العمل والسعي.
وحين تتأمل لفظ الحديث: يعني: هذه الخمس هي الدعائم التي يقوم عليها الإسلام والمبنى غير المبنى عليه، وهل البناء الذي نسكنه مُكوَّن من الأساس والأعمدة فحسب؟ إذن: الإسلام ليس هو الأركان الخمس، إنما الإسلام أوسع من ذلك، الأركان هي الشحنة التي يستدعيك ربك إليها، فتأخذ من لقائه المددَ الذي يُعينك على القيام بحركة الحياة.
ومثَّلنا ذلك (بالبطارية) حين تذهب بها إلى الشحن، فنحن لا نستفيد بها في فترة الشحن، إنما نعطيها الشحنة اللازمة لتعمل بها بعد ذلك.
ومن عجيب أمر الرحمة الإلهية أن الله تعالى جعل الذهاب إلى شحنة الطاقة الإنسانية فَرْضاً تكليفياً لا بُدَّ لك من القيام به، لا بُدَّ لك أنْ تقابلني خمسَ مرات في اليوم والليلة؛ لأنك خَلْقي وصَنْعتي، والصانع أعلم بما يُصلح صنعته، وتصوَّرْ صنعة تُعْرض على صانعها خمسَ مرات في اليوم والليلة: هل يبقى فيها عطب، هذا في الصانع إنْ كان من البشر، فما بالك في الصانع إنْ كان هو ربّ البشر وخالقهم سبحانه.
الصانع من البشر يُصْلِح صنعته بشيء مادي مثل مسمار أو قطعة غيار مثلاً، أما الخالق سبحانه فيصلحك دون شيء مادي؛ ذلك لأن المهندس وصنعته شيء مادي فيصلح بالمادة، أما الخالق سبحانه فغَيْبٌ، فحين يصلحك من عطب فيك يُصلِحك بالغيب فلا تشعر به ولا تراه.
إذن: نقول لا بُدَّ أنْ نفهم الدين على حقيقته، وأنْ نفهمَ أن لكل مِنَّا مهمة، فإذا تفوَّق عليك غيرك فاعلم أن تفوقه لصالحك وعائد عليك، لأنه بتفوقه يؤدي إليك خدمة، في حين أنه لا يستفيد منك، فالذي يجيد عملاً لا شكَّ أنه ينفع نفسه وينفع الآخرين، على خلاف مَنْ لا يجيد شيئاً.
لذلك نقول في الفلاحين (باب النجار مخلع)، فالنجار تظهر مهارته حينما يصنع لغيره؛ لأنه يتقاضى أجراً، إنما لا يجيد الصناعة لنفسه، إذن: حين ترى المتفوِّق عنك، لا تحسده ولا تحقد عليه، بل تمَنَّ له الزيادة، وتمَنَّ له الخير، فسوف يُصيبك شيء لا محالة من هذا الخير، وسيعود عليك هذا التفوق في شكل خدمة يُقدِّمها لك.
لذلك كنا في الفلاحين، لو مات لأحدنا بقرة أو جاموسة يحزن الجميع، لدرجة أننا رأينا مرة جماعة يُبْكون على عجل مات فتعجبنا، الناس يبكون على الميت منهم، لكن من الحيوانات؟! بعدها عرفنا أن هذا العجل هو الذي يدير الساقية، ويحرث الأرض التي يأكل منها هؤلاء الناس، وينالهم خير هذه الأرض، وكنا في الريف لا نشتري الخيار ولا الملوخية ولا البامية وغيرها كثير، بل كان يُهْدى ولا يُباع.
إذن: الهبة المبذولة عند الخَلْق عائدة على كل الخَلْق، فحين ترى سيفيض عليك، وحين ترى مَنْ يجيد عملاً لا تجيده أنت لا تحقد عليه، لأنك ستحتاجه ليجيد لك عملك حتى لو كنتَ تكرهه، أو على خلاف معه تحرص عليه ليعمل لك، فأنت تعلم مدى إجادته للعمل، فتذهب إليه حرصاً على مصلحتك أنت، وبذلك يتم التعادل المطلوب في المجتمع، وتستقيم أمور الخَلْق استقامةً مبنيةً على الحاجة.
ولو تأملتَ في نفسك كما قال الله تعالى: وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] لوجدتَ في نفسك هذا التعادل بين الأعضاء، فعندك مثلاً اليد اليمنى تزاول بها بعض الأعمال التي تناسبها، واليد اليُسْرى تزاول بها أعمالاً أخرى تناسبها، اليد اليمنى للأعمال الشريفة المكرَّمة، أما اليسرى فهي لما دون ذلك، وغالباً ما تكون اليمين أقوى من الشمال وأكثر حركة منها وأدقّ في التناول.
وتأول مثلاً حين تريد أنْ تقصَّ أظافرك، فإنك تقصّ الشمال باليمين فيأتي القَصُّ دقيقاً مُريحاً، على خلاف قَصِّ اليمين بالشمال، إذن: موهبة اليمين عادتْ على الشمال، وعدم موهبة الشمال عادت على اليمين، وهذا يلفتنا إلى أنَّ الكمالات في الكون كمالاتٌ مُسْتطرقة تستطرق فيه، كاستطراق الماء.
والحق - سبحانه تعالى - حين خلق الإنسان الخليفة أعطى له تكوينات تناسب مهمته، وأول هذه التكوينات الجوارح التي نسميها الحواس التي نُحسّ بها الأشياء، ويُسمُّونها الحواس الخمس الظاهرة، وقولهم الظاهرة احتياط لما سيجدّ من حواس يعرفها العلم، وفعلاً اكتشف في الإنسان حواسّ أخرى غير الخمس كالحاسة التى أعرف بها الجوع، وكحاسة البَيْن التي أميز بها البُعْد بين شيئين، وحاسة العضل التي أعرف بها ثقل الأشياء.
وحين تتأمل هذه الحواس الخمس المعروفة، تجد أن التكليف الشرعي جاء على مقتضى هذا التكوين في الحواس، فلكلِّ حاسة في الإنسان، ولكل جارحة عمل، فأداء كل جارحة لمهمتها يُسمَّى (عمل)، فالقلب يعمل بالنية، واللسان يتكلم، والأذن تسمع، والأنف يشمُّ، واليد تمس الأشياء، والعين ترى، هذا كله عمل.
ولا بُدَّ هنا أنْ نفرق بين العمل والفعل، والفعل يقابله القول الذي هو مهمة اللسان؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف: ٢].
إذن: فالقول، وهو مهمة اللسان أخذ قسماً وحده، وبقية الحواس أخذتْ القسم الآخر، فالقول للسان، والفعل لبقية الحواس، لماذا أخذ اللسانُ الشطر، وبقية الحواس الشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول هو وسيلةُ نقل مطلوب الرسل منا لنفعل، ونقل مطلوباتنا من الغير ليفعلوها.
إذن: فكل الأفعال في خدمة القول، ومنهج الله لا يأتينا إلا بالقول الذي يحمل الأمر للحواسّ فتعمل، والعمل ليس بالضرورة عملاً عضلياً، بل ربما يكون عملاً معنوياً، كعمل القلب وهو النية كما قلنا، والشرع هو الذي يحكم هذه الحواس، ويُحدّد لها الإطار الذي تعمل فيه في ضوء الحلال والحرام.
ومهمة الحواس أنْ تلتقط المدْرَكَات، ثم تعرضها على العقل، فيُصفِّيها تصفيةً حقيقيةً، بأنْ يقارن بينها، ويعرف أن هذه تصلح لكذا، وهذه لكذا، وبعد هذه التصفية يُسلِّمها للقلب لتصير عقيدةً فيه، وكلمة عقيدة تعني الشيء المعقود الذي لا يُفَكُّ، ولا يعرض للنقاش مرة أخرى في العقل، فالطفل الصغير مثلاً يُغريه شكل النار الجميل، فيحاول الإمساك بها، فتحرقه النار، ويُحِسّ لأول مرة بالحرارة، فتتكوّن عنده عقيدة أو قضية عقلية أن النار تحرق، فلا يقترب منها بعد ذلك، ويظل طوال حياته يسير على هذه العقيدة أو هذا المبدأ، ولا يحتاج لأنْ يُجرِّبه مرة أخرى.
هذه العقيدة ساعةَ تستقر في القلب يضخها القلب مع الدم، فتسير في جميع البدن، وتتخلل كل الأعضاء فتتشرَّبها، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: وبعد أن خلق الحق سبحانه للإنسان الجوارحَ والحواسّ خلق الغرائز، وهي أمور لازمة لك، ثابتة في تكوينك، ولا يمكن لك الاستغناء عنها، لكن هذه الغريزة قد تُلِحّ عليك فتخرجك عن الهدف منها، وعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل الشرع لِيكبحَ جماحها، وليُعيدها إلى توازنها الذي خلقها الله من أجله.
يتدخل الشرع لِيُعلي الغريزة ويُهذِّبها، لا ليكبتها ويقضي عليها، فالأكل غريزة لاستبقاء الحياة ويكفي فيه ما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا ينبغي أنْ تخرج عن ذلك، وتتحوَّل إلى شَرَهٍ وتخمة. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله لاستكشاف أسراره في الكون، والتأمل في مخلوقاته، فإنْ خرجت عن هذا الإطار وصارتْ تَجسُّساً وتتبُّعاً للعورات، فقد خردتْ عن مهمتها، وهنا يتدخَّل الشرع ليُعْليها ويُعيد إليها توازنها.
وأعنف غرائز الإنسان الغريزة الجنسية، خاصة في سِنِّ الشباب وهذه الغريزة جعلها الله لحفظ النوع واستبقاء النسل، هذه هي المهمة التي من أجلها خُلِقَتْ غريزة الجنس، وقد حرص الشرع على استبقاء هذه الغريزة مصحوبةً بمنهج حركتها لمَنْ خلقها لتستقيمَ الأمور، لأن النسلَ هو الثروة الأولى التي ينبغي الحفاظ عليها ليأتي النسلُ شريفاً طاهراً.
وسبق أنْ فرَّقْنا بين النسل الشرعي المحسوب على الوالدين، والنسل غير الشرعى، وكيف أن الأول يُقابَل بالفرحة وبالحنان والعطف والرعاية، والآخر يُقابل بالكراهية وعدم الرغبة، وربما فكرتْ أمه في التخلص منه، ولو بإلقائه في الشارع.
من هنا حرص الدين على بناء الأسرة بناءً سليماً فيه شرف وكبرياء وعزَّةُ نفس في ظِلِّ كلمة الله ومنهجه الذي يُؤمِّن لك سلامة نَسْلك، فيأتي موثوقاً به تطمئن إليه، وتعتني به، وتربيه أحسنَ تربية، وهذا هو هدف الشرع.
وسبق أنْ تحدَّثنا عن الفرق بين الحلال والحرام في هذه المسألة، وذكرنا الحديث الشريف: إذن: فهذه الغريزة مخلوقة في النفس البشرية لأداء مهمة، ولكي تبقى في إطار ما خُلِقتْ له، لكن الحاصل أن كثيرين يخرجون بها عن هدفها، والعجيب أنْ يظلمَ الإنسانُ الحيوانَ في هذه المسألة، حين يقول: هذه شهوة بهيمية ويتشدَّق بها.
وهذا القول يدل على عدم فهم لغريزة الحيوان؛ لأن الحيوان يقف بالغريزة عند حدودها كما خلقها الله؛ لذلك لم نَرَ بهيمة أنثى حملتْ ثم مكَّنَتْ فحْلاً منها بعد ذلك، كذلك الفحل يشمُّها، فيعرف أنها حامل فينصرف عنها.
أهذه شهوة بهيمية على حسب ما نقصد نحن من هذه الكلمة؟ لا، بل هي إنسانية.. ولك أنْ تقارن بين هذه الغريزة عند الحيوان وعند الإنسان، وسوف ترى العجب في خروج الإنسان بهذه الغريزة عن المراد منها.
ومن حكمة الخالقِ سبحانه أنْ ربطَ الغريزة الجنسية والنسل بالاستمتاع، ذلك لأن للنسل مطالب وتبعات ومسئوليات، فلو لم تَكنْ هناك متعة تُرغِّب الإنسان لَزَهد في المسألة، وانصرف عنها.
والحق سبحانه وتعالى يأتي للمؤمنين على منهج واحد بأمور متقابلة مثل: العزة والذِّلَّة، فالمؤمن غير مطبوع على عِزَّة دائمة ولا على ذلة دائمة، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه أنْ يكون عزيزاً، أو أنْ يكون ذليلاً، فالذلّة والانكسار لإخوانه المؤمنين والعِزَّة والتعالي على الكافرين الجاحدين، كما قال تعالى في وصف سيدنا رسول الله والمؤمنين: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩].
إذن: فهُمْ أشداء رحماء في وقت واحد، وهذا دليل على أن المؤمن لا تكيفه غرائزه إلا بمعدلات خالق الغرائز.
من التكوينات أيضاً في خَلْق الإنسان بعد الحواس والغرائز أن الله خلق في الإنسان العاطفةَ، والعاطفة شعور لا نعرف سببه؛ لذلك تقابل شخصاً فترتاح إليه وآخر تكرهه هكذا دون سابق تعامل، لماذا إذن تحب هذا وتكره ذاك؟ إنها العاطفة؛ لذلك تحب ولدك ولو كان غبياً؛ لأنك تحبه بعاطفتك، وتحب ابن عدوك الذكي تحبه بعقلك.. لذلك لم يجعل الحق سبحانه العاطفةَ مجالاً للتكليف.
ويبيِّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العاطفة في قوله لصحابته، وفيهم سيدنا عمر: وقفتْ هذه الكلمة في نفس عمر. فقال: يا رسول الله، أنت أحب إليَّ من أمي وأبي أو من ولدي ومالي، لكن نفسي يا رسول الله؟ فكرَّرها رسول الله مرة أخرى، حتى علم عمر أنها عزيمة، ولا بُدَّ أن رسول الله يقصد حباً غير الذي يراه عمر، إنه يقصد الحبَّ العقلي، عندها قال عمر: الآن يا رسول الله، يعني: الآن أصبحتَ أحب إليَّ من أبي وأمي، وأحب إليَّ من ولدي ومالي، وأحب إليَّ من نفسي التي بين جَنْبَيَّ.
إذن: المراد في حب رسول الله الحب العقلي، فلولاه صلى الله عليه وسلم ما اهتدينا ولا بلغنا الهدى، ولولاه لهلكنا، فأنت تحب محمداً صلى الله عليه وسلم كما تحب الدواء المرَّ، لا تحبه بعاطفتك إنما بعقلك؛ لذلك فهم سيدنا عمر أن الحب المطلوب شرعاً حبّ العقل، وإنْ تحوَّل بعد ذلك إلى عاطفة وعشق للذات، وهذه درجة أخرى أعلى من الأولى.
والقرآن الكريم يُعلِّمنا هذا في قول الله تعالى: ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة: ٨] يعني: لا يحملنكم البغض لقوم أنْ تظلموهم، وألاَّ تعدلوا معهم، إذن: البُغْض غير ممنوع؛ لأنه مسألة عاطفية، فأحبب مَنْ شئتَ، وابغضْ مَنْ شئتَ، لكن إياك أنْ يحملَك الحبُّ أو البُغْض على أنّ تظلم بأنْ تجامل مَنْ تحب، وتظلم مَنْ تكره.
ولأن العواطف بهذا الشكل، يعني: ليس لها انضباط في الذات خرجتْ من نطاق التكاليف الشرعية؛ لأنك لا تعرف لماذا مالتْ بك العاطفة لأنْ تحبَّ أو تكره.
وحين نتأمل الحواسَّ والغرائز والعاطفة نجد أن الحواسَّ ظاهرةٌ معروفة؛ فالعين ترى، والأذن تسمع.. الخ. وكذلك الغرائز ظاهرة بأثرها وأسبابها، فحين تجوع تطلب الطعام، وحين تريد أهلك تحِنُّ إليهم، أما العاطفة فشيء خفي غير ظاهر، لذلك يضرب لها القرآن مثلاً ليس في الإنسان ولا حتى فيما دونه من الحيوان أو النبات إنما مثلاً في الجماد، واقرأ قوله تعالى في عاقبة الكافرين قوم فرعون: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ.. [الدخان: ٢٩].
ومعلوم أن البكاء مظهرٌ عاطفيٌّ، فهل تبكي السماء؟ وهل تبكي الأرض؟ نعم تبكي وتنفعل، وكأنها تقول لهؤلاء: اذهبوا غَيْرَ مأسوف عليكم، وإلا لما نفى الله عنها البكاءَ، ولِمَ نستبعد ذلك؟ والسماء والأرض خَلْق من خَلْق الله خاضع للتسخير، ألم يَقُل الحق سبحانه: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
إذن: لا غرابة أنْ يفرح الجماد حين يجد مَنْ يُسبِّح معه وينسجم مع الكون المسبِّح، ولا غرابةَ أنْ يحزن، وأنْ يبكي عندما يشذّ البشر عن هذه المنظومة المسبِّحة، وعليه يمكن القول بأن السماء والأرض لم تَبْك على هلاك قوم فرعون، وفرحتْ لهداية آسية امرأة فرعون. إذن: للسماء والأرض انفعال وعاطفة فهي تحب وتكره، وتبكي وتفرح.
وهذا المعنى أوضحه لنا الإمام علي رضي الله عنه، حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله - يبكيه لأنه حُرِم من صعود الكَلِم الطيب والعمل الصالح - أما موضعه في الأرض فمُصلاَّهُ - يعني: المكان الذي كان يُصلِّي فيه.
كانت هذه مقدمة ضرورية ندخل بها على قِصَّة سيدنا لوطٍ في قوله تعالى:
وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ... .
آية رقم ١٣٢
ﭩﭪﭫﭬ
ﭭ
قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ [الصافات: ١٢٧] كشأن كل الأقوام التي جاءها الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ولا بُدَّ أنْ يُكذبَ الرسل، يُكذّبهم أهلُ الفساد والمنتفعون من الفساد، يُكذِّبهم سَادَةُ القوم وكبراؤهم، لتظلَّ لهم سيادتهم وجبروتهم واستعبادهم للضعفاء فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٢٧] أي: عندنا للحساب تحضرهم ملائكة العذاب، والمعنى: لا تظنوا أنكم تُفلتون من أيدينا، لأن لكم مَعاداً ورجعة كما قال سبحانه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
وقوله: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٢٨] أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته، ثم تُختم هذه القصة الموجزة لهذا النبي الكريم بما خُتِمتْ به سابقتها وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٩-١٣٢].
ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسانَ فَرْعُ الإيمان، يعني ما كان مُحسِناً إلا لأنه كان مؤمناً أولاً.
هكذا لخَّص لنا القرآن قصة هذا النبي، وبيَّن أنه جاء بقضية عقدية لا قضية تكليفية، جاء ليُصحِّح للقوم الأساسَ والقاعدةَ التي تُبنى عليها الحياة، وهذه مهمة الرسل من لدُن آدم عليه السلام، فقد خلق اللهُ آدمَ أبا البشر خليفةً في الأرض. ومعنى خليفة في الأرض أنْ يزاولَ في الأرض مهمة عن الحق سبحانه وتعالى.
ولكي يزاول هذه المهمة أمَدَّه الله بصفات من صفاته، وهذه الصفات موهوبة ممدودة ليست ذاتية في الخليفة، لذلك يسلبها الخالق في أيّ وقت، فالله تعالى هو واجب الوجود الأعلى، وهو المتصف بهذه الصفات بذاته، فالله قادر ويعطيك من قدرته قدرةً، وحكيم ويهبك من حكمته حكمةً تزاول بها الأشياء، والله قهَّار ويعطيك قهارية تزجر بها مَنْ كان تحت تصرُّفك لتستقيم أمورهم، ويعطيك رحمانية تحنُو بها على الضعيف والمحتاج.
إذن: فمن صفات الحقِّ واجب الوجود الأعلى أنه يعطينا من وجوده وجوداً، بل وجوداتٍ متعددة بتعدُّد الأفراد ومتوالية الأمثال، لكن يعطي سبحانه من الوجود الذاتي وجوداً عَرَضياً. فإنْ نظرتَ إلى الآفات التي تصيب الناسَ في حواسِّهم أو في جوارحهم تجدها مرادةً لله تعالى خلقاً أو توجّهاً، لماذا؟ لأن الإنسان كما أخبر عنه خالقه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وضربنا لذلك مثلاً بالولد مع أبيه، فلو أن الأب يعطي ولده المصروف كلَّ شهر تجد الولد لا يحرص على لقاء أبيه إلا كل شهر، إنما لو أعطاه يوماً بيوم لتعرَّض له الولد كل يوم وتمحَّك فيه، وأظهر نفسه ليأخذ مصروفه الذي تعوَّد عليه، فتراه مثلاً يمرُّ على أبيه في الصباح. ويقول: يا أبي أنا رايح المدرسة، فالحاجة هي التي ألجأتْه لمودَّة أبيه.
إذن: يجب أنْ نُفسِّر فلسفة الحاجات التي تُعوز النتيجة، وهذه الحاجات هي التي تُلجئك إلى ربك، والواقع يؤيد ذلك، وكثيراً ما نرى الإنسان لا يلجأ لربه ولا يُصلح ما بينه وبين خالقه إلا إذا اختلَّ عنده شيء، وعزَّتْ عليه أسبابه، فلا يجد إلا ربه فيقول: يا رب، يا الله.
إذن نقول: الخالق يَهبُ الخليفةَ من صفاته، لكن تظل هذه الصفات الموهوبة عَرَضيةً غير دائمة؛ لذلك يموت الإنسان جنيناً، ويموت طفلاً، ويموت شاباً وكهلاً وشيخاً، وهذه القضية تُفسِّر لنا الحديث الشريف:
فالهاء يجوز أن تعود على الله تعالى، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته تعالى، لا على حقيقته، وفَرْق بين الصورة والحقيقة، الصورة هى التي تُؤخذ لك لقطة على هيئة معينة، ثم تتجمد على هذه الهيئة، إذن: هذا الخلق لا يعني أن آدم أخذ شيئاً من صفات الله على الحقيقة، لا إنما على الصورة، لأن الحقيقة لها دوام، والصفات في آدم لا دوامَ لها.
ويجوز أنْ تعود الهاء على آدم، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته أي على صورة آدم؛ لأن الله تعالى لم يخلق آدم جنيناً، ثم وُلِد ثم صار طفلاً فشاباً، لا بل خلقه أول الأمر هكذا على هذه الهيئة المعروفة للإنسان الكامل الأعضاء والجوارح. إذن: يجوز الوجهان.
وفَرْقٌ بين مَنْ يخلق، ومَنْ يخلق مَنْ يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير لا يقدر مثلاً على نقل المائدة من مكانها، أما الرجل القوي فيستطيع أنْ ينقلها له، وهو في هذه الحالة لم يُعَدِّ قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدَّى له أثرَ صفته فحمل عنه واشتال له، وظلَّ الطفل ضعيفاً غير قادر على الحَمْل.
لذلك نقول: إن وَجْه العظمة في خَلْق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق من قدرته قدرةً، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدك، فالخَلْق يتطوَّعون ويُعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفاً، أما الخالق سبحانه فيعطي الضعيف قوةً فيفعل بنفسه.
لكن تنبَّه أن هذه الصفات موهوبةٌ لك لا ذاتية فيك؛ لأنك لستَ أصيلاً في الوجود بل أنت خليفة، ولا بُدَّ لك أنْ تظلَّ في حضن مَنِ استخلفك، وإياك أنْ تشذّ عَمَّنْ استخلفك، وإلا سحبَ منك مقومات هذا الاستخلاف.
وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا أعور وهذا أعرج.. الخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتكَ إليه، ويُنبِّهك إلى أنك لست أصيلاً في الوجود إنما مُسْتخلَفٌ، وأنك شيء ما دام معك مَنِ استخلفك، فإنْ تخلَّى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في الكون أنْ يعتبر نفسه أصيلاً، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامتْ الأمور.
البعض ينظر إلى هذه العاهات على أنها تشويه للخَلْق ولا يرى فيها حكمة، والحقيقة أنها خُلِقَت لحكمةٍ مرادةٍ لله تعالى، وما هي إلا وسيلةُ إيضاحٍ للناس كي لا تغترّ بالجوارح السليمة، وكي تظلَّ على ذِكْر لله الخالق، وكما قلنا الحاجة هي التي تُلجئك.
ونحن نرى مثلاً رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة مُحطَّمة، ويجعلونها في مكان بارز يراه الناسُ ليرتدع السائقون عن الرعونة في السُّرعة، فهذه السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جُعِل كذلك لهدف، وربما تعمَّدوا إعدام السيارة لما يترتَّبُ على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات.
كذلك أنت أيها المعَافَى، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نِعَم الله عليك التي كثيراً ما تغفل عنها، فإنْ قُلْتَ: فما ذنبُ هذا المبتلى أنْ يجعله اللهُ وسيلةَ إيضاحٍ لغيره؟
نقول: لو أدركتَ ما وجده من العِوَض عما فقد لتمنيتَ أن تكون مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوَّضهم الله بخصلة أخرى تُعوِّض ما فيه من نقص؛ لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد الذراعين (يلضم) الخيط في الإبرة برِجلْيه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا يستطيعها الأصحاء.
وسبق أنْ قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفتَ أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، ففيها من القوة ما ليس للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوَّته في هذه اليد.
ونحن نقول لإخواننا الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصَّلوا من العلم ما يعجز عنه المبصرون؛ ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من حوله، أما المكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائماً خالية جاهزة للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يُقرأ له، فيُنصت جيداً، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى؛ لذلك قال أحدهم:
عَمِيتُ جَنيناً وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى فَجِئتُ عَجِيبَ الظنِّ لِلعِلْم مَوئِلاً
وَغَابَ ضِياءُ العَيْن بالقَلْبِ رَافِداً لعلمٍ إذَا مَا ضَيَّع الناسُ حَصَّلاَ
إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ولا ننظر إلى ما عُوِّضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أنْ قلنا: إن الذي أبدع السيمْفونية العالمية المشهورة كان أصمَّ!! وتيمورلنك الذي دوَّخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرجَ!!
والمؤمن الحق حين يرى غيره ممَّن ابتلاهم الله لا يتعالَى عليهم ولا يدلّ عليهم بسلامة جوارحه، إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عِوَض فيقول في نفسه: يا ترى في أيِّ الجوانب تتفوَّق عليَّ وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى الجميع.
نقول: فعلى الإنسان أنْ يظلَّ دائماً على ذِكْر لهذه الحقيقة أنه خليفةٌ لله في الكون ليس أصيلاً فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين تُوكِّل غيرك في شيء بعينه، فإنِ اعتبر نفسه وكيلاً في كل شيء فسدتْ الوكالة؛ لذلك نرى العقلاء حين يُوكِّلون غيرهم يُوكِّلون على قَدْر الحاجة والضرورة حتى لا تُستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق الأصيل.
وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أنْ يظلَّ خليفةً محتاجاً لمن استخلفه، والعادة أن الاستغناء يُنسِيك، والحاجة تُلجِئك وتعطفك إلى مَنِ استخلفك.
ولما خلق اللهُ آدمَ ليكون خليفةً في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يُعِدَّهُ لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلاً اللاعب الذي نعده لمجرد أنْ يلعب فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاءه، إلى أنْ يصلَ إلى المستوى المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟
كذلك الحق - سبحانه وتعالى - درَّبَ آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس: وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ [البقرة: ٣٥].
وهكذا حدَّد الخالق سبحانه لآدم كيفيةَ معيشته في الجنة، فأحلَّ له أنْ يأكلَ منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال كثير لا يُعَدُّ ولا يُحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نصٌّ يحرمه وهو محصور في أشياء بعينها.
وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه: وَلاَ تَقْرَبَا [البقرة: ٣٥] ولم يقُلْ: ولا تأكلا، فالمنهيُّ عنه مجرد قُربها؛ لأن قُرْبك من المحرم يُغريكَ به حتى تقع فيه؛ لذلك تجد أسلوب القرآن في الأوامر يقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أما في النواهي فيقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
لذلك لما حرّم الإسلامُ الخمرَ لم يحرم شُرْبها فحسب، إنما حرَّم كلَّ ما يتصل بها من بيع أو شراء أو نقل أو صناعة، أو حتى التواجد في مكان هي فيه، لماذا؟ لِيَسُدَّ كل الطرق المؤدية إليها المُغْرية بها.
وحين يُبين لنا الحق سبحانه الحلالَ والحرامَ والأوامر والنواهي، فإنما يلفت أنظارنا إلى قضية مهمة، وكأنه يقول لنا: إن استقمتَ على منهجنا وتكليفنا لك ستظلّ حياتك سليمةً بلا عورة، خالية من المشاكل والصعاب، فإنْ تعدَّيْتَ هذه الحدود فانتظر ظهور العورات في المجتمع، سواء أكانت عوراتٍ اجتماعية، أم أخلاقية، أم اقتصادية.. الخ.
وفي قصة آدم - عليه السلام - حين أكل من الشجرة رمز إلى هذه المسألة، كيف؟ لَمَّا استقامَ آدمُ على منْهج ربه والتزم بما أمره الله به عاش في الجنة معافَى بلا سَوْءةٍ، فلما خالف وأطاع وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها بدتْ سوءتُه لأول مرة، لأنه لما استقام كان يأكل بطهي ربه له وهو طهْي على قَدْر حاجة الجسم ومُقوِّمات الحياة فلا يبقى منه شيء، يخرج فضلات من الجسم.
ولكن لما تدخلتْ الشهوة، وأطاع الشيطان أفسد الخلطة الغذائية التي أُعِدَّتْ له، فتكوَّنت في بطنه الفضلات وأحسَّ لأول مرة بشيء غريب لم يعهده، وفوجئ بأنْ خُرْقاً في بدنه يخرج منه شيء قذر كريه الرائحة.
لذلك عرف آدم أنها عورة ينبغي أنْ تُستر، فأخذ يقطع من أوراق الشجر ليستر عورته، ويداري سَوْءَته، هذا قوله تعالى: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ [الأعراف: ٢٢].
وقد رأينا في أثناء الحروب أن الجندي يتغذَّى على قرص صغير يؤدي مهمة الوجبة الغذائية، لكن لا يترك فضلات في الجسم، ذلك لتخفَّ مؤونة التموين، ولا يحتاج الجندي لعملية الإخراج.
إذن: في قصة آدم والأكل من الشجرة إشارة رمزية إلى أن أحكامَ الله ما دامتْ مُنفَّذة يستقيم حال البلاد والعباد، ولا تظهر في المجتمع عورات ومساوئ، لذلك حين ترى في المجتمع عورة ظهرت في أي ناحية: علمية، اقتصادية، اجتماعية، خلقية.. الخ فاعلم أن بنداً من بنود منهج الله قد عُطِّل، فابحث عنه، وحاول إصلاحه بنفسك أولاً، إنْ كان الإصلاح في مقدورك؛ لذلك قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. [الرعد: ١١].
وآدم - عليه السلام - وقع في هذه المخالفة بعد أن بيَّن الله له ما أحلَّ له وما حرَّم عليه، وبيَّن له عداوة الشيطان، وأنها عداوة مُسبقة منذ أمره الله بالسجود فلم يسجد، ومع ذلك سمع آدم لوسوسة الشيطان، وكان عليه أنْ يُعمل نعمة العقل، وأنْ يفكر فيما قاله عدوه إبليس، حين قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠].
يعني: أن مَنْ يأكل من هذه الشجرة يخلد ولا يموت، إذن: لماذا لم تأكل أنت يا إبليس منها، ما دام الأمر كذلك؟ ألستَ القائل لله تعالى: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] فهنا إشارة إلى وجوب التفكر في وسوسة الشيطان وعدم الخضوع له.
إذن: ففترة وجود آدم في الجنة كانت فترةَ التدريب على المنهج الخلافي، فلما حدثتْ منه المخالفة وحصل منه عصيان أراد الله أنْ يُخرجه من الجنة، وأنْ يُنزِله إلى حياة الأرض ليتحرك فيها حركةَ الخليفة، مُستصحباً للتجربة السابقة.
وكأن الله يقول له: خُذْ من الحلال ما شئتَ، وابتعد عن الحرام واحذر الشيطان فهو عدوك، وسيظل يوسوس لك ليُوقِعك في المخالفة كما أوقعك في المخالفة الأولى، فإياك أنْ تسمعَ له لأنك لو سمعتَ له وهو عدوُّك سيُخرِجك من حياة النعيم إلى حياة الشقاء، كما أخرجك من جنة الالتزام بأمر والالتزام بنهي: فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] ولم يقل: فتشقيا.
والحق سبحانه وتعالى وضع لنا في هذه الآية إشارة رمزية منذ أوَّل الخَلْق، لِتَحُلَّ لَنَا مشكلة وقضية ما زال العالم يتحدث فيها إلى الآن وسيظل، إنها قضية خروج المرأة للعمل والمساواة بالرجل، وأن المرأة تريد أن تثبت ذاتها.. الخ.
وعجيبٌ أنْ تطالب المرأةُ بالمزيد من المسئوليات، فهى تريد أنْ تأخذ من مهمة الرجل، في حين أن الرجل لن يأخذ من مهمتها شيئاً، ولن يحمل عنها عبئاً من أعبائها، الرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع. إذن: أخذتِ أنت مهمةَ الرجل مضافاً إليها مهمتك الخاصة التي لا يقوم هو بها، وفي هذا ظلم للمرأة.
فقوله تعالى لآدم فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] دَل منذ أول الخَلْق على أن الشقاء والكدح والعمل وتحمُّل المسئولية مهمة الرجل، وأن المرأة سيدةٌ في بيتها مُعزَّزة مُكرَّمة، وهذه الصورة ظلتْ موروثة في مجتمعاتنا بدون تضليل وبدون انطماس، فحتى الآن حين يتقدَّم شابٌ لخطبة البنت يشترط عليه كبير العائلة يقول (أنت حتستتها ولا حتشغلها) يعني: أتجعلها سيدةً مَصُونةً في بيتها، أم أنك ستخُرِجها للعمل؟
البعض يقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟ فهو إذن مثل الشيطان: هذا عصى وهذا عصى. نقول: عصى آدم وهو فى فترة التدريب التي لا يُؤاخَذ فيها المخطئ، بل نُصحِّح له دون مؤاخذة، فالتلميذ في المدرسة يُصوِّب له المعلم خطأه باللون الأحمر دون أنْ يحاسبه عليه، إلى أنْ يأتيَ اختبار آخر العام، فيحاسبه على الخطأ.
فآدم حين أخطأ كان في فترة التدريب، وقد صَوَّب اللهُ له خَطأه، ثم إنه لم يكُنْ نبياً في هذه الفترة، لأن آدم خُلق ليكون أباً للبشر جميعاً، والبشر سيُقَسَّمون إلى قسمين: قسم مُصْطفى وهم الرسل، وقسم مُصْطَفىً عليه وهم المرسل إليهم.
إذن: آدم في البداية كان يمثل القسمين، وجاءت تجربته تمثل عصيان البشر وعصمة الأنبياء، لذلك أخطأ فصوَّب الله له، ثم تابَ فتابَ الله عليه واصطفاه، وكذلك حال البشر واقرأ: وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ [طه: ١٢١] هذه إشارة إلى ما سيكون من البشر ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: الاجتباء والعصمة جاءت بعد التجربة الأولى؛ لأن آدم مَثَّلَ الجميع، مثّل عصيان البشر، ومثّل عصمة الأنبياء.
هذا الخليفة طرأ على وجود خُلِق له قبل أنْ يُوجد؛ لا أن الله خلقه، ثم نظر ماذا يريد وماذا يحتاج، ثم خلقه سبحانه خَلْقاً يناسب قيامه بمهمته في عمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: ٦١].
ولم يجعل الحق سبحانه العبادات الأصيلة - أي أركان الإسلام - هي كل حركة الحياة، بل جعلها هي الشحنة التي تُعينك على حركة الحياة؛ لذلك مَنْ قال إن الإسلام هو هذه الأركان يؤديها وحسب نقول له: لا لأن هذه الأركان بها تستمد القوة من الله لتنجح في حركة الحياة، والإسلام أوسَعُ من هذه الخمس بكثير، بدليل قوله تعالى في سورة الجمعة: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
إذن: ناداهم وأخذهم من شغل ومن عمل هو قمة حركة الحياة، ألا وهو البيع، وإن كان البيع مرتبطاً بالشراء إلا أنه أقوى، لذلك خَصَّه بالذكر ولم يقُلْ: وذروا البيع والشراء، لماذا؟
قالوا: لأنه سبحانه خالق الطبع الإنساني، ويعلم أن الإنسان ثقيل عند الشراء غير حريص عليه، لكنه حريص عليه، لكنه حريص على البيع ويسعى إليه؛ لذلك عندما يكلِّفك أهل البيت بشراء شيء ربما تماطل في شرائه أو تؤجّله، وتُسَرُّ حين تذهب فتجد المحل مغلقاً، أما لو كنت بائعاً فإنك تحرص كل الحرص على أنْ تبيع، لماذا؟ لأن المشتري ينفق والبائع يأخذ؛ لذلك ذكر الحق سبحانه البيع لأنه ثمرة الحركة.
وبعد انتهاء الصلاة قال: فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ.. [الجمعة: ١٠] إذن: أخذك للصلاة من عمل، وأعادك بعد الصلاة إلى العمل والسعي.
وحين تتأمل لفظ الحديث: يعني: هذه الخمس هي الدعائم التي يقوم عليها الإسلام والمبنى غير المبنى عليه، وهل البناء الذي نسكنه مُكوَّن من الأساس والأعمدة فحسب؟ إذن: الإسلام ليس هو الأركان الخمس، إنما الإسلام أوسع من ذلك، الأركان هي الشحنة التي يستدعيك ربك إليها، فتأخذ من لقائه المددَ الذي يُعينك على القيام بحركة الحياة.
ومثَّلنا ذلك (بالبطارية) حين تذهب بها إلى الشحن، فنحن لا نستفيد بها في فترة الشحن، إنما نعطيها الشحنة اللازمة لتعمل بها بعد ذلك.
ومن عجيب أمر الرحمة الإلهية أن الله تعالى جعل الذهاب إلى شحنة الطاقة الإنسانية فَرْضاً تكليفياً لا بُدَّ لك من القيام به، لا بُدَّ لك أنْ تقابلني خمسَ مرات في اليوم والليلة؛ لأنك خَلْقي وصَنْعتي، والصانع أعلم بما يُصلح صنعته، وتصوَّرْ صنعة تُعْرض على صانعها خمسَ مرات في اليوم والليلة: هل يبقى فيها عطب، هذا في الصانع إنْ كان من البشر، فما بالك في الصانع إنْ كان هو ربّ البشر وخالقهم سبحانه.
الصانع من البشر يُصْلِح صنعته بشيء مادي مثل مسمار أو قطعة غيار مثلاً، أما الخالق سبحانه فيصلحك دون شيء مادي؛ ذلك لأن المهندس وصنعته شيء مادي فيصلح بالمادة، أما الخالق سبحانه فغَيْبٌ، فحين يصلحك من عطب فيك يُصلِحك بالغيب فلا تشعر به ولا تراه.
إذن: نقول لا بُدَّ أنْ نفهم الدين على حقيقته، وأنْ نفهمَ أن لكل مِنَّا مهمة، فإذا تفوَّق عليك غيرك فاعلم أن تفوقه لصالحك وعائد عليك، لأنه بتفوقه يؤدي إليك خدمة، في حين أنه لا يستفيد منك، فالذي يجيد عملاً لا شكَّ أنه ينفع نفسه وينفع الآخرين، على خلاف مَنْ لا يجيد شيئاً.
لذلك نقول في الفلاحين (باب النجار مخلع)، فالنجار تظهر مهارته حينما يصنع لغيره؛ لأنه يتقاضى أجراً، إنما لا يجيد الصناعة لنفسه، إذن: حين ترى المتفوِّق عنك، لا تحسده ولا تحقد عليه، بل تمَنَّ له الزيادة، وتمَنَّ له الخير، فسوف يُصيبك شيء لا محالة من هذا الخير، وسيعود عليك هذا التفوق في شكل خدمة يُقدِّمها لك.
لذلك كنا في الفلاحين، لو مات لأحدنا بقرة أو جاموسة يحزن الجميع، لدرجة أننا رأينا مرة جماعة يُبْكون على عجل مات فتعجبنا، الناس يبكون على الميت منهم، لكن من الحيوانات؟! بعدها عرفنا أن هذا العجل هو الذي يدير الساقية، ويحرث الأرض التي يأكل منها هؤلاء الناس، وينالهم خير هذه الأرض، وكنا في الريف لا نشتري الخيار ولا الملوخية ولا البامية وغيرها كثير، بل كان يُهْدى ولا يُباع.
إذن: الهبة المبذولة عند الخَلْق عائدة على كل الخَلْق، فحين ترى سيفيض عليك، وحين ترى مَنْ يجيد عملاً لا تجيده أنت لا تحقد عليه، لأنك ستحتاجه ليجيد لك عملك حتى لو كنتَ تكرهه، أو على خلاف معه تحرص عليه ليعمل لك، فأنت تعلم مدى إجادته للعمل، فتذهب إليه حرصاً على مصلحتك أنت، وبذلك يتم التعادل المطلوب في المجتمع، وتستقيم أمور الخَلْق استقامةً مبنيةً على الحاجة.
ولو تأملتَ في نفسك كما قال الله تعالى: وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] لوجدتَ في نفسك هذا التعادل بين الأعضاء، فعندك مثلاً اليد اليمنى تزاول بها بعض الأعمال التي تناسبها، واليد اليُسْرى تزاول بها أعمالاً أخرى تناسبها، اليد اليمنى للأعمال الشريفة المكرَّمة، أما اليسرى فهي لما دون ذلك، وغالباً ما تكون اليمين أقوى من الشمال وأكثر حركة منها وأدقّ في التناول.
وتأول مثلاً حين تريد أنْ تقصَّ أظافرك، فإنك تقصّ الشمال باليمين فيأتي القَصُّ دقيقاً مُريحاً، على خلاف قَصِّ اليمين بالشمال، إذن: موهبة اليمين عادتْ على الشمال، وعدم موهبة الشمال عادت على اليمين، وهذا يلفتنا إلى أنَّ الكمالات في الكون كمالاتٌ مُسْتطرقة تستطرق فيه، كاستطراق الماء.
والحق - سبحانه تعالى - حين خلق الإنسان الخليفة أعطى له تكوينات تناسب مهمته، وأول هذه التكوينات الجوارح التي نسميها الحواس التي نُحسّ بها الأشياء، ويُسمُّونها الحواس الخمس الظاهرة، وقولهم الظاهرة احتياط لما سيجدّ من حواس يعرفها العلم، وفعلاً اكتشف في الإنسان حواسّ أخرى غير الخمس كالحاسة التى أعرف بها الجوع، وكحاسة البَيْن التي أميز بها البُعْد بين شيئين، وحاسة العضل التي أعرف بها ثقل الأشياء.
وحين تتأمل هذه الحواس الخمس المعروفة، تجد أن التكليف الشرعي جاء على مقتضى هذا التكوين في الحواس، فلكلِّ حاسة في الإنسان، ولكل جارحة عمل، فأداء كل جارحة لمهمتها يُسمَّى (عمل)، فالقلب يعمل بالنية، واللسان يتكلم، والأذن تسمع، والأنف يشمُّ، واليد تمس الأشياء، والعين ترى، هذا كله عمل.
ولا بُدَّ هنا أنْ نفرق بين العمل والفعل، والفعل يقابله القول الذي هو مهمة اللسان؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف: ٢].
إذن: فالقول، وهو مهمة اللسان أخذ قسماً وحده، وبقية الحواس أخذتْ القسم الآخر، فالقول للسان، والفعل لبقية الحواس، لماذا أخذ اللسانُ الشطر، وبقية الحواس الشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول هو وسيلةُ نقل مطلوب الرسل منا لنفعل، ونقل مطلوباتنا من الغير ليفعلوها.
إذن: فكل الأفعال في خدمة القول، ومنهج الله لا يأتينا إلا بالقول الذي يحمل الأمر للحواسّ فتعمل، والعمل ليس بالضرورة عملاً عضلياً، بل ربما يكون عملاً معنوياً، كعمل القلب وهو النية كما قلنا، والشرع هو الذي يحكم هذه الحواس، ويُحدّد لها الإطار الذي تعمل فيه في ضوء الحلال والحرام.
ومهمة الحواس أنْ تلتقط المدْرَكَات، ثم تعرضها على العقل، فيُصفِّيها تصفيةً حقيقيةً، بأنْ يقارن بينها، ويعرف أن هذه تصلح لكذا، وهذه لكذا، وبعد هذه التصفية يُسلِّمها للقلب لتصير عقيدةً فيه، وكلمة عقيدة تعني الشيء المعقود الذي لا يُفَكُّ، ولا يعرض للنقاش مرة أخرى في العقل، فالطفل الصغير مثلاً يُغريه شكل النار الجميل، فيحاول الإمساك بها، فتحرقه النار، ويُحِسّ لأول مرة بالحرارة، فتتكوّن عنده عقيدة أو قضية عقلية أن النار تحرق، فلا يقترب منها بعد ذلك، ويظل طوال حياته يسير على هذه العقيدة أو هذا المبدأ، ولا يحتاج لأنْ يُجرِّبه مرة أخرى.
هذه العقيدة ساعةَ تستقر في القلب يضخها القلب مع الدم، فتسير في جميع البدن، وتتخلل كل الأعضاء فتتشرَّبها، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: وبعد أن خلق الحق سبحانه للإنسان الجوارحَ والحواسّ خلق الغرائز، وهي أمور لازمة لك، ثابتة في تكوينك، ولا يمكن لك الاستغناء عنها، لكن هذه الغريزة قد تُلِحّ عليك فتخرجك عن الهدف منها، وعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل الشرع لِيكبحَ جماحها، وليُعيدها إلى توازنها الذي خلقها الله من أجله.
يتدخل الشرع لِيُعلي الغريزة ويُهذِّبها، لا ليكبتها ويقضي عليها، فالأكل غريزة لاستبقاء الحياة ويكفي فيه ما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا ينبغي أنْ تخرج عن ذلك، وتتحوَّل إلى شَرَهٍ وتخمة. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله لاستكشاف أسراره في الكون، والتأمل في مخلوقاته، فإنْ خرجت عن هذا الإطار وصارتْ تَجسُّساً وتتبُّعاً للعورات، فقد خردتْ عن مهمتها، وهنا يتدخَّل الشرع ليُعْليها ويُعيد إليها توازنها.
وأعنف غرائز الإنسان الغريزة الجنسية، خاصة في سِنِّ الشباب وهذه الغريزة جعلها الله لحفظ النوع واستبقاء النسل، هذه هي المهمة التي من أجلها خُلِقَتْ غريزة الجنس، وقد حرص الشرع على استبقاء هذه الغريزة مصحوبةً بمنهج حركتها لمَنْ خلقها لتستقيمَ الأمور، لأن النسلَ هو الثروة الأولى التي ينبغي الحفاظ عليها ليأتي النسلُ شريفاً طاهراً.
وسبق أنْ فرَّقْنا بين النسل الشرعي المحسوب على الوالدين، والنسل غير الشرعى، وكيف أن الأول يُقابَل بالفرحة وبالحنان والعطف والرعاية، والآخر يُقابل بالكراهية وعدم الرغبة، وربما فكرتْ أمه في التخلص منه، ولو بإلقائه في الشارع.
من هنا حرص الدين على بناء الأسرة بناءً سليماً فيه شرف وكبرياء وعزَّةُ نفس في ظِلِّ كلمة الله ومنهجه الذي يُؤمِّن لك سلامة نَسْلك، فيأتي موثوقاً به تطمئن إليه، وتعتني به، وتربيه أحسنَ تربية، وهذا هو هدف الشرع.
وسبق أنْ تحدَّثنا عن الفرق بين الحلال والحرام في هذه المسألة، وذكرنا الحديث الشريف: إذن: فهذه الغريزة مخلوقة في النفس البشرية لأداء مهمة، ولكي تبقى في إطار ما خُلِقتْ له، لكن الحاصل أن كثيرين يخرجون بها عن هدفها، والعجيب أنْ يظلمَ الإنسانُ الحيوانَ في هذه المسألة، حين يقول: هذه شهوة بهيمية ويتشدَّق بها.
وهذا القول يدل على عدم فهم لغريزة الحيوان؛ لأن الحيوان يقف بالغريزة عند حدودها كما خلقها الله؛ لذلك لم نَرَ بهيمة أنثى حملتْ ثم مكَّنَتْ فحْلاً منها بعد ذلك، كذلك الفحل يشمُّها، فيعرف أنها حامل فينصرف عنها.
أهذه شهوة بهيمية على حسب ما نقصد نحن من هذه الكلمة؟ لا، بل هي إنسانية.. ولك أنْ تقارن بين هذه الغريزة عند الحيوان وعند الإنسان، وسوف ترى العجب في خروج الإنسان بهذه الغريزة عن المراد منها.
ومن حكمة الخالقِ سبحانه أنْ ربطَ الغريزة الجنسية والنسل بالاستمتاع، ذلك لأن للنسل مطالب وتبعات ومسئوليات، فلو لم تَكنْ هناك متعة تُرغِّب الإنسان لَزَهد في المسألة، وانصرف عنها.
والحق سبحانه وتعالى يأتي للمؤمنين على منهج واحد بأمور متقابلة مثل: العزة والذِّلَّة، فالمؤمن غير مطبوع على عِزَّة دائمة ولا على ذلة دائمة، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه أنْ يكون عزيزاً، أو أنْ يكون ذليلاً، فالذلّة والانكسار لإخوانه المؤمنين والعِزَّة والتعالي على الكافرين الجاحدين، كما قال تعالى في وصف سيدنا رسول الله والمؤمنين: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩].
إذن: فهُمْ أشداء رحماء في وقت واحد، وهذا دليل على أن المؤمن لا تكيفه غرائزه إلا بمعدلات خالق الغرائز.
من التكوينات أيضاً في خَلْق الإنسان بعد الحواس والغرائز أن الله خلق في الإنسان العاطفةَ، والعاطفة شعور لا نعرف سببه؛ لذلك تقابل شخصاً فترتاح إليه وآخر تكرهه هكذا دون سابق تعامل، لماذا إذن تحب هذا وتكره ذاك؟ إنها العاطفة؛ لذلك تحب ولدك ولو كان غبياً؛ لأنك تحبه بعاطفتك، وتحب ابن عدوك الذكي تحبه بعقلك.. لذلك لم يجعل الحق سبحانه العاطفةَ مجالاً للتكليف.
ويبيِّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العاطفة في قوله لصحابته، وفيهم سيدنا عمر: وقفتْ هذه الكلمة في نفس عمر. فقال: يا رسول الله، أنت أحب إليَّ من أمي وأبي أو من ولدي ومالي، لكن نفسي يا رسول الله؟ فكرَّرها رسول الله مرة أخرى، حتى علم عمر أنها عزيمة، ولا بُدَّ أن رسول الله يقصد حباً غير الذي يراه عمر، إنه يقصد الحبَّ العقلي، عندها قال عمر: الآن يا رسول الله، يعني: الآن أصبحتَ أحب إليَّ من أبي وأمي، وأحب إليَّ من ولدي ومالي، وأحب إليَّ من نفسي التي بين جَنْبَيَّ.
إذن: المراد في حب رسول الله الحب العقلي، فلولاه صلى الله عليه وسلم ما اهتدينا ولا بلغنا الهدى، ولولاه لهلكنا، فأنت تحب محمداً صلى الله عليه وسلم كما تحب الدواء المرَّ، لا تحبه بعاطفتك إنما بعقلك؛ لذلك فهم سيدنا عمر أن الحب المطلوب شرعاً حبّ العقل، وإنْ تحوَّل بعد ذلك إلى عاطفة وعشق للذات، وهذه درجة أخرى أعلى من الأولى.
والقرآن الكريم يُعلِّمنا هذا في قول الله تعالى: ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة: ٨] يعني: لا يحملنكم البغض لقوم أنْ تظلموهم، وألاَّ تعدلوا معهم، إذن: البُغْض غير ممنوع؛ لأنه مسألة عاطفية، فأحبب مَنْ شئتَ، وابغضْ مَنْ شئتَ، لكن إياك أنْ يحملَك الحبُّ أو البُغْض على أنّ تظلم بأنْ تجامل مَنْ تحب، وتظلم مَنْ تكره.
ولأن العواطف بهذا الشكل، يعني: ليس لها انضباط في الذات خرجتْ من نطاق التكاليف الشرعية؛ لأنك لا تعرف لماذا مالتْ بك العاطفة لأنْ تحبَّ أو تكره.
وحين نتأمل الحواسَّ والغرائز والعاطفة نجد أن الحواسَّ ظاهرةٌ معروفة؛ فالعين ترى، والأذن تسمع.. الخ. وكذلك الغرائز ظاهرة بأثرها وأسبابها، فحين تجوع تطلب الطعام، وحين تريد أهلك تحِنُّ إليهم، أما العاطفة فشيء خفي غير ظاهر، لذلك يضرب لها القرآن مثلاً ليس في الإنسان ولا حتى فيما دونه من الحيوان أو النبات إنما مثلاً في الجماد، واقرأ قوله تعالى في عاقبة الكافرين قوم فرعون: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ.. [الدخان: ٢٩].
ومعلوم أن البكاء مظهرٌ عاطفيٌّ، فهل تبكي السماء؟ وهل تبكي الأرض؟ نعم تبكي وتنفعل، وكأنها تقول لهؤلاء: اذهبوا غَيْرَ مأسوف عليكم، وإلا لما نفى الله عنها البكاءَ، ولِمَ نستبعد ذلك؟ والسماء والأرض خَلْق من خَلْق الله خاضع للتسخير، ألم يَقُل الحق سبحانه: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
إذن: لا غرابة أنْ يفرح الجماد حين يجد مَنْ يُسبِّح معه وينسجم مع الكون المسبِّح، ولا غرابةَ أنْ يحزن، وأنْ يبكي عندما يشذّ البشر عن هذه المنظومة المسبِّحة، وعليه يمكن القول بأن السماء والأرض لم تَبْك على هلاك قوم فرعون، وفرحتْ لهداية آسية امرأة فرعون. إذن: للسماء والأرض انفعال وعاطفة فهي تحب وتكره، وتبكي وتفرح.
وهذا المعنى أوضحه لنا الإمام علي رضي الله عنه، حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله - يبكيه لأنه حُرِم من صعود الكَلِم الطيب والعمل الصالح - أما موضعه في الأرض فمُصلاَّهُ - يعني: المكان الذي كان يُصلِّي فيه.
كانت هذه مقدمة ضرورية ندخل بها على قِصَّة سيدنا لوطٍ في قوله تعالى:
وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ... .
وقوله: إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٢٨] أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته، ثم تُختم هذه القصة الموجزة لهذا النبي الكريم بما خُتِمتْ به سابقتها وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٩-١٣٢].
ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسانَ فَرْعُ الإيمان، يعني ما كان مُحسِناً إلا لأنه كان مؤمناً أولاً.
هكذا لخَّص لنا القرآن قصة هذا النبي، وبيَّن أنه جاء بقضية عقدية لا قضية تكليفية، جاء ليُصحِّح للقوم الأساسَ والقاعدةَ التي تُبنى عليها الحياة، وهذه مهمة الرسل من لدُن آدم عليه السلام، فقد خلق اللهُ آدمَ أبا البشر خليفةً في الأرض. ومعنى خليفة في الأرض أنْ يزاولَ في الأرض مهمة عن الحق سبحانه وتعالى.
ولكي يزاول هذه المهمة أمَدَّه الله بصفات من صفاته، وهذه الصفات موهوبة ممدودة ليست ذاتية في الخليفة، لذلك يسلبها الخالق في أيّ وقت، فالله تعالى هو واجب الوجود الأعلى، وهو المتصف بهذه الصفات بذاته، فالله قادر ويعطيك من قدرته قدرةً، وحكيم ويهبك من حكمته حكمةً تزاول بها الأشياء، والله قهَّار ويعطيك قهارية تزجر بها مَنْ كان تحت تصرُّفك لتستقيم أمورهم، ويعطيك رحمانية تحنُو بها على الضعيف والمحتاج.
إذن: فمن صفات الحقِّ واجب الوجود الأعلى أنه يعطينا من وجوده وجوداً، بل وجوداتٍ متعددة بتعدُّد الأفراد ومتوالية الأمثال، لكن يعطي سبحانه من الوجود الذاتي وجوداً عَرَضياً. فإنْ نظرتَ إلى الآفات التي تصيب الناسَ في حواسِّهم أو في جوارحهم تجدها مرادةً لله تعالى خلقاً أو توجّهاً، لماذا؟ لأن الإنسان كما أخبر عنه خالقه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وضربنا لذلك مثلاً بالولد مع أبيه، فلو أن الأب يعطي ولده المصروف كلَّ شهر تجد الولد لا يحرص على لقاء أبيه إلا كل شهر، إنما لو أعطاه يوماً بيوم لتعرَّض له الولد كل يوم وتمحَّك فيه، وأظهر نفسه ليأخذ مصروفه الذي تعوَّد عليه، فتراه مثلاً يمرُّ على أبيه في الصباح. ويقول: يا أبي أنا رايح المدرسة، فالحاجة هي التي ألجأتْه لمودَّة أبيه.
إذن: يجب أنْ نُفسِّر فلسفة الحاجات التي تُعوز النتيجة، وهذه الحاجات هي التي تُلجئك إلى ربك، والواقع يؤيد ذلك، وكثيراً ما نرى الإنسان لا يلجأ لربه ولا يُصلح ما بينه وبين خالقه إلا إذا اختلَّ عنده شيء، وعزَّتْ عليه أسبابه، فلا يجد إلا ربه فيقول: يا رب، يا الله.
إذن نقول: الخالق يَهبُ الخليفةَ من صفاته، لكن تظل هذه الصفات الموهوبة عَرَضيةً غير دائمة؛ لذلك يموت الإنسان جنيناً، ويموت طفلاً، ويموت شاباً وكهلاً وشيخاً، وهذه القضية تُفسِّر لنا الحديث الشريف:
فالهاء يجوز أن تعود على الله تعالى، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته تعالى، لا على حقيقته، وفَرْق بين الصورة والحقيقة، الصورة هى التي تُؤخذ لك لقطة على هيئة معينة، ثم تتجمد على هذه الهيئة، إذن: هذا الخلق لا يعني أن آدم أخذ شيئاً من صفات الله على الحقيقة، لا إنما على الصورة، لأن الحقيقة لها دوام، والصفات في آدم لا دوامَ لها.
ويجوز أنْ تعود الهاء على آدم، فيكون المعنى: خلق اللهُ آدمَ على صورته أي على صورة آدم؛ لأن الله تعالى لم يخلق آدم جنيناً، ثم وُلِد ثم صار طفلاً فشاباً، لا بل خلقه أول الأمر هكذا على هذه الهيئة المعروفة للإنسان الكامل الأعضاء والجوارح. إذن: يجوز الوجهان.
وفَرْقٌ بين مَنْ يخلق، ومَنْ يخلق مَنْ يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير لا يقدر مثلاً على نقل المائدة من مكانها، أما الرجل القوي فيستطيع أنْ ينقلها له، وهو في هذه الحالة لم يُعَدِّ قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدَّى له أثرَ صفته فحمل عنه واشتال له، وظلَّ الطفل ضعيفاً غير قادر على الحَمْل.
لذلك نقول: إن وَجْه العظمة في خَلْق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق من قدرته قدرةً، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدك، فالخَلْق يتطوَّعون ويُعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفاً، أما الخالق سبحانه فيعطي الضعيف قوةً فيفعل بنفسه.
لكن تنبَّه أن هذه الصفات موهوبةٌ لك لا ذاتية فيك؛ لأنك لستَ أصيلاً في الوجود بل أنت خليفة، ولا بُدَّ لك أنْ تظلَّ في حضن مَنِ استخلفك، وإياك أنْ تشذّ عَمَّنْ استخلفك، وإلا سحبَ منك مقومات هذا الاستخلاف.
وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا أعور وهذا أعرج.. الخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتكَ إليه، ويُنبِّهك إلى أنك لست أصيلاً في الوجود إنما مُسْتخلَفٌ، وأنك شيء ما دام معك مَنِ استخلفك، فإنْ تخلَّى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في الكون أنْ يعتبر نفسه أصيلاً، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامتْ الأمور.
البعض ينظر إلى هذه العاهات على أنها تشويه للخَلْق ولا يرى فيها حكمة، والحقيقة أنها خُلِقَت لحكمةٍ مرادةٍ لله تعالى، وما هي إلا وسيلةُ إيضاحٍ للناس كي لا تغترّ بالجوارح السليمة، وكي تظلَّ على ذِكْر لله الخالق، وكما قلنا الحاجة هي التي تُلجئك.
ونحن نرى مثلاً رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة مُحطَّمة، ويجعلونها في مكان بارز يراه الناسُ ليرتدع السائقون عن الرعونة في السُّرعة، فهذه السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جُعِل كذلك لهدف، وربما تعمَّدوا إعدام السيارة لما يترتَّبُ على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات.
كذلك أنت أيها المعَافَى، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نِعَم الله عليك التي كثيراً ما تغفل عنها، فإنْ قُلْتَ: فما ذنبُ هذا المبتلى أنْ يجعله اللهُ وسيلةَ إيضاحٍ لغيره؟
نقول: لو أدركتَ ما وجده من العِوَض عما فقد لتمنيتَ أن تكون مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوَّضهم الله بخصلة أخرى تُعوِّض ما فيه من نقص؛ لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد الذراعين (يلضم) الخيط في الإبرة برِجلْيه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا يستطيعها الأصحاء.
وسبق أنْ قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفتَ أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، ففيها من القوة ما ليس للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوَّته في هذه اليد.
ونحن نقول لإخواننا الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصَّلوا من العلم ما يعجز عنه المبصرون؛ ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من حوله، أما المكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائماً خالية جاهزة للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يُقرأ له، فيُنصت جيداً، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى؛ لذلك قال أحدهم:
عَمِيتُ جَنيناً وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى فَجِئتُ عَجِيبَ الظنِّ لِلعِلْم مَوئِلاً
وَغَابَ ضِياءُ العَيْن بالقَلْبِ رَافِداً لعلمٍ إذَا مَا ضَيَّع الناسُ حَصَّلاَ
إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ولا ننظر إلى ما عُوِّضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أنْ قلنا: إن الذي أبدع السيمْفونية العالمية المشهورة كان أصمَّ!! وتيمورلنك الذي دوَّخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرجَ!!
والمؤمن الحق حين يرى غيره ممَّن ابتلاهم الله لا يتعالَى عليهم ولا يدلّ عليهم بسلامة جوارحه، إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عِوَض فيقول في نفسه: يا ترى في أيِّ الجوانب تتفوَّق عليَّ وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى الجميع.
نقول: فعلى الإنسان أنْ يظلَّ دائماً على ذِكْر لهذه الحقيقة أنه خليفةٌ لله في الكون ليس أصيلاً فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين تُوكِّل غيرك في شيء بعينه، فإنِ اعتبر نفسه وكيلاً في كل شيء فسدتْ الوكالة؛ لذلك نرى العقلاء حين يُوكِّلون غيرهم يُوكِّلون على قَدْر الحاجة والضرورة حتى لا تُستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق الأصيل.
وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أنْ يظلَّ خليفةً محتاجاً لمن استخلفه، والعادة أن الاستغناء يُنسِيك، والحاجة تُلجِئك وتعطفك إلى مَنِ استخلفك.
ولما خلق اللهُ آدمَ ليكون خليفةً في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يُعِدَّهُ لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلاً اللاعب الذي نعده لمجرد أنْ يلعب فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاءه، إلى أنْ يصلَ إلى المستوى المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟
كذلك الحق - سبحانه وتعالى - درَّبَ آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس: وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ [البقرة: ٣٥].
وهكذا حدَّد الخالق سبحانه لآدم كيفيةَ معيشته في الجنة، فأحلَّ له أنْ يأكلَ منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال كثير لا يُعَدُّ ولا يُحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نصٌّ يحرمه وهو محصور في أشياء بعينها.
وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه: وَلاَ تَقْرَبَا [البقرة: ٣٥] ولم يقُلْ: ولا تأكلا، فالمنهيُّ عنه مجرد قُربها؛ لأن قُرْبك من المحرم يُغريكَ به حتى تقع فيه؛ لذلك تجد أسلوب القرآن في الأوامر يقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أما في النواهي فيقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
لذلك لما حرّم الإسلامُ الخمرَ لم يحرم شُرْبها فحسب، إنما حرَّم كلَّ ما يتصل بها من بيع أو شراء أو نقل أو صناعة، أو حتى التواجد في مكان هي فيه، لماذا؟ لِيَسُدَّ كل الطرق المؤدية إليها المُغْرية بها.
وحين يُبين لنا الحق سبحانه الحلالَ والحرامَ والأوامر والنواهي، فإنما يلفت أنظارنا إلى قضية مهمة، وكأنه يقول لنا: إن استقمتَ على منهجنا وتكليفنا لك ستظلّ حياتك سليمةً بلا عورة، خالية من المشاكل والصعاب، فإنْ تعدَّيْتَ هذه الحدود فانتظر ظهور العورات في المجتمع، سواء أكانت عوراتٍ اجتماعية، أم أخلاقية، أم اقتصادية.. الخ.
وفي قصة آدم - عليه السلام - حين أكل من الشجرة رمز إلى هذه المسألة، كيف؟ لَمَّا استقامَ آدمُ على منْهج ربه والتزم بما أمره الله به عاش في الجنة معافَى بلا سَوْءةٍ، فلما خالف وأطاع وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها بدتْ سوءتُه لأول مرة، لأنه لما استقام كان يأكل بطهي ربه له وهو طهْي على قَدْر حاجة الجسم ومُقوِّمات الحياة فلا يبقى منه شيء، يخرج فضلات من الجسم.
ولكن لما تدخلتْ الشهوة، وأطاع الشيطان أفسد الخلطة الغذائية التي أُعِدَّتْ له، فتكوَّنت في بطنه الفضلات وأحسَّ لأول مرة بشيء غريب لم يعهده، وفوجئ بأنْ خُرْقاً في بدنه يخرج منه شيء قذر كريه الرائحة.
لذلك عرف آدم أنها عورة ينبغي أنْ تُستر، فأخذ يقطع من أوراق الشجر ليستر عورته، ويداري سَوْءَته، هذا قوله تعالى: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ [الأعراف: ٢٢].
وقد رأينا في أثناء الحروب أن الجندي يتغذَّى على قرص صغير يؤدي مهمة الوجبة الغذائية، لكن لا يترك فضلات في الجسم، ذلك لتخفَّ مؤونة التموين، ولا يحتاج الجندي لعملية الإخراج.
إذن: في قصة آدم والأكل من الشجرة إشارة رمزية إلى أن أحكامَ الله ما دامتْ مُنفَّذة يستقيم حال البلاد والعباد، ولا تظهر في المجتمع عورات ومساوئ، لذلك حين ترى في المجتمع عورة ظهرت في أي ناحية: علمية، اقتصادية، اجتماعية، خلقية.. الخ فاعلم أن بنداً من بنود منهج الله قد عُطِّل، فابحث عنه، وحاول إصلاحه بنفسك أولاً، إنْ كان الإصلاح في مقدورك؛ لذلك قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. [الرعد: ١١].
وآدم - عليه السلام - وقع في هذه المخالفة بعد أن بيَّن الله له ما أحلَّ له وما حرَّم عليه، وبيَّن له عداوة الشيطان، وأنها عداوة مُسبقة منذ أمره الله بالسجود فلم يسجد، ومع ذلك سمع آدم لوسوسة الشيطان، وكان عليه أنْ يُعمل نعمة العقل، وأنْ يفكر فيما قاله عدوه إبليس، حين قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠].
يعني: أن مَنْ يأكل من هذه الشجرة يخلد ولا يموت، إذن: لماذا لم تأكل أنت يا إبليس منها، ما دام الأمر كذلك؟ ألستَ القائل لله تعالى: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] فهنا إشارة إلى وجوب التفكر في وسوسة الشيطان وعدم الخضوع له.
إذن: ففترة وجود آدم في الجنة كانت فترةَ التدريب على المنهج الخلافي، فلما حدثتْ منه المخالفة وحصل منه عصيان أراد الله أنْ يُخرجه من الجنة، وأنْ يُنزِله إلى حياة الأرض ليتحرك فيها حركةَ الخليفة، مُستصحباً للتجربة السابقة.
وكأن الله يقول له: خُذْ من الحلال ما شئتَ، وابتعد عن الحرام واحذر الشيطان فهو عدوك، وسيظل يوسوس لك ليُوقِعك في المخالفة كما أوقعك في المخالفة الأولى، فإياك أنْ تسمعَ له لأنك لو سمعتَ له وهو عدوُّك سيُخرِجك من حياة النعيم إلى حياة الشقاء، كما أخرجك من جنة الالتزام بأمر والالتزام بنهي: فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] ولم يقل: فتشقيا.
والحق سبحانه وتعالى وضع لنا في هذه الآية إشارة رمزية منذ أوَّل الخَلْق، لِتَحُلَّ لَنَا مشكلة وقضية ما زال العالم يتحدث فيها إلى الآن وسيظل، إنها قضية خروج المرأة للعمل والمساواة بالرجل، وأن المرأة تريد أن تثبت ذاتها.. الخ.
وعجيبٌ أنْ تطالب المرأةُ بالمزيد من المسئوليات، فهى تريد أنْ تأخذ من مهمة الرجل، في حين أن الرجل لن يأخذ من مهمتها شيئاً، ولن يحمل عنها عبئاً من أعبائها، الرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع. إذن: أخذتِ أنت مهمةَ الرجل مضافاً إليها مهمتك الخاصة التي لا يقوم هو بها، وفي هذا ظلم للمرأة.
فقوله تعالى لآدم فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] دَل منذ أول الخَلْق على أن الشقاء والكدح والعمل وتحمُّل المسئولية مهمة الرجل، وأن المرأة سيدةٌ في بيتها مُعزَّزة مُكرَّمة، وهذه الصورة ظلتْ موروثة في مجتمعاتنا بدون تضليل وبدون انطماس، فحتى الآن حين يتقدَّم شابٌ لخطبة البنت يشترط عليه كبير العائلة يقول (أنت حتستتها ولا حتشغلها) يعني: أتجعلها سيدةً مَصُونةً في بيتها، أم أنك ستخُرِجها للعمل؟
البعض يقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟ فهو إذن مثل الشيطان: هذا عصى وهذا عصى. نقول: عصى آدم وهو فى فترة التدريب التي لا يُؤاخَذ فيها المخطئ، بل نُصحِّح له دون مؤاخذة، فالتلميذ في المدرسة يُصوِّب له المعلم خطأه باللون الأحمر دون أنْ يحاسبه عليه، إلى أنْ يأتيَ اختبار آخر العام، فيحاسبه على الخطأ.
فآدم حين أخطأ كان في فترة التدريب، وقد صَوَّب اللهُ له خَطأه، ثم إنه لم يكُنْ نبياً في هذه الفترة، لأن آدم خُلق ليكون أباً للبشر جميعاً، والبشر سيُقَسَّمون إلى قسمين: قسم مُصْطفى وهم الرسل، وقسم مُصْطَفىً عليه وهم المرسل إليهم.
إذن: آدم في البداية كان يمثل القسمين، وجاءت تجربته تمثل عصيان البشر وعصمة الأنبياء، لذلك أخطأ فصوَّب الله له، ثم تابَ فتابَ الله عليه واصطفاه، وكذلك حال البشر واقرأ: وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ [طه: ١٢١] هذه إشارة إلى ما سيكون من البشر ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: الاجتباء والعصمة جاءت بعد التجربة الأولى؛ لأن آدم مَثَّلَ الجميع، مثّل عصيان البشر، ومثّل عصمة الأنبياء.
هذا الخليفة طرأ على وجود خُلِق له قبل أنْ يُوجد؛ لا أن الله خلقه، ثم نظر ماذا يريد وماذا يحتاج، ثم خلقه سبحانه خَلْقاً يناسب قيامه بمهمته في عمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: ٦١].
ولم يجعل الحق سبحانه العبادات الأصيلة - أي أركان الإسلام - هي كل حركة الحياة، بل جعلها هي الشحنة التي تُعينك على حركة الحياة؛ لذلك مَنْ قال إن الإسلام هو هذه الأركان يؤديها وحسب نقول له: لا لأن هذه الأركان بها تستمد القوة من الله لتنجح في حركة الحياة، والإسلام أوسَعُ من هذه الخمس بكثير، بدليل قوله تعالى في سورة الجمعة: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
إذن: ناداهم وأخذهم من شغل ومن عمل هو قمة حركة الحياة، ألا وهو البيع، وإن كان البيع مرتبطاً بالشراء إلا أنه أقوى، لذلك خَصَّه بالذكر ولم يقُلْ: وذروا البيع والشراء، لماذا؟
قالوا: لأنه سبحانه خالق الطبع الإنساني، ويعلم أن الإنسان ثقيل عند الشراء غير حريص عليه، لكنه حريص عليه، لكنه حريص على البيع ويسعى إليه؛ لذلك عندما يكلِّفك أهل البيت بشراء شيء ربما تماطل في شرائه أو تؤجّله، وتُسَرُّ حين تذهب فتجد المحل مغلقاً، أما لو كنت بائعاً فإنك تحرص كل الحرص على أنْ تبيع، لماذا؟ لأن المشتري ينفق والبائع يأخذ؛ لذلك ذكر الحق سبحانه البيع لأنه ثمرة الحركة.
وبعد انتهاء الصلاة قال: فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ.. [الجمعة: ١٠] إذن: أخذك للصلاة من عمل، وأعادك بعد الصلاة إلى العمل والسعي.
وحين تتأمل لفظ الحديث: يعني: هذه الخمس هي الدعائم التي يقوم عليها الإسلام والمبنى غير المبنى عليه، وهل البناء الذي نسكنه مُكوَّن من الأساس والأعمدة فحسب؟ إذن: الإسلام ليس هو الأركان الخمس، إنما الإسلام أوسع من ذلك، الأركان هي الشحنة التي يستدعيك ربك إليها، فتأخذ من لقائه المددَ الذي يُعينك على القيام بحركة الحياة.
ومثَّلنا ذلك (بالبطارية) حين تذهب بها إلى الشحن، فنحن لا نستفيد بها في فترة الشحن، إنما نعطيها الشحنة اللازمة لتعمل بها بعد ذلك.
ومن عجيب أمر الرحمة الإلهية أن الله تعالى جعل الذهاب إلى شحنة الطاقة الإنسانية فَرْضاً تكليفياً لا بُدَّ لك من القيام به، لا بُدَّ لك أنْ تقابلني خمسَ مرات في اليوم والليلة؛ لأنك خَلْقي وصَنْعتي، والصانع أعلم بما يُصلح صنعته، وتصوَّرْ صنعة تُعْرض على صانعها خمسَ مرات في اليوم والليلة: هل يبقى فيها عطب، هذا في الصانع إنْ كان من البشر، فما بالك في الصانع إنْ كان هو ربّ البشر وخالقهم سبحانه.
الصانع من البشر يُصْلِح صنعته بشيء مادي مثل مسمار أو قطعة غيار مثلاً، أما الخالق سبحانه فيصلحك دون شيء مادي؛ ذلك لأن المهندس وصنعته شيء مادي فيصلح بالمادة، أما الخالق سبحانه فغَيْبٌ، فحين يصلحك من عطب فيك يُصلِحك بالغيب فلا تشعر به ولا تراه.
إذن: نقول لا بُدَّ أنْ نفهم الدين على حقيقته، وأنْ نفهمَ أن لكل مِنَّا مهمة، فإذا تفوَّق عليك غيرك فاعلم أن تفوقه لصالحك وعائد عليك، لأنه بتفوقه يؤدي إليك خدمة، في حين أنه لا يستفيد منك، فالذي يجيد عملاً لا شكَّ أنه ينفع نفسه وينفع الآخرين، على خلاف مَنْ لا يجيد شيئاً.
لذلك نقول في الفلاحين (باب النجار مخلع)، فالنجار تظهر مهارته حينما يصنع لغيره؛ لأنه يتقاضى أجراً، إنما لا يجيد الصناعة لنفسه، إذن: حين ترى المتفوِّق عنك، لا تحسده ولا تحقد عليه، بل تمَنَّ له الزيادة، وتمَنَّ له الخير، فسوف يُصيبك شيء لا محالة من هذا الخير، وسيعود عليك هذا التفوق في شكل خدمة يُقدِّمها لك.
لذلك كنا في الفلاحين، لو مات لأحدنا بقرة أو جاموسة يحزن الجميع، لدرجة أننا رأينا مرة جماعة يُبْكون على عجل مات فتعجبنا، الناس يبكون على الميت منهم، لكن من الحيوانات؟! بعدها عرفنا أن هذا العجل هو الذي يدير الساقية، ويحرث الأرض التي يأكل منها هؤلاء الناس، وينالهم خير هذه الأرض، وكنا في الريف لا نشتري الخيار ولا الملوخية ولا البامية وغيرها كثير، بل كان يُهْدى ولا يُباع.
إذن: الهبة المبذولة عند الخَلْق عائدة على كل الخَلْق، فحين ترى سيفيض عليك، وحين ترى مَنْ يجيد عملاً لا تجيده أنت لا تحقد عليه، لأنك ستحتاجه ليجيد لك عملك حتى لو كنتَ تكرهه، أو على خلاف معه تحرص عليه ليعمل لك، فأنت تعلم مدى إجادته للعمل، فتذهب إليه حرصاً على مصلحتك أنت، وبذلك يتم التعادل المطلوب في المجتمع، وتستقيم أمور الخَلْق استقامةً مبنيةً على الحاجة.
ولو تأملتَ في نفسك كما قال الله تعالى: وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] لوجدتَ في نفسك هذا التعادل بين الأعضاء، فعندك مثلاً اليد اليمنى تزاول بها بعض الأعمال التي تناسبها، واليد اليُسْرى تزاول بها أعمالاً أخرى تناسبها، اليد اليمنى للأعمال الشريفة المكرَّمة، أما اليسرى فهي لما دون ذلك، وغالباً ما تكون اليمين أقوى من الشمال وأكثر حركة منها وأدقّ في التناول.
وتأول مثلاً حين تريد أنْ تقصَّ أظافرك، فإنك تقصّ الشمال باليمين فيأتي القَصُّ دقيقاً مُريحاً، على خلاف قَصِّ اليمين بالشمال، إذن: موهبة اليمين عادتْ على الشمال، وعدم موهبة الشمال عادت على اليمين، وهذا يلفتنا إلى أنَّ الكمالات في الكون كمالاتٌ مُسْتطرقة تستطرق فيه، كاستطراق الماء.
والحق - سبحانه تعالى - حين خلق الإنسان الخليفة أعطى له تكوينات تناسب مهمته، وأول هذه التكوينات الجوارح التي نسميها الحواس التي نُحسّ بها الأشياء، ويُسمُّونها الحواس الخمس الظاهرة، وقولهم الظاهرة احتياط لما سيجدّ من حواس يعرفها العلم، وفعلاً اكتشف في الإنسان حواسّ أخرى غير الخمس كالحاسة التى أعرف بها الجوع، وكحاسة البَيْن التي أميز بها البُعْد بين شيئين، وحاسة العضل التي أعرف بها ثقل الأشياء.
وحين تتأمل هذه الحواس الخمس المعروفة، تجد أن التكليف الشرعي جاء على مقتضى هذا التكوين في الحواس، فلكلِّ حاسة في الإنسان، ولكل جارحة عمل، فأداء كل جارحة لمهمتها يُسمَّى (عمل)، فالقلب يعمل بالنية، واللسان يتكلم، والأذن تسمع، والأنف يشمُّ، واليد تمس الأشياء، والعين ترى، هذا كله عمل.
ولا بُدَّ هنا أنْ نفرق بين العمل والفعل، والفعل يقابله القول الذي هو مهمة اللسان؛ لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف: ٢].
إذن: فالقول، وهو مهمة اللسان أخذ قسماً وحده، وبقية الحواس أخذتْ القسم الآخر، فالقول للسان، والفعل لبقية الحواس، لماذا أخذ اللسانُ الشطر، وبقية الحواس الشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول هو وسيلةُ نقل مطلوب الرسل منا لنفعل، ونقل مطلوباتنا من الغير ليفعلوها.
إذن: فكل الأفعال في خدمة القول، ومنهج الله لا يأتينا إلا بالقول الذي يحمل الأمر للحواسّ فتعمل، والعمل ليس بالضرورة عملاً عضلياً، بل ربما يكون عملاً معنوياً، كعمل القلب وهو النية كما قلنا، والشرع هو الذي يحكم هذه الحواس، ويُحدّد لها الإطار الذي تعمل فيه في ضوء الحلال والحرام.
ومهمة الحواس أنْ تلتقط المدْرَكَات، ثم تعرضها على العقل، فيُصفِّيها تصفيةً حقيقيةً، بأنْ يقارن بينها، ويعرف أن هذه تصلح لكذا، وهذه لكذا، وبعد هذه التصفية يُسلِّمها للقلب لتصير عقيدةً فيه، وكلمة عقيدة تعني الشيء المعقود الذي لا يُفَكُّ، ولا يعرض للنقاش مرة أخرى في العقل، فالطفل الصغير مثلاً يُغريه شكل النار الجميل، فيحاول الإمساك بها، فتحرقه النار، ويُحِسّ لأول مرة بالحرارة، فتتكوّن عنده عقيدة أو قضية عقلية أن النار تحرق، فلا يقترب منها بعد ذلك، ويظل طوال حياته يسير على هذه العقيدة أو هذا المبدأ، ولا يحتاج لأنْ يُجرِّبه مرة أخرى.
هذه العقيدة ساعةَ تستقر في القلب يضخها القلب مع الدم، فتسير في جميع البدن، وتتخلل كل الأعضاء فتتشرَّبها، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: وبعد أن خلق الحق سبحانه للإنسان الجوارحَ والحواسّ خلق الغرائز، وهي أمور لازمة لك، ثابتة في تكوينك، ولا يمكن لك الاستغناء عنها، لكن هذه الغريزة قد تُلِحّ عليك فتخرجك عن الهدف منها، وعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل الشرع لِيكبحَ جماحها، وليُعيدها إلى توازنها الذي خلقها الله من أجله.
يتدخل الشرع لِيُعلي الغريزة ويُهذِّبها، لا ليكبتها ويقضي عليها، فالأكل غريزة لاستبقاء الحياة ويكفي فيه ما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا ينبغي أنْ تخرج عن ذلك، وتتحوَّل إلى شَرَهٍ وتخمة. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله لاستكشاف أسراره في الكون، والتأمل في مخلوقاته، فإنْ خرجت عن هذا الإطار وصارتْ تَجسُّساً وتتبُّعاً للعورات، فقد خردتْ عن مهمتها، وهنا يتدخَّل الشرع ليُعْليها ويُعيد إليها توازنها.
وأعنف غرائز الإنسان الغريزة الجنسية، خاصة في سِنِّ الشباب وهذه الغريزة جعلها الله لحفظ النوع واستبقاء النسل، هذه هي المهمة التي من أجلها خُلِقَتْ غريزة الجنس، وقد حرص الشرع على استبقاء هذه الغريزة مصحوبةً بمنهج حركتها لمَنْ خلقها لتستقيمَ الأمور، لأن النسلَ هو الثروة الأولى التي ينبغي الحفاظ عليها ليأتي النسلُ شريفاً طاهراً.
وسبق أنْ فرَّقْنا بين النسل الشرعي المحسوب على الوالدين، والنسل غير الشرعى، وكيف أن الأول يُقابَل بالفرحة وبالحنان والعطف والرعاية، والآخر يُقابل بالكراهية وعدم الرغبة، وربما فكرتْ أمه في التخلص منه، ولو بإلقائه في الشارع.
من هنا حرص الدين على بناء الأسرة بناءً سليماً فيه شرف وكبرياء وعزَّةُ نفس في ظِلِّ كلمة الله ومنهجه الذي يُؤمِّن لك سلامة نَسْلك، فيأتي موثوقاً به تطمئن إليه، وتعتني به، وتربيه أحسنَ تربية، وهذا هو هدف الشرع.
وسبق أنْ تحدَّثنا عن الفرق بين الحلال والحرام في هذه المسألة، وذكرنا الحديث الشريف: إذن: فهذه الغريزة مخلوقة في النفس البشرية لأداء مهمة، ولكي تبقى في إطار ما خُلِقتْ له، لكن الحاصل أن كثيرين يخرجون بها عن هدفها، والعجيب أنْ يظلمَ الإنسانُ الحيوانَ في هذه المسألة، حين يقول: هذه شهوة بهيمية ويتشدَّق بها.
وهذا القول يدل على عدم فهم لغريزة الحيوان؛ لأن الحيوان يقف بالغريزة عند حدودها كما خلقها الله؛ لذلك لم نَرَ بهيمة أنثى حملتْ ثم مكَّنَتْ فحْلاً منها بعد ذلك، كذلك الفحل يشمُّها، فيعرف أنها حامل فينصرف عنها.
أهذه شهوة بهيمية على حسب ما نقصد نحن من هذه الكلمة؟ لا، بل هي إنسانية.. ولك أنْ تقارن بين هذه الغريزة عند الحيوان وعند الإنسان، وسوف ترى العجب في خروج الإنسان بهذه الغريزة عن المراد منها.
ومن حكمة الخالقِ سبحانه أنْ ربطَ الغريزة الجنسية والنسل بالاستمتاع، ذلك لأن للنسل مطالب وتبعات ومسئوليات، فلو لم تَكنْ هناك متعة تُرغِّب الإنسان لَزَهد في المسألة، وانصرف عنها.
والحق سبحانه وتعالى يأتي للمؤمنين على منهج واحد بأمور متقابلة مثل: العزة والذِّلَّة، فالمؤمن غير مطبوع على عِزَّة دائمة ولا على ذلة دائمة، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه أنْ يكون عزيزاً، أو أنْ يكون ذليلاً، فالذلّة والانكسار لإخوانه المؤمنين والعِزَّة والتعالي على الكافرين الجاحدين، كما قال تعالى في وصف سيدنا رسول الله والمؤمنين: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩].
إذن: فهُمْ أشداء رحماء في وقت واحد، وهذا دليل على أن المؤمن لا تكيفه غرائزه إلا بمعدلات خالق الغرائز.
من التكوينات أيضاً في خَلْق الإنسان بعد الحواس والغرائز أن الله خلق في الإنسان العاطفةَ، والعاطفة شعور لا نعرف سببه؛ لذلك تقابل شخصاً فترتاح إليه وآخر تكرهه هكذا دون سابق تعامل، لماذا إذن تحب هذا وتكره ذاك؟ إنها العاطفة؛ لذلك تحب ولدك ولو كان غبياً؛ لأنك تحبه بعاطفتك، وتحب ابن عدوك الذكي تحبه بعقلك.. لذلك لم يجعل الحق سبحانه العاطفةَ مجالاً للتكليف.
ويبيِّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العاطفة في قوله لصحابته، وفيهم سيدنا عمر: وقفتْ هذه الكلمة في نفس عمر. فقال: يا رسول الله، أنت أحب إليَّ من أمي وأبي أو من ولدي ومالي، لكن نفسي يا رسول الله؟ فكرَّرها رسول الله مرة أخرى، حتى علم عمر أنها عزيمة، ولا بُدَّ أن رسول الله يقصد حباً غير الذي يراه عمر، إنه يقصد الحبَّ العقلي، عندها قال عمر: الآن يا رسول الله، يعني: الآن أصبحتَ أحب إليَّ من أبي وأمي، وأحب إليَّ من ولدي ومالي، وأحب إليَّ من نفسي التي بين جَنْبَيَّ.
إذن: المراد في حب رسول الله الحب العقلي، فلولاه صلى الله عليه وسلم ما اهتدينا ولا بلغنا الهدى، ولولاه لهلكنا، فأنت تحب محمداً صلى الله عليه وسلم كما تحب الدواء المرَّ، لا تحبه بعاطفتك إنما بعقلك؛ لذلك فهم سيدنا عمر أن الحب المطلوب شرعاً حبّ العقل، وإنْ تحوَّل بعد ذلك إلى عاطفة وعشق للذات، وهذه درجة أخرى أعلى من الأولى.
والقرآن الكريم يُعلِّمنا هذا في قول الله تعالى: ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة: ٨] يعني: لا يحملنكم البغض لقوم أنْ تظلموهم، وألاَّ تعدلوا معهم، إذن: البُغْض غير ممنوع؛ لأنه مسألة عاطفية، فأحبب مَنْ شئتَ، وابغضْ مَنْ شئتَ، لكن إياك أنْ يحملَك الحبُّ أو البُغْض على أنّ تظلم بأنْ تجامل مَنْ تحب، وتظلم مَنْ تكره.
ولأن العواطف بهذا الشكل، يعني: ليس لها انضباط في الذات خرجتْ من نطاق التكاليف الشرعية؛ لأنك لا تعرف لماذا مالتْ بك العاطفة لأنْ تحبَّ أو تكره.
وحين نتأمل الحواسَّ والغرائز والعاطفة نجد أن الحواسَّ ظاهرةٌ معروفة؛ فالعين ترى، والأذن تسمع.. الخ. وكذلك الغرائز ظاهرة بأثرها وأسبابها، فحين تجوع تطلب الطعام، وحين تريد أهلك تحِنُّ إليهم، أما العاطفة فشيء خفي غير ظاهر، لذلك يضرب لها القرآن مثلاً ليس في الإنسان ولا حتى فيما دونه من الحيوان أو النبات إنما مثلاً في الجماد، واقرأ قوله تعالى في عاقبة الكافرين قوم فرعون: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ.. [الدخان: ٢٩].
ومعلوم أن البكاء مظهرٌ عاطفيٌّ، فهل تبكي السماء؟ وهل تبكي الأرض؟ نعم تبكي وتنفعل، وكأنها تقول لهؤلاء: اذهبوا غَيْرَ مأسوف عليكم، وإلا لما نفى الله عنها البكاءَ، ولِمَ نستبعد ذلك؟ والسماء والأرض خَلْق من خَلْق الله خاضع للتسخير، ألم يَقُل الحق سبحانه: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
إذن: لا غرابة أنْ يفرح الجماد حين يجد مَنْ يُسبِّح معه وينسجم مع الكون المسبِّح، ولا غرابةَ أنْ يحزن، وأنْ يبكي عندما يشذّ البشر عن هذه المنظومة المسبِّحة، وعليه يمكن القول بأن السماء والأرض لم تَبْك على هلاك قوم فرعون، وفرحتْ لهداية آسية امرأة فرعون. إذن: للسماء والأرض انفعال وعاطفة فهي تحب وتكره، وتبكي وتفرح.
وهذا المعنى أوضحه لنا الإمام علي رضي الله عنه، حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله - يبكيه لأنه حُرِم من صعود الكَلِم الطيب والعمل الصالح - أما موضعه في الأرض فمُصلاَّهُ - يعني: المكان الذي كان يُصلِّي فيه.
كانت هذه مقدمة ضرورية ندخل بها على قِصَّة سيدنا لوطٍ في قوله تعالى:
وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ... .
آية رقم ١٣٣
ﭮﭯﭰﭱ
ﭲ
كانت مهمة سيدنا لوط في دعوة قومه أشقَّ مهمة؛ لذلك ذُكِر في القرآن سبع عشرة مرة، بالرفع وبالجر، وذُكِر عشرِ مرات بالنصب، ووَجْه المشقة في مهمته عليه السلام أنه جاء ليُعدِّلَ أعنفَ الغرائز في النفس البشرية، وهي الغريزة الجنسية.
لَيْتَ هذه الغريزة كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية مع الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإن كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط -عليه السلام- فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها...
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط -عليه السلام- فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها...
لَيْتَ هذه الغريزة كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية مع الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإن كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط -عليه السلام- فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها...
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط -عليه السلام- فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها...
آية رقم ١٣٤
ﭳﭴﭵﭶ
ﭷ
كانت مهمة سيدنا لوط في دعوة قومه أشقَّ مهمة؛ لذلك ذُكِر في القرآن سبع عشرة مرة، بالرفع وبالجر، وذُكِر عشرِ مرات بالنصب، ووَجْه المشقة في مهمته عليه السلام أنه جاء ليُعدِّلَ أعنفَ الغرائز في النفس البشرية، وهي الغريزة الجنسية.
لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم:
وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها.
وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر.
وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو ١٩٥٢ وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً.
إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: ٣٢].
يقول سبحانه: وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ١٣٣-١٣٦] أي: بالقصف والرَّجْم.
كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥]، وفي آية أخرى قال: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ [العنكبوت: ٣٣] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي.
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [الصافات: ١٣٧] أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] في الصباح وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم.
كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ... .
لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم:
وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها.
وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر.
وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو ١٩٥٢ وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً.
إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: ٣٢].
يقول سبحانه: وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ١٣٣-١٣٦] أي: بالقصف والرَّجْم.
كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥]، وفي آية أخرى قال: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ [العنكبوت: ٣٣] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي.
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [الصافات: ١٣٧] أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] في الصباح وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم.
كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ... .
آية رقم ١٣٥
ﭸﭹﭺﭻ
ﭼ
كانت مهمة سيدنا لوط في دعوة قومه أشقَّ مهمة؛ لذلك ذُكِر في القرآن سبع عشرة مرة، بالرفع وبالجر، وذُكِر عشرِ مرات بالنصب، ووَجْه المشقة في مهمته عليه السلام أنه جاء ليُعدِّلَ أعنفَ الغرائز في النفس البشرية، وهي الغريزة الجنسية.
لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم:
وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها.
وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر.
وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو ١٩٥٢ وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً.
إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: ٣٢].
يقول سبحانه: وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ١٣٣-١٣٦] أي: بالقصف والرَّجْم.
كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥]، وفي آية أخرى قال: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ [العنكبوت: ٣٣] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي.
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [الصافات: ١٣٧] أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] في الصباح وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم.
كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ... .
لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم:
وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها.
وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر.
وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو ١٩٥٢ وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً.
إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: ٣٢].
يقول سبحانه: وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ١٣٣-١٣٦] أي: بالقصف والرَّجْم.
كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥]، وفي آية أخرى قال: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ [العنكبوت: ٣٣] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي.
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [الصافات: ١٣٧] أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] في الصباح وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم.
كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ... .
آية رقم ١٣٦
ﭽﭾﭿ
ﮀ
كانت مهمة سيدنا لوط في دعوة قومه أشقَّ مهمة؛ لذلك ذُكِر في القرآن سبع عشرة مرة، بالرفع وبالجر، وذُكِر عشرِ مرات بالنصب، ووَجْه المشقة في مهمته عليه السلام أنه جاء ليُعدِّلَ أعنفَ الغرائز في النفس البشرية، وهي الغريزة الجنسية.
لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم:
وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها.
وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر.
وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو ١٩٥٢ وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً.
إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: ٣٢].
يقول سبحانه: وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ١٣٣-١٣٦] أي: بالقصف والرَّجْم.
كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥]، وفي آية أخرى قال: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ [العنكبوت: ٣٣] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي.
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [الصافات: ١٣٧] أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] في الصباح وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم.
كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ... .
لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم:
وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها.
وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر.
وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو ١٩٥٢ وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً.
إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: ٣٢].
يقول سبحانه: وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ١٣٣-١٣٦] أي: بالقصف والرَّجْم.
كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥]، وفي آية أخرى قال: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ [العنكبوت: ٣٣] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي.
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [الصافات: ١٣٧] أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] في الصباح وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم.
كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ... .
آية رقم ١٣٧
ﮁﮂﮃﮄ
ﮅ
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ في الصباح.
آية رقم ١٣٨
ﮆﮇﮈﮉ
ﮊ
كانت مهمة سيدنا لوط في دعوة قومه أشقَّ مهمة؛ لذلك ذُكِر في القرآن سبع عشرة مرة، بالرفع وبالجر، وذُكِر عشرِ مرات بالنصب، ووَجْه المشقة في مهمته عليه السلام أنه جاء ليُعدِّلَ أعنفَ الغرائز في النفس البشرية، وهي الغريزة الجنسية.
لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم:
وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها.
وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر.
وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو ١٩٥٢ وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً.
إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: ٣٢].
يقول سبحانه: وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ١٣٣-١٣٦] أي: بالقصف والرَّجْم.
كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥]، وفي آية أخرى قال: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ [العنكبوت: ٣٣] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي.
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [الصافات: ١٣٧] أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] في الصباح وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم.
كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ... .
لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم:
وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها.
وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ [طه: ١٧] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر.
وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله.
فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو ١٩٥٢ وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً.
إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: ٣٢].
يقول سبحانه: وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ [الصافات: ١٣٣-١٣٦] أي: بالقصف والرَّجْم.
كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥]، وفي آية أخرى قال: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ [العنكبوت: ٣٣] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي.
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [الصافات: ١٣٧] أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] في الصباح وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم.
كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ... .
آية رقم ١٣٩
ﮋﮌﮍﮎ
ﮏ
أولاً: أثبت الحق سبحانه لسيدنا يونس -عليه السلام- أنه مُرْسَل وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فلنأخذ هذه الفكرة في الاعتبار قبل الدخول في قصته، ولنفهم القصة في هذا الإطار، حتى إذا ما حدث منه شيء لا يليق برسول في نظرك، فاعلم أنه لا يطعن في منزلته كرسول، فالذي أرسله شهد له بالرسالة ولم يعزله منها، ولم يُجرِّده من منزلته بعد ما حدث.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
آية رقم ١٤٠
ﮐﮑﮒﮓﮔ
ﮕ
أولاً: أثبت الحق سبحانه لسيدنا يونس - عليه السلام - أنه مُرْسَل وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٣٩] فلنأخذ هذه الفكرة في الاعتبار قبل الدخول في قصته، ولنفهم القصة في هذا الإطار، حتى إذا ما حدث منه شيء لا يليق برسول في نظرك، فاعلم أنه لا يطعن في منزلته كرسول، فالذي أرسله شهد له بالرسالة ولم يعزله منها، ولم يُجرِّده من منزلته بعد ما حدث.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
وتأمل قول الله فيه إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [الصافات: ١٤٠] معنى أبق: هرب وليس الهروب المطلق، إنما هروب العبد من سيده، لا هروبه من مستأجره، ولا هروب ابني مني، فهذا لا يُعَدُّ أبُوقاً. فكلمة (أبق) فيها ملحظ العبودية المطلقة للسيد الأعلى، فالله سيده وهو عبده.
لأن العبد مملوك بملك اليمين فهو بذاته مِلْك لي حين آخذه أسيراً، نعم بذاته، لأن الله حقن بهذا الملْك دمه، فبدل أنْ أقتله في الحرب أسرْتُه واستعبدته، فهو لا يصير عبداً إلا إذا أسرْته، وما دُمْت أسرْته وقدرْت عليه تستطيع قتله، إذن: ملّكك اللهُ رقبته، لأنه حمى دمه أنْ يُرَاق.
فلا داعي إذن للمقارنة بين الرقِّ والحرية، وإنْ أردتَ المقارنة، فقارن بين رِقٍّ وقتل، ولو خيَّرْتَ العبد نفسه بين أن يعيش عند سيد يخدمه، وبين القتل لاختار العبودية. إذن: العبودية هنا ليست سُبَّة في الإسلام، إنما هي جميل أَسْداه الإسلام إلى هؤلاء العبيد.
ومحمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ليشرِّع للرقِّ، ويزيد من أعداد الرقيق إنما جاء ليقضي على الرِّق، وليجفِّف منابعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء والرق موجود في المجتمع وبكثرة، حيث كان له ثلاثة وعشرون مصدراً يأتي الرقُّ منها، فماذا فعل الإسلام؟
سَدَّ كل هذه المصادر، ولم يَبْقَ منها إلا الأسير في حرب شرعية، ثم أخذ يُعدِّد مصارف الرق ويفتح الأبواب لتحرير الرقيق كما رأينا في الكفَّارات وفي التطوع بتحرير الرقاب. فإنْ لم ترتكب ذنباً يستدعي كفارةً وعَتْقَ رقبة ولا حاجةَ لك في التطوع بعتق رقبة واحتفظتَ بما لديك من الرقيق فلتكرمه.
وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستوراً نسير عليه في معاملة الرقيق، حين قال: هكذا أمر الإسلام في مسألة العبيد، والإسلام أبقى على الرقِّ من الحرب المشروعة؛ لأن لي عدواً كافراً يحاصرني ويحاربني، ويأخذ أولادي أَسْرى عنده، فلا بُدَّّ من المعاملة بالمثل، أسَرُوا مِنّا نأسِر منهم، فَدوْا أسْراهم نفدي أَسْرانا، أطلقوا السراح نطلق.. وهكذا، إذن: المتأمل في هذه المسألة يجد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء لِيُشرِّع للرقِّ، إنما جاء ليُشرِّع للعتق.
وقوله تعالى في شأن سيدنا يونس إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] ليس مأخذاً على نبي الله يونس، لأن (أبَقَ) تعني أنه معترفٌ بأنه عبد لربه، هذه اللقطة لم يأتِ لها تفصيل هنا، إنما جاء في سورة أخرى لنعرف أن المسألة ليستْ (ميكانيكا)، المسألة مرادات حَقٍّ تأتي في موضعها لحكمة، ولسيدنا يونس سورة باسمه، ولن يُذكر اسمه إلا مرة واحدة، ثم يذكر في غير السورة المسمَّاة باسمه كل تاريخه.
فمعنى (أَبَقَ) هرب من سيده أو ترك قومه دون إذن من ربه، وهذه المسألة فُصِّلَتْ في قوله تعالى وَذَا ٱلنُّونِ [الأنبياء: ٨٧] أي: صاحب الحوت، وهو سيدنا يونس إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً [الأنبياء: ٨٧] والمغاضب غير الغاضِب، المغاضب: فيها مفاعلة ومشاركة، فهو غاضب، والمقابل له أيضاً غاضب، فهي مثل شارك محمد علياً، فهي شارك عليّ مُحمداً، أما غاضب فيعني من ناحيته هو فحسب.
لكن مُغَاضباً لمن؟ الطرف الآخر هنا هم القوم لما كذبوه وآذوه لم يُطِق، فهو ليس مُغَاضِباً لربه، إنما مغاضباً لقومه وعنده أمل، وظن في ربه أن يسامحه في هذا التصرف؛ لذلك قال تعالى بعدها: فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] البعض فهم (نقدر) من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه.
إنما معنى (نقدر) هنا أي: نُضيِّق عليه، كما في قوله تعالى: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ [الطلاق: ٧] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يُضيِّق عليه أنْ يُنفِّس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه.
ومعنى (الفُلْك) السفينة (المشْحُون) المملوء، وهذا يدلُّنا على أن السفينة حملاً خاصاً، لا ينبغي أنْ يزيد، وإلاَّ تعرضت السفينةُ للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامتْ فكرة الغوَّاصات، معنى غواصة يعني: تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقلُ من إزاحة الماء؛ لذلك يقولون: خِفْ تعوم.
وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حِمْل السفينة فقرر القبطان أن يُلقي بأحد الركاب لِيَخفَّ الحملُ، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، فألقَوْا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى فَسَاهَمَ.. [الصافات: ١٤١] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] معنى ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] المدْحَض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أنْ يُلْقى هو في البحر.
والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أنْ يُتَّهم بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دَخْلَ فيها للهوى، وهي دليلٌ على عدالة الحكم؛ لذلك كثيراً ما نلجأ في إجراء القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع التمييز بينها؛ لذلك يأتي اختياره قَدَراً مُنزَّهاً عن الهوى.
فقوله تعالى فَسَاهَمَ [الصافات: ١٤١] يعني: دخل معهم في القرعة يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وُجد شيء لا يتسع للطالبين له، لا يصح أنْ يميزَ القائمُ عليه بين هؤلاء الطالبين؛ لأن تمييزَ واحدٍ على الآخر يُورِث في النفس شيئاً، وإجراء القرعة اختيار قدري لا دخْلَ لأحد فيه.
وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارتْ الناقة حتى بركتْ عند ديار بني النجار.
قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خَفَّ من وزنها أو زادَ عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، فأنت حين تُحمِّل الجمل يتحمَّل على قدر طاقته، حتى إذا زدْتَ عليه عوداً واحداً برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجَّحتْ الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمُّل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع.
ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانعَ حين يحل الخطر بالجماعة أنْ يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد.
ثم يقول سبحانه فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر:
أمّا العِتَابُ فَبِالأَحِبَّةِ أَخْلَقُ والحبُّ يَصْلُحُ بالعِتَاب وَيَصْدُقُ
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
وقوله تعالى: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: ١٤٤] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
وتأمل قول الله فيه إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [الصافات: ١٤٠] معنى أبق: هرب وليس الهروب المطلق، إنما هروب العبد من سيده، لا هروبه من مستأجره، ولا هروب ابني مني، فهذا لا يُعَدُّ أبُوقاً. فكلمة (أبق) فيها ملحظ العبودية المطلقة للسيد الأعلى، فالله سيده وهو عبده.
لأن العبد مملوك بملك اليمين فهو بذاته مِلْك لي حين آخذه أسيراً، نعم بذاته، لأن الله حقن بهذا الملْك دمه، فبدل أنْ أقتله في الحرب أسرْتُه واستعبدته، فهو لا يصير عبداً إلا إذا أسرْته، وما دُمْت أسرْته وقدرْت عليه تستطيع قتله، إذن: ملّكك اللهُ رقبته، لأنه حمى دمه أنْ يُرَاق.
فلا داعي إذن للمقارنة بين الرقِّ والحرية، وإنْ أردتَ المقارنة، فقارن بين رِقٍّ وقتل، ولو خيَّرْتَ العبد نفسه بين أن يعيش عند سيد يخدمه، وبين القتل لاختار العبودية. إذن: العبودية هنا ليست سُبَّة في الإسلام، إنما هي جميل أَسْداه الإسلام إلى هؤلاء العبيد.
ومحمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ليشرِّع للرقِّ، ويزيد من أعداد الرقيق إنما جاء ليقضي على الرِّق، وليجفِّف منابعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء والرق موجود في المجتمع وبكثرة، حيث كان له ثلاثة وعشرون مصدراً يأتي الرقُّ منها، فماذا فعل الإسلام؟
سَدَّ كل هذه المصادر، ولم يَبْقَ منها إلا الأسير في حرب شرعية، ثم أخذ يُعدِّد مصارف الرق ويفتح الأبواب لتحرير الرقيق كما رأينا في الكفَّارات وفي التطوع بتحرير الرقاب. فإنْ لم ترتكب ذنباً يستدعي كفارةً وعَتْقَ رقبة ولا حاجةَ لك في التطوع بعتق رقبة واحتفظتَ بما لديك من الرقيق فلتكرمه.
وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستوراً نسير عليه في معاملة الرقيق، حين قال: هكذا أمر الإسلام في مسألة العبيد، والإسلام أبقى على الرقِّ من الحرب المشروعة؛ لأن لي عدواً كافراً يحاصرني ويحاربني، ويأخذ أولادي أَسْرى عنده، فلا بُدَّّ من المعاملة بالمثل، أسَرُوا مِنّا نأسِر منهم، فَدوْا أسْراهم نفدي أَسْرانا، أطلقوا السراح نطلق.. وهكذا، إذن: المتأمل في هذه المسألة يجد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء لِيُشرِّع للرقِّ، إنما جاء ليُشرِّع للعتق.
وقوله تعالى في شأن سيدنا يونس إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] ليس مأخذاً على نبي الله يونس، لأن (أبَقَ) تعني أنه معترفٌ بأنه عبد لربه، هذه اللقطة لم يأتِ لها تفصيل هنا، إنما جاء في سورة أخرى لنعرف أن المسألة ليستْ (ميكانيكا)، المسألة مرادات حَقٍّ تأتي في موضعها لحكمة، ولسيدنا يونس سورة باسمه، ولن يُذكر اسمه إلا مرة واحدة، ثم يذكر في غير السورة المسمَّاة باسمه كل تاريخه.
فمعنى (أَبَقَ) هرب من سيده أو ترك قومه دون إذن من ربه، وهذه المسألة فُصِّلَتْ في قوله تعالى وَذَا ٱلنُّونِ [الأنبياء: ٨٧] أي: صاحب الحوت، وهو سيدنا يونس إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً [الأنبياء: ٨٧] والمغاضب غير الغاضِب، المغاضب: فيها مفاعلة ومشاركة، فهو غاضب، والمقابل له أيضاً غاضب، فهي مثل شارك محمد علياً، فهي شارك عليّ مُحمداً، أما غاضب فيعني من ناحيته هو فحسب.
لكن مُغَاضباً لمن؟ الطرف الآخر هنا هم القوم لما كذبوه وآذوه لم يُطِق، فهو ليس مُغَاضِباً لربه، إنما مغاضباً لقومه وعنده أمل، وظن في ربه أن يسامحه في هذا التصرف؛ لذلك قال تعالى بعدها: فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] البعض فهم (نقدر) من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه.
إنما معنى (نقدر) هنا أي: نُضيِّق عليه، كما في قوله تعالى: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ [الطلاق: ٧] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يُضيِّق عليه أنْ يُنفِّس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه.
ومعنى (الفُلْك) السفينة (المشْحُون) المملوء، وهذا يدلُّنا على أن السفينة حملاً خاصاً، لا ينبغي أنْ يزيد، وإلاَّ تعرضت السفينةُ للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامتْ فكرة الغوَّاصات، معنى غواصة يعني: تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقلُ من إزاحة الماء؛ لذلك يقولون: خِفْ تعوم.
وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حِمْل السفينة فقرر القبطان أن يُلقي بأحد الركاب لِيَخفَّ الحملُ، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، فألقَوْا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى فَسَاهَمَ.. [الصافات: ١٤١] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] معنى ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] المدْحَض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أنْ يُلْقى هو في البحر.
والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أنْ يُتَّهم بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دَخْلَ فيها للهوى، وهي دليلٌ على عدالة الحكم؛ لذلك كثيراً ما نلجأ في إجراء القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع التمييز بينها؛ لذلك يأتي اختياره قَدَراً مُنزَّهاً عن الهوى.
فقوله تعالى فَسَاهَمَ [الصافات: ١٤١] يعني: دخل معهم في القرعة يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وُجد شيء لا يتسع للطالبين له، لا يصح أنْ يميزَ القائمُ عليه بين هؤلاء الطالبين؛ لأن تمييزَ واحدٍ على الآخر يُورِث في النفس شيئاً، وإجراء القرعة اختيار قدري لا دخْلَ لأحد فيه.
وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارتْ الناقة حتى بركتْ عند ديار بني النجار.
قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خَفَّ من وزنها أو زادَ عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، فأنت حين تُحمِّل الجمل يتحمَّل على قدر طاقته، حتى إذا زدْتَ عليه عوداً واحداً برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجَّحتْ الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمُّل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع.
ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانعَ حين يحل الخطر بالجماعة أنْ يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد.
ثم يقول سبحانه فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر:
أمّا العِتَابُ فَبِالأَحِبَّةِ أَخْلَقُ والحبُّ يَصْلُحُ بالعِتَاب وَيَصْدُقُ
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
وقوله تعالى: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: ١٤٤] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه.
آية رقم ١٤١
ﮖﮗﮘﮙ
ﮚ
أولاً: أثبت الحق سبحانه لسيدنا يونس - عليه السلام - أنه مُرْسَل وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٣٩] فلنأخذ هذه الفكرة في الاعتبار قبل الدخول في قصته، ولنفهم القصة في هذا الإطار، حتى إذا ما حدث منه شيء لا يليق برسول في نظرك، فاعلم أنه لا يطعن في منزلته كرسول، فالذي أرسله شهد له بالرسالة ولم يعزله منها، ولم يُجرِّده من منزلته بعد ما حدث.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
وتأمل قول الله فيه إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [الصافات: ١٤٠] معنى أبق: هرب وليس الهروب المطلق، إنما هروب العبد من سيده، لا هروبه من مستأجره، ولا هروب ابني مني، فهذا لا يُعَدُّ أبُوقاً. فكلمة (أبق) فيها ملحظ العبودية المطلقة للسيد الأعلى، فالله سيده وهو عبده.
لأن العبد مملوك بملك اليمين فهو بذاته مِلْك لي حين آخذه أسيراً، نعم بذاته، لأن الله حقن بهذا الملْك دمه، فبدل أنْ أقتله في الحرب أسرْتُه واستعبدته، فهو لا يصير عبداً إلا إذا أسرْته، وما دُمْت أسرْته وقدرْت عليه تستطيع قتله، إذن: ملّكك اللهُ رقبته، لأنه حمى دمه أنْ يُرَاق.
فلا داعي إذن للمقارنة بين الرقِّ والحرية، وإنْ أردتَ المقارنة، فقارن بين رِقٍّ وقتل، ولو خيَّرْتَ العبد نفسه بين أن يعيش عند سيد يخدمه، وبين القتل لاختار العبودية. إذن: العبودية هنا ليست سُبَّة في الإسلام، إنما هي جميل أَسْداه الإسلام إلى هؤلاء العبيد.
ومحمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ليشرِّع للرقِّ، ويزيد من أعداد الرقيق إنما جاء ليقضي على الرِّق، وليجفِّف منابعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء والرق موجود في المجتمع وبكثرة، حيث كان له ثلاثة وعشرون مصدراً يأتي الرقُّ منها، فماذا فعل الإسلام؟
سَدَّ كل هذه المصادر، ولم يَبْقَ منها إلا الأسير في حرب شرعية، ثم أخذ يُعدِّد مصارف الرق ويفتح الأبواب لتحرير الرقيق كما رأينا في الكفَّارات وفي التطوع بتحرير الرقاب. فإنْ لم ترتكب ذنباً يستدعي كفارةً وعَتْقَ رقبة ولا حاجةَ لك في التطوع بعتق رقبة واحتفظتَ بما لديك من الرقيق فلتكرمه.
وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستوراً نسير عليه في معاملة الرقيق، حين قال: هكذا أمر الإسلام في مسألة العبيد، والإسلام أبقى على الرقِّ من الحرب المشروعة؛ لأن لي عدواً كافراً يحاصرني ويحاربني، ويأخذ أولادي أَسْرى عنده، فلا بُدَّّ من المعاملة بالمثل، أسَرُوا مِنّا نأسِر منهم، فَدوْا أسْراهم نفدي أَسْرانا، أطلقوا السراح نطلق.. وهكذا، إذن: المتأمل في هذه المسألة يجد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء لِيُشرِّع للرقِّ، إنما جاء ليُشرِّع للعتق.
وقوله تعالى في شأن سيدنا يونس إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] ليس مأخذاً على نبي الله يونس، لأن (أبَقَ) تعني أنه معترفٌ بأنه عبد لربه، هذه اللقطة لم يأتِ لها تفصيل هنا، إنما جاء في سورة أخرى لنعرف أن المسألة ليستْ (ميكانيكا)، المسألة مرادات حَقٍّ تأتي في موضعها لحكمة، ولسيدنا يونس سورة باسمه، ولن يُذكر اسمه إلا مرة واحدة، ثم يذكر في غير السورة المسمَّاة باسمه كل تاريخه.
فمعنى (أَبَقَ) هرب من سيده أو ترك قومه دون إذن من ربه، وهذه المسألة فُصِّلَتْ في قوله تعالى وَذَا ٱلنُّونِ [الأنبياء: ٨٧] أي: صاحب الحوت، وهو سيدنا يونس إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً [الأنبياء: ٨٧] والمغاضب غير الغاضِب، المغاضب: فيها مفاعلة ومشاركة، فهو غاضب، والمقابل له أيضاً غاضب، فهي مثل شارك محمد علياً، فهي شارك عليّ مُحمداً، أما غاضب فيعني من ناحيته هو فحسب.
لكن مُغَاضباً لمن؟ الطرف الآخر هنا هم القوم لما كذبوه وآذوه لم يُطِق، فهو ليس مُغَاضِباً لربه، إنما مغاضباً لقومه وعنده أمل، وظن في ربه أن يسامحه في هذا التصرف؛ لذلك قال تعالى بعدها: فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] البعض فهم (نقدر) من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه.
إنما معنى (نقدر) هنا أي: نُضيِّق عليه، كما في قوله تعالى: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ [الطلاق: ٧] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يُضيِّق عليه أنْ يُنفِّس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه.
ومعنى (الفُلْك) السفينة (المشْحُون) المملوء، وهذا يدلُّنا على أن السفينة حملاً خاصاً، لا ينبغي أنْ يزيد، وإلاَّ تعرضت السفينةُ للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامتْ فكرة الغوَّاصات، معنى غواصة يعني: تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقلُ من إزاحة الماء؛ لذلك يقولون: خِفْ تعوم.
وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حِمْل السفينة فقرر القبطان أن يُلقي بأحد الركاب لِيَخفَّ الحملُ، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، فألقَوْا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى فَسَاهَمَ.. [الصافات: ١٤١] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] معنى ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] المدْحَض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أنْ يُلْقى هو في البحر.
والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أنْ يُتَّهم بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دَخْلَ فيها للهوى، وهي دليلٌ على عدالة الحكم؛ لذلك كثيراً ما نلجأ في إجراء القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع التمييز بينها؛ لذلك يأتي اختياره قَدَراً مُنزَّهاً عن الهوى.
فقوله تعالى فَسَاهَمَ [الصافات: ١٤١] يعني: دخل معهم في القرعة يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وُجد شيء لا يتسع للطالبين له، لا يصح أنْ يميزَ القائمُ عليه بين هؤلاء الطالبين؛ لأن تمييزَ واحدٍ على الآخر يُورِث في النفس شيئاً، وإجراء القرعة اختيار قدري لا دخْلَ لأحد فيه.
وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارتْ الناقة حتى بركتْ عند ديار بني النجار.
قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خَفَّ من وزنها أو زادَ عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، فأنت حين تُحمِّل الجمل يتحمَّل على قدر طاقته، حتى إذا زدْتَ عليه عوداً واحداً برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجَّحتْ الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمُّل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع.
ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانعَ حين يحل الخطر بالجماعة أنْ يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد.
ثم يقول سبحانه فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر:
أمّا العِتَابُ فَبِالأَحِبَّةِ أَخْلَقُ والحبُّ يَصْلُحُ بالعِتَاب وَيَصْدُقُ
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
وقوله تعالى: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: ١٤٤] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
وتأمل قول الله فيه إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [الصافات: ١٤٠] معنى أبق: هرب وليس الهروب المطلق، إنما هروب العبد من سيده، لا هروبه من مستأجره، ولا هروب ابني مني، فهذا لا يُعَدُّ أبُوقاً. فكلمة (أبق) فيها ملحظ العبودية المطلقة للسيد الأعلى، فالله سيده وهو عبده.
لأن العبد مملوك بملك اليمين فهو بذاته مِلْك لي حين آخذه أسيراً، نعم بذاته، لأن الله حقن بهذا الملْك دمه، فبدل أنْ أقتله في الحرب أسرْتُه واستعبدته، فهو لا يصير عبداً إلا إذا أسرْته، وما دُمْت أسرْته وقدرْت عليه تستطيع قتله، إذن: ملّكك اللهُ رقبته، لأنه حمى دمه أنْ يُرَاق.
فلا داعي إذن للمقارنة بين الرقِّ والحرية، وإنْ أردتَ المقارنة، فقارن بين رِقٍّ وقتل، ولو خيَّرْتَ العبد نفسه بين أن يعيش عند سيد يخدمه، وبين القتل لاختار العبودية. إذن: العبودية هنا ليست سُبَّة في الإسلام، إنما هي جميل أَسْداه الإسلام إلى هؤلاء العبيد.
ومحمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ليشرِّع للرقِّ، ويزيد من أعداد الرقيق إنما جاء ليقضي على الرِّق، وليجفِّف منابعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء والرق موجود في المجتمع وبكثرة، حيث كان له ثلاثة وعشرون مصدراً يأتي الرقُّ منها، فماذا فعل الإسلام؟
سَدَّ كل هذه المصادر، ولم يَبْقَ منها إلا الأسير في حرب شرعية، ثم أخذ يُعدِّد مصارف الرق ويفتح الأبواب لتحرير الرقيق كما رأينا في الكفَّارات وفي التطوع بتحرير الرقاب. فإنْ لم ترتكب ذنباً يستدعي كفارةً وعَتْقَ رقبة ولا حاجةَ لك في التطوع بعتق رقبة واحتفظتَ بما لديك من الرقيق فلتكرمه.
وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستوراً نسير عليه في معاملة الرقيق، حين قال: هكذا أمر الإسلام في مسألة العبيد، والإسلام أبقى على الرقِّ من الحرب المشروعة؛ لأن لي عدواً كافراً يحاصرني ويحاربني، ويأخذ أولادي أَسْرى عنده، فلا بُدَّّ من المعاملة بالمثل، أسَرُوا مِنّا نأسِر منهم، فَدوْا أسْراهم نفدي أَسْرانا، أطلقوا السراح نطلق.. وهكذا، إذن: المتأمل في هذه المسألة يجد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء لِيُشرِّع للرقِّ، إنما جاء ليُشرِّع للعتق.
وقوله تعالى في شأن سيدنا يونس إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] ليس مأخذاً على نبي الله يونس، لأن (أبَقَ) تعني أنه معترفٌ بأنه عبد لربه، هذه اللقطة لم يأتِ لها تفصيل هنا، إنما جاء في سورة أخرى لنعرف أن المسألة ليستْ (ميكانيكا)، المسألة مرادات حَقٍّ تأتي في موضعها لحكمة، ولسيدنا يونس سورة باسمه، ولن يُذكر اسمه إلا مرة واحدة، ثم يذكر في غير السورة المسمَّاة باسمه كل تاريخه.
فمعنى (أَبَقَ) هرب من سيده أو ترك قومه دون إذن من ربه، وهذه المسألة فُصِّلَتْ في قوله تعالى وَذَا ٱلنُّونِ [الأنبياء: ٨٧] أي: صاحب الحوت، وهو سيدنا يونس إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً [الأنبياء: ٨٧] والمغاضب غير الغاضِب، المغاضب: فيها مفاعلة ومشاركة، فهو غاضب، والمقابل له أيضاً غاضب، فهي مثل شارك محمد علياً، فهي شارك عليّ مُحمداً، أما غاضب فيعني من ناحيته هو فحسب.
لكن مُغَاضباً لمن؟ الطرف الآخر هنا هم القوم لما كذبوه وآذوه لم يُطِق، فهو ليس مُغَاضِباً لربه، إنما مغاضباً لقومه وعنده أمل، وظن في ربه أن يسامحه في هذا التصرف؛ لذلك قال تعالى بعدها: فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] البعض فهم (نقدر) من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه.
إنما معنى (نقدر) هنا أي: نُضيِّق عليه، كما في قوله تعالى: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ [الطلاق: ٧] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يُضيِّق عليه أنْ يُنفِّس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه.
ومعنى (الفُلْك) السفينة (المشْحُون) المملوء، وهذا يدلُّنا على أن السفينة حملاً خاصاً، لا ينبغي أنْ يزيد، وإلاَّ تعرضت السفينةُ للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامتْ فكرة الغوَّاصات، معنى غواصة يعني: تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقلُ من إزاحة الماء؛ لذلك يقولون: خِفْ تعوم.
وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حِمْل السفينة فقرر القبطان أن يُلقي بأحد الركاب لِيَخفَّ الحملُ، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، فألقَوْا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى فَسَاهَمَ.. [الصافات: ١٤١] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] معنى ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] المدْحَض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أنْ يُلْقى هو في البحر.
والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أنْ يُتَّهم بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دَخْلَ فيها للهوى، وهي دليلٌ على عدالة الحكم؛ لذلك كثيراً ما نلجأ في إجراء القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع التمييز بينها؛ لذلك يأتي اختياره قَدَراً مُنزَّهاً عن الهوى.
فقوله تعالى فَسَاهَمَ [الصافات: ١٤١] يعني: دخل معهم في القرعة يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وُجد شيء لا يتسع للطالبين له، لا يصح أنْ يميزَ القائمُ عليه بين هؤلاء الطالبين؛ لأن تمييزَ واحدٍ على الآخر يُورِث في النفس شيئاً، وإجراء القرعة اختيار قدري لا دخْلَ لأحد فيه.
وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارتْ الناقة حتى بركتْ عند ديار بني النجار.
قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خَفَّ من وزنها أو زادَ عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، فأنت حين تُحمِّل الجمل يتحمَّل على قدر طاقته، حتى إذا زدْتَ عليه عوداً واحداً برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجَّحتْ الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمُّل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع.
ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانعَ حين يحل الخطر بالجماعة أنْ يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد.
ثم يقول سبحانه فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر:
أمّا العِتَابُ فَبِالأَحِبَّةِ أَخْلَقُ والحبُّ يَصْلُحُ بالعِتَاب وَيَصْدُقُ
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
وقوله تعالى: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: ١٤٤] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه.
آية رقم ١٤٢
ﮛﮜﮝﮞ
ﮟ
ثم يقول سبحانه فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه -عز وجل- وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة...
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
آية رقم ١٤٣
ﮠﮡﮢﮣﮤ
ﮥ
التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه
آية رقم ١٤٤
ﮦﮧﮨﮩﮪﮫ
ﮬ
أولاً: أثبت الحق سبحانه لسيدنا يونس - عليه السلام - أنه مُرْسَل وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٣٩] فلنأخذ هذه الفكرة في الاعتبار قبل الدخول في قصته، ولنفهم القصة في هذا الإطار، حتى إذا ما حدث منه شيء لا يليق برسول في نظرك، فاعلم أنه لا يطعن في منزلته كرسول، فالذي أرسله شهد له بالرسالة ولم يعزله منها، ولم يُجرِّده من منزلته بعد ما حدث.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
وتأمل قول الله فيه إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [الصافات: ١٤٠] معنى أبق: هرب وليس الهروب المطلق، إنما هروب العبد من سيده، لا هروبه من مستأجره، ولا هروب ابني مني، فهذا لا يُعَدُّ أبُوقاً. فكلمة (أبق) فيها ملحظ العبودية المطلقة للسيد الأعلى، فالله سيده وهو عبده.
لأن العبد مملوك بملك اليمين فهو بذاته مِلْك لي حين آخذه أسيراً، نعم بذاته، لأن الله حقن بهذا الملْك دمه، فبدل أنْ أقتله في الحرب أسرْتُه واستعبدته، فهو لا يصير عبداً إلا إذا أسرْته، وما دُمْت أسرْته وقدرْت عليه تستطيع قتله، إذن: ملّكك اللهُ رقبته، لأنه حمى دمه أنْ يُرَاق.
فلا داعي إذن للمقارنة بين الرقِّ والحرية، وإنْ أردتَ المقارنة، فقارن بين رِقٍّ وقتل، ولو خيَّرْتَ العبد نفسه بين أن يعيش عند سيد يخدمه، وبين القتل لاختار العبودية. إذن: العبودية هنا ليست سُبَّة في الإسلام، إنما هي جميل أَسْداه الإسلام إلى هؤلاء العبيد.
ومحمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ليشرِّع للرقِّ، ويزيد من أعداد الرقيق إنما جاء ليقضي على الرِّق، وليجفِّف منابعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء والرق موجود في المجتمع وبكثرة، حيث كان له ثلاثة وعشرون مصدراً يأتي الرقُّ منها، فماذا فعل الإسلام؟
سَدَّ كل هذه المصادر، ولم يَبْقَ منها إلا الأسير في حرب شرعية، ثم أخذ يُعدِّد مصارف الرق ويفتح الأبواب لتحرير الرقيق كما رأينا في الكفَّارات وفي التطوع بتحرير الرقاب. فإنْ لم ترتكب ذنباً يستدعي كفارةً وعَتْقَ رقبة ولا حاجةَ لك في التطوع بعتق رقبة واحتفظتَ بما لديك من الرقيق فلتكرمه.
وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستوراً نسير عليه في معاملة الرقيق، حين قال: هكذا أمر الإسلام في مسألة العبيد، والإسلام أبقى على الرقِّ من الحرب المشروعة؛ لأن لي عدواً كافراً يحاصرني ويحاربني، ويأخذ أولادي أَسْرى عنده، فلا بُدَّّ من المعاملة بالمثل، أسَرُوا مِنّا نأسِر منهم، فَدوْا أسْراهم نفدي أَسْرانا، أطلقوا السراح نطلق.. وهكذا، إذن: المتأمل في هذه المسألة يجد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء لِيُشرِّع للرقِّ، إنما جاء ليُشرِّع للعتق.
وقوله تعالى في شأن سيدنا يونس إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] ليس مأخذاً على نبي الله يونس، لأن (أبَقَ) تعني أنه معترفٌ بأنه عبد لربه، هذه اللقطة لم يأتِ لها تفصيل هنا، إنما جاء في سورة أخرى لنعرف أن المسألة ليستْ (ميكانيكا)، المسألة مرادات حَقٍّ تأتي في موضعها لحكمة، ولسيدنا يونس سورة باسمه، ولن يُذكر اسمه إلا مرة واحدة، ثم يذكر في غير السورة المسمَّاة باسمه كل تاريخه.
فمعنى (أَبَقَ) هرب من سيده أو ترك قومه دون إذن من ربه، وهذه المسألة فُصِّلَتْ في قوله تعالى وَذَا ٱلنُّونِ [الأنبياء: ٨٧] أي: صاحب الحوت، وهو سيدنا يونس إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً [الأنبياء: ٨٧] والمغاضب غير الغاضِب، المغاضب: فيها مفاعلة ومشاركة، فهو غاضب، والمقابل له أيضاً غاضب، فهي مثل شارك محمد علياً، فهي شارك عليّ مُحمداً، أما غاضب فيعني من ناحيته هو فحسب.
لكن مُغَاضباً لمن؟ الطرف الآخر هنا هم القوم لما كذبوه وآذوه لم يُطِق، فهو ليس مُغَاضِباً لربه، إنما مغاضباً لقومه وعنده أمل، وظن في ربه أن يسامحه في هذا التصرف؛ لذلك قال تعالى بعدها: فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] البعض فهم (نقدر) من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه.
إنما معنى (نقدر) هنا أي: نُضيِّق عليه، كما في قوله تعالى: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ [الطلاق: ٧] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يُضيِّق عليه أنْ يُنفِّس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه.
ومعنى (الفُلْك) السفينة (المشْحُون) المملوء، وهذا يدلُّنا على أن السفينة حملاً خاصاً، لا ينبغي أنْ يزيد، وإلاَّ تعرضت السفينةُ للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامتْ فكرة الغوَّاصات، معنى غواصة يعني: تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقلُ من إزاحة الماء؛ لذلك يقولون: خِفْ تعوم.
وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حِمْل السفينة فقرر القبطان أن يُلقي بأحد الركاب لِيَخفَّ الحملُ، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، فألقَوْا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى فَسَاهَمَ.. [الصافات: ١٤١] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] معنى ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] المدْحَض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أنْ يُلْقى هو في البحر.
والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أنْ يُتَّهم بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دَخْلَ فيها للهوى، وهي دليلٌ على عدالة الحكم؛ لذلك كثيراً ما نلجأ في إجراء القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع التمييز بينها؛ لذلك يأتي اختياره قَدَراً مُنزَّهاً عن الهوى.
فقوله تعالى فَسَاهَمَ [الصافات: ١٤١] يعني: دخل معهم في القرعة يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وُجد شيء لا يتسع للطالبين له، لا يصح أنْ يميزَ القائمُ عليه بين هؤلاء الطالبين؛ لأن تمييزَ واحدٍ على الآخر يُورِث في النفس شيئاً، وإجراء القرعة اختيار قدري لا دخْلَ لأحد فيه.
وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارتْ الناقة حتى بركتْ عند ديار بني النجار.
قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خَفَّ من وزنها أو زادَ عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، فأنت حين تُحمِّل الجمل يتحمَّل على قدر طاقته، حتى إذا زدْتَ عليه عوداً واحداً برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجَّحتْ الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمُّل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع.
ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانعَ حين يحل الخطر بالجماعة أنْ يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد.
ثم يقول سبحانه فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر:
أمّا العِتَابُ فَبِالأَحِبَّةِ أَخْلَقُ والحبُّ يَصْلُحُ بالعِتَاب وَيَصْدُقُ
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
وقوله تعالى: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: ١٤٤] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
وتأمل قول الله فيه إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [الصافات: ١٤٠] معنى أبق: هرب وليس الهروب المطلق، إنما هروب العبد من سيده، لا هروبه من مستأجره، ولا هروب ابني مني، فهذا لا يُعَدُّ أبُوقاً. فكلمة (أبق) فيها ملحظ العبودية المطلقة للسيد الأعلى، فالله سيده وهو عبده.
لأن العبد مملوك بملك اليمين فهو بذاته مِلْك لي حين آخذه أسيراً، نعم بذاته، لأن الله حقن بهذا الملْك دمه، فبدل أنْ أقتله في الحرب أسرْتُه واستعبدته، فهو لا يصير عبداً إلا إذا أسرْته، وما دُمْت أسرْته وقدرْت عليه تستطيع قتله، إذن: ملّكك اللهُ رقبته، لأنه حمى دمه أنْ يُرَاق.
فلا داعي إذن للمقارنة بين الرقِّ والحرية، وإنْ أردتَ المقارنة، فقارن بين رِقٍّ وقتل، ولو خيَّرْتَ العبد نفسه بين أن يعيش عند سيد يخدمه، وبين القتل لاختار العبودية. إذن: العبودية هنا ليست سُبَّة في الإسلام، إنما هي جميل أَسْداه الإسلام إلى هؤلاء العبيد.
ومحمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ليشرِّع للرقِّ، ويزيد من أعداد الرقيق إنما جاء ليقضي على الرِّق، وليجفِّف منابعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء والرق موجود في المجتمع وبكثرة، حيث كان له ثلاثة وعشرون مصدراً يأتي الرقُّ منها، فماذا فعل الإسلام؟
سَدَّ كل هذه المصادر، ولم يَبْقَ منها إلا الأسير في حرب شرعية، ثم أخذ يُعدِّد مصارف الرق ويفتح الأبواب لتحرير الرقيق كما رأينا في الكفَّارات وفي التطوع بتحرير الرقاب. فإنْ لم ترتكب ذنباً يستدعي كفارةً وعَتْقَ رقبة ولا حاجةَ لك في التطوع بعتق رقبة واحتفظتَ بما لديك من الرقيق فلتكرمه.
وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستوراً نسير عليه في معاملة الرقيق، حين قال: هكذا أمر الإسلام في مسألة العبيد، والإسلام أبقى على الرقِّ من الحرب المشروعة؛ لأن لي عدواً كافراً يحاصرني ويحاربني، ويأخذ أولادي أَسْرى عنده، فلا بُدَّّ من المعاملة بالمثل، أسَرُوا مِنّا نأسِر منهم، فَدوْا أسْراهم نفدي أَسْرانا، أطلقوا السراح نطلق.. وهكذا، إذن: المتأمل في هذه المسألة يجد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء لِيُشرِّع للرقِّ، إنما جاء ليُشرِّع للعتق.
وقوله تعالى في شأن سيدنا يونس إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] ليس مأخذاً على نبي الله يونس، لأن (أبَقَ) تعني أنه معترفٌ بأنه عبد لربه، هذه اللقطة لم يأتِ لها تفصيل هنا، إنما جاء في سورة أخرى لنعرف أن المسألة ليستْ (ميكانيكا)، المسألة مرادات حَقٍّ تأتي في موضعها لحكمة، ولسيدنا يونس سورة باسمه، ولن يُذكر اسمه إلا مرة واحدة، ثم يذكر في غير السورة المسمَّاة باسمه كل تاريخه.
فمعنى (أَبَقَ) هرب من سيده أو ترك قومه دون إذن من ربه، وهذه المسألة فُصِّلَتْ في قوله تعالى وَذَا ٱلنُّونِ [الأنبياء: ٨٧] أي: صاحب الحوت، وهو سيدنا يونس إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً [الأنبياء: ٨٧] والمغاضب غير الغاضِب، المغاضب: فيها مفاعلة ومشاركة، فهو غاضب، والمقابل له أيضاً غاضب، فهي مثل شارك محمد علياً، فهي شارك عليّ مُحمداً، أما غاضب فيعني من ناحيته هو فحسب.
لكن مُغَاضباً لمن؟ الطرف الآخر هنا هم القوم لما كذبوه وآذوه لم يُطِق، فهو ليس مُغَاضِباً لربه، إنما مغاضباً لقومه وعنده أمل، وظن في ربه أن يسامحه في هذا التصرف؛ لذلك قال تعالى بعدها: فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] البعض فهم (نقدر) من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه.
إنما معنى (نقدر) هنا أي: نُضيِّق عليه، كما في قوله تعالى: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ [الطلاق: ٧] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يُضيِّق عليه أنْ يُنفِّس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه.
ومعنى (الفُلْك) السفينة (المشْحُون) المملوء، وهذا يدلُّنا على أن السفينة حملاً خاصاً، لا ينبغي أنْ يزيد، وإلاَّ تعرضت السفينةُ للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامتْ فكرة الغوَّاصات، معنى غواصة يعني: تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقلُ من إزاحة الماء؛ لذلك يقولون: خِفْ تعوم.
وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حِمْل السفينة فقرر القبطان أن يُلقي بأحد الركاب لِيَخفَّ الحملُ، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، فألقَوْا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى فَسَاهَمَ.. [الصافات: ١٤١] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] معنى ٱلْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] المدْحَض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أنْ يُلْقى هو في البحر.
والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أنْ يُتَّهم بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دَخْلَ فيها للهوى، وهي دليلٌ على عدالة الحكم؛ لذلك كثيراً ما نلجأ في إجراء القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلاً، لماذا؟ لأنه لا يستطيع التمييز بينها؛ لذلك يأتي اختياره قَدَراً مُنزَّهاً عن الهوى.
فقوله تعالى فَسَاهَمَ [الصافات: ١٤١] يعني: دخل معهم في القرعة يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وُجد شيء لا يتسع للطالبين له، لا يصح أنْ يميزَ القائمُ عليه بين هؤلاء الطالبين؛ لأن تمييزَ واحدٍ على الآخر يُورِث في النفس شيئاً، وإجراء القرعة اختيار قدري لا دخْلَ لأحد فيه.
وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارتْ الناقة حتى بركتْ عند ديار بني النجار.
قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خَفَّ من وزنها أو زادَ عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، فأنت حين تُحمِّل الجمل يتحمَّل على قدر طاقته، حتى إذا زدْتَ عليه عوداً واحداً برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجَّحتْ الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمُّل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع.
ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانعَ حين يحل الخطر بالجماعة أنْ يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد.
ثم يقول سبحانه فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر:
أمّا العِتَابُ فَبِالأَحِبَّةِ أَخْلَقُ والحبُّ يَصْلُحُ بالعِتَاب وَيَصْدُقُ
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ [الصافات: ١٤٠] يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات: ١٤٢] فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
وقوله تعالى: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: ١٤٤] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه.
آية رقم ١٤٥
ﮭﮮﮯﮰﮱ
ﯓ
نلحظ في الأَخْذ، قال فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ [الصافات: ١٤٢] فنسب الفعل للحوت، لكن هنا في النجاة نسب الفعل إلى الله، فقال فَنَبَذْنَاهُ [الصافات: ١٤٥] أي: ألقيناه وطرحناه بِٱلْعَرَآءِ [الصافات: ١٤٥] أي: في أرض فضاء واسعة وَهُوَ سَقِيمٌ [الصافات: ١٤٥] يعني: مريض أو مُتْعب من الضيق الذي عاناه في بطن الحوت، أو سقيم من التفكير فيما حدثَ من قومه، وفيما حدث منه، فهي تحتمل السقم المادي والمعنوي.
ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أنْ ألقاه الحوت في هذه الأرض الفضاء وهو مُتْعَب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبتَ اللهُ له شجرةَ اليقطين وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ [الصافات: ١٤٦] وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره وتُظِلُّه وتحميه من الذباب والحشرات؛ لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن الحوت تعوق تنفُّس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزقَ المزاج.
لذلك لما سُئِل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شجرة اليقطين، قال: والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.
إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس - عليه السلام - كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام.
وقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٧-١٤٨] كأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن ما حدث من يونس يقدح في رسالته، أو يجعلنا نغير رأينا فيه كرسول، فهو مرسل إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] والمائة ألف هنا قد تكون كناية عن العدد الكثير؛ لأن الألف قديماً كان منتهى ما يُعرف من العدد عند الناس.
لذلك لما أرادوا أنْ يفدوا بنت كسرى (أظن) حين وقعت في الأسْر عرضوا على مَنْ جُعِلَتْ في سهمه من المسلمين كذا ألف فوافق، فقال له أصحابه بعد أنْ عقد هذه الصفقة: لماذا لم تطلب أكثر من ذلك، فهم قادرون على أنْ يفدوها بالمال الكثير؟ قال: والله لو أعلم أن وراء الألف عدداً لَقُلْتُ.
وقوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد.
وقوله تعالى: فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٨] وما دام المتاعُ موقوتاً بزمن ينتهي عنده، فهو متاع الدنيا، ومُتعة الدنيا للمؤمن تنتهي إلى خير منها، فلا تَقُلْ إذن: أنهى اللهُ متعةَ المؤمن؛ لأن انقطاع متعة الدنيا يُوصِّلك بمتعة الآخرة، وتمتُّعك في الدنيا موقوت بعمرك فيها، ومحدود بحدود إمكانياتك وقدراتك، أما متعة الآخرة فباقية وتأتي على قدر إمكانيات المنعِم سبحانه.
إذن: هذا إكرام أنْ تُنقل من نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة، فقوله إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٨] يُعَد جميلاً من الله.
بعد ذلك ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى:
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ... .
ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أنْ ألقاه الحوت في هذه الأرض الفضاء وهو مُتْعَب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبتَ اللهُ له شجرةَ اليقطين وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ [الصافات: ١٤٦] وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره وتُظِلُّه وتحميه من الذباب والحشرات؛ لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن الحوت تعوق تنفُّس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزقَ المزاج.
لذلك لما سُئِل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شجرة اليقطين، قال: والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.
إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس - عليه السلام - كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام.
وقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٧-١٤٨] كأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن ما حدث من يونس يقدح في رسالته، أو يجعلنا نغير رأينا فيه كرسول، فهو مرسل إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] والمائة ألف هنا قد تكون كناية عن العدد الكثير؛ لأن الألف قديماً كان منتهى ما يُعرف من العدد عند الناس.
لذلك لما أرادوا أنْ يفدوا بنت كسرى (أظن) حين وقعت في الأسْر عرضوا على مَنْ جُعِلَتْ في سهمه من المسلمين كذا ألف فوافق، فقال له أصحابه بعد أنْ عقد هذه الصفقة: لماذا لم تطلب أكثر من ذلك، فهم قادرون على أنْ يفدوها بالمال الكثير؟ قال: والله لو أعلم أن وراء الألف عدداً لَقُلْتُ.
وقوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد.
وقوله تعالى: فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٨] وما دام المتاعُ موقوتاً بزمن ينتهي عنده، فهو متاع الدنيا، ومُتعة الدنيا للمؤمن تنتهي إلى خير منها، فلا تَقُلْ إذن: أنهى اللهُ متعةَ المؤمن؛ لأن انقطاع متعة الدنيا يُوصِّلك بمتعة الآخرة، وتمتُّعك في الدنيا موقوت بعمرك فيها، ومحدود بحدود إمكانياتك وقدراتك، أما متعة الآخرة فباقية وتأتي على قدر إمكانيات المنعِم سبحانه.
إذن: هذا إكرام أنْ تُنقل من نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة، فقوله إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٨] يُعَد جميلاً من الله.
بعد ذلك ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى:
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ... .
آية رقم ١٤٦
ﯔﯕﯖﯗﯘ
ﯙ
ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أنْ ألقاه الحوت في هذه الأرض الفضاء وهو مُتْعَب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبتَ اللهُ له شجرةَ اليقطين وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره وتُظِلُّه وتحميه من الذباب والحشرات؛ لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن الحوت تعوق تنفُّس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزقَ المزاج...
والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.
إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس -عليه السلام- كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام.
والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.
إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس -عليه السلام- كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام.
آية رقم ١٤٧
ﯚﯛﯜﯝﯞﯟ
ﯠ
كأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن ما حدث من يونس يقدح في رسالته، أو يجعلنا نغير رأينا فيه كرسول، فهو مرسل إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ والمائة ألف هنا قد تكون كناية عن العدد الكثير؛ لأن الألف قديماً كان منتهى ما يُعرف من العدد عند الناس...
وقوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله أَوْ يَزِيدُونَ ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد.
وقوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله أَوْ يَزِيدُونَ ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد.
آية رقم ١٤٨
ﯡﯢﯣﯤ
ﯥ
نلحظ في الأَخْذ، قال فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ [الصافات: ١٤٢] فنسب الفعل للحوت، لكن هنا في النجاة نسب الفعل إلى الله، فقال فَنَبَذْنَاهُ [الصافات: ١٤٥] أي: ألقيناه وطرحناه بِٱلْعَرَآءِ [الصافات: ١٤٥] أي: في أرض فضاء واسعة وَهُوَ سَقِيمٌ [الصافات: ١٤٥] يعني: مريض أو مُتْعب من الضيق الذي عاناه في بطن الحوت، أو سقيم من التفكير فيما حدثَ من قومه، وفيما حدث منه، فهي تحتمل السقم المادي والمعنوي.
ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أنْ ألقاه الحوت في هذه الأرض الفضاء وهو مُتْعَب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبتَ اللهُ له شجرةَ اليقطين وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ [الصافات: ١٤٦] وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره وتُظِلُّه وتحميه من الذباب والحشرات؛ لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن الحوت تعوق تنفُّس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزقَ المزاج.
لذلك لما سُئِل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شجرة اليقطين، قال: والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.
إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس - عليه السلام - كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام.
وقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٧-١٤٨] كأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن ما حدث من يونس يقدح في رسالته، أو يجعلنا نغير رأينا فيه كرسول، فهو مرسل إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] والمائة ألف هنا قد تكون كناية عن العدد الكثير؛ لأن الألف قديماً كان منتهى ما يُعرف من العدد عند الناس.
لذلك لما أرادوا أنْ يفدوا بنت كسرى (أظن) حين وقعت في الأسْر عرضوا على مَنْ جُعِلَتْ في سهمه من المسلمين كذا ألف فوافق، فقال له أصحابه بعد أنْ عقد هذه الصفقة: لماذا لم تطلب أكثر من ذلك، فهم قادرون على أنْ يفدوها بالمال الكثير؟ قال: والله لو أعلم أن وراء الألف عدداً لَقُلْتُ.
وقوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد.
وقوله تعالى: فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٨] وما دام المتاعُ موقوتاً بزمن ينتهي عنده، فهو متاع الدنيا، ومُتعة الدنيا للمؤمن تنتهي إلى خير منها، فلا تَقُلْ إذن: أنهى اللهُ متعةَ المؤمن؛ لأن انقطاع متعة الدنيا يُوصِّلك بمتعة الآخرة، وتمتُّعك في الدنيا موقوت بعمرك فيها، ومحدود بحدود إمكانياتك وقدراتك، أما متعة الآخرة فباقية وتأتي على قدر إمكانيات المنعِم سبحانه.
إذن: هذا إكرام أنْ تُنقل من نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة، فقوله إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٨] يُعَد جميلاً من الله.
بعد ذلك ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى:
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ... .
ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أنْ ألقاه الحوت في هذه الأرض الفضاء وهو مُتْعَب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبتَ اللهُ له شجرةَ اليقطين وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ [الصافات: ١٤٦] وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره وتُظِلُّه وتحميه من الذباب والحشرات؛ لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن الحوت تعوق تنفُّس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزقَ المزاج.
لذلك لما سُئِل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شجرة اليقطين، قال: والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.
إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس - عليه السلام - كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام.
وقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٧-١٤٨] كأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن ما حدث من يونس يقدح في رسالته، أو يجعلنا نغير رأينا فيه كرسول، فهو مرسل إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] والمائة ألف هنا قد تكون كناية عن العدد الكثير؛ لأن الألف قديماً كان منتهى ما يُعرف من العدد عند الناس.
لذلك لما أرادوا أنْ يفدوا بنت كسرى (أظن) حين وقعت في الأسْر عرضوا على مَنْ جُعِلَتْ في سهمه من المسلمين كذا ألف فوافق، فقال له أصحابه بعد أنْ عقد هذه الصفقة: لماذا لم تطلب أكثر من ذلك، فهم قادرون على أنْ يفدوها بالمال الكثير؟ قال: والله لو أعلم أن وراء الألف عدداً لَقُلْتُ.
وقوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد.
وقوله تعالى: فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٨] وما دام المتاعُ موقوتاً بزمن ينتهي عنده، فهو متاع الدنيا، ومُتعة الدنيا للمؤمن تنتهي إلى خير منها، فلا تَقُلْ إذن: أنهى اللهُ متعةَ المؤمن؛ لأن انقطاع متعة الدنيا يُوصِّلك بمتعة الآخرة، وتمتُّعك في الدنيا موقوت بعمرك فيها، ومحدود بحدود إمكانياتك وقدراتك، أما متعة الآخرة فباقية وتأتي على قدر إمكانيات المنعِم سبحانه.
إذن: هذا إكرام أنْ تُنقل من نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة، فقوله إِلَىٰ حِينٍ [الصافات: ١٤٨] يُعَد جميلاً من الله.
بعد ذلك ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى:
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ... .
آية رقم ١٤٩
ﯦﯧﯨﯩﯪ
ﯫ
قوله: فَٱسْتَفْتِهِمْ [الصافات: ١٤٩] كلمة استفتى أي: طلب الفُتْيا، مثل استخرج طلب الإخراج، واستفهم طلب الفهم، والفتية تعني منتهى القوّة، ومنها الفتى والفتوة. فمعنى: استفتى طلب ما يُقوِّيه في جهة الفتوى، فالذي لا يعرف قضية دينية مثلاً يسأل عنها ويستفتي يعني: بعد أنْ كان ضعيفاً في الدين، يطلب أنْ يصيرَ قوياً في أمر دينه، ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا إبراهيم: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء: ٦٠].
وفي أهل الكهف: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ [الكهف: ١٣].
يعني: لم يكونوا شيوخاً، وعجيبٌ أنْ يأتي الإيمانُ مع فتوة الشباب وعنفوانه، وهو مَظنَّة الشهوات والرغبات؛ لذلك ورد في الحديث: والحق سبحانه بيَّن لنا في مقاييس المجتمعات أنها لا تخلو عن اثني عشر نوعاً، سِتٌّ منها في المحبوبية، وستٌّ في المبغضين والعياذ بالله، المحبوبون منهم المحبوب والأشدّ حباً، والمبغضون كذلك منهم المبغّض والأشدّ بُغْضاً.
يقول تعالى في الحديث القدسي: هؤلاء الستة المحبوبون، وتستطيع أنت أنْ تأتي بالمقابل لهؤلاء، وهم المبغوضون والعياذ بالله.
إذن: الشاب الطائع أكثر محبةً عند الله؛ لأن عنده دواعيَ الشهوة ومبرراتها وعنفوانها، ومع ذلك تغلّب عليها وسلك طريق الطاعة على خلاف الشيخ الذي ذهبتْ شهوته وقَلَّتْ دواعيها عنده، كذلك الحال في الغني الكريم وفي الفقير المتواضع.
هؤلاء الثلاثة يُمثِّلون قمة الرقي في المجتمعات، وقمة الخلافة في الأرض، وتصوَّر مجتمعاً شبابه طائعون، وفقراؤه كرماء، وأغنياؤه متواضعون. تحت هذا درجةَ مجتمع شيوخه طائعون، وأغنياؤه كرماء متواضعون ودون هؤلاء المبغضون، والعياذ بالله.
فالمعنى فَٱسْتَفْتِهِمْ [الصافات: ١٤٩] يعني: اطلب منهم الفتوى التي تُقوِّيك في أمرك الجدلي؛ لذلك نقول للمفتي الذي يقصده الناس للفتوى الناس يريدون أنْ تُقوِّيهم برأيك، فلا تذهب بهم ناحية المياسير؛ لأنك بذلك تشجعهم على المياسير، فأنت إذن لا تُقويهم إنما تضعفهم، بل أعطهم الحكم الصحيح فهو القوة الحقيقية.
لكن، لماذا يطلب الحق سبحانه من النبي أنْ يستفتي القَوْمَ؟ قالوا: لأن القضية حين تكون معلومة الحكم عند المتكلم يقول: أنا لا أقضي فيها، إنما خَصْمي هو الذي يقضي، لماذا؟ لأنك واثق أنه إذا أدار المسألة في ذهنه لن يجدَ إلا أن يقولَ ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك؛ أنا راضٍ حكمك، ألم أقِفْ بجانبك يوم كذا وكذا؟ هكذا على سبيل السؤال لأنك واثق من الجواب.
أما لو جاء الكلام منك خبراً، فالخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب؛ لذلك ناقش الحق هذه القضية بهذا الاستفهام أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ [الصافات: ١٤٩] هذا استفهام يحمل معنى الإنكار والتعجب، يعني: كيف تقولون ذلك؛ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله ثم نسبوا لله سبحانه الولد.
لذلك يرد القرآن عليهم أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ [الصافات: ١٤٩] كيف؟ مَن الذي خلق؟ إنه الله خالق الذكر وخالق الأنثى، فكيف تختارون لأنفسكم الجنسَ الأفضل وهم الذكور، وتجعلوا لله تعالى البنات؟
كيف وأنتم إذا بُشِّر أحدكم بالأنثى ظلَّ وجهه مُسودّاً وهو كظيم يتوارى من القوم من سُوء ما بُشِّر به، ثم يفكر: أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ [النحل: ٥٩].
كلمة يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ [النحل: ٥٩] يعني: حياً؛ لأن عاطفة الأبوة لا تتحمل أنْ يرى الوالدُ ولده وهو يموت، أو أنْ يخنقه بيده؛ لذلك يتخلص منه بدفنه في التراب حتى لا يراه.
وفي آية أخرى قال سبحانه: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٧-١٨] يعني: أتجعلون لله مَنْ يُربَّى في النعمة والزينة، وهم البنات، وتجعلون لأنفسكم البنين القادرين على العمل والسعي وتحمُّل المشاق، لذلك حكم سبحانه على هذه المسألة بأنها قِسْمة ظالمة جائرة.
فقال سبحانه: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢١-٢٢] تأمل كلمة (ضيزى)، والله لو كان في غير القرآن لكانَ ثقيلاً غيرَ مستساغ، لكنه يأتي في سياقه من كلام الله طبيعياً سلسبيلاً، لماذا؟ لأنه وُضِع في مكانه ليعبر عن هذه القسمة الجائرة العجيبة، التي لا يعبر عنها إلا هذا اللفظ العجيب بما يحمله من جَرْس يرنّ في الأذن.
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ [الصافات: ١٥٠].
إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة.
ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩].
وقال في سورة الكهف: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات.
الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد.
والحق سبحانه ينقض هذه الأباطيل بقوله سبحانه: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩]. فكل جنس من الأجناس قائم بذاته، وليس هناك شيء متطور عن شيء آخر. كذلك قال سبحانه: سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦].
أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها.
ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥١-١٥٢] إذن: فجُرْأتهم على الله لم تَنْتَهِ عند حدِّ وصفهم الملائكة بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلتْ جُرْأتهم إلى ذات الله سبحانه، فقالوا: وَلَدَ ٱللَّهُ [الصافات: ١٥٢].
وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤].
وردَّ على قولهم: ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] فقال: مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
ولنبحث نحن مسألة اتخاذ الولد من خلال واقعنا: لماذا نسعى للولد ونطلبه؟ لماذا نحزن نحن حين يمتنع الإنجاب ونقلق حين يتأخر الولد؟ قالوا: لأن الولد ذِكْرى وامتداد لأبيه؛ لذلك يفرح الرجل بابنه ويفرح أكثر بحفيده؛ لأنه بالولد ضمن ذكْراه جيلاً، وبالحفيد ضمن ذِكْراه جيلين، عجيب أمْرُنا مع الدنيا، كيف نتمحك فيها ونتشبَّثَ بها ولو بالذكرى، وإذا لم تَدُمْ لك الدنيا فما انتفاعُك بدُنْيا غيرك؟
ولما تحدَّثَ شوقي -رحمه الله - في هذه المسألة لما جاءه حفيد وفرح به قال:
فَاضْمَنْ لنفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرهَا فَالذِّكْرُ للإنْسَانِ عُمر ثَانِ
ولا شَكَّ أن شوقي لا يعني بالذكْر الولد، إنما يعني العمل الصالح والأثر الطيب الذي يُخلِّد ذِكْرى صاحبه، إذن: تحتاج الولد لأنك ستموت وسيحمل ولدُك اسمك وذِكْراك، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، وقد كان عبد المطلب لا يعيش له أولاد فنذرَ لله إذا رزقه أولاداً أنْ يذْبح واحداً منهم تقرُّباً لله تعالى، فالإنسان يحتاج الأولاد ليكونوا عِزْوةً كما يقولون، وآخر يقول إذا مِتُّ، مَنْ يأخذ فيَّ العزاء؟ سبحان الله إذن ضمنتَ أنك ستُعزي وولدك من بعدك سيُعزَّى. إذن: المسألة فانٍ في فانٍ.
نعم، لهذه الأسباب نحتاج نحن الولد ونسعى إليه، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، فبماذا ينفعه الولد ولم يتخذه، وله سبحانه مُلْك السماوات والأرض؟
لذلك يردُّ الحق عليهم: لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ [الزمر: ٤] لو أراد سبحانه لاختار ما يشاء، فهو الذي يقول، وهو الذي يختار لا أنتم؛ لذلك كان رسول الله مؤدباً في عبوديته مع ربه، فقال: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] يعني: إنْ كان للرحمن ولد أخبر هو سبحانه به، فأنا أول المؤمنين بوجوده.
وفي موضع آخر، قال في الردِّ عليهم: وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: ٩٢] فالحق سبحانه لم يتخذ ولداً، ولا ينبغي له ذلك، ولا يناسبه أبداً، لأن معنى الوالدية أو المولودية مفقود في حقِّه تعالى، لأنه باقٍ لا يموت، فيحتاج إلى مَنْ يحمل ذِكْراه، وهو الغني عن خَلْقه، وله مُلْك السماوات والأرض، والعباد كلهم صَنْعته وعياله، فلا يحتاج إلى عِزْوة كما تحتاجون.
وقال سبحانه: مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] يعني: لم يكُنْ له صاحبة. يعني: زوجة حتى يكونَ له منها ولد. إذن: هذا كله إفْكٌ وافتراء على الله؛ لذلك وصفهم الله بالإفْك، ثم بالكذب المؤكَّد في أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥١-١٥٢].
لكن، لماذا هذا الإفْك وهذا الكذب؟ قالوا: ليحتفظوا لأنفسهم بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، السلطة الزمنية التي جعلتْ لهم الزعامة والرياسة والجاه، ومعلوم أن اليهودَ في المدينة كانت لهم مكانتهم المالية والعلمية والحربية، وكانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ [البقرة: ٨٩] لماذا؟ لأنهم يعرفون أنه سيسلب منهم هذه السلطة.
وسمَّى الله كذبهم إفكاً، لأن الإفك هو الكذب المتعمَّد، وافتراء الكذب المتعمد إنما كان إفكاً لأنه يقلب الحقائق، ومن ذلك سُمِّيتْ المؤتفكة، وهي القرية التي قلبها الله بأهلها، فجعل عاليها سافلها.
والكذب المتعمَّد قَلْبٌ للحقيقة؛ لأن الإنسان إذا قال قضية، هذه القضية تُسمَّى نسبة كلامية، فإنْ سبقها نسبة وجودية تُطابق الكلام فالكلام صِدْق، وإنْ كانت النسبة لكلام لا واقع له فهي كذب، والكذب على درجات، أعلاها وأشدها الافتراء على الله تعالى في قضية واضحة، وفي أصل من أصول العقيدة، فليس الكذب هنا في أمر هيِّن، عدة جنيهات مثلاً، بل الكذب هنا في القمة العقدية.
أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ [الصافات: ١٥١-١٥٢] فنسبوا لله تعالى الولد مباشرة، وليس مجرد اتخاذ الولد.
لذلك يحكم الله عليهم وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥٢] لكن هذا أسلوب خبري، والخبر من الله تعالى صادقٌ لا شكَّ، لكنه في العقل قضية تحتمل الصدق والكذب، لذلك يُطوِّقهم الله بأسلوب آخر لا يجدون منه منفذاً، يثبت كلامهم في أذهان قارئيه أو سامعيه، يُطوِّقهم بهذا الإقرار، فيقول سبحانه:
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ... .
وفي أهل الكهف: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ [الكهف: ١٣].
يعني: لم يكونوا شيوخاً، وعجيبٌ أنْ يأتي الإيمانُ مع فتوة الشباب وعنفوانه، وهو مَظنَّة الشهوات والرغبات؛ لذلك ورد في الحديث: والحق سبحانه بيَّن لنا في مقاييس المجتمعات أنها لا تخلو عن اثني عشر نوعاً، سِتٌّ منها في المحبوبية، وستٌّ في المبغضين والعياذ بالله، المحبوبون منهم المحبوب والأشدّ حباً، والمبغضون كذلك منهم المبغّض والأشدّ بُغْضاً.
يقول تعالى في الحديث القدسي: هؤلاء الستة المحبوبون، وتستطيع أنت أنْ تأتي بالمقابل لهؤلاء، وهم المبغوضون والعياذ بالله.
إذن: الشاب الطائع أكثر محبةً عند الله؛ لأن عنده دواعيَ الشهوة ومبرراتها وعنفوانها، ومع ذلك تغلّب عليها وسلك طريق الطاعة على خلاف الشيخ الذي ذهبتْ شهوته وقَلَّتْ دواعيها عنده، كذلك الحال في الغني الكريم وفي الفقير المتواضع.
هؤلاء الثلاثة يُمثِّلون قمة الرقي في المجتمعات، وقمة الخلافة في الأرض، وتصوَّر مجتمعاً شبابه طائعون، وفقراؤه كرماء، وأغنياؤه متواضعون. تحت هذا درجةَ مجتمع شيوخه طائعون، وأغنياؤه كرماء متواضعون ودون هؤلاء المبغضون، والعياذ بالله.
فالمعنى فَٱسْتَفْتِهِمْ [الصافات: ١٤٩] يعني: اطلب منهم الفتوى التي تُقوِّيك في أمرك الجدلي؛ لذلك نقول للمفتي الذي يقصده الناس للفتوى الناس يريدون أنْ تُقوِّيهم برأيك، فلا تذهب بهم ناحية المياسير؛ لأنك بذلك تشجعهم على المياسير، فأنت إذن لا تُقويهم إنما تضعفهم، بل أعطهم الحكم الصحيح فهو القوة الحقيقية.
لكن، لماذا يطلب الحق سبحانه من النبي أنْ يستفتي القَوْمَ؟ قالوا: لأن القضية حين تكون معلومة الحكم عند المتكلم يقول: أنا لا أقضي فيها، إنما خَصْمي هو الذي يقضي، لماذا؟ لأنك واثق أنه إذا أدار المسألة في ذهنه لن يجدَ إلا أن يقولَ ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك؛ أنا راضٍ حكمك، ألم أقِفْ بجانبك يوم كذا وكذا؟ هكذا على سبيل السؤال لأنك واثق من الجواب.
أما لو جاء الكلام منك خبراً، فالخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب؛ لذلك ناقش الحق هذه القضية بهذا الاستفهام أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ [الصافات: ١٤٩] هذا استفهام يحمل معنى الإنكار والتعجب، يعني: كيف تقولون ذلك؛ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله ثم نسبوا لله سبحانه الولد.
لذلك يرد القرآن عليهم أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ [الصافات: ١٤٩] كيف؟ مَن الذي خلق؟ إنه الله خالق الذكر وخالق الأنثى، فكيف تختارون لأنفسكم الجنسَ الأفضل وهم الذكور، وتجعلوا لله تعالى البنات؟
كيف وأنتم إذا بُشِّر أحدكم بالأنثى ظلَّ وجهه مُسودّاً وهو كظيم يتوارى من القوم من سُوء ما بُشِّر به، ثم يفكر: أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ [النحل: ٥٩].
كلمة يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ [النحل: ٥٩] يعني: حياً؛ لأن عاطفة الأبوة لا تتحمل أنْ يرى الوالدُ ولده وهو يموت، أو أنْ يخنقه بيده؛ لذلك يتخلص منه بدفنه في التراب حتى لا يراه.
وفي آية أخرى قال سبحانه: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٧-١٨] يعني: أتجعلون لله مَنْ يُربَّى في النعمة والزينة، وهم البنات، وتجعلون لأنفسكم البنين القادرين على العمل والسعي وتحمُّل المشاق، لذلك حكم سبحانه على هذه المسألة بأنها قِسْمة ظالمة جائرة.
فقال سبحانه: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢١-٢٢] تأمل كلمة (ضيزى)، والله لو كان في غير القرآن لكانَ ثقيلاً غيرَ مستساغ، لكنه يأتي في سياقه من كلام الله طبيعياً سلسبيلاً، لماذا؟ لأنه وُضِع في مكانه ليعبر عن هذه القسمة الجائرة العجيبة، التي لا يعبر عنها إلا هذا اللفظ العجيب بما يحمله من جَرْس يرنّ في الأذن.
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ [الصافات: ١٥٠].
إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة.
ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩].
وقال في سورة الكهف: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات.
الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد.
والحق سبحانه ينقض هذه الأباطيل بقوله سبحانه: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩]. فكل جنس من الأجناس قائم بذاته، وليس هناك شيء متطور عن شيء آخر. كذلك قال سبحانه: سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦].
أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها.
ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥١-١٥٢] إذن: فجُرْأتهم على الله لم تَنْتَهِ عند حدِّ وصفهم الملائكة بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلتْ جُرْأتهم إلى ذات الله سبحانه، فقالوا: وَلَدَ ٱللَّهُ [الصافات: ١٥٢].
وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤].
وردَّ على قولهم: ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] فقال: مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
ولنبحث نحن مسألة اتخاذ الولد من خلال واقعنا: لماذا نسعى للولد ونطلبه؟ لماذا نحزن نحن حين يمتنع الإنجاب ونقلق حين يتأخر الولد؟ قالوا: لأن الولد ذِكْرى وامتداد لأبيه؛ لذلك يفرح الرجل بابنه ويفرح أكثر بحفيده؛ لأنه بالولد ضمن ذكْراه جيلاً، وبالحفيد ضمن ذِكْراه جيلين، عجيب أمْرُنا مع الدنيا، كيف نتمحك فيها ونتشبَّثَ بها ولو بالذكرى، وإذا لم تَدُمْ لك الدنيا فما انتفاعُك بدُنْيا غيرك؟
ولما تحدَّثَ شوقي -رحمه الله - في هذه المسألة لما جاءه حفيد وفرح به قال:
فَاضْمَنْ لنفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرهَا فَالذِّكْرُ للإنْسَانِ عُمر ثَانِ
ولا شَكَّ أن شوقي لا يعني بالذكْر الولد، إنما يعني العمل الصالح والأثر الطيب الذي يُخلِّد ذِكْرى صاحبه، إذن: تحتاج الولد لأنك ستموت وسيحمل ولدُك اسمك وذِكْراك، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، وقد كان عبد المطلب لا يعيش له أولاد فنذرَ لله إذا رزقه أولاداً أنْ يذْبح واحداً منهم تقرُّباً لله تعالى، فالإنسان يحتاج الأولاد ليكونوا عِزْوةً كما يقولون، وآخر يقول إذا مِتُّ، مَنْ يأخذ فيَّ العزاء؟ سبحان الله إذن ضمنتَ أنك ستُعزي وولدك من بعدك سيُعزَّى. إذن: المسألة فانٍ في فانٍ.
نعم، لهذه الأسباب نحتاج نحن الولد ونسعى إليه، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، فبماذا ينفعه الولد ولم يتخذه، وله سبحانه مُلْك السماوات والأرض؟
لذلك يردُّ الحق عليهم: لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ [الزمر: ٤] لو أراد سبحانه لاختار ما يشاء، فهو الذي يقول، وهو الذي يختار لا أنتم؛ لذلك كان رسول الله مؤدباً في عبوديته مع ربه، فقال: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] يعني: إنْ كان للرحمن ولد أخبر هو سبحانه به، فأنا أول المؤمنين بوجوده.
وفي موضع آخر، قال في الردِّ عليهم: وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: ٩٢] فالحق سبحانه لم يتخذ ولداً، ولا ينبغي له ذلك، ولا يناسبه أبداً، لأن معنى الوالدية أو المولودية مفقود في حقِّه تعالى، لأنه باقٍ لا يموت، فيحتاج إلى مَنْ يحمل ذِكْراه، وهو الغني عن خَلْقه، وله مُلْك السماوات والأرض، والعباد كلهم صَنْعته وعياله، فلا يحتاج إلى عِزْوة كما تحتاجون.
وقال سبحانه: مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] يعني: لم يكُنْ له صاحبة. يعني: زوجة حتى يكونَ له منها ولد. إذن: هذا كله إفْكٌ وافتراء على الله؛ لذلك وصفهم الله بالإفْك، ثم بالكذب المؤكَّد في أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥١-١٥٢].
لكن، لماذا هذا الإفْك وهذا الكذب؟ قالوا: ليحتفظوا لأنفسهم بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، السلطة الزمنية التي جعلتْ لهم الزعامة والرياسة والجاه، ومعلوم أن اليهودَ في المدينة كانت لهم مكانتهم المالية والعلمية والحربية، وكانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ [البقرة: ٨٩] لماذا؟ لأنهم يعرفون أنه سيسلب منهم هذه السلطة.
وسمَّى الله كذبهم إفكاً، لأن الإفك هو الكذب المتعمَّد، وافتراء الكذب المتعمد إنما كان إفكاً لأنه يقلب الحقائق، ومن ذلك سُمِّيتْ المؤتفكة، وهي القرية التي قلبها الله بأهلها، فجعل عاليها سافلها.
والكذب المتعمَّد قَلْبٌ للحقيقة؛ لأن الإنسان إذا قال قضية، هذه القضية تُسمَّى نسبة كلامية، فإنْ سبقها نسبة وجودية تُطابق الكلام فالكلام صِدْق، وإنْ كانت النسبة لكلام لا واقع له فهي كذب، والكذب على درجات، أعلاها وأشدها الافتراء على الله تعالى في قضية واضحة، وفي أصل من أصول العقيدة، فليس الكذب هنا في أمر هيِّن، عدة جنيهات مثلاً، بل الكذب هنا في القمة العقدية.
أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ [الصافات: ١٥١-١٥٢] فنسبوا لله تعالى الولد مباشرة، وليس مجرد اتخاذ الولد.
لذلك يحكم الله عليهم وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥٢] لكن هذا أسلوب خبري، والخبر من الله تعالى صادقٌ لا شكَّ، لكنه في العقل قضية تحتمل الصدق والكذب، لذلك يُطوِّقهم الله بأسلوب آخر لا يجدون منه منفذاً، يثبت كلامهم في أذهان قارئيه أو سامعيه، يُطوِّقهم بهذا الإقرار، فيقول سبحانه:
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ... .
آية رقم ١٥٠
ﯬﯭﯮﯯﯰﯱ
ﯲ
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ
إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة.
ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩].
وقال في سورة الكهف: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة
وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات.
الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد...
أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها.
إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة.
ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩].
وقال في سورة الكهف: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة
وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات.
الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد...
أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها.
آية رقم ١٥١
ﯳﯴﯵﯶﯷ
ﯸ
ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ إذن: فجُرْأتهم على الله لم تَنْتَهِ عند حدِّ وصفهم الملائكة بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلتْ جُرْأتهم إلى ذات الله سبحانه، فقالوا: وَلَدَ اللَّهُ.
وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤].
وردَّ على قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] فقال: مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤].
وردَّ على قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] فقال: مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
آية رقم ١٥٢
ﯹﯺﯻﯼ
ﯽ
قوله: فَٱسْتَفْتِهِمْ [الصافات: ١٤٩] كلمة استفتى أي: طلب الفُتْيا، مثل استخرج طلب الإخراج، واستفهم طلب الفهم، والفتية تعني منتهى القوّة، ومنها الفتى والفتوة. فمعنى: استفتى طلب ما يُقوِّيه في جهة الفتوى، فالذي لا يعرف قضية دينية مثلاً يسأل عنها ويستفتي يعني: بعد أنْ كان ضعيفاً في الدين، يطلب أنْ يصيرَ قوياً في أمر دينه، ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا إبراهيم: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء: ٦٠].
وفي أهل الكهف: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ [الكهف: ١٣].
يعني: لم يكونوا شيوخاً، وعجيبٌ أنْ يأتي الإيمانُ مع فتوة الشباب وعنفوانه، وهو مَظنَّة الشهوات والرغبات؛ لذلك ورد في الحديث: والحق سبحانه بيَّن لنا في مقاييس المجتمعات أنها لا تخلو عن اثني عشر نوعاً، سِتٌّ منها في المحبوبية، وستٌّ في المبغضين والعياذ بالله، المحبوبون منهم المحبوب والأشدّ حباً، والمبغضون كذلك منهم المبغّض والأشدّ بُغْضاً.
يقول تعالى في الحديث القدسي: هؤلاء الستة المحبوبون، وتستطيع أنت أنْ تأتي بالمقابل لهؤلاء، وهم المبغوضون والعياذ بالله.
إذن: الشاب الطائع أكثر محبةً عند الله؛ لأن عنده دواعيَ الشهوة ومبرراتها وعنفوانها، ومع ذلك تغلّب عليها وسلك طريق الطاعة على خلاف الشيخ الذي ذهبتْ شهوته وقَلَّتْ دواعيها عنده، كذلك الحال في الغني الكريم وفي الفقير المتواضع.
هؤلاء الثلاثة يُمثِّلون قمة الرقي في المجتمعات، وقمة الخلافة في الأرض، وتصوَّر مجتمعاً شبابه طائعون، وفقراؤه كرماء، وأغنياؤه متواضعون. تحت هذا درجةَ مجتمع شيوخه طائعون، وأغنياؤه كرماء متواضعون ودون هؤلاء المبغضون، والعياذ بالله.
فالمعنى فَٱسْتَفْتِهِمْ [الصافات: ١٤٩] يعني: اطلب منهم الفتوى التي تُقوِّيك في أمرك الجدلي؛ لذلك نقول للمفتي الذي يقصده الناس للفتوى الناس يريدون أنْ تُقوِّيهم برأيك، فلا تذهب بهم ناحية المياسير؛ لأنك بذلك تشجعهم على المياسير، فأنت إذن لا تُقويهم إنما تضعفهم، بل أعطهم الحكم الصحيح فهو القوة الحقيقية.
لكن، لماذا يطلب الحق سبحانه من النبي أنْ يستفتي القَوْمَ؟ قالوا: لأن القضية حين تكون معلومة الحكم عند المتكلم يقول: أنا لا أقضي فيها، إنما خَصْمي هو الذي يقضي، لماذا؟ لأنك واثق أنه إذا أدار المسألة في ذهنه لن يجدَ إلا أن يقولَ ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك؛ أنا راضٍ حكمك، ألم أقِفْ بجانبك يوم كذا وكذا؟ هكذا على سبيل السؤال لأنك واثق من الجواب.
أما لو جاء الكلام منك خبراً، فالخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب؛ لذلك ناقش الحق هذه القضية بهذا الاستفهام أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ [الصافات: ١٤٩] هذا استفهام يحمل معنى الإنكار والتعجب، يعني: كيف تقولون ذلك؛ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله ثم نسبوا لله سبحانه الولد.
لذلك يرد القرآن عليهم أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ [الصافات: ١٤٩] كيف؟ مَن الذي خلق؟ إنه الله خالق الذكر وخالق الأنثى، فكيف تختارون لأنفسكم الجنسَ الأفضل وهم الذكور، وتجعلوا لله تعالى البنات؟
كيف وأنتم إذا بُشِّر أحدكم بالأنثى ظلَّ وجهه مُسودّاً وهو كظيم يتوارى من القوم من سُوء ما بُشِّر به، ثم يفكر: أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ [النحل: ٥٩].
كلمة يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ [النحل: ٥٩] يعني: حياً؛ لأن عاطفة الأبوة لا تتحمل أنْ يرى الوالدُ ولده وهو يموت، أو أنْ يخنقه بيده؛ لذلك يتخلص منه بدفنه في التراب حتى لا يراه.
وفي آية أخرى قال سبحانه: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٧-١٨] يعني: أتجعلون لله مَنْ يُربَّى في النعمة والزينة، وهم البنات، وتجعلون لأنفسكم البنين القادرين على العمل والسعي وتحمُّل المشاق، لذلك حكم سبحانه على هذه المسألة بأنها قِسْمة ظالمة جائرة.
فقال سبحانه: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢١-٢٢] تأمل كلمة (ضيزى)، والله لو كان في غير القرآن لكانَ ثقيلاً غيرَ مستساغ، لكنه يأتي في سياقه من كلام الله طبيعياً سلسبيلاً، لماذا؟ لأنه وُضِع في مكانه ليعبر عن هذه القسمة الجائرة العجيبة، التي لا يعبر عنها إلا هذا اللفظ العجيب بما يحمله من جَرْس يرنّ في الأذن.
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ [الصافات: ١٥٠].
إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة.
ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩].
وقال في سورة الكهف: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات.
الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد.
والحق سبحانه ينقض هذه الأباطيل بقوله سبحانه: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩]. فكل جنس من الأجناس قائم بذاته، وليس هناك شيء متطور عن شيء آخر. كذلك قال سبحانه: سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦].
أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها.
ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥١-١٥٢] إذن: فجُرْأتهم على الله لم تَنْتَهِ عند حدِّ وصفهم الملائكة بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلتْ جُرْأتهم إلى ذات الله سبحانه، فقالوا: وَلَدَ ٱللَّهُ [الصافات: ١٥٢].
وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤].
وردَّ على قولهم: ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] فقال: مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
ولنبحث نحن مسألة اتخاذ الولد من خلال واقعنا: لماذا نسعى للولد ونطلبه؟ لماذا نحزن نحن حين يمتنع الإنجاب ونقلق حين يتأخر الولد؟ قالوا: لأن الولد ذِكْرى وامتداد لأبيه؛ لذلك يفرح الرجل بابنه ويفرح أكثر بحفيده؛ لأنه بالولد ضمن ذكْراه جيلاً، وبالحفيد ضمن ذِكْراه جيلين، عجيب أمْرُنا مع الدنيا، كيف نتمحك فيها ونتشبَّثَ بها ولو بالذكرى، وإذا لم تَدُمْ لك الدنيا فما انتفاعُك بدُنْيا غيرك؟
ولما تحدَّثَ شوقي -رحمه الله - في هذه المسألة لما جاءه حفيد وفرح به قال:
فَاضْمَنْ لنفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرهَا فَالذِّكْرُ للإنْسَانِ عُمر ثَانِ
ولا شَكَّ أن شوقي لا يعني بالذكْر الولد، إنما يعني العمل الصالح والأثر الطيب الذي يُخلِّد ذِكْرى صاحبه، إذن: تحتاج الولد لأنك ستموت وسيحمل ولدُك اسمك وذِكْراك، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، وقد كان عبد المطلب لا يعيش له أولاد فنذرَ لله إذا رزقه أولاداً أنْ يذْبح واحداً منهم تقرُّباً لله تعالى، فالإنسان يحتاج الأولاد ليكونوا عِزْوةً كما يقولون، وآخر يقول إذا مِتُّ، مَنْ يأخذ فيَّ العزاء؟ سبحان الله إذن ضمنتَ أنك ستُعزي وولدك من بعدك سيُعزَّى. إذن: المسألة فانٍ في فانٍ.
نعم، لهذه الأسباب نحتاج نحن الولد ونسعى إليه، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، فبماذا ينفعه الولد ولم يتخذه، وله سبحانه مُلْك السماوات والأرض؟
لذلك يردُّ الحق عليهم: لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ [الزمر: ٤] لو أراد سبحانه لاختار ما يشاء، فهو الذي يقول، وهو الذي يختار لا أنتم؛ لذلك كان رسول الله مؤدباً في عبوديته مع ربه، فقال: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] يعني: إنْ كان للرحمن ولد أخبر هو سبحانه به، فأنا أول المؤمنين بوجوده.
وفي موضع آخر، قال في الردِّ عليهم: وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: ٩٢] فالحق سبحانه لم يتخذ ولداً، ولا ينبغي له ذلك، ولا يناسبه أبداً، لأن معنى الوالدية أو المولودية مفقود في حقِّه تعالى، لأنه باقٍ لا يموت، فيحتاج إلى مَنْ يحمل ذِكْراه، وهو الغني عن خَلْقه، وله مُلْك السماوات والأرض، والعباد كلهم صَنْعته وعياله، فلا يحتاج إلى عِزْوة كما تحتاجون.
وقال سبحانه: مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] يعني: لم يكُنْ له صاحبة. يعني: زوجة حتى يكونَ له منها ولد. إذن: هذا كله إفْكٌ وافتراء على الله؛ لذلك وصفهم الله بالإفْك، ثم بالكذب المؤكَّد في أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥١-١٥٢].
لكن، لماذا هذا الإفْك وهذا الكذب؟ قالوا: ليحتفظوا لأنفسهم بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، السلطة الزمنية التي جعلتْ لهم الزعامة والرياسة والجاه، ومعلوم أن اليهودَ في المدينة كانت لهم مكانتهم المالية والعلمية والحربية، وكانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ [البقرة: ٨٩] لماذا؟ لأنهم يعرفون أنه سيسلب منهم هذه السلطة.
وسمَّى الله كذبهم إفكاً، لأن الإفك هو الكذب المتعمَّد، وافتراء الكذب المتعمد إنما كان إفكاً لأنه يقلب الحقائق، ومن ذلك سُمِّيتْ المؤتفكة، وهي القرية التي قلبها الله بأهلها، فجعل عاليها سافلها.
والكذب المتعمَّد قَلْبٌ للحقيقة؛ لأن الإنسان إذا قال قضية، هذه القضية تُسمَّى نسبة كلامية، فإنْ سبقها نسبة وجودية تُطابق الكلام فالكلام صِدْق، وإنْ كانت النسبة لكلام لا واقع له فهي كذب، والكذب على درجات، أعلاها وأشدها الافتراء على الله تعالى في قضية واضحة، وفي أصل من أصول العقيدة، فليس الكذب هنا في أمر هيِّن، عدة جنيهات مثلاً، بل الكذب هنا في القمة العقدية.
أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ [الصافات: ١٥١-١٥٢] فنسبوا لله تعالى الولد مباشرة، وليس مجرد اتخاذ الولد.
لذلك يحكم الله عليهم وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥٢] لكن هذا أسلوب خبري، والخبر من الله تعالى صادقٌ لا شكَّ، لكنه في العقل قضية تحتمل الصدق والكذب، لذلك يُطوِّقهم الله بأسلوب آخر لا يجدون منه منفذاً، يثبت كلامهم في أذهان قارئيه أو سامعيه، يُطوِّقهم بهذا الإقرار، فيقول سبحانه:
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ... .
وفي أهل الكهف: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ [الكهف: ١٣].
يعني: لم يكونوا شيوخاً، وعجيبٌ أنْ يأتي الإيمانُ مع فتوة الشباب وعنفوانه، وهو مَظنَّة الشهوات والرغبات؛ لذلك ورد في الحديث: والحق سبحانه بيَّن لنا في مقاييس المجتمعات أنها لا تخلو عن اثني عشر نوعاً، سِتٌّ منها في المحبوبية، وستٌّ في المبغضين والعياذ بالله، المحبوبون منهم المحبوب والأشدّ حباً، والمبغضون كذلك منهم المبغّض والأشدّ بُغْضاً.
يقول تعالى في الحديث القدسي: هؤلاء الستة المحبوبون، وتستطيع أنت أنْ تأتي بالمقابل لهؤلاء، وهم المبغوضون والعياذ بالله.
إذن: الشاب الطائع أكثر محبةً عند الله؛ لأن عنده دواعيَ الشهوة ومبرراتها وعنفوانها، ومع ذلك تغلّب عليها وسلك طريق الطاعة على خلاف الشيخ الذي ذهبتْ شهوته وقَلَّتْ دواعيها عنده، كذلك الحال في الغني الكريم وفي الفقير المتواضع.
هؤلاء الثلاثة يُمثِّلون قمة الرقي في المجتمعات، وقمة الخلافة في الأرض، وتصوَّر مجتمعاً شبابه طائعون، وفقراؤه كرماء، وأغنياؤه متواضعون. تحت هذا درجةَ مجتمع شيوخه طائعون، وأغنياؤه كرماء متواضعون ودون هؤلاء المبغضون، والعياذ بالله.
فالمعنى فَٱسْتَفْتِهِمْ [الصافات: ١٤٩] يعني: اطلب منهم الفتوى التي تُقوِّيك في أمرك الجدلي؛ لذلك نقول للمفتي الذي يقصده الناس للفتوى الناس يريدون أنْ تُقوِّيهم برأيك، فلا تذهب بهم ناحية المياسير؛ لأنك بذلك تشجعهم على المياسير، فأنت إذن لا تُقويهم إنما تضعفهم، بل أعطهم الحكم الصحيح فهو القوة الحقيقية.
لكن، لماذا يطلب الحق سبحانه من النبي أنْ يستفتي القَوْمَ؟ قالوا: لأن القضية حين تكون معلومة الحكم عند المتكلم يقول: أنا لا أقضي فيها، إنما خَصْمي هو الذي يقضي، لماذا؟ لأنك واثق أنه إذا أدار المسألة في ذهنه لن يجدَ إلا أن يقولَ ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك؛ أنا راضٍ حكمك، ألم أقِفْ بجانبك يوم كذا وكذا؟ هكذا على سبيل السؤال لأنك واثق من الجواب.
أما لو جاء الكلام منك خبراً، فالخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب؛ لذلك ناقش الحق هذه القضية بهذا الاستفهام أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ [الصافات: ١٤٩] هذا استفهام يحمل معنى الإنكار والتعجب، يعني: كيف تقولون ذلك؛ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله ثم نسبوا لله سبحانه الولد.
لذلك يرد القرآن عليهم أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ [الصافات: ١٤٩] كيف؟ مَن الذي خلق؟ إنه الله خالق الذكر وخالق الأنثى، فكيف تختارون لأنفسكم الجنسَ الأفضل وهم الذكور، وتجعلوا لله تعالى البنات؟
كيف وأنتم إذا بُشِّر أحدكم بالأنثى ظلَّ وجهه مُسودّاً وهو كظيم يتوارى من القوم من سُوء ما بُشِّر به، ثم يفكر: أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ [النحل: ٥٩].
كلمة يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ [النحل: ٥٩] يعني: حياً؛ لأن عاطفة الأبوة لا تتحمل أنْ يرى الوالدُ ولده وهو يموت، أو أنْ يخنقه بيده؛ لذلك يتخلص منه بدفنه في التراب حتى لا يراه.
وفي آية أخرى قال سبحانه: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٧-١٨] يعني: أتجعلون لله مَنْ يُربَّى في النعمة والزينة، وهم البنات، وتجعلون لأنفسكم البنين القادرين على العمل والسعي وتحمُّل المشاق، لذلك حكم سبحانه على هذه المسألة بأنها قِسْمة ظالمة جائرة.
فقال سبحانه: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢١-٢٢] تأمل كلمة (ضيزى)، والله لو كان في غير القرآن لكانَ ثقيلاً غيرَ مستساغ، لكنه يأتي في سياقه من كلام الله طبيعياً سلسبيلاً، لماذا؟ لأنه وُضِع في مكانه ليعبر عن هذه القسمة الجائرة العجيبة، التي لا يعبر عنها إلا هذا اللفظ العجيب بما يحمله من جَرْس يرنّ في الأذن.
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ [الصافات: ١٥٠].
إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة.
ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩].
وقال في سورة الكهف: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات.
الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد.
والحق سبحانه ينقض هذه الأباطيل بقوله سبحانه: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩]. فكل جنس من الأجناس قائم بذاته، وليس هناك شيء متطور عن شيء آخر. كذلك قال سبحانه: سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦].
أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها.
ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥١-١٥٢] إذن: فجُرْأتهم على الله لم تَنْتَهِ عند حدِّ وصفهم الملائكة بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلتْ جُرْأتهم إلى ذات الله سبحانه، فقالوا: وَلَدَ ٱللَّهُ [الصافات: ١٥٢].
وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤].
وردَّ على قولهم: ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] فقال: مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
ولنبحث نحن مسألة اتخاذ الولد من خلال واقعنا: لماذا نسعى للولد ونطلبه؟ لماذا نحزن نحن حين يمتنع الإنجاب ونقلق حين يتأخر الولد؟ قالوا: لأن الولد ذِكْرى وامتداد لأبيه؛ لذلك يفرح الرجل بابنه ويفرح أكثر بحفيده؛ لأنه بالولد ضمن ذكْراه جيلاً، وبالحفيد ضمن ذِكْراه جيلين، عجيب أمْرُنا مع الدنيا، كيف نتمحك فيها ونتشبَّثَ بها ولو بالذكرى، وإذا لم تَدُمْ لك الدنيا فما انتفاعُك بدُنْيا غيرك؟
ولما تحدَّثَ شوقي -رحمه الله - في هذه المسألة لما جاءه حفيد وفرح به قال:
فَاضْمَنْ لنفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرهَا فَالذِّكْرُ للإنْسَانِ عُمر ثَانِ
ولا شَكَّ أن شوقي لا يعني بالذكْر الولد، إنما يعني العمل الصالح والأثر الطيب الذي يُخلِّد ذِكْرى صاحبه، إذن: تحتاج الولد لأنك ستموت وسيحمل ولدُك اسمك وذِكْراك، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، وقد كان عبد المطلب لا يعيش له أولاد فنذرَ لله إذا رزقه أولاداً أنْ يذْبح واحداً منهم تقرُّباً لله تعالى، فالإنسان يحتاج الأولاد ليكونوا عِزْوةً كما يقولون، وآخر يقول إذا مِتُّ، مَنْ يأخذ فيَّ العزاء؟ سبحان الله إذن ضمنتَ أنك ستُعزي وولدك من بعدك سيُعزَّى. إذن: المسألة فانٍ في فانٍ.
نعم، لهذه الأسباب نحتاج نحن الولد ونسعى إليه، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، فبماذا ينفعه الولد ولم يتخذه، وله سبحانه مُلْك السماوات والأرض؟
لذلك يردُّ الحق عليهم: لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ [الزمر: ٤] لو أراد سبحانه لاختار ما يشاء، فهو الذي يقول، وهو الذي يختار لا أنتم؛ لذلك كان رسول الله مؤدباً في عبوديته مع ربه، فقال: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] يعني: إنْ كان للرحمن ولد أخبر هو سبحانه به، فأنا أول المؤمنين بوجوده.
وفي موضع آخر، قال في الردِّ عليهم: وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: ٩٢] فالحق سبحانه لم يتخذ ولداً، ولا ينبغي له ذلك، ولا يناسبه أبداً، لأن معنى الوالدية أو المولودية مفقود في حقِّه تعالى، لأنه باقٍ لا يموت، فيحتاج إلى مَنْ يحمل ذِكْراه، وهو الغني عن خَلْقه، وله مُلْك السماوات والأرض، والعباد كلهم صَنْعته وعياله، فلا يحتاج إلى عِزْوة كما تحتاجون.
وقال سبحانه: مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] يعني: لم يكُنْ له صاحبة. يعني: زوجة حتى يكونَ له منها ولد. إذن: هذا كله إفْكٌ وافتراء على الله؛ لذلك وصفهم الله بالإفْك، ثم بالكذب المؤكَّد في أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥١-١٥٢].
لكن، لماذا هذا الإفْك وهذا الكذب؟ قالوا: ليحتفظوا لأنفسهم بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، السلطة الزمنية التي جعلتْ لهم الزعامة والرياسة والجاه، ومعلوم أن اليهودَ في المدينة كانت لهم مكانتهم المالية والعلمية والحربية، وكانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ [البقرة: ٨٩] لماذا؟ لأنهم يعرفون أنه سيسلب منهم هذه السلطة.
وسمَّى الله كذبهم إفكاً، لأن الإفك هو الكذب المتعمَّد، وافتراء الكذب المتعمد إنما كان إفكاً لأنه يقلب الحقائق، ومن ذلك سُمِّيتْ المؤتفكة، وهي القرية التي قلبها الله بأهلها، فجعل عاليها سافلها.
والكذب المتعمَّد قَلْبٌ للحقيقة؛ لأن الإنسان إذا قال قضية، هذه القضية تُسمَّى نسبة كلامية، فإنْ سبقها نسبة وجودية تُطابق الكلام فالكلام صِدْق، وإنْ كانت النسبة لكلام لا واقع له فهي كذب، والكذب على درجات، أعلاها وأشدها الافتراء على الله تعالى في قضية واضحة، وفي أصل من أصول العقيدة، فليس الكذب هنا في أمر هيِّن، عدة جنيهات مثلاً، بل الكذب هنا في القمة العقدية.
أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ [الصافات: ١٥١-١٥٢] فنسبوا لله تعالى الولد مباشرة، وليس مجرد اتخاذ الولد.
لذلك يحكم الله عليهم وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات: ١٥٢] لكن هذا أسلوب خبري، والخبر من الله تعالى صادقٌ لا شكَّ، لكنه في العقل قضية تحتمل الصدق والكذب، لذلك يُطوِّقهم الله بأسلوب آخر لا يجدون منه منفذاً، يثبت كلامهم في أذهان قارئيه أو سامعيه، يُطوِّقهم بهذا الإقرار، فيقول سبحانه:
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ... .
آية رقم ١٥٣
ﯾﯿﰀﰁ
ﰂ
الهمزة في أَصْطَفَى [الصافات: ١٥٣] همزة الاستفهام لأن الفعل أَصْطَفَى [الصافات: ١٥٣] مبدوء بهمزة وصل، فلما دخلتْ عليه همزة الاستفهام حُذِفَتْ همرة الوصل، وأثبتت الهمزة التي جاءتْ لمعنى الاستفهام، فأصله: أاصطفى. وهذا الاستفهام للتعجُّب والإنكار؛ لأن الحق سبحانه هو خالق البنين والبنات، فكيف يصطفي لنفسه سبحانه الجنسَ الأدنى، وهو خالق الجنسين؟
إذن: هذا كلام لا يُقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة واضحة؛ لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجُّب من قولهم، فيقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الصافات: ١٥٤-١٥٥] يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخباراً، والإقرار سيد الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل.
هذا دليل عقلي يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعلَّ عندهم كتاباً يدرسون في هذه المسألة:
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ... .
إذن: هذا كلام لا يُقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة واضحة؛ لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجُّب من قولهم، فيقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الصافات: ١٥٤-١٥٥] يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخباراً، والإقرار سيد الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل.
هذا دليل عقلي يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعلَّ عندهم كتاباً يدرسون في هذه المسألة:
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ... .
آية رقم ١٥٤
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
وهذا الاستفهام للتعجُّب والإنكار؛ لأن الحق سبحانه هو خالق البنين والبنات، فكيف يصطفي لنفسه سبحانه الجنسَ الأدنى، وهو خالق الجنسين؟
إذن: هذا كلام لا يُقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة واضحة؛ لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجُّب من قولهم، فيقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخباراً، والإقرار سيد الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل.
هذا دليل عقلي يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعلَّ عندهم كتاباً يدرسون في هذه المسألة:
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ....
إذن: هذا كلام لا يُقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة واضحة؛ لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجُّب من قولهم، فيقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخباراً، والإقرار سيد الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل.
هذا دليل عقلي يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعلَّ عندهم كتاباً يدرسون في هذه المسألة:
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ....
آية رقم ١٥٥
ﭖﭗ
ﭘ
الهمزة في أَصْطَفَى [الصافات: ١٥٣] همزة الاستفهام لأن الفعل أَصْطَفَى [الصافات: ١٥٣] مبدوء بهمزة وصل، فلما دخلتْ عليه همزة الاستفهام حُذِفَتْ همرة الوصل، وأثبتت الهمزة التي جاءتْ لمعنى الاستفهام، فأصله: أاصطفى. وهذا الاستفهام للتعجُّب والإنكار؛ لأن الحق سبحانه هو خالق البنين والبنات، فكيف يصطفي لنفسه سبحانه الجنسَ الأدنى، وهو خالق الجنسين؟
إذن: هذا كلام لا يُقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة واضحة؛ لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجُّب من قولهم، فيقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الصافات: ١٥٤-١٥٥] يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخباراً، والإقرار سيد الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل.
هذا دليل عقلي يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعلَّ عندهم كتاباً يدرسون في هذه المسألة:
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ... .
إذن: هذا كلام لا يُقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة واضحة؛ لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجُّب من قولهم، فيقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الصافات: ١٥٤-١٥٥] يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخباراً، والإقرار سيد الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل.
هذا دليل عقلي يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعلَّ عندهم كتاباً يدرسون في هذه المسألة:
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ... .
آية رقم ١٥٦
ﭙﭚﭛﭜ
ﭝ
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ * فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
بعد أنْ أبطلَ اللهُ ادعاءهم بالدليل العقلي يبطله بالدليل النقلي، فكلمة سُلْطَانٌ إما سلطان حجة تقنع، أو سلطان قهر وإجبار، الفرق بينهما أن سلطان الحجة يقنع المقابل فيفعل طائعاً، أما سلطان القهر فيجبره فيفعل كارهاً. والمعنى: ليس لديك سلطان حُجَّة ولا قَهْر.
بعد أنْ أبطلَ اللهُ ادعاءهم بالدليل العقلي يبطله بالدليل النقلي، فكلمة سُلْطَانٌ إما سلطان حجة تقنع، أو سلطان قهر وإجبار، الفرق بينهما أن سلطان الحجة يقنع المقابل فيفعل طائعاً، أما سلطان القهر فيجبره فيفعل كارهاً. والمعنى: ليس لديك سلطان حُجَّة ولا قَهْر.
آية رقم ١٥٧
ﭞﭟﭠﭡﭢ
ﭣ
بعد أنْ أبطلَ اللهُ ادعاءهم بالدليل العقلي يبطله بالدليل النقلي، فكلمة سُلْطَانٌ [الصافات: ١٥٦] إما سلطان حجة تقنع، أو سلطان قهر وإجبار، الفرق بينهما أن سلطان الحجة يقنع المقابل فيفعل طائعاً، أما سلطان القهر فيجبره فيفعل كارهاً. والمعنى: ليس لديك سلطان حُجَّة ولا قَهْر.
ومثل ذلك قوله تعالى حكايةً عن إبليس يوم القيامة: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي.. [إبراهيم: ٢٢] يعني: لا قوة عندي أقهركم بها على طاعتي، ولا حجة أقنعكم بها، بل كنتم أنتم على (تشويرة) يعني: على استعداد للضلال وللمعصية.
ومعنى مُّبِينٌ [الصافات: ١٥٦] بيِّن واضح.
وقوله تعالى فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الصافات: ١٥٧] يعني: إنْ كان لكم سلطان فأتُوا بكتابكم، أي: الذي نزل عليكم من الله يخبركم بهذا.
ومثل ذلك قوله تعالى حكايةً عن إبليس يوم القيامة: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي.. [إبراهيم: ٢٢] يعني: لا قوة عندي أقهركم بها على طاعتي، ولا حجة أقنعكم بها، بل كنتم أنتم على (تشويرة) يعني: على استعداد للضلال وللمعصية.
ومعنى مُّبِينٌ [الصافات: ١٥٦] بيِّن واضح.
وقوله تعالى فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الصافات: ١٥٧] يعني: إنْ كان لكم سلطان فأتُوا بكتابكم، أي: الذي نزل عليكم من الله يخبركم بهذا.
آية رقم ١٥٨
كلمة (الجِنة) بالكسر وكذلك الجنة بالفتح ومنها الجن ومجنون كلها مادة (جنَّ) وتفيد الاكتنان والستر و (الجنة) هنا هم الملائكة سُمُّوا بذلك لأنهم مستورون عَنّا فلا نراهم، وكذلك الجنة لأنها تستر مَنْ يسير فيها بكثرة أشجارها، أو تستر مَنْ فيها بتوفير كل احتياجاته، فلا يحتاج أنْ يخرج منها، وكذلك المجنون لأنه غاب عقلُه واستتر.
والمعنى أنهم جعلوا بين الله تعالى وبين الملائكة نَسَباً حين قالوا: الملائكة بنات الله وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨] يعني: علمتْ الملائكة أن هؤلاء المشركين بالله مُحضَرون للعذاب، ومُحضَر اسم مفعول يعني: أُجبر على الحضور.
ثم يردُّ الله عليهم مُنزِّهاً نفسه سبحانه عن مشابهة الخَلْق: سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] فكلمة (سبحان الله) نراها دائماً في كل شيء، يخرج الذات إلى مشابهة الخَلْق، والسبحانية لله أي: التنزيه لله موجود وثابت لله تعالى قبل أنْ يُوجد المنزِّه.
فكلمة (سُبْحانَ) تعني: التنزيه المطلق لله قبل أنْ يخلق مَنْ يُنزهه، فلما خلق الله الخَلْق سبَّحه سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [الحشر: ١] وقال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [التغابن: ١] أي: ما يزال مُسبِّحاً في الحال والاستقبال إلى قيام الساعة.
وما دامت هذه السُّبْحانية ثابتة لله تعالى قبل الخَلْق وبعده ودائمة في الماضي والحاضر والمستقبل، فإياك يا أشرف الخَلْق وأكرمه ومَنْ جعل الخَلْق كله من أجله ألاَّ تكون مُسبِّحاً أو تشذّ عن هذه المنظومة المسبحة سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ [الأعلى: ١] فمعنى سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] يعني: تنزَّه الحَقُّ سبحانه عن قَوْل هؤلاء المشركين وكذبهم، وتعالى سبحانه أنْ يكونَ بينه وبين الجِنَّة نسبٌ.
والمعنى أنهم جعلوا بين الله تعالى وبين الملائكة نَسَباً حين قالوا: الملائكة بنات الله وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨] يعني: علمتْ الملائكة أن هؤلاء المشركين بالله مُحضَرون للعذاب، ومُحضَر اسم مفعول يعني: أُجبر على الحضور.
ثم يردُّ الله عليهم مُنزِّهاً نفسه سبحانه عن مشابهة الخَلْق: سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] فكلمة (سبحان الله) نراها دائماً في كل شيء، يخرج الذات إلى مشابهة الخَلْق، والسبحانية لله أي: التنزيه لله موجود وثابت لله تعالى قبل أنْ يُوجد المنزِّه.
فكلمة (سُبْحانَ) تعني: التنزيه المطلق لله قبل أنْ يخلق مَنْ يُنزهه، فلما خلق الله الخَلْق سبَّحه سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [الحشر: ١] وقال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [التغابن: ١] أي: ما يزال مُسبِّحاً في الحال والاستقبال إلى قيام الساعة.
وما دامت هذه السُّبْحانية ثابتة لله تعالى قبل الخَلْق وبعده ودائمة في الماضي والحاضر والمستقبل، فإياك يا أشرف الخَلْق وأكرمه ومَنْ جعل الخَلْق كله من أجله ألاَّ تكون مُسبِّحاً أو تشذّ عن هذه المنظومة المسبحة سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ [الأعلى: ١] فمعنى سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] يعني: تنزَّه الحَقُّ سبحانه عن قَوْل هؤلاء المشركين وكذبهم، وتعالى سبحانه أنْ يكونَ بينه وبين الجِنَّة نسبٌ.
آية رقم ١٥٩
ﭰﭱﭲﭳ
ﭴ
كلمة (الجِنة) بالكسر وكذلك الجنة بالفتح ومنها الجن ومجنون كلها مادة (جنَّ) وتفيد الاكتنان والستر و (الجنة) هنا هم الملائكة سُمُّوا بذلك لأنهم مستورون عَنّا فلا نراهم، وكذلك الجنة لأنها تستر مَنْ يسير فيها بكثرة أشجارها، أو تستر مَنْ فيها بتوفير كل احتياجاته، فلا يحتاج أنْ يخرج منها، وكذلك المجنون لأنه غاب عقلُه واستتر.
والمعنى أنهم جعلوا بين الله تعالى وبين الملائكة نَسَباً حين قالوا: الملائكة بنات الله وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨] يعني: علمتْ الملائكة أن هؤلاء المشركين بالله مُحضَرون للعذاب، ومُحضَر اسم مفعول يعني: أُجبر على الحضور.
ثم يردُّ الله عليهم مُنزِّهاً نفسه سبحانه عن مشابهة الخَلْق: سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] فكلمة (سبحان الله) نراها دائماً في كل شيء، يخرج الذات إلى مشابهة الخَلْق، والسبحانية لله أي: التنزيه لله موجود وثابت لله تعالى قبل أنْ يُوجد المنزِّه.
فكلمة (سُبْحانَ) تعني: التنزيه المطلق لله قبل أنْ يخلق مَنْ يُنزهه، فلما خلق الله الخَلْق سبَّحه سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [الحشر: ١] وقال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [التغابن: ١] أي: ما يزال مُسبِّحاً في الحال والاستقبال إلى قيام الساعة.
وما دامت هذه السُّبْحانية ثابتة لله تعالى قبل الخَلْق وبعده ودائمة في الماضي والحاضر والمستقبل، فإياك يا أشرف الخَلْق وأكرمه ومَنْ جعل الخَلْق كله من أجله ألاَّ تكون مُسبِّحاً أو تشذّ عن هذه المنظومة المسبحة سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ [الأعلى: ١] فمعنى سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] يعني: تنزَّه الحَقُّ سبحانه عن قَوْل هؤلاء المشركين وكذبهم، وتعالى سبحانه أنْ يكونَ بينه وبين الجِنَّة نسبٌ.
والمعنى أنهم جعلوا بين الله تعالى وبين الملائكة نَسَباً حين قالوا: الملائكة بنات الله وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨] يعني: علمتْ الملائكة أن هؤلاء المشركين بالله مُحضَرون للعذاب، ومُحضَر اسم مفعول يعني: أُجبر على الحضور.
ثم يردُّ الله عليهم مُنزِّهاً نفسه سبحانه عن مشابهة الخَلْق: سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] فكلمة (سبحان الله) نراها دائماً في كل شيء، يخرج الذات إلى مشابهة الخَلْق، والسبحانية لله أي: التنزيه لله موجود وثابت لله تعالى قبل أنْ يُوجد المنزِّه.
فكلمة (سُبْحانَ) تعني: التنزيه المطلق لله قبل أنْ يخلق مَنْ يُنزهه، فلما خلق الله الخَلْق سبَّحه سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [الحشر: ١] وقال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [التغابن: ١] أي: ما يزال مُسبِّحاً في الحال والاستقبال إلى قيام الساعة.
وما دامت هذه السُّبْحانية ثابتة لله تعالى قبل الخَلْق وبعده ودائمة في الماضي والحاضر والمستقبل، فإياك يا أشرف الخَلْق وأكرمه ومَنْ جعل الخَلْق كله من أجله ألاَّ تكون مُسبِّحاً أو تشذّ عن هذه المنظومة المسبحة سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ [الأعلى: ١] فمعنى سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٥٩] يعني: تنزَّه الحَقُّ سبحانه عن قَوْل هؤلاء المشركين وكذبهم، وتعالى سبحانه أنْ يكونَ بينه وبين الجِنَّة نسبٌ.
آية رقم ١٦٠
ﭵﭶﭷﭸ
ﭹ
مناسبة قوله تعالى هنا إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٦٠] استثناء من قوله تعالى إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨] فاستثنى اللهُ عباده المخلصين أنْ يدخلوا مع هؤلاء المحضرين للعذاب. وقوله: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ١٦١] أي: من دون الله مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات: ١٦٢] يعني: أنتم وما تعبدون من دون الله لا تفتنوا خَلْقي عليَّ. يعني: لا تُفْسِدوا الخَلْق على الله تعالى، يُقَالُ: فتن فلان على فلان زوجته. يعني: أفسدها عليه، والمعنى: أنتم لا تستطيعون أنْ تفسدوا بيني وبين ملائكتي.
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟
والحق سبحانه في موضع آخر يردُّ عليهم: أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.. [الإسراء: ٥٧] يعني: هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة التي تقرِّبهم إليه.
وفي موضع آخر قال: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
وقوله: إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣] أي: إلا مَنْ يرضي بالعبودية من البشر فمصيره النار؛ لذلك لما أراد سبحانه أنْ يُبكِّتَ الذين عبدوا الحجارة قال: انظروا فلن تُعذَّبوا في النار إلا بالحجارة لِتَرَوْا معبودكم معكم ومثلكم في النار. فإنْ قَلْت: وما ذنبُ هذه الأحجار التي عُبِدت من دون الله؟
يقول سبحانه:
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ... .
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟
والحق سبحانه في موضع آخر يردُّ عليهم: أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.. [الإسراء: ٥٧] يعني: هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة التي تقرِّبهم إليه.
وفي موضع آخر قال: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
وقوله: إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣] أي: إلا مَنْ يرضي بالعبودية من البشر فمصيره النار؛ لذلك لما أراد سبحانه أنْ يُبكِّتَ الذين عبدوا الحجارة قال: انظروا فلن تُعذَّبوا في النار إلا بالحجارة لِتَرَوْا معبودكم معكم ومثلكم في النار. فإنْ قَلْت: وما ذنبُ هذه الأحجار التي عُبِدت من دون الله؟
يقول سبحانه:
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ... .
آية رقم ١٦١
ﭺﭻﭼ
ﭽ
مناسبة قوله تعالى هنا إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٦٠] استثناء من قوله تعالى إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨] فاستثنى اللهُ عباده المخلصين أنْ يدخلوا مع هؤلاء المحضرين للعذاب. وقوله: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ١٦١] أي: من دون الله مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات: ١٦٢] يعني: أنتم وما تعبدون من دون الله لا تفتنوا خَلْقي عليَّ. يعني: لا تُفْسِدوا الخَلْق على الله تعالى، يُقَالُ: فتن فلان على فلان زوجته. يعني: أفسدها عليه، والمعنى: أنتم لا تستطيعون أنْ تفسدوا بيني وبين ملائكتي.
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟
والحق سبحانه في موضع آخر يردُّ عليهم: أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.. [الإسراء: ٥٧] يعني: هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة التي تقرِّبهم إليه.
وفي موضع آخر قال: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
وقوله: إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣] أي: إلا مَنْ يرضي بالعبودية من البشر فمصيره النار؛ لذلك لما أراد سبحانه أنْ يُبكِّتَ الذين عبدوا الحجارة قال: انظروا فلن تُعذَّبوا في النار إلا بالحجارة لِتَرَوْا معبودكم معكم ومثلكم في النار. فإنْ قَلْت: وما ذنبُ هذه الأحجار التي عُبِدت من دون الله؟
يقول سبحانه:
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ... .
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟
والحق سبحانه في موضع آخر يردُّ عليهم: أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.. [الإسراء: ٥٧] يعني: هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة التي تقرِّبهم إليه.
وفي موضع آخر قال: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
وقوله: إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣] أي: إلا مَنْ يرضي بالعبودية من البشر فمصيره النار؛ لذلك لما أراد سبحانه أنْ يُبكِّتَ الذين عبدوا الحجارة قال: انظروا فلن تُعذَّبوا في النار إلا بالحجارة لِتَرَوْا معبودكم معكم ومثلكم في النار. فإنْ قَلْت: وما ذنبُ هذه الأحجار التي عُبِدت من دون الله؟
يقول سبحانه:
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ... .
آية رقم ١٦٢
ﭾﭿﮀﮁ
ﮂ
مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ يعني: أنتم وما تعبدون من دون الله لا تفتنوا خَلْقي عليَّ. يعني: لا تُفْسِدوا الخَلْق على الله تعالى، يُقَالُ: فتن فلان على فلان زوجته. يعني: أفسدها عليه، والمعنى: أنتم لا تستطيعون أنْ تفسدوا بيني وبين ملائكتي.
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟..
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟..
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
آية رقم ١٦٣
ﮃﮄﮅﮆﮇ
ﮈ
مناسبة قوله تعالى هنا إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٦٠] استثناء من قوله تعالى إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨] فاستثنى اللهُ عباده المخلصين أنْ يدخلوا مع هؤلاء المحضرين للعذاب. وقوله: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ١٦١] أي: من دون الله مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات: ١٦٢] يعني: أنتم وما تعبدون من دون الله لا تفتنوا خَلْقي عليَّ. يعني: لا تُفْسِدوا الخَلْق على الله تعالى، يُقَالُ: فتن فلان على فلان زوجته. يعني: أفسدها عليه، والمعنى: أنتم لا تستطيعون أنْ تفسدوا بيني وبين ملائكتي.
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟
والحق سبحانه في موضع آخر يردُّ عليهم: أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.. [الإسراء: ٥٧] يعني: هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة التي تقرِّبهم إليه.
وفي موضع آخر قال: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
وقوله: إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣] أي: إلا مَنْ يرضي بالعبودية من البشر فمصيره النار؛ لذلك لما أراد سبحانه أنْ يُبكِّتَ الذين عبدوا الحجارة قال: انظروا فلن تُعذَّبوا في النار إلا بالحجارة لِتَرَوْا معبودكم معكم ومثلكم في النار. فإنْ قَلْت: وما ذنبُ هذه الأحجار التي عُبِدت من دون الله؟
يقول سبحانه:
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ... .
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟
والحق سبحانه في موضع آخر يردُّ عليهم: أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.. [الإسراء: ٥٧] يعني: هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة التي تقرِّبهم إليه.
وفي موضع آخر قال: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
وقوله: إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣] أي: إلا مَنْ يرضي بالعبودية من البشر فمصيره النار؛ لذلك لما أراد سبحانه أنْ يُبكِّتَ الذين عبدوا الحجارة قال: انظروا فلن تُعذَّبوا في النار إلا بالحجارة لِتَرَوْا معبودكم معكم ومثلكم في النار. فإنْ قَلْت: وما ذنبُ هذه الأحجار التي عُبِدت من دون الله؟
يقول سبحانه:
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ... .
آية رقم ١٦٤
ﮉﮊﮋﮌﮍﮎ
ﮏ
إذن: هذه الحجارة حين يُحمَىَ عليها ليُعذَّب بها هؤلاء المشركون لا لأن لها ذنباً تُعاقَبُ عليه، إنما لها مقام معلوم، والتزام بتنفيذ أمر الله في المخالف: وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤].
يعني: قَدْر ومرتبة، فالملائكة درجات ومراتب، لا يحقد الأدنى على الأعلى ولا يزدري الأعلى الأدنى؛ لأن المقام المعلوم الذي جعلهم الله فيه قدر لله تعالى، وهم يحترمون قدر الله في خَلْق الله، وهذا درس ينبغي أنْ نتعلَّمه، وأنْ يُراعي كل مِنَّا قدر الآخرين ومنزلتهم، فأنا حين أحترم الأعلى مني إنما أحترم قدر الله الذي جعله أعلى مني، وإنْ كان دوني في يوم ما، وقُلْنا إن العالم ليس مسألة (ميكانيكا) إنما خَلْق بقدر وبحكمة مرادة لله.
فكيف نكون بنات الله؟ وكيف نُعبَد من دون الله ونحن مُسخَّرون لعبادته سبحانه ونحن جنود مصفوفون في انتظار أوامره تعالى وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] أي: نقف صفوفاً منتظمة، والصف دليل الانتظام وعنوان الالتزام والانضباط؛ لذلك ورد في الحديث: لماذا؟ لأنكم بين يدي الله سبحانه فأروا الله منكم ما يدل على المساواة والالتزام والترابط.
وفي الحرب كذلك: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] وهذا التشبيه له دلالته، لأن البنيان المرصوصَ يعني أن اللبنة فيه ليس لها إرادة في الخروج عن الأخرى؛ لأنها محكومة بالبناء الذي وُضِعَتْ فيه؛ لذلك لما استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوفَ في إحدى الغزوات رأى جندياً شَذَّ عن صَفه، فأشار إليه بعصاه أنْ يستوي بمثله، وأن ينضبط في صَفه.
ثم يقولون: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٦] يعني كيف نرضى أنْ نُعبدَ من دون الله، ونحن ما خُلِقْناَ إلا لتسبيحه تعالى:
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً... .
يعني: قَدْر ومرتبة، فالملائكة درجات ومراتب، لا يحقد الأدنى على الأعلى ولا يزدري الأعلى الأدنى؛ لأن المقام المعلوم الذي جعلهم الله فيه قدر لله تعالى، وهم يحترمون قدر الله في خَلْق الله، وهذا درس ينبغي أنْ نتعلَّمه، وأنْ يُراعي كل مِنَّا قدر الآخرين ومنزلتهم، فأنا حين أحترم الأعلى مني إنما أحترم قدر الله الذي جعله أعلى مني، وإنْ كان دوني في يوم ما، وقُلْنا إن العالم ليس مسألة (ميكانيكا) إنما خَلْق بقدر وبحكمة مرادة لله.
فكيف نكون بنات الله؟ وكيف نُعبَد من دون الله ونحن مُسخَّرون لعبادته سبحانه ونحن جنود مصفوفون في انتظار أوامره تعالى وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] أي: نقف صفوفاً منتظمة، والصف دليل الانتظام وعنوان الالتزام والانضباط؛ لذلك ورد في الحديث: لماذا؟ لأنكم بين يدي الله سبحانه فأروا الله منكم ما يدل على المساواة والالتزام والترابط.
وفي الحرب كذلك: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] وهذا التشبيه له دلالته، لأن البنيان المرصوصَ يعني أن اللبنة فيه ليس لها إرادة في الخروج عن الأخرى؛ لأنها محكومة بالبناء الذي وُضِعَتْ فيه؛ لذلك لما استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوفَ في إحدى الغزوات رأى جندياً شَذَّ عن صَفه، فأشار إليه بعصاه أنْ يستوي بمثله، وأن ينضبط في صَفه.
ثم يقولون: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٦] يعني كيف نرضى أنْ نُعبدَ من دون الله، ونحن ما خُلِقْناَ إلا لتسبيحه تعالى:
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً... .
آية رقم ١٦٥
ﮐﮑﮒ
ﮓ
فكيف نكون بنات الله؟ وكيف نُعبَد من دون الله ونحن مُسخَّرون لعبادته سبحانه ونحن جنود مصفوفون في انتظار أوامره تعالى وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ أي: نقف صفوفاً منتظمة، والصف دليل الانتظام وعنوان الالتزام والانضباط؛ لذلك ورد في الحديث:"إن الله لا ينظر إلى الصَّفِّ الأعوج" لماذا؟ لأنكم بين يدي الله سبحانه فأروا الله منكم ما يدل على المساواة والالتزام والترابط.
وفي الحرب كذلك: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤]..
وفي الحرب كذلك: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤]..
آية رقم ١٦٦
ﮔﮕﮖ
ﮗ
إذن: هذه الحجارة حين يُحمَىَ عليها ليُعذَّب بها هؤلاء المشركون لا لأن لها ذنباً تُعاقَبُ عليه، إنما لها مقام معلوم، والتزام بتنفيذ أمر الله في المخالف: وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤].
يعني: قَدْر ومرتبة، فالملائكة درجات ومراتب، لا يحقد الأدنى على الأعلى ولا يزدري الأعلى الأدنى؛ لأن المقام المعلوم الذي جعلهم الله فيه قدر لله تعالى، وهم يحترمون قدر الله في خَلْق الله، وهذا درس ينبغي أنْ نتعلَّمه، وأنْ يُراعي كل مِنَّا قدر الآخرين ومنزلتهم، فأنا حين أحترم الأعلى مني إنما أحترم قدر الله الذي جعله أعلى مني، وإنْ كان دوني في يوم ما، وقُلْنا إن العالم ليس مسألة (ميكانيكا) إنما خَلْق بقدر وبحكمة مرادة لله.
فكيف نكون بنات الله؟ وكيف نُعبَد من دون الله ونحن مُسخَّرون لعبادته سبحانه ونحن جنود مصفوفون في انتظار أوامره تعالى وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] أي: نقف صفوفاً منتظمة، والصف دليل الانتظام وعنوان الالتزام والانضباط؛ لذلك ورد في الحديث: لماذا؟ لأنكم بين يدي الله سبحانه فأروا الله منكم ما يدل على المساواة والالتزام والترابط.
وفي الحرب كذلك: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] وهذا التشبيه له دلالته، لأن البنيان المرصوصَ يعني أن اللبنة فيه ليس لها إرادة في الخروج عن الأخرى؛ لأنها محكومة بالبناء الذي وُضِعَتْ فيه؛ لذلك لما استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوفَ في إحدى الغزوات رأى جندياً شَذَّ عن صَفه، فأشار إليه بعصاه أنْ يستوي بمثله، وأن ينضبط في صَفه.
ثم يقولون: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٦] يعني كيف نرضى أنْ نُعبدَ من دون الله، ونحن ما خُلِقْناَ إلا لتسبيحه تعالى:
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً... .
يعني: قَدْر ومرتبة، فالملائكة درجات ومراتب، لا يحقد الأدنى على الأعلى ولا يزدري الأعلى الأدنى؛ لأن المقام المعلوم الذي جعلهم الله فيه قدر لله تعالى، وهم يحترمون قدر الله في خَلْق الله، وهذا درس ينبغي أنْ نتعلَّمه، وأنْ يُراعي كل مِنَّا قدر الآخرين ومنزلتهم، فأنا حين أحترم الأعلى مني إنما أحترم قدر الله الذي جعله أعلى مني، وإنْ كان دوني في يوم ما، وقُلْنا إن العالم ليس مسألة (ميكانيكا) إنما خَلْق بقدر وبحكمة مرادة لله.
فكيف نكون بنات الله؟ وكيف نُعبَد من دون الله ونحن مُسخَّرون لعبادته سبحانه ونحن جنود مصفوفون في انتظار أوامره تعالى وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ [الصافات: ١٦٥] أي: نقف صفوفاً منتظمة، والصف دليل الانتظام وعنوان الالتزام والانضباط؛ لذلك ورد في الحديث: لماذا؟ لأنكم بين يدي الله سبحانه فأروا الله منكم ما يدل على المساواة والالتزام والترابط.
وفي الحرب كذلك: إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤] وهذا التشبيه له دلالته، لأن البنيان المرصوصَ يعني أن اللبنة فيه ليس لها إرادة في الخروج عن الأخرى؛ لأنها محكومة بالبناء الذي وُضِعَتْ فيه؛ لذلك لما استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوفَ في إحدى الغزوات رأى جندياً شَذَّ عن صَفه، فأشار إليه بعصاه أنْ يستوي بمثله، وأن ينضبط في صَفه.
ثم يقولون: وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٦] يعني كيف نرضى أنْ نُعبدَ من دون الله، ونحن ما خُلِقْناَ إلا لتسبيحه تعالى:
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً... .
آية رقم ١٦٧
ﮘﮙﮚ
ﮛ
قولهم: لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً [الصافات: ١٦٨] أي: كتاباً ووَحْياً مُنزلاً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ١٦٨] كالذي أُنزِل على الرسل السابقين لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٦٩] وعجيبٌ منهم أنْ يبرروا شركهم بهذه الحجة، وقد جاءهم سيد المرسلين جميعاً، فالرسل السابقون كانوا محدودي الرسالة زماناً ومكاناً، وكانوا جميعاً قبل رسول الله مُكلَّفين بنقل حكم الله إلى الخَلْق، أمَّا رسول الله: فهو الرسول الوحيد الذي فُوِّض من الله أنْ يُشرِّع للخلق؛ لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى قيام الساعة.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
وقوله: فَكَفَرُواْ بِهِ [الصافات: ١٧٠] يعني: لما جاءهم الرسول الذي يطلبونه كفروا به. إذن: المسألة مسألةَ لَجَج وعناد وكبرياء في قبول الحق والانقياد له فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] حَرْفا (السين) و (سوف) يدلان على الاستقبال، لكن سوف أبعد في الزمن من السين.
فقوله تعالى فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر، ومن ذلك قول الإمام علي رضي الله عنه. لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً.
لذلك لما نزل قول الله تعالى - وكان المسلمون في كَرْب وشدة وضيق قبل الفتح: سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥] والسين تدل على المستقبل القريب تعجب سيدنا عمر وما أدراك ما عمر، كان القرآن ينزل على مقتضى ما يرى، ومع ذلك تعجَّب وقال: أيُّ جمعٍ هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وأهلنا، فلما جاء الفتح وانتصر المسلمون وحدث ما حدث قال: صدق الله سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥].
فالمؤمن مُصدِّق بما أخبر الله به، لأنه أمر قُضِي أزلاً في علم الله، وما دام قُضِي بالفعل في الأزل، ولا توجد قوة معارضة تنقض ما قضى الله به، وما دام الله تعالى لا يعتريه عجْزٌ يمنعه أنْ ينفذ ما قضى فهو واقع لا محالة.
والمثال الواضح في هذه المسألة قوله تعالى: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] تعلمون أن علماء النحو يقولون: الفعل ماض وهو ما دلَّ على حدوث فعل في زمن مضى وانتهى، ومضارع: وهو ما يدل على الحال أو الاستقبال، إذن: كيف نجمع بين أَتَىٰ الماضي و فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]. والنهي عن استعجاله يدل على المستقبل، أي: أنه لم يَأْتِ بَعْد؟
نقول: الذي يتكلم بهذا الكلام هو الله لا نحن، والله تعالى لا يحكمه زمان، فإذا أخبر بأمر فهو واقع لأنه لا رادَّ لما قضى أزلاً، فأمْرُ الله أتى أزلاً فلا تستعجلوه واقعاً.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
وقوله: فَكَفَرُواْ بِهِ [الصافات: ١٧٠] يعني: لما جاءهم الرسول الذي يطلبونه كفروا به. إذن: المسألة مسألةَ لَجَج وعناد وكبرياء في قبول الحق والانقياد له فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] حَرْفا (السين) و (سوف) يدلان على الاستقبال، لكن سوف أبعد في الزمن من السين.
فقوله تعالى فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر، ومن ذلك قول الإمام علي رضي الله عنه. لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً.
لذلك لما نزل قول الله تعالى - وكان المسلمون في كَرْب وشدة وضيق قبل الفتح: سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥] والسين تدل على المستقبل القريب تعجب سيدنا عمر وما أدراك ما عمر، كان القرآن ينزل على مقتضى ما يرى، ومع ذلك تعجَّب وقال: أيُّ جمعٍ هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وأهلنا، فلما جاء الفتح وانتصر المسلمون وحدث ما حدث قال: صدق الله سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥].
فالمؤمن مُصدِّق بما أخبر الله به، لأنه أمر قُضِي أزلاً في علم الله، وما دام قُضِي بالفعل في الأزل، ولا توجد قوة معارضة تنقض ما قضى الله به، وما دام الله تعالى لا يعتريه عجْزٌ يمنعه أنْ ينفذ ما قضى فهو واقع لا محالة.
والمثال الواضح في هذه المسألة قوله تعالى: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] تعلمون أن علماء النحو يقولون: الفعل ماض وهو ما دلَّ على حدوث فعل في زمن مضى وانتهى، ومضارع: وهو ما يدل على الحال أو الاستقبال، إذن: كيف نجمع بين أَتَىٰ الماضي و فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]. والنهي عن استعجاله يدل على المستقبل، أي: أنه لم يَأْتِ بَعْد؟
نقول: الذي يتكلم بهذا الكلام هو الله لا نحن، والله تعالى لا يحكمه زمان، فإذا أخبر بأمر فهو واقع لأنه لا رادَّ لما قضى أزلاً، فأمْرُ الله أتى أزلاً فلا تستعجلوه واقعاً.
آية رقم ١٦٨
ﮜﮝﮞﮟﮠﮡ
ﮢ
... عجيبٌ منهم أنْ يبرروا شركهم بهذه الحجة، وقد جاءهم سيد المرسلين جميعاً، فالرسل السابقون كانوا محدودي الرسالة زماناً ومكاناً، وكانوا جميعاً قبل رسول الله مُكلَّفين بنقل حكم الله إلى الخَلْق، أمَّا رسول الله: فهو الرسول الوحيد الذي فُوِّض من الله أنْ يُشرِّع للخلق؛ لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى قيام الساعة.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
آية رقم ١٦٩
ﮣﮤﮥﮦ
ﮧ
قولهم: لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً [الصافات: ١٦٨] أي: كتاباً ووَحْياً مُنزلاً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ [الصافات: ١٦٨] كالذي أُنزِل على الرسل السابقين لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٦٩] وعجيبٌ منهم أنْ يبرروا شركهم بهذه الحجة، وقد جاءهم سيد المرسلين جميعاً، فالرسل السابقون كانوا محدودي الرسالة زماناً ومكاناً، وكانوا جميعاً قبل رسول الله مُكلَّفين بنقل حكم الله إلى الخَلْق، أمَّا رسول الله: فهو الرسول الوحيد الذي فُوِّض من الله أنْ يُشرِّع للخلق؛ لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى قيام الساعة.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
وقوله: فَكَفَرُواْ بِهِ [الصافات: ١٧٠] يعني: لما جاءهم الرسول الذي يطلبونه كفروا به. إذن: المسألة مسألةَ لَجَج وعناد وكبرياء في قبول الحق والانقياد له فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] حَرْفا (السين) و (سوف) يدلان على الاستقبال، لكن سوف أبعد في الزمن من السين.
فقوله تعالى فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر، ومن ذلك قول الإمام علي رضي الله عنه. لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً.
لذلك لما نزل قول الله تعالى - وكان المسلمون في كَرْب وشدة وضيق قبل الفتح: سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥] والسين تدل على المستقبل القريب تعجب سيدنا عمر وما أدراك ما عمر، كان القرآن ينزل على مقتضى ما يرى، ومع ذلك تعجَّب وقال: أيُّ جمعٍ هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وأهلنا، فلما جاء الفتح وانتصر المسلمون وحدث ما حدث قال: صدق الله سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥].
فالمؤمن مُصدِّق بما أخبر الله به، لأنه أمر قُضِي أزلاً في علم الله، وما دام قُضِي بالفعل في الأزل، ولا توجد قوة معارضة تنقض ما قضى الله به، وما دام الله تعالى لا يعتريه عجْزٌ يمنعه أنْ ينفذ ما قضى فهو واقع لا محالة.
والمثال الواضح في هذه المسألة قوله تعالى: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] تعلمون أن علماء النحو يقولون: الفعل ماض وهو ما دلَّ على حدوث فعل في زمن مضى وانتهى، ومضارع: وهو ما يدل على الحال أو الاستقبال، إذن: كيف نجمع بين أَتَىٰ الماضي و فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]. والنهي عن استعجاله يدل على المستقبل، أي: أنه لم يَأْتِ بَعْد؟
نقول: الذي يتكلم بهذا الكلام هو الله لا نحن، والله تعالى لا يحكمه زمان، فإذا أخبر بأمر فهو واقع لأنه لا رادَّ لما قضى أزلاً، فأمْرُ الله أتى أزلاً فلا تستعجلوه واقعاً.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
وقوله: فَكَفَرُواْ بِهِ [الصافات: ١٧٠] يعني: لما جاءهم الرسول الذي يطلبونه كفروا به. إذن: المسألة مسألةَ لَجَج وعناد وكبرياء في قبول الحق والانقياد له فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] حَرْفا (السين) و (سوف) يدلان على الاستقبال، لكن سوف أبعد في الزمن من السين.
فقوله تعالى فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل يَعْلَمُونَ [الصافات: ١٧٠] مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر، ومن ذلك قول الإمام علي رضي الله عنه. لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً.
لذلك لما نزل قول الله تعالى - وكان المسلمون في كَرْب وشدة وضيق قبل الفتح: سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥] والسين تدل على المستقبل القريب تعجب سيدنا عمر وما أدراك ما عمر، كان القرآن ينزل على مقتضى ما يرى، ومع ذلك تعجَّب وقال: أيُّ جمعٍ هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وأهلنا، فلما جاء الفتح وانتصر المسلمون وحدث ما حدث قال: صدق الله سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر: ٤٥].
فالمؤمن مُصدِّق بما أخبر الله به، لأنه أمر قُضِي أزلاً في علم الله، وما دام قُضِي بالفعل في الأزل، ولا توجد قوة معارضة تنقض ما قضى الله به، وما دام الله تعالى لا يعتريه عجْزٌ يمنعه أنْ ينفذ ما قضى فهو واقع لا محالة.
والمثال الواضح في هذه المسألة قوله تعالى: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] تعلمون أن علماء النحو يقولون: الفعل ماض وهو ما دلَّ على حدوث فعل في زمن مضى وانتهى، ومضارع: وهو ما يدل على الحال أو الاستقبال، إذن: كيف نجمع بين أَتَىٰ الماضي و فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]. والنهي عن استعجاله يدل على المستقبل، أي: أنه لم يَأْتِ بَعْد؟
نقول: الذي يتكلم بهذا الكلام هو الله لا نحن، والله تعالى لا يحكمه زمان، فإذا أخبر بأمر فهو واقع لأنه لا رادَّ لما قضى أزلاً، فأمْرُ الله أتى أزلاً فلا تستعجلوه واقعاً.
آية رقم ١٧٠
ﮨﮩﮪﮫﮬ
ﮭ
وقوله: فَكَفَرُواْ بِهِ يعني: لما جاءهم الرسول الذي يطلبونه كفروا به. إذن: المسألة مسألةَ لَجَج وعناد وكبرياء في قبول الحق والانقياد له فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حَرْفا (السين) و (سوف) يدلان على الاستقبال، لكن سوف أبعد في الزمن من السين.
فقوله تعالى فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل يَعْلَمُونَ مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر...
فقوله تعالى فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل يَعْلَمُونَ مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر...
آية رقم ١٧١
ﮮﮯﮰﮱﯓ
ﯔ
معنى سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا يعني: قلناها قبل الكون كله، وهذه الكلمة لها مترادفات: سبقتْ كلمتنا ووقعتْ وحقَّتْ، سبقتْ أي: لتحديدها قبل الحدوث، ووقعتْ ساعة الحدوث، وحقَّت أي: هي حَقٌّ أنْ أقضي بقدرتي، وحَقٌّ أنْ تقع على مَنْ أريد. إذن: فهي مَعَانٍ ملتقية معاً ومتكاملة.
آية رقم ١٧٢
ﯕﯖﯗ
ﯘ
فما هي هذه الكلمة التي سبقتْ من الله لعباده المرسلين؟ هي قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ.
هاتان قضيتان: الرسل لا محالة منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقتْ من الله وقضاءٌ لا يُرَدّ، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن للجندية شروطاً، مَنِ استوفاها استحقَّ الغلبةَ، ومَنْ أخلَّ بها استحق الهزيمة.
فحين ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإنِ انتصر المسلمون فاعلم أنهم حققوا شروط الجندية لله، وإنْ هُزِموا فعليهم أنْ ينظروا في أنفسهم ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية؛ لأنهم لو ظلُّوا على جنديتهم لله لَتحقَّق لهم وَعْدُ الله بالغلبة.
وهذه المسألة واضحة في معركة بدر وفي أُحُد، ففي بدر انتصر المسلمون؛ لأنهم لم يخالفوا قانون الجندية لله تعالى، لكن في أُحُد لم ينتصروا مع أن رسولَ الله بينهم، ولا تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم اللهُ لَهانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولَقالُوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم أُحُد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعَلَتْ قوانينه ومبادئه.
أما الرسل فهم واثقون من وَعْد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة عندهم لا تُناقَش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى -عليه السلام -، فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أنْ يدركه عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١].
فبماذا رَدَّ سيدنا موسى؟ (قال كلا) هكذا بملء فيه يُكذِّب واقعاً يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لكنه يقول كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
هذه هي الثقة في كلمة إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ أي: الرسل.
هاتان قضيتان: الرسل لا محالة منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقتْ من الله وقضاءٌ لا يُرَدّ، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن للجندية شروطاً، مَنِ استوفاها استحقَّ الغلبةَ، ومَنْ أخلَّ بها استحق الهزيمة.
فحين ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإنِ انتصر المسلمون فاعلم أنهم حققوا شروط الجندية لله، وإنْ هُزِموا فعليهم أنْ ينظروا في أنفسهم ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية؛ لأنهم لو ظلُّوا على جنديتهم لله لَتحقَّق لهم وَعْدُ الله بالغلبة.
وهذه المسألة واضحة في معركة بدر وفي أُحُد، ففي بدر انتصر المسلمون؛ لأنهم لم يخالفوا قانون الجندية لله تعالى، لكن في أُحُد لم ينتصروا مع أن رسولَ الله بينهم، ولا تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم اللهُ لَهانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولَقالُوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم أُحُد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعَلَتْ قوانينه ومبادئه.
أما الرسل فهم واثقون من وَعْد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة عندهم لا تُناقَش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى -عليه السلام -، فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أنْ يدركه عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١].
فبماذا رَدَّ سيدنا موسى؟ (قال كلا) هكذا بملء فيه يُكذِّب واقعاً يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لكنه يقول كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
هذه هي الثقة في كلمة إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ أي: الرسل.
آية رقم ١٧٣
ﯙﯚﯛﯜ
ﯝ
معنى سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا [الصافات: ١٧١] يعني: قلناها قبل الكون كله، وهذه الكلمة لها مترادفات: سبقتْ كلمتنا ووقعتْ وحقَّتْ، سبقتْ أي: لتحديدها قبل الحدوث، ووقعتْ ساعة الحدوث وحقَّت أي: هي حَقٌّ أنْ أقضي بقدرتي، وحَقٌّ أنْ تقع على مَنْ أريد. إذن: فهي مَعَانٍ ملتقية معاً ومتكاملة.
فما هي هذه الكلمة التي سبقتْ من الله لعباده المرسلين؟ هي قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧٢-١٧٣].
هاتان قضيتان: الرسل لا محالة منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقتْ من الله وقضاءٌ لا يُرَدّ، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن للجندية شروطاً، مَنِ استوفاها استحقَّ الغلبةَ، ومَنْ أخلَّ بها استحق الهزيمة.
فحين ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإنِ انتصر المسلمون فاعلم أنهم حققوا شروط الجندية لله، وإنْ هُزِموا فعليهم أنْ ينظروا في أنفسهم ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية؛ لأنهم لو ظلُّوا على جنديتهم لله لَتحقَّق لهم وَعْدُ الله بالغلبة.
وهذه المسألة واضحة في معركة بدر وفي أُحُد، ففي بدر انتصر المسلمون؛ لأنهم لم يخالفوا قانون الجندية لله تعالى، لكن في أُحُد لم ينتصروا مع أن رسولَ الله بينهم، ولا تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم اللهُ لَهانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولَقالُوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم أُحُد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعَلَتْ قوانينه ومبادئه.
أما الرسل فهم واثقون من وَعْد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة عندهم لا تُناقَش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أنْ يدركه عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١].
فبماذا رَدَّ سيدنا موسى؟ (قال كلا) هكذا بملء فيه يُكذِّب واقعاً يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لكنه يقول كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
هذه هي الثقة في كلمة إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ [الصافات: ١٧٢] أي: الرسل.
فما هي هذه الكلمة التي سبقتْ من الله لعباده المرسلين؟ هي قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧٢-١٧٣].
هاتان قضيتان: الرسل لا محالة منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقتْ من الله وقضاءٌ لا يُرَدّ، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن للجندية شروطاً، مَنِ استوفاها استحقَّ الغلبةَ، ومَنْ أخلَّ بها استحق الهزيمة.
فحين ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإنِ انتصر المسلمون فاعلم أنهم حققوا شروط الجندية لله، وإنْ هُزِموا فعليهم أنْ ينظروا في أنفسهم ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية؛ لأنهم لو ظلُّوا على جنديتهم لله لَتحقَّق لهم وَعْدُ الله بالغلبة.
وهذه المسألة واضحة في معركة بدر وفي أُحُد، ففي بدر انتصر المسلمون؛ لأنهم لم يخالفوا قانون الجندية لله تعالى، لكن في أُحُد لم ينتصروا مع أن رسولَ الله بينهم، ولا تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم اللهُ لَهانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولَقالُوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم أُحُد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعَلَتْ قوانينه ومبادئه.
أما الرسل فهم واثقون من وَعْد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة عندهم لا تُناقَش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أنْ يدركه عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١].
فبماذا رَدَّ سيدنا موسى؟ (قال كلا) هكذا بملء فيه يُكذِّب واقعاً يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لكنه يقول كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
هذه هي الثقة في كلمة إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ [الصافات: ١٧٢] أي: الرسل.
آية رقم ١٧٤
ﯞﯟﯠﯡ
ﯢ
قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ.
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة.
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة.
آية رقم ١٧٥
ﯣﯤﯥ
ﯦ
قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الصافات: ١٧٤].
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥] يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة، وما يحلُّ بهم من العذاب الذي يستعجلونه أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦].
كما قال تعالى في موضع آخر: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢].
وهذا غباء منهم، لأن هذا العذاب الذي يُكذِّبون به ويستبعدونه واقع لا محالة فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] والساحة هي المكان الواسع أو الفناء الذي يجد الناسُ فيه مُتَنَفساً ومَنْفذاً يُروِّح عنهم، و نَزَلَ [الصافات: ١٧٧] يعني: حَلَّ ووقع وفاجأهم.
فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] يعني: قَبُحَ هذا الصباح، وبئس هذا الصباح، والصبح هو الميعاد الحق للمعركة لمفاجأة المحارب قبل أنْ يستعد، أو يفاجئهم العذاب في وضح النهار فلا يستطيعون أنْ يستتروا من الفضيحة، و ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] القوم الذين أنذرناهم وحذرناهم.
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥] يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة، وما يحلُّ بهم من العذاب الذي يستعجلونه أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦].
كما قال تعالى في موضع آخر: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢].
وهذا غباء منهم، لأن هذا العذاب الذي يُكذِّبون به ويستبعدونه واقع لا محالة فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] والساحة هي المكان الواسع أو الفناء الذي يجد الناسُ فيه مُتَنَفساً ومَنْفذاً يُروِّح عنهم، و نَزَلَ [الصافات: ١٧٧] يعني: حَلَّ ووقع وفاجأهم.
فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] يعني: قَبُحَ هذا الصباح، وبئس هذا الصباح، والصبح هو الميعاد الحق للمعركة لمفاجأة المحارب قبل أنْ يستعد، أو يفاجئهم العذاب في وضح النهار فلا يستطيعون أنْ يستتروا من الفضيحة، و ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] القوم الذين أنذرناهم وحذرناهم.
آية رقم ١٧٦
ﯧﯨ
ﯩ
قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الصافات: ١٧٤].
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥] يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة، وما يحلُّ بهم من العذاب الذي يستعجلونه أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦].
كما قال تعالى في موضع آخر: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢].
وهذا غباء منهم، لأن هذا العذاب الذي يُكذِّبون به ويستبعدونه واقع لا محالة فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] والساحة هي المكان الواسع أو الفناء الذي يجد الناسُ فيه مُتَنَفساً ومَنْفذاً يُروِّح عنهم، و نَزَلَ [الصافات: ١٧٧] يعني: حَلَّ ووقع وفاجأهم.
فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] يعني: قَبُحَ هذا الصباح، وبئس هذا الصباح، والصبح هو الميعاد الحق للمعركة لمفاجأة المحارب قبل أنْ يستعد، أو يفاجئهم العذاب في وضح النهار فلا يستطيعون أنْ يستتروا من الفضيحة، و ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] القوم الذين أنذرناهم وحذرناهم.
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥] يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة، وما يحلُّ بهم من العذاب الذي يستعجلونه أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦].
كما قال تعالى في موضع آخر: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢].
وهذا غباء منهم، لأن هذا العذاب الذي يُكذِّبون به ويستبعدونه واقع لا محالة فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] والساحة هي المكان الواسع أو الفناء الذي يجد الناسُ فيه مُتَنَفساً ومَنْفذاً يُروِّح عنهم، و نَزَلَ [الصافات: ١٧٧] يعني: حَلَّ ووقع وفاجأهم.
فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] يعني: قَبُحَ هذا الصباح، وبئس هذا الصباح، والصبح هو الميعاد الحق للمعركة لمفاجأة المحارب قبل أنْ يستعد، أو يفاجئهم العذاب في وضح النهار فلا يستطيعون أنْ يستتروا من الفضيحة، و ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] القوم الذين أنذرناهم وحذرناهم.
آية رقم ١٧٧
ﯪﯫﯬﯭﯮﯯ
ﯰ
قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الصافات: ١٧٤].
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥] يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة، وما يحلُّ بهم من العذاب الذي يستعجلونه أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦].
كما قال تعالى في موضع آخر: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢].
وهذا غباء منهم، لأن هذا العذاب الذي يُكذِّبون به ويستبعدونه واقع لا محالة فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] والساحة هي المكان الواسع أو الفناء الذي يجد الناسُ فيه مُتَنَفساً ومَنْفذاً يُروِّح عنهم، و نَزَلَ [الصافات: ١٧٧] يعني: حَلَّ ووقع وفاجأهم.
فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] يعني: قَبُحَ هذا الصباح، وبئس هذا الصباح، والصبح هو الميعاد الحق للمعركة لمفاجأة المحارب قبل أنْ يستعد، أو يفاجئهم العذاب في وضح النهار فلا يستطيعون أنْ يستتروا من الفضيحة، و ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] القوم الذين أنذرناهم وحذرناهم.
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥] يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة، وما يحلُّ بهم من العذاب الذي يستعجلونه أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦].
كما قال تعالى في موضع آخر: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢].
وهذا غباء منهم، لأن هذا العذاب الذي يُكذِّبون به ويستبعدونه واقع لا محالة فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] والساحة هي المكان الواسع أو الفناء الذي يجد الناسُ فيه مُتَنَفساً ومَنْفذاً يُروِّح عنهم، و نَزَلَ [الصافات: ١٧٧] يعني: حَلَّ ووقع وفاجأهم.
فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] يعني: قَبُحَ هذا الصباح، وبئس هذا الصباح، والصبح هو الميعاد الحق للمعركة لمفاجأة المحارب قبل أنْ يستعد، أو يفاجئهم العذاب في وضح النهار فلا يستطيعون أنْ يستتروا من الفضيحة، و ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] القوم الذين أنذرناهم وحذرناهم.
آية رقم ١٧٨
ﯱﯲﯳﯴ
ﯵ
قوله تعالى في الآية السابقة: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ يُراد به حين الدنيا، كذلك وَأَبْصِرْهُمْ أي: في الدنيا فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أي: في الدنيا وهذا الحين هو الذي قال الله فيه: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [غافر: ٧٧] أي: من العقاب في الدنيا أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] في الآخرة.
أما الحين هنا وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ يراد به حين الآخرة، فليس تكراراً للحين الأول، كذلك وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ في الآخرة حين يُفاجئهم العذاب الذي أنكروه وكذَّبوا به، فيقولون ساعتها: رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة: ١٢].
أما الحين هنا وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ يراد به حين الآخرة، فليس تكراراً للحين الأول، كذلك وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ في الآخرة حين يُفاجئهم العذاب الذي أنكروه وكذَّبوا به، فيقولون ساعتها: رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة: ١٢].
آية رقم ١٧٩
ﯶﯷﯸ
ﯹ
قوله تعالى في الآية السابقة فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ [الصافات: ١٧٤] يُراد به حين الدنيا، كذلك وَأَبْصِرْهُمْ [الصافات: ١٧٥] أي: في الدنيا فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥] أي: في الدنيا وهذا الحين هو الذي قال الله فيه: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ [غافر: ٧٧] أي: من العقاب في الدنيا أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] في الآخرة.
أما الحين هنا وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ [الصافات: ١٧٨] يراد به حين الآخرة، فليس تكراراً للحين الأول، كذلك وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٩] في الآخرة حين يُفاجئهم العذاب الذي أنكروه وكذَّبوا به، فيقولون ساعتها: رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة: ١٢].
أما الحين هنا وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ [الصافات: ١٧٨] يراد به حين الآخرة، فليس تكراراً للحين الأول، كذلك وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٩] في الآخرة حين يُفاجئهم العذاب الذي أنكروه وكذَّبوا به، فيقولون ساعتها: رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة: ١٢].
آية رقم ١٨٠
ﯺﯻﯼﯽﯾﯿ
ﰀ
يختم الحق سبحانه السورة بالسُّبحانية التي تُثبت التنزيه لله تعالى في ذات ليست كالذوات، وفي صفات ليست كالصفات، وفي أفعال ليست كالأفعال، فكل شيء له سبحانه ولخَلْقه فيه نسبة نأخذه في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
فالمعنى: سُبْحَانَ رَبِّكَ أي: تنزَّه ربك عن كل نقص وعن كل مُشابهة، فالخَلْق ذواتٌ، لكن ليست كذاته سبحانه، ولهم وجود ليس كوجوده سبحانه، ولهم غِنىً ليس كغِنَاهُ، وحكمة ليست كحكمته.. إلخ.
ومعنى رَبِّ الْعِزَّةِ كلمة رب تفيد التربية وهي تأهيل المربي لأنه ينجح في الغاية المنوطة به المطلوبة منه، ولكي تعده لا بُدَّ أنْ تعرف أولاً الغاية التي وُجِد من أجلها، بعد ذلك لا بُدَّ أنْ تكون لديك حكمة تحدد له المنهج الذي يوصله إلى هذه الغاية.
إذن: مَنْ يحدد الغاية من وجود الإنسان؟ قلنا: إن الصانع من البشر هو الذي يحدد الغاية من صنعته أولاً، وقبل أنْ يشرع فيها فهل مخترع التليفزيون مثلاً صنعه ثم قال لنا: انظروا في أي شيء يمكن أنْ يُستعمل هذا الجهاز؟ لا بل حدَّد الهدف وحدَّد الغاية أولاً، كذلك غايتك أيها الإنسان لا يحددها لك إلا مَنْ خلقك. فصيانة الصنعة يقوم بها الصانع، كذلك صيانة الخَلْق لا تكون إلا بمنهج الحق.
لذلك نقول: ما فسدت الدنيا إلا حين خرج الإنسان عن هذا الإطار، فحدَّد لنفسه الغاية، ووضع لنفسه منهج الحياة ونحَّى صانعه ومنهج صانعه جانباً، وقلنا: إن منهج الخالق للخَلْق مثل (الكتالوج) الذي به تُصَان الصنعة، وبه نصلح ما فيها من عطب، ويُشترط في واضح المنهج أن يكون من الدقة والحكمة بحيث لا يفوته شيء ولا يستدرك عليه، ولا نضطر إلى تعديل ما وضع، والخالق سبحانه هو الأعلم بعباده وصنعته، وهو الأعلم بما يصلحهم في الدنيا وفي الآخرة
أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
وإلا فلماذا يستدعينا الخالق سبحانه إلى خمس مرات في اليوم والليلة، ويجعل الصلوات فرضاً لازماً لا يسقط عن الإنسان بحال من الأحوال، لذلك شُرِعَتْ صلاة السفر وصلاة المريض، حتى أنه إذا اشتد عليه المرض صلَّى ولو بطرفة عينه أو بخاطر نفسه.
وسبق أنْ قلنا في هذه المسألة: إنك حين تريد مثلاً مقابلة رئيس أو مسئول كبير، فلا بُدَّ لك من موعد مسبق وموافقة وإجراءات، بل ويحدد لك ما تقوله، ثم هو الذي يُنهي المقابلة.. الخ أما لقاؤك مع ربك فلقاء المحب الذي يترك لحبيبه أنْ يحدد وقت المقابلة ومكانها وموضوعها، ويترك له أنْ ينهيها متى أحبَّ، وأنْ يبدأها متى شاء، فإنْ أردتَ لقاء ربك فما عليك إلا أنْ تستعد له وتكبِّر: الله أكبر، كلمة تجعلك مباشرة في حضرة ربك عز وجل.
وتصوَّر صنعة تُعرَض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيبقى فيها عطب أو فساد؟ لذلك "كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمر يُهْرَع إلى الصلاة، وكان يقول: "أرحنا بها يا بلال "" نعم أرحنا بها، لا أرحنا منها.
إذن: ذكر سبحانه في الختام السبحانية، ثم الربوبية التي تربيك وتُعدك للمهمة المرادة منك، هذه التربية تُربِّيك لماذا؟ تربيك للعزة رَبِّ الْعِزَّةِ والعزة أنْ تغلب ولا يغلبك أحدٌ أبداً، وقلنا -ولله تعالى المثل الأعلى- الولد الصغير حين يسير في الشارع وحده يتجرأ عليه الآخرون، ويتحرشون به ويضربونه، أما إنْ سار في صحبة والده وأخذه في يده لا يجرؤ أحد على التعرُّض له، كذلك أنت أيها المسلم كُنْ دائماً في حضن ربك، وفي يده، وفي معيته، وعندها لن يجرؤ أحد عليك.
إذن: العزة التي يتصف بها الحق سبحانه، ويفيض منها على عباده هي الغَلَبة التي لا تُقهر، والقدرة التي لا تحتاج إلى أحد، وهناك عزَّة أخرى هي العزة بالإثم، والتي قال الله عنها: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: ٢٠٦] فالعزة هنا كبر بلا رصيد ولا سند...
فالمعنى: سُبْحَانَ رَبِّكَ أي: تنزَّه ربك عن كل نقص وعن كل مُشابهة، فالخَلْق ذواتٌ، لكن ليست كذاته سبحانه، ولهم وجود ليس كوجوده سبحانه، ولهم غِنىً ليس كغِنَاهُ، وحكمة ليست كحكمته.. إلخ.
ومعنى رَبِّ الْعِزَّةِ كلمة رب تفيد التربية وهي تأهيل المربي لأنه ينجح في الغاية المنوطة به المطلوبة منه، ولكي تعده لا بُدَّ أنْ تعرف أولاً الغاية التي وُجِد من أجلها، بعد ذلك لا بُدَّ أنْ تكون لديك حكمة تحدد له المنهج الذي يوصله إلى هذه الغاية.
إذن: مَنْ يحدد الغاية من وجود الإنسان؟ قلنا: إن الصانع من البشر هو الذي يحدد الغاية من صنعته أولاً، وقبل أنْ يشرع فيها فهل مخترع التليفزيون مثلاً صنعه ثم قال لنا: انظروا في أي شيء يمكن أنْ يُستعمل هذا الجهاز؟ لا بل حدَّد الهدف وحدَّد الغاية أولاً، كذلك غايتك أيها الإنسان لا يحددها لك إلا مَنْ خلقك. فصيانة الصنعة يقوم بها الصانع، كذلك صيانة الخَلْق لا تكون إلا بمنهج الحق.
لذلك نقول: ما فسدت الدنيا إلا حين خرج الإنسان عن هذا الإطار، فحدَّد لنفسه الغاية، ووضع لنفسه منهج الحياة ونحَّى صانعه ومنهج صانعه جانباً، وقلنا: إن منهج الخالق للخَلْق مثل (الكتالوج) الذي به تُصَان الصنعة، وبه نصلح ما فيها من عطب، ويُشترط في واضح المنهج أن يكون من الدقة والحكمة بحيث لا يفوته شيء ولا يستدرك عليه، ولا نضطر إلى تعديل ما وضع، والخالق سبحانه هو الأعلم بعباده وصنعته، وهو الأعلم بما يصلحهم في الدنيا وفي الآخرة
أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
وإلا فلماذا يستدعينا الخالق سبحانه إلى خمس مرات في اليوم والليلة، ويجعل الصلوات فرضاً لازماً لا يسقط عن الإنسان بحال من الأحوال، لذلك شُرِعَتْ صلاة السفر وصلاة المريض، حتى أنه إذا اشتد عليه المرض صلَّى ولو بطرفة عينه أو بخاطر نفسه.
وسبق أنْ قلنا في هذه المسألة: إنك حين تريد مثلاً مقابلة رئيس أو مسئول كبير، فلا بُدَّ لك من موعد مسبق وموافقة وإجراءات، بل ويحدد لك ما تقوله، ثم هو الذي يُنهي المقابلة.. الخ أما لقاؤك مع ربك فلقاء المحب الذي يترك لحبيبه أنْ يحدد وقت المقابلة ومكانها وموضوعها، ويترك له أنْ ينهيها متى أحبَّ، وأنْ يبدأها متى شاء، فإنْ أردتَ لقاء ربك فما عليك إلا أنْ تستعد له وتكبِّر: الله أكبر، كلمة تجعلك مباشرة في حضرة ربك عز وجل.
وتصوَّر صنعة تُعرَض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيبقى فيها عطب أو فساد؟ لذلك "كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمر يُهْرَع إلى الصلاة، وكان يقول: "أرحنا بها يا بلال "" نعم أرحنا بها، لا أرحنا منها.
إذن: ذكر سبحانه في الختام السبحانية، ثم الربوبية التي تربيك وتُعدك للمهمة المرادة منك، هذه التربية تُربِّيك لماذا؟ تربيك للعزة رَبِّ الْعِزَّةِ والعزة أنْ تغلب ولا يغلبك أحدٌ أبداً، وقلنا -ولله تعالى المثل الأعلى- الولد الصغير حين يسير في الشارع وحده يتجرأ عليه الآخرون، ويتحرشون به ويضربونه، أما إنْ سار في صحبة والده وأخذه في يده لا يجرؤ أحد على التعرُّض له، كذلك أنت أيها المسلم كُنْ دائماً في حضن ربك، وفي يده، وفي معيته، وعندها لن يجرؤ أحد عليك.
إذن: العزة التي يتصف بها الحق سبحانه، ويفيض منها على عباده هي الغَلَبة التي لا تُقهر، والقدرة التي لا تحتاج إلى أحد، وهناك عزَّة أخرى هي العزة بالإثم، والتي قال الله عنها: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: ٢٠٦] فالعزة هنا كبر بلا رصيد ولا سند...
آية رقم ١٨١
ﰁﰂﰃ
ﰄ
وَسَلاَمٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ أي: جميعاً لأنهم وإنْ كلَّفونا في بعض الأحيان ما يشقُّ على النفس إلا أنهم أخذوا بأيدينا إلى بَرِّ الأمان والنجاة، فعليهم مِنّا السلام كلما ذكرناهم نصلي ونُسلِّم عليهم.
آية رقم ١٨٢
ﰅﰆﰇﰈ
ﰉ
وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الذي هدانا لاتباع المنهج بواسطة الرسل، وأعاننا على هذا الاتباع، والحمد لله على الجزاء الذي أعدَّه لنا من نعيمه وجناته في الآخرة، لذلك قال سبحانه: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠].
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
182 مقطع من التفسير