تفسير سورة سورة غافر

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

آية رقم ١
هذه السورة بداية (الحواميم) أي: السور المفتتحة بقوله تعالى (حم) نقول في الجمع (الحواميم) وهذا الجمع على غير القاعدة، فالأصح أن نقول (آل حم) و (حم) من الحروف المقطعة التي ترد في أوائل السور، وسبق أنْ تكلمنا عليها في أكثر من موضع، والحقيقة أننا نحوم حول معانيها مما يتيسر لنا فهمه واستنباطه منها، والجميع في النهاية يقول: الله أعلم بمراده لأن معانيها فوق الإحاطة.
قلنا: إن الحرف له اسم وله مُسمّى، نقول: ألف للحرف (أ) وباء للحرف (ب) هذا اسم الحرف، أما المسمَّى لو قلت مثلاً (كتب) أنا لا أنطقها كاف تاء باء، فهذه أسماء الحروف إنما أنطقها كتب وهذا هو المسمى: مُسمّى الكاف كَ، ومسمّى التاء تَ، ومسمّى الباء بَ، إذن: نحن في كلامنا ننطق بمسمّى الحروف.
لكن في (حم) ننطق باسم الحرف فنقول: ح م ولو نطقنا المسمّى لَقُلْنا حمَّ. ومن هنا تأتي أهمية السماع في قراءة القرآن، فبالسماع تُقرأ في أول البقرة (الم) هكذا ألف لام ميم، في حين تُقرأ نفس الحروف في سورة الشرح أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] ولولا السماع ما كُنا نعرف هذا النطق.
بعض العلماء أخذوا يحومون حول معاني هذه الحروف في أوائل السور فقالوا: القرآن معجز لأمة العرب ولما نبغ العرب في البيان والفصاحة جاءتْ المعجزة من جنس ما نبغوا فيه ليكون الإعجاز في محله، وإلا فليس هناك أمة من الأمم جعلتْ للكلمة أسواقاً ومعارض كما فعل العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز وغيرها. وكان تحدِّي القرآن لهم عين الشهادة بتفوقهم في هذا الميدان، وأنهم حجة فيه.
لكن من أين يأتي إعجاز القرآن؟ وبِمَ تميز من كلام العرب والحروف هي الحروف والكلمات هي الكلمات؟
قالوا: حروف اللغة منها حروف مَبْني أي: تُبنى الكلمة وهذه الحروف ليس لها معنى في ذاتها، وحروف معنى وهي حروف لها معنى وحدها، فمثلاً الكاف حرف مبني لأنه يدخل في بناء كلمة كتب، ولو أخذ الكاف من كتب ما كان لها معنى وحدها، أما الكاف في الجندي كالأسد فهي حرف معنى أفاد وحده معنى التشبيه، ولم يدخل في بناء كلمة الأسد، كذلك الباء حرف مبني في كتب وحرف معنى في (بالله) لأنه أفاد معنى القسم.
ومن هذه الحروف تتكوَّن الكلمات، ومن الكلمات تتكوَّن الجمل والعبارات، والعبارات تكوِّن الأسلوب والأداء المتميز الجذاب الذي يستميل الأذن ويؤثر في النفس، ومن هنا تأتي بلاغة الكلام وفصاحته حين يكون موافقاً لقواعد اللغة، فإذا كانت الحروف العربية والكلمات هي هي في القرآن، فبمَ تميَّز عن كلام العرب؟ قالوا: تميَّز بنسيجه الخاص، وأن الذي تكلم به هو الله سبحانه.
وسبق أن قلنا: إننا إذا أردنا أن نختبر جماعة من النساجين في جودة النسيج ورقته لا يصح أنْ نعطي أحدهم خيوط الصوف والآخر القطن والآخر الحرير، لأن المادة الخام مختلفة فلا نستطيع تمييز الأجود، بل لابد أن تكون المادة واحدة ليتم التمييز.
فمعنى حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ [غافر: ١-٢] أو حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] أو الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ.. [البقرة: ١-٢] أي: من هذه الحروف تكوَّن القرآن وأعطى سر الإعجاز والتحدي، لأن الله تعالى هو الذي نطق به وبلَّغه رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو رسول أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة.
لذلك نطق بالقرآن كما أوحى إليه لم يُغيِّر فيه حرفاً واحداً؛ لذلك كانت الأمية عيباً وقُبْحاً إلا في رسول الله كانت شرفاً وميزة، وكأنه يقول بأميته: أنا لم أتعلم من أحد شيئاً، وكل ثقافتي من ربي.
كذلك كانت الأمة كلها أمة أمية مُتبدِّية لا تعرف الحضارة ولا يحكمها قانون عام، ولو كانت أمةُ العرب حينها أمةً متحضرة لقالوا عن الإسلام أنه وَثْبة حضارية، لكن جاء الإسلام في جزيرة العرب وهم أمة بدوية ليس لها قانون ولا دستور حكمها إلا قانون القبيلة وعصبيتها، الحاكم فيها شيخ القبيلة، بيوتهم على ظهر جمالهم أنَّى وجدوا الكلأ نزلوا وضربوا خيامهم، وأنَّى وجدوا الماء حلوا بجواره، فهم غير مرتبطين بوطن ولا مكان.
ناهيك عَمَّا كان بينهم من صراع قبلي وحروب تنشب على أيسر الأسباب، وتعرفون مثلاً حرب داحس والغبراء التي استمرت بينهم أربعين سنة؛ لذلك لما أراد رسول الله أن يكون للدولة الوليدة جيش ما فتح مدرسة لتعليم فنون القتال والحرب لأنه في أمة تجيد هذه الفنون إجادةً تامة، والعربي بطبعه مستعدّ للحرب كلما سمع هَيْعة طار إليها.
إذن: فكيف لمثل هذه الأمة أن تقود العالم كله أن تفتح بلاد الدنيا، وهي بهذا الوصف؟
فكأن الله تعالى أراد أنْ يعدهم للسياحة في الأرض بهدي الله لخلق الله فلم يرتبطوا بشيء، ثم بعث فيهم رسولَ الله فجعل من العبيد سادة، ومن رعاة الشاة قادة ومنارات للأمم كلها. إذن: كانت الأمة العربية مُعدَّة لساناً وأمية وبدوية لأنْ تقودَ العالم المتحضر ليعرف الجميع أن ما جاء به محمد ليس من عند البشر، إنما من عند الله.
نعود إلى مسألة الحروف المقطعة، فنقول: قد تأتي هذه الحروف على حرف واحد مثل (ق، ص) وعلى حرفين مثل (طس، حم) وعلى ثلاثة أحرف مثل (طسم، الم) وعلى أربعة أحرف مثل: (المص، المر) وعلى خمسة أحرف مثل: (كهيعص) إذن: ليس لها نسق واحد.
وحين نتأمل مجموع هذه الحروف نجده أربعة عشر حرفاً يعني نصف حروف الهجاء الثمانية والعشرين، وكونه يأتي بالنصف بالذات يعني أنها مسألة مقصودة لم تأتِ هكذا كما اتفق، ودليل هذه الحروف الأربعة عشر تصرفتْ تصرفاً يوحي بأن لها ملحظاً وحكمة ولم تأتِ اعتباطاً، فهذه الحروف الثمانية والعشرون منها تسعة حروف من أول ألف باء إلى حرف الذال لم يأخذ منها في الحروف المقطعة إلا حرفين هما الألف والحاء وترك الباقين. وهي سبعة أحرف.
ثم تأمل التسعة الأحرف الأخيرة تجد أن الحق سبحانه أخذ منها سبعة أحرف وترك حرفين على عكس الأولى فأخذ منها: القاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والياء وترك الفاء والواو. هذه ثمانية عشر حرفاً، يبقى العشرة الأحرف في الوسط، وتبدأ من الراء إلى الغين.
ونلحظ في هذه الأحرف أنه أخذ الحروف غير المنقوطة وترك الحروف المنقوطة، أخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين.
إذن: هذا النظام في الحروف المقطَّعة دلَّ على أنها ليست على نسق واحد، وأن لها حكمة مقصودة ولم تأتِ هكذا اعتباطاً، وعلينا نحن أن نستنبط هذه الحِكَم ونفهم هذه الدلالات كلّ حسب ما تيسّر له، وما زلنا (نفتش) في هذه الحروف لعلنا نصل.
لكن كونك تبحث عن الحكمة فهذا اجتهاد محمود، ولك أنْ تريح عقلك وتأخذها من الله كما هي كما تأخذ المفتاح مثلاً ممن صنع الطبلة، فلا يعنيك أن يكون بسنَّة واحدة أو اثنتين أو ثلاثة أو أربعة، المهم أن يفتح لك، ويكون سرّ المفتاح مع مَنْ صنعه.
لكن للعقل أنْ يأنس بأشياء، كيف؟
قالوا: الحق سبحانه وتعالى يريد في دينه ثلاثة أمور: عقائد، وأحكام، ومادة تؤدي هذه العقائد والأحكام وهي كلامه في القرآن، وكلٌّ من هذه الثلاثة فيه غيب وفيه مشهد.
فالعقائد وأولها الإيمان بالله وهو غَيْب لكن يمكنك الوصول إليه والاستدلال عليه بالمشاهد من مخلوقاته وعظيم صنعته وهندسته في الكون المرئي، لأن هذا الكون البديع لم يدَّع أحدٌ خَلْقه ولم ينسبه لنفسه. إذن: هو لله وحده، إذن نصدق هذا الغيب بالمشاهد، أما الغيب الذي ليس له مشهد كالصفات التي للحق سبحانه فنأخذها مما نسمع من كلامه سبحانه.
كذلك الفرائض والأحكام فيها مشهد وفيها غيب، فالصلاة والزكاة والحج والصيام كلها مشهد، وفيها غيب لا نعرف حكمته حتى الآن، فالصلاة فيها استطراق عبودية، والصيام فيه استدامة التكليف، والزكاة لاستطراق المال في المجتمع، والحج لإعلان الولاء للبيت الذي هو بيت الله، هذه أمور تستطيع أنْ تعرفها بالعقل، لكن ما الحكمة مثلاً من جَعْل الصبح ركعتين والظهر أربعاً والعصر أربعاً والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، هذه لا نعرفها.
إذن: مع كل غيب مشهد، ومع كل مشهد غيب، كذلك كلام الله تعالى فيه غيب وفيه مشهد، أما المشهد فهو الكلام الذي نعرفه ونقرؤه ونسمعه ونكتبه ونعرف معناه وتفسيره، وفيه غيب كما في (الم، ن، ق، ص).
فكل غَيْب محروسٌ بمشهد يساعدنا على الإيمان بالغيب؛ لأن المسائل كلها لو كانت مشهداً ما كان للإيمان مجال، فنحن الآن أنا وأنتم نجلس مجلسَ علم في مسجد الشيخ سليمان، فهل هذا المشهد لنا محل إيمان، لا بل مشهد. أما الإيمان فمحلّه الغيب، لذلك قال تعالى: ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ.. [البقرة: ٣].
لكن هذا الغيب لابدَّ أنْ تكون له شواهد من المشاهدة ومقدمة تؤدي إليه، أرأيتَ مثلاً لرحلة الإسراء والمعراج؟ هذا غيب لم يَرَهُ أحد غير سيدنا رسول الله، رحلة الإسراء كانت رحلة أرضية، ورحلة المعراج كانت رحلة سماوية، الناس شاهدتْ ما على الأرض من معالم لكن لم تشاهد ما في السماء.
لذلك لما أراد سيدنا رسول الله أن يقدم لهم دليلاً على صدقه وصف لهم معالم رآها على الأرض فوصف لهم بيت المقدس، والقبيلة التي رآها مسافرة ومتى ستصل، وأن بها جملاً صفته كذا وكذا، فهذه رحلة أرضية من الممكن أنْ يُقام عليها دليل.
وبصدقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر من مشاهدات أرضية صارتْ هذه الرحلة مشهداً ووسيلة لتصديق المشهديات المخالفة للقوانين، فإنْ أخبر أنه صعد إلى السماء فصدِّقوه وخذوا من صدقه في المشَاهَد دليلاً على صدقه فيما غاب؛ لأن كلَّ غيب كما قلنا محروس بمشهد.

ثم يقول سبحانه:

تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ... .
آية رقم ٢
مادة نزل وردتْ في القرآن بصيغ عدة: أنزلنا، نزَّلنا، تنزيل، نزل. وكلها تعطي معنى العلو للذي نُزِّل، وصفة العلو تدل على أن المنزَّل ليس من صُنْع البشر، وتدل على عظمة المنزَّل ومنزلته، حتى إنْ كان من جهة الأرض لا من جهة السماء، كما قال تعالى في الحديد: وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ.. [الحديد: ٢٥].
ومعلوم أن الحديد يُستخرج من الأرض لا ينزل من السماء، فالمعنى: أنزلناه على أنه هبة العالي للأدنى، ولا بدَّ أن يكون الأعلى أعظم من الأدنى. ونقول ذلك حتى في الأحكام والقوانين حين نريد أنْ نشرع ونُقنِّن القوانين.
لا تتركوا قوانين الأعلى وتأخذوا بقوانين الأدنى، لأن المقنِّن الأعلى سبحانه غير المقنِّن من البشر، فمهما بلغ من العلم والحكمة فلن يخلو من هوى ولن يتنزَّه عن غرض، فإنْ كان من الأغنياء يُقنِّن للرأسمالية، وإنْ كان فقيراً قنَّن للشيوعية.
لذلك يُشترط فيمن يُقنِّن ألاَّ يكون له هوىً، وألاَّ يكون منتفعاً بما يقنن، وأنْ يكون محيطاً بالأمور كلها بحيث لا يستدرك عليه ولا ينسى جزئية من جزئيات الموضوع، وهذه الشروط كلها لا تتوفر إلا في الحق سبحانه، لذلك لا يجوز لنا أن نترك قانون الله وشرعه ونتحاكم إلى قانون البشر...
وكلمة (الكِتَابِ) أي: القرآن، سماه الله كتاباً لأنه مكتوب، وقرآناً لأنه مقروء، أو هو كتاب إيذاناً بأنْ يكتب، وهو قرآن إيذاناً بأنْ يُقرأ، والقراءة إما من السطور وإما من الصدور الحافظة، وسمَّاه وحياً لأنه أُوحِي به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ [النجم: ٤] إذن: لكل تسمية ملحظ.
ولما أرادوا جمع القرآن اشترطوا أن تتوافق فيه الصدور والسطور، فما كتبوا آية واحدة إلا إذا وجدوها مكتوبة في الرقاع وشهد شاهدان بصحتها، ورحم الله سيدنا الشيخ محمد عبد الله دراز الذي قرن بين هذه المسألة وقوله تعالى: أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَىٰ.. [البقرة: ٢٨٢].
ثم يقول سبحانه: مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر: ٢] فهذا الكتاب مُنزَّل من عند الله المتصف بصفات الكمال المطلق، وله سبحانه طلاقة قدرة وطلاقة حكمة وطلاقة رحمة وطلاقة رحمانية، وما دام الكتاب جاء ممَّنْ هذه صفاته فلا يمكن أنْ يستدرك عليه، وما دام لا يستدرك عليه فصدِّقوا الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلٰمَ دِيناً.. [المائدة: ٣].
لذلك نعجب من الذين ينادون الآن بعصرنة الإسلام، ونقول لهم: بدل أن تُعصرنوا الإسلام دَيِّنوا العصر.
وصفة (العَزِيزِ) أي: الغالب الذي لا يُغلب، وما دام أن هذا الكتاب نزَّله عزيز لا يُغلب، فلا بدَّ لهذا الكتاب أنْ يعلو وأنْ يُنشر وأنْ يسمعه الناس لا يغلبه أحد، لأن مُنزله عزيز، ولأن الله تعالى ما كان ليبعث به رسولاً ويتركه أو يخذله، فمهما عاندوا ومهما تكبروا وجحدوا سيغلب هذا القرآن، ولن يُغلبَ أبداً في أيِّ مجال من المجالات.
يريد الحق سبحانه ألاَّ ينفصل خَلْقه عنه مهما كثرتْ ذنوبهم وغلبتهم شهواتهم، يريد سبحانه أنْ يعطفهم إليه ويجمعهم في ساحته، لذلك فتح لهم باب التوبة والمغفرة وبسط لهم يَدَ العفو والتسامح، ثم لوَّح لهم بعصا العقاب حتى لا يغتروا، وهذا المنهج يعود نفعه على الكون كله وعلى الفرد خاصة؛ لأن صاحب الذنب لو علم ذنبه لن يُغفر لتمادى فيه وأكثر وعربد في الكون وأفسد، وساعتها سيشقى به المجتمع، وخاصة أهل الإيمان.
لذلك كانت هذه الآية من أرْجَى الآيات في القرآن الكريم كما قال سبحانه في أواخر سورة الزمر: قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣].
وقلنا: إن هذه الآية وأمثالها لا تتعارض وقوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ٤٨] لأن الكفر ليس ذنباً، لأن الذنب أنْ تخالف أمراً مأموراً به أو منهياً عنه من المشرِّع الأعلى سبحانه، أما الشرك بالله فهو خروج عن الإيمان أصلاً فلا يُقال له مذنب.
والحق سبحانه كثيراً ما يذكر عباده بمغفرته وقبوله للتوبة حتى لا ييأس أحدٌ من رحمته تعالى، فقوله تعالى: قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ.. [الزمر: ٥٣] لم يقلها الحق سبحانه إلا وهناك مَنْ أسرف على نفسه ويَئِس من رحمة ربه، لأنه بالغ في الذنوب حتى ظن أنها لن تُغفر.
من هؤلاء وحشيّ قاتل سيدنا حمزة، لأنه بعد أن قتله أحسَّ بذنبه وعِظَم جُرْمه، وأيقن أنه هالك لن يغفر الله له، لذلك البعض يقول إنه ذهب لرسول الله يسأله في هذه المسألة وكذا وكذا، لكن الواقع أنه كان في مكة والآية نزلت في المدينة لكن نُقلت إليه فلما سمعها آمن وأسلم.
ويُروى أن وحشياً قابل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: ما كنتُ أود أنْ أراك لولا أنك جئت مستجيراً وربي يقول: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ.. [التوبة: ٦].
فقال: وأنا مستجير بك حتى أسمع كلام الله، فقرأ عليه رسول الله: قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣].
فقال: لكن الله يقول: إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً.. [الفرقان: ٧٠] وأنا لا أضمن أني أعمل عملاً صالحاً، فقرأ عليه رسول الله هذه الآية: غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ.. [غافر: ٣].
ومن هؤلاء الذين أصابهم اليأس من رحمة الله عياش بن أبي ربيعة، فيُروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه لما أراد أن يهاجر اتفق مع عياش وهشام بن العاص بن وائل السهمي على أن يهاجروا معاً وأن يجتمعوا عند بئر غفار، فإذا حُبِس واحد منهم انتظروه، فلما جاء الموعد لم يأتِ عياش حيث حبسه أهله عن الهجرة ثم فتنوه ففُتن ولم يهاجر مع صاحبيه، فحصل له يأس من رحمة الله.
فلما نزلت هذه الآية: قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ [الزمر: ٥٣] تذكر عمر صاحبه عياشاً الذي فُتن وتذكر أنه التقى معه على الإيمان في يوم ما، وأنه كان ينوي الهجرة إلا أن أهله فتنوه فرقَّ له قلبه وبعث إليه بهذه الآية ليطمئن ويعود إلى الإيمان.
قوله تعالى: غَافِرِ ٱلذَّنبِ [غافر: ٣] أي: الذي سلف وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ [غافر: ٣] أي: عن المعصية التي استقبلها شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ [غافر: ٣] لحكمة يقرن الحق سبحانه بين المغفرة والعقاب حتى لا يتواكل الناس وحتى لا يغتروا برحمة الله، فالدين يقوم على الخوف والرجاء، وهما كالجناحين للطائر لابدَّ منهما معاً ذِي ٱلطَّوْلِ [غافر: ٣] كما تقول يعني (إيده طايلة) يفعل ما يشاء، فالله ذو الطوْل أي صاحب الفضل والإنعام يعطي ويتفضَّل بما يشاء على مَنْ يشاء إلا يردّ عطاءه أحدٌ، لذلك ورد في الدعاء: "لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت".
فإذا قال الحق سبحانه: تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ [غافر: ٢] فهمنا من كلمة تنزيل عُلو المنزل والواسطة المنزل إليه والمنزل إليهم ليكون منهجاً لحركة حياتهم، وهذا العلو إنما نشأ لأن المنزل كتابٌ من الله واجب الوجود الذي له الكمال المطلق في قولنا لا إله إلا الله والله أكبر من كل شيء التي فسرناها في قوله تعالى لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الزمر: ٦٣].
فلا إله إلا الله مقلاد، والله أكبر مقلاد، وسبحان الله مقلاد، وبحمده مقلاد، ونستغفر الله مقلاد، ولا حول ولا قوة إلا بالله مقلاد، وهو الأول مقلاد، وهو الآخر مقلاد، وهو الظاهر مقلاد، وهو الباطن مقلاد، بيده الخير مقلاد، وهو على كل شيء قدير مقلاد. ولن تجد شيئاً في كَوْن الله يخرج عن هذه المقاليد أبداً، وكل شيء فيها إنما هو بيد الله، كما قال سبحانه: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩].
وبعد ذلك تكلم الحق سبحانه، فقال ٱلْعَزِيزِ [غافر: ٢] أي: عن خَلْقه. والعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، وهذه إشارة إلى أنه إذا أنزل اللهُ كتاباً على رسول فلن يوجد مَنْ يقف أمام هذا الكتاب لأنه غالبٌ لا يُغلب، وقوله ٱلْعَلِيمِ [غافر: ٢] أي: يضع الأشياء في أماكنها بما يعلم أنها تؤدي مهمتها بصلاحها.
وبعد ذلك طمأن خَلْقه الذين أسرفوا على أنفسهم في بعض الأشياء، فذكر التخلية في غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ [غافر: ٣] ولكنه سبحانه مع غفرانه للذنب وقبوله للتوب شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ [غافر: ٣] فجمع في هذه الآية صفات جلاله كلها وصفات جماله كلها.
ونفهم من (لا إله إلا هو) أنه لا استدراك لأحد على شيء من قوله إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ [غافر: ٣] فلا مرجع ولا مردَّ إلا إليه.
ثم يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:
مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... .
الرسول صلى الله عليه وسلم جاء رسولاً من عند الله بما يُخرج الجاهلية إلى مقام العلم عن الله، وبذلك تتطهر حركة حياتهم من كل ما يعطي في الكون ذبذبة أو كلّ ما يعطي في الكون تعانداً حتى يصير الكون كله متسانداً متعاضداً، بحيث لا يبني واحد ويهدم الآخر، فيقول سبحانه: مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ [غافر: ٤].
الجدل: إبرام الشيء إبراماً حقيقياً بحيث يستحيل أنْ ينقض، وهذه المسألة مثل عملية فَتْل الحبال عندنا في الفلاحين، حيث يأخذ الرجل شعيرات التيل المعروف ويظل يبرم فيها، إلى أنْ تتداخل الشعيرات وتتماسك وتتداخل، لذلك نرى الحبل قوياً متيناً.
وسُمِّي المراءُ بين الناس جدلاً، لأن كل واحد من الطرفين يريد أن يُحكِّم منطقه وحجته ليغلب الآخر، فكلٌّ منهم يجادل لحساب نفسه، صاحب الحق يجادل لإظهار حقه، وصاحب الباطل يجادل ليُحِقَّ باطله. أي: يُظهره في صورة الحق.
لكن هل الجدل مذموم في ذاته؟ لا، لأن الجدل بحسب الغاية منه؛ لذلك يقول تعالى: وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: ٤٦] فدلَّ ذلك على أن في الجدل ما هو حسن وأحسن، والجدل الحسن هو الذي يسعى لإيجاد الحجة على أن الحق حق والباطل باطل، فإنْ كان العكس فهو جدل باطل مذموم.
لذلك نفهم من قوله تعالى: مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ [غافر: ٤] أن هذا هو الجدل الباطل لأن الجدل يكون عنها لا فيها، يجادل عنها أي: يدافع عنها ليثبت صدقها ويُظهر الحق الذي جاءتْ به، أما يجادل في الآيات. أي: يحاول التشكيك فيها وتكذيبها.
وقلنا: إن آيات الله على ثلاثة أنواع، وهذه هي التي يحدث فيها الجدل: الآيات الكونية التي تشهد بوجود الخالق الأعلى سبحانه، والآيات البينات المعجزة التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن ربه، والآيات القرآنية التي تحمل الأحكام...
لكن أيّ هذه الآيات الثلاث يجادل فيها الكافرون؟ بالطبع هم لا يجادلون في الآيات الكونية ولا يتعرضون لها، لأنهم أولاً ينتفعون بها ويروْنَ فيها نظاماً دقيقاً محكماً لا يشذّ ولا يتخلف، فلا مجالَ إذن للجدل فيها. إنما يجادلون في الآيات الأخرى في آية المعجزة، وفي آيات الكتاب حاملةً الأحكام فيُشككون فيها...
وقوله: إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ.. أي: ستروا واجب الوجود الأعلى الذي خلقهم وخلق الكون كله من حولهم، بدليل إقرارهم هم بذلك في الآيات الكونية: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.. [لقمان: ٢٥] فهم وإنْ كانوا يؤمنون بهذه الآيات الكونية إلا أنهم كفروا بخالقها سبحانه، وستروا الواجب الأعلى الذي ينظم حركة الحياة لخَلْقه جميعاً بحيث تتساند حركة الحياة ولا تتعاند لتظل عمارة الكون التي أرادها الخالق سبحانه.
وسبق أنْ أوضحنا أن كلمة كفروا في ذاتها دليل الإيمان، لأن الكفر يعني الستر والستر يقتضي مستوراً، فالمستور إذن وُجِد أولاً قبل الساتر، وما دام ستروا بالكفر وجودَ الله، فالأصل أنه موجود.
وقوله: فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ أي: لا يخدعنَّك أن لهم في البلاد سيادة وتمكيناً وعلواً ومهابة، بحيث لا يستطيع أحد أن يتعرَّض لهم في تقلّبهم من مكان لمكان، وفي أسفارهم في رحلة الشتاء والصيف.
ولو أنهم عرفوا حقيقة هذه المكانة، ومَنْ الذي بوّأهم هذه المنزلة ما وقفوا منك يا محمد هذا الموقف، لقد أخذوا هذه المهابة ونالوا هذه المنزلة لجوارهم لبيت الله، والله هو الذي أرسلك إليهم، فكان عليهم أنْ يؤمنوا بك وأنْ يُصدقوك.
وكلمة (تَقَلّبهم) تدل على حركتهم وانتقالهم من مكان لآخر، وتدل على قوة الأبدان؛ لذلك كانت كل قبائل العرب تهابهم، جاءت هذه المنزلة لقريش من موسم الحج، حيث تأتي إليهم كل القبائل من جزيرة العرب فتكون في حماية قريش في الموسم، ومن هنا أمنوا في تنقلاتهم وكان عليهم أنْ يراعوا هذه النعمة، لكنهم جحدوا بها فصدق: عليهم قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم: ٢٨]... فقوله تعالى: فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ لأن الله تعالى لم يهملهم إنما فقط يمهلهم.
فإنْ قلتَ: فما حكمة الإمهال؟ يعني: ما دام أن الله تعالى لم يهملهم، فلماذا لم يأخذهم من البداية؟
قالوا: لأن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وجعل دينه خاتم الأديان ومهيمناً على الزمان والمكان، فلا نبيَّ بعده وللرسول مدة ينتهي فيها دوره في الحياة، وينتقل إلى الرفيق الأعلى، ثم يحمل رسالته من بعده جنود الحق الذين محَّصتهم الشدائد.
لذلك قلنا: إن صناديد الكفر الذين عذّبوا المسلمين الأوائل واضطهدوهم كانوا فيما بعد من جنود الإسلام، لماذا؟ لأن هذا الاضطهاد وهذا التعذيب هو الذي محَّص المسلمين وأبعد ضعاف الهمة وضعاف الإيمان الذين فتنهم التعذيب، وأرهبهم الاضطهاد حتى لم يَبْقَ في ساحة الإيمان إلاَّ الأقوياء الجديرون بحمل هذه الرسالة وتحمُّل تبعاتها، لأنها رسالة خالدة باقية في الزمان والمكان كله.
فالحق سبحانه ما أهمل الكفار إنما أمهلهم لمهمة، هي أنهم سيساهمون في تربية هذا الجيل الذي سيحمل دعوة الله: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ.. [الأحزاب: ٣٩].
هؤلاء هم الجيل المحمدي الذي حمل راية الإسلام، وساح بها في كل الأنحاء لا ينتظر على ذلك أجراً مُقدماً إنما ينتظر الأجر من الله في الآخرة.
وهذا هو الفرق بين دعوة الحق ودعوة الباطل، فأهل الحق لا ينتظرون أجراً مقدماً، أما أهل الباطل فيأخذون أجرهم قبل البدء في العمل، لذلك كل رسل الله قالوا هذه الكلمة: وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٠٩].
نعم أجرهم على الله لأنه غالٍ لا يقدر عليه إلا الله، فلا أحد يستطيع أنْ يجازي الرسولَ على رسالته في هداية قومه ولو أعطاه مال الدنيا كلها.
والتقلُّب في البلاد أي: التنقُّل من مكان لمكان فيها لا يتم إلا بعدة أشياء أهمها: سلامة الأبدان لتحمُّل مشقة السفر، ثم الأمن من خوف الطريق، ثم وجود كفايات له في المنازل التي ينزل فيها في طريقه...
المعنى: أنهم ليسوا بدعاً في الوجود، كما أنك لستَ بدعاً في الرسل، فقد سبقك إخوانك من الرسل فكُذّبوا كما كذَّبك قومك، لكن ماذا كانت نتيجة التكذيب؟ أبعث الله رسولاً وتركه وأسلمه؟ كلا والله بل سُنة الله في رسله أنْ ينصرهم وأنْ يخذل أعداء دعوته، قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
وهذا ليس كلاماً نظرياً نُسليك به يا محمد، إنما له واقع وله نظائر تؤيده في موكب الرسالات، كما قال سبحانه عن المكذِّبين: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً.. [العنكبوت: ٤٠] أي: ريحاً ترميهم بالحجارة المحمية وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ.. [العنكبوت: ٤٠] وهم قوم ثمود وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ.. [العنكبوت: ٤٠] كما خُسف بقارون وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠] كما فعل بقوم نوح وبقوم فرعون.
فسُنة الله في الرسالات أنْ ينصر رسله وأنْ يهزم عدوه، لذلك قلنا: إذا رأيتَ الأمة الإسلامية تنهزم في معركة، فاعلم أنه اختل فيها شرط الجندية لله، ولو بقيتْ على شرط الله في الجندية ما انهزمتْ أبداً.
فقوله تعالى: كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ.. [غافر: ٥] أي: قبل قومك الذين كذبوك (قوم نوح) وهذه تسلية لرسول الله وتخفيف عنه، فليس التكذيب للرسالات شيئاً جديداً، واختار قوم نوح بالذات لأن رسالة نوح عليه السلام كانت أطولَ رسالة، حيث لبث في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، كل هذا العمر الطويل وهم يجادلون رسول الله نوحاً ويكذبونه ويعاندونه، لذلك يئس من صلاحهم ودعا عليهم: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٦-٢٧].
أما القلة التي آمنتْ معه فقد دعا لهم حيث بدأ بنفسه: رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ.. [نوح: ٢٨] ثم وَلِوَالِدَيَّ.. [نوح: ٢٨] لأنهما سببُ وجودي وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً.. [نوح: ٢٨] وهم ما لهم صلة به، ثم لعامة المؤمنين والمؤمنات وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ.. [نوح: ٢٨].
إذن: ذكر تكذيب قوم نوح بالذات لأنه العمدة في هذه المسألة وهو الأوضح والأعنف، ولا تخفى عليكم المواقف التي تعرَّض لها نوح عليه السلام من تكذيب قومه وإيذائهم له واستهزائهم به، وهو يصنع السفينة.
وقوله: وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ.. [غافر: ٥] المراد عاد قوم هود عليه السلام وثمود قوم صالح عليه السلام، وهذا ليس كلاماً نظرياً بل هو واقع يرَوْنَهُ ويمرون بهذه الديار الخربة: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨].
إنهم يمرون في أسفارهم بالأحقاف وبمدائن صالح، وعندنا في مصر آثار الفراعنة كلها تشهد بصدق الله في هذا البلاغ، وها هي أكثر دول العالم تقدماً الآن وحضارة تقف عاجزة أمام حضارة الفراعنة، وكيف أنهم وصلوا إلى هذه الدرجة من التقدم منذ أكثر من سبعة آلاف عام، ومع ذلك فاتتهم هذه الحضارة لأنهم لم يصلوا إلى الحد الذي يصونها لهم.
واقرأ إن شئت قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ [الفجر: ٦-١٤].
يعني: القضية لم تنته عند عاد وثمود وقوم فرعون، بل هي عامة في كل مكذِّب إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤].
والأحزاب: هم الذين يتحزَّبون ويجتمعون على مبدأ واحد، والمراد هنا الذين يتحزَّبون ضد الدعوة وضد الهداية ويُسمونهم لذلك حزب الشيطان ويقابله حزب الله، وهم الذين يؤيدون الرسل وينصرون دعوة الحق.
وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ.. [غافر: ٥] أي: ليقتلوه، وهذه المسألة جاءت مُفصَّلة في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ.. [الأنفال: ٣٠] أي: يحبسوك أو يقيدوك فلا تتحرك هنا وهناك أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
والكلام هنا أنهم هَمُّوا بذلك لكن لم يفعلوه ولم يقدروا عليه، فكلمة (هموا) تعني تَوجُّهٌ وهَمٌّ مراد لم يحدث على الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى في الطائفتين في غزوة أحد: إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ.. [آل عمران: ١٢٢] لكن لم يحدث الفشل، فالهَمُّ شغْلٌ القلب بفعل الشيء، لكن لا يحدث الفعل. لذلك قال سبحانه: وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ.. [التوبة: ٧٤].
إلا الهم الذي كان من سيدنا يوسف عليه السلام، لأن المسألة هنا تتعلق بعصمة نبي كما قال تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا.. [يوسف: ٢٤] البعض يُحمِّل هذه الآية معاني لا تليق بعصمة نبي الله يوسف، يقول: كيف يَهِمّ بها وهو نبي؟
قلنا: الهم تعلُّق الخاطر بالفعل أو تعلّق استجابة الجارحة للفعل، لكن ينفعل أو لا ينفعل هذا هو المهم، والآية فيها هَمَّان وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ.. [يوسف: ٢٤] ثم سكوت، ثم وَهَمَّ بِهَا.. [يوسف: ٢٤] لاحظ أن هَمَّها هي لم تَنَلْ منه شيئاً لذلك قالت: وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢].
هذا دليل على أن همّها هي لم يأتِ بنتيجة، فكيف لا يأتي الهَمّ معها بشيء مع عصيانها، ثم يأتي الهَمّ بشيء مع يوسف؟ إذن: همتْ به ولم يحدث شيء وهي المريدة، كذلك وهَمَّ بها ولم يحدث شيء لأنه لا يريد.
وتأمل هنا دقة الأداء القرآني في استخدام نون التوكيد الثقيلة في لَيُسْجَنَنَّ.. [يوسف: ٣٢] ونون التوكيد الخفيفة في وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢] لأن السجن أمر في يدها وبأمرها يُسجن يوسف، فاستخدم نون التوكيد الثقيلة الدالة على التمكُّن من الفعل، أما أنْ يكون من الصاغرين فهذا أمر ليس بيدها فلربما سجنته وعطف عليه الحراس وأكرموه، فاستخدم هنا نون التوكيد الخفيفة لهدم تمكُّنها من هذا الفعل.
والجواب الذي نحسم به مسألة الهم في هذه القصة ونوضح به براءة سيدنا يوسف مما يقوله عنه المفترون نقول: ولقد همت به، نعم أأدتْ هذا الهم أم لم تُؤده؟ لِم تُؤدِّه بدليل قولها وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ.. [يوسف: ٣٢] وَهَمَّ بِهَا.. [يوسف: ٢٤] نعم هَمَّ ولم يفعل بنفس الدليل السابق، فلماذا تحرصون على إلصاق التهمة بنبي الله وهمّه كهمّها لم يأتِ بشيء.
ثم إن الهَمَّ منه هنا أمر طبيعي لأنه استعداد الطبيعة للوقوع في هذا الفعل، يعني: هو أمر ممكن بالنسبة له عليه السلام، فطبيعته صالحة لأنْ يفعل وإلا لقُلْنا إنه حَصُور ليس له في هذا الأمر، لا بل هو صالح له قادر عليه، فما الذي منعه إذن؟ نقول: منعه لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ.. [يوسف: ٢٤].
أي: في أن هذا حرام. كما تقول: أزورك لولا أن فلاناً عندك، فالمعنى أنني لم أَزُرْكَ، إذن: وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ.. [يوسف: ٢٤] يعني: هَمَّ ولم يفعل فالحكم هنا براءة ليوسف عليه السلام حتى من الهَمِّ.
نعود إلى قوله تعالى: وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ.. [غافر: ٥] حدث ذلك لكنهم لم يفعلوا ولم يأخذوه وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ.. [غافر: ٥] أي: يزيلوا ويهزموا الحقَّ بالباطل، فماذا كانت النتيجة؟ فَأَخَذْتُهُمْ.. [غافر: ٥] أي: أهلكتُهم بالفعل لا بالهَمِّ كما فعلوا هم، وهذا ما يليق بالقدرة العليا فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر: ٥] يعني: هل عرفنا؟ هل قدرنا على عقابهم؟
وهذه مثل قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٢٩-٣٦].
يعني: هل قدرنا أنْ نجازيهم على أفعالهم وإجرامهم؟ وكأن الحق سبحانه يريد أن ينبه أهل الإيمان، وأن يطمئنهم إلى عدله سبحانه، فلن يفلت هؤلاء من العقاب، ولا شكّ أن عقاب أهل الإجرام وأهل الكفر يريح أهل الإيمان.
وتأمل هنا أيضاً دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ.. [غافر: ٥] ولم يقُلْ برسولها قياساً على أن الأمة مفرد مؤنث، إنما قال بِرَسُولِهِمْ.. [غافر: ٥] فأضاف الرسول إلى جمع المذكر، ذلك لأن المواجهة بين الإسلام والكفر كانت بالرجال ولم تكُنْ المرأة طرفاً في هذه المواجهات بدليل أنهم لما بيَّتوا لرسول الله ليلة الهجرة كانوا جميعاً من الرجال ولم يكُنْ بينهم امرأة واحدة، كذلك الحال في وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ.. [غافر: ٥] فهذه أمور لا دخْلَ للمرأة فيها.
(حَقَّتْ) أي: وجبتْ وثبتت ولم يأت واقع لينقضها، لماذا؟ لأن الذي قالها يعلم ما يكون بعدها، وخاصة إذا كان الذين يعملون لهم اختيار في أنْ يعملوا أو لا يعملوا.
فالله تعالى قالها وحكم بها عليهم وهم في بحبوحة الدنيا وفي زمن الاختيار، ومع ذلك لم يخالفوها، وهنا موضع العظمة في كلام الله، العظمة أنْ أتحداك في أمر لك فيه اختيار، ومع ذلك لا تخرج عما حكمت عليك به.
ومثل هذا قلناه في قوله تعالى في شأن أبي لهب وزوجته: تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد: ١-٥].
فالحق سبحانه وتعالى حكم عليهما بالكفر، وأن مصيرهما النار مع أن الإيمان والكفر أمر وكَلَ اللهُ اختياره للعبد بدليل أن أمثال أبي لهب من كفار مكة أسلموا مثل: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة وغيرهم، وكان في إمكان أبي لهب بعد أن نزلت هذه السورة أنْ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يقولها ولو نفاقاً، لكن لم يحدث وصدق فيه قول الله تعالى.
وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله: وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.. [الأنفال: ٢٤] فقلبه يُحدِّثه بالشيء إنما العظمة الإلهية تحوله عنه.
لذلك قال تعالى لأم موسى: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ.. [القصص: ٧] فالقياس العقلي لا يقبل هذا الحل وأي عاقل يقول: إن المرأة إذا خافت على وليدها تلقيه في البحر؟ لكن هنا أم موسى لم تسمع لصوت العقل ولا تأثرتْ بعاطفتها نحو وليدها، إنما سمعت لقول ربها، سمعت لهذا الوارد الأعلى الذي لا يعارضه أيُّ وارد شيطاني أسفل فلم تتردد أبداً في أنْ تلقي بوليدها في البحر، لأن الله تعالى حَالَ بينها وبين عاطفة قلبها.
كذلك الحال في قصة سيدنا موسى مع فرعون، فقد أخبر الكهنة فرعون أن زوال مُلْكه سيكون على يد غلام من بني إسرائيل، فماذا فعل فرعون -لتعلموا كيف كانت عقلية الذين ادَّعَوْا الألوهية، وكيف أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه، ماذا فعل فرعون؟ راح يبحث عن الأطفال ويقتلهم، وهو لا يعلم أن الله يدَّخر له هذا الغلام فيأتيه ويطرق بابه وهو في مهده على الهيئة التي تعرفونها، ومع ذلك يطمئن إليه ويتخذه ولداً له، وتقول زوجته قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ.. [القصص: ٩] فيأخذه ويُربِّيه في بيته، هذا معنى وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.. [الأنفال: ٢٤].
إذن: فقوله تعالى: وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٦] ما حقتْ عليهم بقهر وجبروت، إنما حقَّتْ عليهم باختيار منهم، والحق سبحانه وتعالى بعلمه الأزلي علم اختيارهم، فحكم عليهم بسابق علمه فيهم، ولا يمكن أنْ يأتي واقعٌ يخالف هذا الحكم لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله.
وسبق أنْ أوضحنا أن الكلمة تُطلق على اللفظ المفرد، وتُطلق على الكلام ومن ذلك قوله تعالى: كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا.. [المؤمنون: ١٠٠] وقوله سبحانه في الذين قالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً.. [يونس: ٦٨] قال: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً [الكهف: ٥] ونحن نسمي الخطبة الطويلة كلمة.
فالكلمة التي حقَّتْ ووجبتْ وثبتتْ ليسَت مطلق كلمة، إنما هي كَلِمَةُ رَبِّكَ.. [غافر: ٦] وكلمة الله لا بدَّ أنْ تحقّ ولا بدَّ أنْ تثبت، وما كان الله تعالى ليقول كلمة، ثم يأتي واقع الأحداث ويكذبها، والكلمة التي حقّتْ على الذين كفروا هي أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٦].
هؤلاء هم الملائكة الذين خلقهم الله لتسبيحه سبحانه، فلا عملَ لهم غير تسبيح الله وهم حملة العرش ومَنْ حوله. والتسبيح كما قلنا من المقاليد، ومعنى يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.. [غافر: ٧] أي: يُنزهونه سبحانه عن مشابهة خَلْقه في الأسماء والأفعال والصفات.
لذلك قلنا: إذا اشترك الحق سبحانه مع خَلْقه في شيء فلا بدَّ أنْ نأخذه في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١].
فلله فعل ولك فعل، لكن لا تَقِسْ فعلك بفعل ربك سبحانه، وهذه المسألة أوضحناها في شرح أول سورة الإسراء، فلما كان الحدث مُستغرباً بدأ الله تعالى السورة بالتسبيح سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] قالها بداية حتى لا نقيس فعل الله على فعل البشر ولا قدرة الله بقدرة البشر، فلله تعالى فعل ولك فعل، لكن فعل الله ليس كفعلك، فإياك أنْ تقول المسافة والزمن.
وكلمة (سبحان الله) تعني تنزيه الله تعالى عن كل ما يشبه البشر، لذلك قالوا: كلُّ ما يخطر ببالك فالله خلاف ذلك، وهذا التنزيه ليس طارئاً بوجود مَنْ ينزه الله إنما هو أزليّ قبل أنْ يخلق الله مَنْ ينزهه، فهو سبحانه مُنزَّه في ذاته قبل أنْ يوجد مَنْ ينزهه.
لذلك لما وُجدَتْ السماء والأرض قال: سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الحديد: ١] أي: سبَّحوا الله ساعة خُلِقوا فقالوا: سبحان الله الخالق العظيم، ولا يزالون يُسبِّحون، كما قال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [الجمعة: ١] فالتسبيح موصول دائم، فإذا كان الكون كله سبَّح لله ولا يزال يُسبِّح، والكون مخلوق لك أيها الإنسان فأنت أَوْلَى بالتسبيح منه، لذلك قال: سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ [الأعلى: ١].
وتسبيح الله تنزيه له سبحانه في أفعاله وفي صفاته، فحين تتأمل مثلاً مسألة الخلق تجد خَلْق الإنسان من طين، فهل يمكنك أنْ تأخذ قطعة من الطين فتُسويها على هيئة إنسان ثم تنفخ فيها أنت الروح؟ هذه العملية لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه.
لذلك سيدنا عيسى عليه السلام لما أراد الله أنْ يجعل له آية ومعجزة في مسألة الخَلْق قال: أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ.. [آل عمران: ٤٩] فقال في نفخ الروح بِإِذْنِ ٱللَّهِ.. [آل عمران: ٤٩] لأنه بذاته لا يستطيع هذه العملية، إنما كوني أُصوِّر تمثالاً على هيئة إنسان أو طائر فهذه مسألة سهلة.
إذن: كان عليك أيها الإنسان الذي كرَّمه الله، كان عليك أن تسبح، لأن الكون والجماد الذي خلقه الله لك سبَّح وما يزال.
وقوله تعالى: ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ.. [غافر: ٧] هم الملائكة حملة العرش. إذن: العرش محمول، وهؤلاء الملائكة حتى عددهم فيه إعجاز، فالحق سبحانه أخبر أنهم ثمانية وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: ١٧].
فلماذا لم يجعلهم أربعة فيكون كما تعوّدنا في أيِّ بناء له أربعة أركان، ولماذا لم يكونوا خمسة مثلاً. إذن: لابدَّ أن في هذا العدد بالذات حكمة وإعجازاً.
وهذا الإعجاز العددي واضح أيضاً في قوله تعالى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٣٠] فلماذا تسعة عشر بالذات؟ لماذا لم يجعلهم عشرين مثلاً، هذا دليل على أن وراء هذا العدد حكمة، وقد أخبر الله تعالى أن هذا العدد فتنة وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ.. [المدثر: ٣١].
والإيمان يقتضي التصديق بما أخبر به الحق سبحانه وألاَّ تناقش مثل هذه المسائل، المهم قال أو لم يَقُل: حدث الشيء أو لم يحدث، لذلك سيدنا أبو بكر لما أخبروه أن صاحبك يدَّعي أنه رسول، ماذا قال؟ قال: ألا وقد قالها؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق ولم يبحث في المسألة، كذلك نحن في كل أمر يقف فيه العقل، ما دام قد جاءنا فيه خبرٌ من عند الله فعلينا أنْ نقبله ونؤمن به وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً [النساء: ٨٧].
وكَوْن عقلك يستوعب هذا الخبر أو لا يستوعبه فهذا موضوع آخر، لأن هناك فرقاً بين الوجود وكيفية الوجود، فقد يوجد الشيء لكنك لا تعرف كيف وُجِد.
تأمل في قصة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.. [البقرة: ٢٦٠].
تجد السطحيين في الفهم عن الله يتهمون القرآن في هذه المسألة بالتعارض، كيف؟ يقولون: معنى (بلى) يعني آمنت والإيمان يقتضي اطمئنان القلب إلى العقيدة، فلماذا يقول بعدها: وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.. [البقرة: ٢٦٠]؟
ونقول له: أنت معذور، لأنك لم تفهم معنى السؤال، ولو فهمتَ معناه ما اتهمتَ القرآن، هل قال إبراهيم لربه: أتحيي الموتى أم قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي.. [البقرة: ٢٦٠] فهو إذن لم يسأل عن إمكانية الفعل ولم يشُكّ في قدرة الله، ولكنه يسأل عن الكيفية رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ.. [البقرة: ٢٦٠] إذن: فإحياء الموتى أمر سابق يسأل إبراهيم عن كيفيته، فلو قلت لك: كيف بنيتَ هذا البيت؟ فهذا يعني أن البيت قائم بالفعل.
إذن: فقوله (بَلَى) يعني: آمنت يا رب أنك تحيي الموتى، وطلب الاطمئنان بعد ذلك للكيفية والسؤال عن الكيفية أمر ضروري في مسألة الخَلْق وكيفية الإيجاد لأنها عملية لا تتأتى كلاماً، لأن فِعْل الله تعالى ليس علاجاً كفعل البشر.
فلو قلت لك: كيف بنيت هذا البيت؟ تقول: حفرتُ الأساس وأحضرتُ الحديد والأسمنت وفعلتُ كذا وكذا، فلان صمم، وفلان نفّذ، وفلان بنى، وفلان (غفق).. إلخ فأعطيك كيفية الفعل بحيث تستطيع تطبيقها إنْ أردت ولا تجد فيها اختلافاً، لكن إنْ أردنا أنْ نُبين كيفية الإحياء، فكيف نبنيها؟
إنها مسألة لا تتأتى بالكلام، ولا بدّ من إجراء العملية بالفعل، وتأمل أن الله تعالى أراد أن يُجريها إبراهيم بنفسه، وألاَّ تجرى له إنما يمارسها بنفسه. وفَرْقٌ بين أنْ تُعدِّى قدرتك لغيرك فتنفعل له، وأنْ تُعدِّى قدرتك لغيرك فتجعله يفعل بنفسه، فمثلاً قد تعجز عن حمل شيء فأحمله عنك وهذا أمر طبيعي، لكن العظمة في أن أجعلك تقدر أنت بنفسك عن حمله.
وهذا ما فعله الحق سبحانه مع نبيه إبراهيم عليه السلام: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ.. [البقرة: ٢٦٠] أي: ضُمهن إليك واعرف أوصافهن ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا.. [البقرة: ٢٦٠] يعني: اذبحهن وفرِّقْ أجزاءهن على الجبال ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً.. [البقرة: ٢٦٠].
إذن: هو الذي يذبح، وهو الذي يُقطِّع الأجزاء، وهو الذي يُفرِّقها، وهو الذي ينادي عليها بنفسه فتتجمع بقدرة الله ويأتينَ سَعْياً كما كُنَّ من قبل، فإذا كنت أقدرت ما لا يقدر على القدرة ألا أقدر أنا عليها؟
والعرش هو سمة استتباب الملْك والسيطرة على الحكم والاستيلاء عليه، وليس من الضروري أنْ يقعد على العرش بالفعل، لذلك لما تكلم الهدهد عن ملكة سبأ قال: وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] لأن الملك لا يقعد على العرش إلا عندما تستقر له الأمور، وتدين له البلاد، فإنْ كانت هناك منطقة معترضة أو مشاغبة للملك تفرغ لها حتى تدين له، وعندها يستقر له الملْك.
ولما تكلم الحق سبحانه عن استوائه على العرش قال سبحانه: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا.. [فصلت: ٩-١٢].
إذن: فاستواؤه سبحانه على العرش جاء بعد أن انتهى من الخَلْق وتَمَّ له كل شيء من أمور الملك والسيطرة الكاملة.
فقوله سبحانه: ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ.. [غافر: ٧] هم الملائكة الثمانية حملة العرش. وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ.. [غافر: ٧] وهؤلاء نوع آخر من الملائكة، وهم الكروبيون الذين لا عملَ لهم إلا تسبيح الله، وليس في بالهم هذا الكون كله، ولا يدرون عنه شيئاً، فقط يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.. [غافر: ٧].
لكن هؤلاء الكروبيين الذين يحيطون بالعرش ويُسبِّحون الله ولا عملَ لهم غير ذلك، هل يروْنَ الله سبحانه وهو على العرش؟ قال علماؤنا رحمهم الله: أنهم رغم منزلتهم هذه إلا أنهم لا يروْنَ الله تعالى، وأظهر هذه الأقوال قول الفخر الرازيرحمه الله، فلما تكلم في هذه الآية ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.. [غافر: ٧] استأنس برأي صاحب الكشاف الذي سبقه وقال: إن معنى وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.. [غافر: ٧] أنهم لا يرونه سبحانه لأن المشهديات ليس فيها إيمان، الإيمان للغيبيات، فلو أنهم شهدوا الله وهو على العرش ما قال في حقهم وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.. [غافر: ٧] ثم قال الفخر الرازي: ولو لم يكُنْ للإمام صاحب الكشاف إلا هذه لكفتْهُ طيلة حياته، هذا مع ما بين الإمامين من خلاف في الرأي.
إذن: لا نفهم من مكانة هؤلاء الملائكة وقربهم من ذي الجلال سبحانه أنهم يروْنَه، لا بل هو سبحانه بالنسبة لهم غيب لا يرونه، يؤكد هذا قوله سبحانه وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.. [غافر: ٧] فأنت الآن في هذا المجلس لا تقول مثلاً: آمنتُ بأن الشيخ الشعراوي جالس وحوله مُحبِّوه ويتكلم في كذا وكذا، لأن ما نحن فيه الآن مشهد لا دخْلَ للإيمان فيه، الإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي وهذه ميزة الإيمان، لذلك كثيراً ما يتكرر قوله تعالى: ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ.. [البقرة: ٣].
وسبق أنْ ضربنا مثلاً قلنا: هَبْ أنني أخاف من اللصوص فأخذت مالي الذي أخاف عليه وذهبتُ إلى مكان بعيد في الحديقة مثلاً ووضعت المال وفوقه حجر ثقيل، ولما احتجتُ لهذا المال ناديتُ العامل: يا فلان ارفع هذا الحجر، فقال: لا أستطيع وحدي فهو ثقيل، فقلت له: تدري ماذا تحت هذا الحجر؟ تحته المال الذي سأعطيك منه راتبك، عندها يتقدم إلى الحجر ويرفعه، إذن: المهم ليس إطاعة الأمر الذي عُلِم منفعته، إنما إطاعة الأمر وهو غيب عنك.
ومعنى يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.. [غافر: ٧] أي: تسبيحاً مقروناً بالحمد، لأن التسبيح ثناءٌ على الله، أما الحمد فشكرٌ لله على نعمه التي سبقتْ، ومن أجلِّ النعم أنه سبحانه لا يشبهه شيء ولو وجد له شبيه لحدثَ تعارض في الكون: إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ.. [المؤمنون: ٩١] فهو وحده المعبود، وهو وحده المستحق للحمد.
ثم بعد ذلك وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ.. [غافر: ٧] أي: أن هؤلاء الملائكة من ضمن مهمتهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، كما حكى عنهم القرآن يقولون: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ [غافر: ٧].
هذا من دعاء الملائكة للذين آمنوا، والدعاء عادة بـ (ربنا) محذوف الياء التي للنداء فلم يقُلْ: يا ربنا لأن النداء بالياء يدل على بُعْد المنادَى، أما الأبعد فيُنادى بأيا، والقريب يُنادى بالهمزة مثل: أمحمد.
أما الحق سبحانه وتعالى فهو من القرب بحيث لا نستخدم في ندائه أيَّ حرف من حروف النداء، لأنه أقربُ لعبده من حبل الوريد، لذلك نناديه سبحانه مباشرة (ربنا)، ولك أنْ تستقرئ القرآن كله فلن تجد في ندائه سبحانه حرفاً من أحرف النداء.
حتى الكفار لما نادوا الحق سبحانه قالوا: ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ.. [الأنفال: ٣٢] ومعلوم أن الميم في آخر لفظ الجلالة هنا عِوَضٌ عن ياء النداء، فلم يقولوا: يا الله إنما قالوا: اللهم.
ثم يتابع الحق سبحانه ذكر دعاء الملائكة للذين آمنوا، فيقول:
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ... .
معنى جَنَّاتِ عَدْنٍ.. أي: إقامة دائمة.
وتأمل ثمرة الإيمان بالله، ثمرة لا إله إلا الله، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالملائكة في أعلى عليين يذكرونك وينشغلون بك أيها المؤمن، ويدعون لك لأنك آمنتَ بالله، وهذه تسلية لسيدنا رسول الله ولأمته الذين تحمَّلوا مشاقّ الدعوة ومَنْ تبعهم إلى يوم الدين.
فيا محمد إن كان كفار مكة قد وقفوا منك ومن أتباعك هذا الموقف المعاند فلا تحزن، ويكفيك وأمتك أنْ تستغفر لك الملائكة، وأيّ ملائكة؟ حملة العرش والذين يحيطون به.
وحين تقرأ هذا الدعاء من الملائكة تجد فيه إشارات ووقفات تستحق التأمل أولها أنك أيها المؤمن مذكورٌ بين حملة العرش، وأنت موضع اهتمامهم مع دُنُوِّ منزلتك وعُلُوِّ منزلتهم، هؤلاء الملائكة لا عملَ لهم إلا أن يسبحوا بحمد ربهم ويستغفروا للذين آمنوا.
وتأمل في دعائهم مسألة التخلية ثم التحلية يقولون: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧] هذه هي التخلية أولاً من المؤلم، ثم تأتي التحلية بالنعمة التي تسرّ، وذلك في رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ.. [غافر: ٨] لأن التخلية والنجاة من العذاب أوْلى من التنعم، والقاعدة أن دفع الضرر مقدم على جَلْب النفع، لذلك قال تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. [آل عمران: ١٨٥].
ثم إن دعاءهم لم يخص المؤمنين فحسب، إنما يشمل العائلة كلها وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ.. [غافر: ٨] فذكروا الشجرة كلها، لأن الآباء يُسرُّون بوجودهم مع الأبناء فلم يقطع عليهم هذه النعمة...
ثم تُذيل الآية بقوله تعالى: إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ولم يَقُلْ مثلاً: إنك أنت الغفور الرحيم لتناسب الدعاء المذكور في الآية.
قوله سبحانه (وَقِهِمُ) فعل أمر أو دعاء هنا من الفعل وَقَى أي: يا ربِّ جنِّبهم المعاصي، ويصح أنْ نقول: قِهِم السيئات. يعني: جنِّبهم عقوبةَ المعاصي، أو جنِّبهم المعاصي ذاتِها، وعين الرحمة أنْ يجنبك الله المعاصي والسيئات، لذلك قال: وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ.. [غافر: ٩].
وهذه مثل قوله تعالى في شأن القرآن الكريم: وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ.. [الإسراء: ٨٢] فالشفاء يكون للداء الموجود بالفعل في النفس الإنسانية، فالقرآن يعالج مثلاً داءات الشُّح والجُبْن والكذب.. إلخ، أما الرحمة فهي ألا يأتي الداء أصلاً، ولا شكَّ أنْ تجنُّب الداء بداية أفضلُ من معالجته كما يقولون: الوقاية خير من العلاج.
وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ [غافر: ٩] نعم، وأيُّ فوز أعظم من أنْ يُجنِّبك الله السيئات فلا تقع فيها؟ كلمة الفوز تعني الفلاح والنجاح، ووُصِف بأنه عظيم لأنك قد تفوز في الدنيا بالمال أو بالمنصب أو بالأولاد، هذا فوز لكن الفوز العظيم في الآخرة لأنه فوز باقٍ ودائم، أما فوز الدنيا فمآله أن ينتهي.

ثم يقول الحق سبحانه:

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ... .
لو تتبعنا هذه المسألة من أولها نجد أن الحق سبحانه دعا الخلق بواسطة رسله ومنهجه إليهم، فمنهم مَن استجاب فآمن، ومنهم مَنْ كفر إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [غافر: ١٠] وهؤلاء الذين لم يستجيبوا لداعي الحق أرادوا ألاَّ يرتبطوا بمنهج الله في افعل ولا تفعل وألاَّ يُضيِّقوا على أنفسهم بالالتزام بالمنهج، وأنْ يسيروا في الدنيا على هواهم، هذا الذي دعاه إلى أنْ يكفر.
فحين يعاين العذاب في الآخرة يندم ساعةَ لا ينفع الندم، ويكره نفسه أشد الكره، لأنها لم تتبع منهج الإيمان.
هذا معنى قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [غافر: ١٠] والمقت أشد البغض. أراد الحق سبحانه أن يقول لهم: إنْ كنتم كرهتم أنفسكم أشد الكره لأنها لم تؤمن بمحمد وبمنهج الحق الذي جاء به، فاعلموا أن مقْتَ الله لكم لكفركم به أشدّ وأعظم من مقتكم لأنفسكم، إنكم مقتّم أنفسكم لأنها حرمتكم الخير وجلبتْ لكم الشر حين كفرتْ بالله.
والحق سبحانه يمقتكم لأنكم أبعدتم أنفسكم عن مجال الخير منه وخرجتم من حضنه ودائرة رحمته، لأنه سبحانه يغضب أشدّ الغضب حين يخرج عنده عن ساحته ويحرم نفسه من خيره، وهذا يعني أنَّ ربك يحبك ويحب لك الخير ويريدك في جنبه وفي معيته ويَغار عليك حين تشرد أو تشذ عن منهجه، فأنت عبده وصنعته.
فكَأن مقته سبحانه للكافر رحمةٌ به وغيرة عليه...
إذن: الحق سبحانه أثبت أولاً بُغْضهم لأنفسهم، ثم بيَّن لهم بَغْضه سبحانه للكافر أشدّ من هذا.
لنفهم معنى أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ لابدَّ أن نعرف ما هو الموت أولاً، الموت هو إذهاب الحياة بعد أنْ كانت موجودة، فما دام سيكون الموت فهو دليل على الحياة قبله، والموت أيضاً يعني عدم الحياة مطلقاً، يعني: عدم لم تسبقه حياة مطلقاً.
لذلك قال سبحانه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [البقرة: ٢٨] وهذا استفهام للتعجب يعني: قولوا لنا كيف يتأتَّى منكم الكفر وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ [البقرة: ٢٨] أي: كنتم عدماً فوهبكم الحياة ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة: ٢٨] أي: يُذهب الحياة الموجودة ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: ٢٨] أي: في الآخرة.
إذن: فالموت مرتان والحياة مرتان كذلك، والخلاف في هذه المسألة: أيكون الموت بعد حياة؟ أم يكفي أن يكون عدمٌ تأتي بعده الحياة؟ نقول: الموت هو العدم المطلق، سواء كان قبله حياة أم لم تكن قبله حياة...
إذن: الآية جمعت بين المعنيين: الموت المطلق أو العدم الذي لم تسبقه حياة، والموت بمعنى نَقْض الحياة الموجودة بالفعل، فقال سبحانه: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ.
بعضهم يرى أن الموت الأول هو إذهاب الحياة بعد انقضاء الأجل، ثم يحيا في القبر للسؤال ثم يموت في القبر ثم يُبعث يوم القيامة، والأول الذي اخترناه أليق.
وقوله سبحانه: فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ، الاستفهام في فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ استفهام للتمني لكن هيهات، فلو رُدُّوا لَعَادوا لما كانوا عليه، فلا فائدةَ من تكرار هذه التجربة، والحق سبحانه بيَّن هذه المسألة في قوله تعالى: كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا [المؤمنون: ١٠٠].
ولو رُدُّوا لعادوا بطباع الشر فيهم وكفروا، والخروج أي من المأزق الذي نحن فيه ومن العذاب الذي نعاينه مِّن سَبِيلٍ من طريق للخروج وللنجاة.
هذا الذي ذكرناه خاصٌّ بحياة القوالب وموتها، أما حياة القلوب والأرواح فلها طريق آخر، ذكره الحق سبحانه في قوله: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤].
لا شكَّ أنه سبحانه يخاطبهم وهم أحياء الحياة المادية إذن: هناك حياة أخرى يدعوهم إليها، إنها حياةُ المعنويات التي لا يأتي بعدها موت وهي الحياة في الجنة.
إذن: عندنا حياة للمادة بها تحيا وتتحرك وتأكل وتشرب وتنشط، وهناك حياة أخرى معنوية بها تدخل الجنة حيث نعيمٌ بلا فَوْت، وحياة بلا موت. الحياة المادية لها روح تناسبها وهي حياة تنتهي بالموت، أما حياة القيم والمعنويات فلا بدَّ لها من روح عُلْوية تأتي بالالتزام بالمنهج في: افعل ولا تفعل، لذلك يسميها الله روحاً: أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢] وسمُّي مَنْ يحملها روحاً: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣].
وكل من الحياتين لها ما يناسبها من البقاء، فالأولى موقوتة بالأجل، والأخرى ممتدة باقية؛ لذلك قلنا في الشهيد الذي جاد بنفسه وأنهى حياته في سبيل منهجه أن الله يُجازيه على ذلك بأنْ يعصمه من الموت بعد ذلك.
الحق سبحانه وتعالى حينما تكلَّم عن العقائد وأيَّدها بالمعجزات، كان من الواجب أن نستقبل أحكامه تعالى فيها بالرضا والقبول، فلم يكلفنا سبحانه بحكم افعل ولا تفعل إلا بعد أنْ قدَّم حيثيات الإيمان الأعلى بالإله الأعلى، وآمن مَنْ آمن به وكفر مَنْ كفر رغم كل مصالحنا في تنظيم حركة الحياة بمنهج الله.
فإذا حكم علينا بحكم فيجب أن نطيعه، وإذا استقر في أذهانكم شيء يخالف ذلك فإنَّ واقعكم يؤيد أنكم لم تؤمنوا بقلوبكم ذَلِكُم أي: ما يحدث منكم من مواجهة الدعوة ومصادمتها ووقوفكم هذا الموقف المعادي ناشئ من إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ أي: كفرتم به.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: ٤٥].
أي: ظهر عليه الامتعاض والضيق لما سمعوا كلمة الله، لماذا؟ لأنهم يعلمون معنى الإيمان وما يترتب عليه من تكليف بمنهج: افعل كذا ولا تفعل كذا، يعلمون أن هذا المنهج يقيد شهواتهم فينهاهم عن أشياء مُحبَّبة إليهم ويدعوهم إلى أشياء أخرى ثقيلة على نفوسهم، لذلك إذا ذكَّرتهم بالله وبمنهج الإيمان امتعضوا في حين إذا ذكر غيره سبحانه من آلهتهم إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: ٤٥] ويفرحون، لماذا؟
لأن هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله ليس لها مطلوب ولا تكاليف بافعل ولا تفعل. إذن: أنتم مع هذه العبادة متروكون على هواكم، وعلى سيئات نفوسكم، هذا معنى الاستبشار ومعنى وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ.
لكن بقيتْ حقيقة ينبغي ألاَّ تغيب عن أذهانكم: فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِـيِّ الْكَبِيرِ فافرحوا بآلهتكم المزعومة كما تشاؤون، فأنا سأحكمكم بقدري قهراً عنكم فأمرضكم كما أحب، وأميتكم متى أشاء وأُفقركم وأغنيكم.. إلخ فلن تخرجوا أبداً بشيء عن ملكي إلاَّ فيما جعلتُ لكم فيه اختياراً.
فأنتم مختارون في الإيمان والكفر فمَنْ شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر، مَنْ شاء فليطع ومن شاء فَليعصِ ولن تنفعني طاعتكم، ولن تضرني معاصيكم، ومهما تمردتم في الأمور التي لكم فيها اختيار فإنَّ مردكم إليَّ ومنتهاكم عندي.
فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِـيِّ الْكَبِيرِ الذي لا يمكن أبداً لأحد أنْ يتمرد على قدره، فإن كنتم ألفتم التمرد في الإيمان وفي الطاعة فأرُوني كيف تتمرَّدون على الله فيما لا اختيارَ لكم فيه.
الآيات جمع آية وقلنا: إنها على أنواع ثلاثة: آيات كونية تدل على القدرة العالية والحكمة الفائقة للإله الحق صاحب العلو والكبرياء، وآيات المعجزات التي يمنحها سبحانه لتثبيت الرسل والإيمان بصدق بلاغهم عن الله، ثم آيات الأحكام التي تحمل أحكام الله.
يقول سبحانه: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ أي: الكونية لتؤمنوا بالإله الأعلى ويُريكم المعجزات على أيدي الرسل، ثم يُنزِّل لكم آيات الأحكام التي تحمي أديانكم وعقائدكم، لأنني كما حميت أبدانكم بما أنزلتُ من ماء السماء وما نشأ عنه من رزق لكم تقتاتون به وتعيشون عليه، فكذلك خذوا مني الشيء الآخر الذي جعلتُه لقوام أديانكم، وهو الأحكام التي تحمي عقيدتكم في الحركة الحُكْمية بافعل ولا تفعل.
فقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقاً يُراعي الأمرين معاً بحيث لا تهمل أحدهما على حساب الآخر.
وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ أي: يرجع إلى الله ويخلع عن نفسه كبرياء الجحود بذلك الإله، وينفض عن نفسه غبار الغفلة حتى يرجع إلى إيمان الفطرة التي أرادها الحق سبحانه في قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] وكانت الإجابة أن قال الجميع (بَلَى) أي: أنت ربنا الحق.
آية رقم ١٤
الدعاء: هو إظهار الذلة والخضوع لله تعالى، لماذا؟ لأن من الناس مَنْ تمرَّد على الله وتكبَّر على الطاعة، وتعالى على أنْ يظهر لله الخضوع فحين يرى منكم الذلةَ والخضوع لله ويرى الإخلاص في العبادة يعلم أن هذا التمرد ليس طَبْعاً في الإنسان، بل هو طبْع هواه بدليل أن من الناس مَنْ ذَلَّ وخضع، ومن الناس مَنْ يدعو ربه ويخلص له ويطيعه.
إذن: ليس التمردُ خاصية لازمة للإنسان بل هو خاصية في المتمرد فقط، إنما الإنسان حينما يكون على طبيعته وفطرته لابد له أنْ يلجأ إلى الله ويستعين به، لذلك ادعوا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون منكم هذا الدعاء.
وقلنا في فضل الدعاء أنه "مخ العبادة"، والدعاء ما هو إلا ذلة عابد لعزة معبود، مجرد إظهار الذلة بصرف النظر عما يترتب على الدعاء، وإلا فالحق سبحانه أعطاك قبل أنْ تدعوه، وخلق لك قبل أن توجد، لذلك ليس من اللازم أن يستجيب الله لكل مَنْ يدعوه، وكأنه سبحانه يقول لنا: تنبَّهوا إلى أن منكم مَنْ يدعو فلا أستجيب له، وأنا حين لا أستجيب له أمنحه العطاء الأعلى لأنه قد يدعو بالشر دعاءه بالخير، ويطلب الشيء وهو لا يعرف أن فيه هلاكه...
لذلك قلنا في الثناء عليه سبحانه: سبحانك يا مَنْ تُصوِّب خطأ الداعين بألاَّ تجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكَمْ يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير؟
وفي هذه الآية فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ حَثٌّ لنا على كيد الكافرين وإغاظتهم بإظهار الذلة لله والخضوع له سبحانه، فهذه المسألة تكيدهم، لأنها تظهر لهم عِزَّ الربوبية والكبرياء لله تعالى الذي كفروا به، وتعالَوْا على طاعته، وتكبَّروا عليه سبحانه، لذلك داوموا على الدعاء أمامهم وأروُهُمْ من أنفسكم منتهى الذلة لله.
كلمة (رَفيع) على وزن (فعيل) من الفعل رفع، وهذا الوزن يأتي بمعنى فاعل مثل (رحيم) مبالغة من راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل يعني مقتول، كذلك كلمة (رفيع) يصح أنْ تكون بمعنى رافع. أي: أنه سبحانه رافع لغيره، كما يرفع سبحانه بعض الخلق على بعض.
ويصح أنْ تكون (رفيع) بمعنى مفعول أي مرتفع في ذاته، والرافع لا يرفع غيره إلا إذا كان مرتفعاً في ذاته، فرفيع هنا بمعنى مرتفع عن كل شيء، كما نقول: الله أكبر والله أعلى وأجلّ.
فالله تعالى مرتفع الوجود لأن وجوده أزليٌّ لا عن عدم، أما وجودنا نحن فعن عدم، ووجوده سبحانه إلى دوام ووجودنا إلى عدم، وهو موجود سبحانه بذاته ووجودنا نحن به سبحانه، إذن: فهو سبحانه أحسن مرتفع في الوجود، نعم.
والله سبحانه مرتفع في قيوميته، فنحن نعمل ونتعب وننام لنرتاح، أما هو سبحانه فلا يُتبعه عمل ولا ينام ليستريح، لذلك قال سبحانه: اللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] وكأن الحق سبحانه يقول لنا: ناموا أنتم مِلْءَ جفونكم لأني لا تأخذني سِنَةٌ ولا نوم، يريد أنْ نطمئن ونحن في معيته سبحانه.
وبهذه القيومية يرفع الله مَنْ يشاء، وبطلاقة قدرته سبحانه يُبقي مَنْ يشاء في الرفعة ويُنزل مَنْ يشاء إلى الضِّعَة قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ [آل عمران: ٢٦].
وقوله: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ لأن الرفع يقتضي منزلة أعلى من منزلة، وهذه هي الدرجات أي: ما بين كل منزلة وأخرى، والدرجات لا تكون إلا في العُلُو، أما النزول إلى أسفل فتسمى مراحله دركات.
والحق سبحانه يرفع من خَلْقه ما يشاء على ما يشاء، كما رفع من الزمان رمضان على غيره من الشهور، ورفع من المكان البيتَ الحرام وبيت المقدس، ورفع من الملائكة كما في قوله تعالى على لسان الملائكة: وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤].
ورفع من الرسل أُولي العزم منهم، كما قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣] ويرفع من عامة الخَلْق كما قال سبحانه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١] وكما رفع الله سبحانه أُولِي العلم كذلك رفع أصحاب الحركة في الحياة الذين ما أُوتوا علماً، إنما عندهم حركة تنفذ هذا العلم وتُطبِّقه وتحقق مطلوبه في الحياة، فالعلم يحتاج في تنفيذه ليد عاملة كأصحاب الحِرَف والعمال والصُّناع، لذلك قال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام: ١٦٥].
إذن: عندنا رفعةٌ للزمان، ورفعة للمكان، ورفعة للملائكة، ورفعة للأنبياء، ورفعة للمؤمنين، ورفعة لأُولي العلم، وأخيراً رفعة للخلائق في الأرض، وتأمل العدالة الإلهِية في رفعة الخلائف بعضهم على بعض.
فالحق سبحانه لم يَقُل لنا أيَّ بعض مرفوع وأيَّ بعض مرفوع عليه، ليبين لنا أن كل بعض مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، إذن: لا يرفع الغني على الفقير، ولا الجميل على القبيح، ولا الذكي على الغبي، إنما يُرفع كلٌّ بحسْب عمله، كما ورد في قوله تعالى: يٰأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣].
فكل الخَلْق غير ما تقدم ممَّنْ رفعهُ الله مرفوعٌ في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالنجار الذي يصنع لي المكتب مرفوع عليَّ في هذا العمل ومُفضَّل عليَّ فيه، لأنه يعرف هذه الصَّنعة ويتقنها وأنا لا أعرفها.
فإذا ما جاء هذا العامل يسألني في مسألة كنت أنا مرفوعاً عليه فيها، لأنني أعرفها وهو لا يعرفها، وقلنا: إن الحق سبحانه أراد لحركة الحياة بين الخلق أنْ تُبْنى على الحاجة لا على التفضل، فكُلٌّ منا يحتاج الآخر ولا تكتمل حركةُ حياته إلا به.
ولو قامتْ حركة الحياة على التفضّل لتعطلتْ أكثر المصالح ولما استقامتْ الحياة، وتصور أننا جميعاً تخرَّجنا في الجامعة وصرْنا علماء، مَنْ سيؤدي لنا الأعمال الأخرى؟ مَنْ يكنس الشارع؟ ومَنْ يعمل في المجاري؟ ومن يبيع في الأسواق؟.. إلخ وهذا هو مقصود الشاعر الذي قال:
النَّاسِ للنَّاسِ مِن بَدْوٍ وَحَاضِرَةٍ بَعْضٌ لِبَعْضٍ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا خَدَمُ
فليس منا مَنْ هو مُسخَّر فقط، بل كل منا مُسخَّر في شيء ومُسخر له في شيء آخر، لذلك يقول تعالى وهو يُعلِّمنا هذا الدرس: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ [الحجرات: ١١].
لذلك لا تنظر إلى عمل على أنه أفضل من عمل، إنما هناك عامل أفضل من عامل، والأفضل هو الذي يتقن عمله أكثر، فالعامل الذي يتقن عمله في الأدنى أفضل من العامل الذي لا يتقن عمله في العمل الأعلى.
لذلك قال الإمام علي كرَّم الله وجه: (قيمة كل امرئ ما يُحسنه) فمَنْ أراد من العلو الأفضلية فليتقن عمله مهما كان هذا العمل حقيراً -أي: في نظر البعض منا- فليس في الإسلام عمل حقير، إنما هناك عامل حقير، وهو المتهاون الذي لا يجيد ولا يتقن ما في يده ولا يخلص فيه... وقوله تعالى: ذُو الْعَرْشِ [غافر: ١٥] يعني: الذي يملك كوناً استقر له بدون شغب عليه، وهو المستقر في كمال قدرته وألوهيته، والملك لا يُتاح له الجلوس والاستواء على عرشه إلا بعد أن يستتبَّ له الأمر مع الفارق بين جلوسه سبحانه واستوائه على عرشه وبين جلوس ملوك الدنيا على عروشهم، فنحن نؤمن بهذا الجلوس دون تكييف أو تشبيه، وما دام وجوده تعالى ليس كوجودنا فكذلك جلوسه ليس كجلوسنا، وقلنا: إننا نأخذ هذه المسائل في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
والحق سبحانه وتعالى استتبَّ له الأمر في الكون دون منازع، بدليل قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
ولأنه سبحانه رفيع الدرجات، وهو سبحانه ذو العرش أراد سبحانه أنْ يضفي من رفعته على المؤمنين به، وأن يرفعهم على غيرهم، وألاَّ يتركهم هَمَلاً وهمجاً بدون منهج، لذلك أنزل عليهم رُوحاً منه سبحانه: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ.
فما كان سبحانه ليستعبد الخَلْق ثم يتركهم، إنما أنزل لهم المنهج الذي يحكم حركتهم في الحياة بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وهذا هو قانون الصيانة الذي يضمن للبشر الصلاح والرِّفْعة وعُلُوَّ المنزلة، وجعل هذا المنهج اختياراً، مَنْ شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، مَنْ شاء أطاع ومَنْ شاء عصى، ليرى المؤمن أثر رفعة الله له في الآخرة حين يُدخِله الجنةَ دار النعيم الباقي، حيث لا فَوْتَ للنعمة، ولا مَوْتَ للوجود.
وهذا المنهج جاءنا في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ينظم حركة حياتنا حتى تتكامل الحركات ولا تتصادم، فحين ترى شرع الله يقيد حركتك في شيء، فاعلم أنه قيَّد حركات الملايين من أجلك، فحين ينهاك عن السرقة مثلاً يُقيّد حركتك وأنت فرد ويمنع يدك أنْ تمتد لما لا تملك، وفي المقابل قيَّد ملايين الأيدي حتى لا تمتد إلى مالك أنت، حين أمرك بغضِّ البصر وحفظ المحارم أمر الخَلْق جميعهم أنْ يغضُّوا أبصارهم عن محارمك.. إلخ فتأمل مَنِ المستفيد من تطبيق هذا المنهج؟
وقوله: يُلْقِي الرُّوحَ الروح لها معَانٍ عدَّة. فالذي يتبادر إلى الذِّهْن أنها هي الروح التي تدبّ في المادة فتمنحها الحياة والحركة، وهذه هي الروح التي ألقاها الخالق سبحانه في آدم فتحرَّك وأدت كل الجوارح وظائفها بعد أنْ كانت طيناً.
ثم أراد سبحانه أنْ يحرس حركة المادة حتى لا تنطق في شهواتها، فأنزل روحاً أخرى من عنده سبحانه هي المنهج القيمي في القرآن الكريم؛ لذلك قال سبحانه: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤].
كيف يُحييهم وهم أحياء مخاطبين بهذا الكلام؟ نعم هم أحياء حياةَ المادة بالروح التي دبَّتْ في أجسامهم فتحركوا بها، إنما المراد هنا حياة أرقى من حياة المادة هي حياة القيم التي تُرقِّي حركة الإنسان وتجعلها دائماً في الخير لنفسه ولمن حَوْله، وكما أن حياة المادة لها روح كذلك حياة القيم لها روح.
لذلك سمَّى القرآنَ روحاً، وسمَّى الذي نزل به من الملائكة رُوحاً، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢].
وقال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣].
هذه هي حياة القيم والمثُل الرفيعة، الحياة التي تُؤهلك لحياة أخرى باقية لا تفنى، ولك أنْ توازن بين حياة تُؤهِّلك للدنيا الفانية وحياة تؤهلك للآخرة الباقية، لابدَّ أنك ستجد الروح الثانية أعظم وأفضل من الأولى.
ويكفي في التفريق بينهما أن الروح الأولى، وهي روح المادة تسري في المؤمن والكافر، وبهذه الروح يأتي كفر الكافر ومعصية العاصي، أمَّا روح المنهج والقيم فلا تكون إلا للمؤمن، ولا تُحرِّكه إلا في الخير حركةً سويّة تُسعده وتسعد مَنْ حوله في الدنيا قبل الآخرة.
لذلك قال سبحانه: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤] ومعنى (الحيوان) يعني: الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا ينتهي نعيمها ولا يدركها فناء، وإنْ كان نعيم البشر في الدنيا على قَدْر حركتهم وإمكاناتهم فنعيمهم في الآخرة على قدر المنعم سبحانه.
ثم أنت تعيش في الدنيا عُرْضة للموت يهددك في كل لحظة، وربما يهجم عليك بغتة فليس له وقتٌ ولا سِنٌّ معين، وليس له سبب يرتبط به، فمنا مَنْ يموت بعد عام، ومنا مَنْ يموت بعد مائة عام، ومنا مَنْ يموت وهو في بطن أمه، الموت لا يفرق بين كبير أو صغير، ولا بين مريض أو سليم. لذلك أبهمه الله، لماذا؟ لِنظلَّ دائماً ذاكرين له منتظرين هجمته، فكأن الإبهام هنا هو عَيْن البيان.
لذلك الحق سبحانه ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك: ١-٢].
تأمل خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [الملك: ٢] فبدأ بالموت وقدَّمه على الحياة، وكأنه سبحانه يقول لنا: لا تستقبلوا الحياة إلا وفي أذهانكم الموت، لماذا؟ لأن ذكر الموت يمنع الغرور بالدنيا والركون إليها ويضبط سلوك الإنسان، فلا يتحرك إلا في الخير لأنه دائماً يعمل حسابَ العواقب التي تنتظره.
وقوله سبحانه: عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ يعني: على مَنْ يختاره ويصفيه لهذه المنزلة، وهذا مثل قوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥].
وقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
ثم يوضح الحق سبحانه العلة من قوله: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لماذا؟ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ يعني: إياك أنْ تفهم أن المسألة تنتهي بنهاية الحياة الدنيا، ويفلت أهل المعاصي بمعاصيهم وأهل الظلم بظلمهم لا، إنما هناك مرجع ومردٌّ إلى هذا الإله الذي كفرت به أو الذي عصيته وتجرأت على محارمه، تذكّر هذه الحقيقة مهما نفرت عنه بالكفر أو نَبَا جانبك عن جانب ربك، فأنت مردود إليه رغماً عنك، موقوفٌ بين يديه، لا مهربَ لك منه أبداً، ولا مفرَّ.
وقلنا: إن الإنذار يعني التخويف من شرٍّ قبل أوانه لتستعدَّ له بأنْ تتجنب دواعي ما يخيف لتسلم منها، ولا معنى للأنذار ساعة وقوع الحدث، لابدَّ أنْ يكون قبل الحدوث بفترة كافية تمكنني من أن أتدارك الأمر وأعمل حسابي.
وقوله يَوْمَ التَّلاَقِ أي: التلاقي، والتلاقي لا ينشأ إلا عن تباعد كان موجوداً بين شيئين، فبين أيِّ الأشياء يكون هذا التلاقي؟ قالوا: التلاقي هنا والمراد يوم القيامة سيكون في عدة صور، ففي الآخرة سترى الملائكة الذين آمنتَ بهم في الدنيا إيماناً غيبياً وتلتقي بهم مشهداً.
وفي الآخرة سترى رحمك وأسرتك الكبيرة من لَدُنْ أبيك آدم حتى آخر ولد له في الدنيا، ستلتقي بهم جميعاً، وسترى هذا الرحم الذي قطعته في الدنيا، ستتمثل لك هذه الشجرة الكبيرة متشابكة الأغصان متداخلة الفروع، وعندها ستقول: كيف قطعتُ هذه الرحم؟ وكيف جفوتُ هذه القربات لسبب وبدون سبب، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"كلكم لآدم، وآدم من تراب"...
ومن التلاقي الذي سيكون في الآخرة أنْ يلتقي المظلومُ بظالمه، والخصمُ بمخصومه، نعم وعند الله تجتمع الخصومُ، وعلى العاقل أن يحسب لهذا اللقاء ألف حساب، ومَنْ تدبَّر العواقب نجا.
ومن التلاقي في الآخرة أنْ يلتقي الإنسان بصحيفة أعماله التي أحصتْ عليه كل صغيرة وكبيرة أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦].
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً [آل عمران: ٣٠].
يوم يقول لك ربك: اقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤].
ثم يرتفع التلاقي إلى قمته، فيلتقي المؤمنون بربهم عز وجل حين يتجلَّى عليهم سبحانه فيروْنَه، وتكون هذه أعظم النعم تفضلاً من الله وكرماً واقرأ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٥].
وإذا كانت رؤية الحق سبحانه هي أعظم النعم للمؤمنين فهي أشدّ ألوان العذاب للكافرين لأنهم سيُحرمون منها كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] يومها ستشتد حسرتهم وأسفهم: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
وجد اللهَ الذي كفر به في الدنيا، ووجد العاقبة التي طالما حذَّرناه منها وذكّرناه بها.
كلمة (رَفيع) على وزن (فعيل) من الفعل رفع، وهذا الوزن يأتي بمعنى فاعل مثل (رحيم) مبالغة من راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل يعني مقتول، كذلك كلمة (رفيع) يصح أنْ تكون بمعنى رافع. أي: أنه سبحانه رافع لغيره، كما يرفع سبحانه بعض الخلق على بعض.
ويصح أنْ تكون (رفيع) بمعنى مفعول أي مرتفع في ذاته، والرافع لا يرفع غيره إلا إذا كان مرتفعاً في ذاته، فرفيع هنا بمعنى مرتفع عن كل شيء، كما نقول: الله أكبر والله أعلى وأجلّ.
فالله تعالى مرتفع الوجود لأن وجوده أزليٌّ لا عن عدم، أما وجودنا نحن فعن عدم، ووجوده سبحانه إلى دوام ووجودنا إلى عدم، وهو موجود سبحانه بذاته ووجودنا نحن به سبحانه، إذن: فهو سبحانه أحسن مرتفع في الوجود، نعم.
والله سبحانه مرتفع في قيوميته، فنحن نعمل ونتعب وننام لنرتاح، أما هو سبحانه فلا يُتبعه عمل ولا ينام ليستريح، لذلك قال سبحانه: ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] وكأن الحق سبحانه يقول لنا: ناموا أنتم مِلْءَ جفونكم لأني لا تأخذني سِنَةٌ ولا نوم، يريد أنْ نطمئن ونحن في معيته سبحانه.
وبهذه القيومية يرفع الله مَنْ يشاء، وبطلاقة قدرته سبحانه يُبقي مَنْ يشاء في الرفعة ويُنزل مَنْ يشاء إلى الضِّعَة قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ [آل عمران: ٢٦].
وقوله: رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ [غافر: ١٥] لأن الرفع يقتضي منزلة أعلى من منزلة، وهذه هي الدرجات أي: ما بين كل منزلة وأخرى، والدرجات لا تكون إلا في العُلُو، أما النزول إلى أسفل فتسمى مراحله دركات.
والحق سبحانه يرفع من خَلْقه ما يشاء على ما يشاء، كما رفع من الزمان رمضان على غيره من الشهور، ورفع من المكان البيتَ الحرام وبيت المقدس، ورفع من الملائكة كما في قوله تعالى على لسان الملائكة: وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤].
ورفع من الرسل أُولي العزم منهم، كما قال تعالى: تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣] ويرفع من عامة الخَلْق كما قال سبحانه: يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١] وكما رفع الله سبحانه أُولِي العلم كذلك رفع أصحاب الحركة في الحياة الذين ما أُوتوا علماً، إنما عندهم حركة تنفذ هذا العلم وتُطبِّقه وتحقق مطلوبه في الحياة، فالعلم يحتاج في تنفيذه ليد عاملة كأصحاب الحِرَف والعمال والصُّناع، لذلك قال سبحانه: وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام: ١٦٥].
إذن: عندنا رفعةٌ للزمان، ورفعة للمكان، ورفعة للملائكة، ورفعة للأنبياء، ورفعة للمؤمنين، ورفعة لأُولي العلم، وأخيراً رفعة للخلائق في الأرض، وتأمل العدالة الإلهِية في رفعة الخلائف بعضهم على بعض.
فالحق سبحانه لم يَقُل لنا أيَّ بعض مرفوع وأيَّ بعض مرفوع عليه، ليبين لنا أن كل بعض مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، إذن: لا يرفع الغني على الفقير، ولا الجميل على القبيح، ولا الذكي على الغبي، إنما يُرفع كلٌّ بحسْب عمله، كما ورد في قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣].
فكل الخَلْق غير ما تقدم ممَّنْ رفعهُ الله مرفوعٌ في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالنجار الذي يصنع لي المكتب مرفوع عليَّ في هذا العمل ومُفضَّل عليَّ فيه، لأنه يعرف هذه الصَّنعة ويتقنها وأنا لا أعرفها.
فإذا ما جاء هذا العامل يسألني في مسألة كنت أنا مرفوعاً عليه فيها، لأنني أعرفها وهو لا يعرفها، وقلنا: إن الحق سبحانه أراد لحركة الحياة بين الخلق أنْ تُبْنى على الحاجة لا على التفضل، فكُلٌّ منا يحتاج الآخر ولا تكتمل حركةُ حياته إلا به.
ولو قامتْ حركة الحياة على التفضّل لتعطلتْ أكثر المصالح ولما استقامتْ الحياة، وتصور أننا جميعاً تخرَّجنا في الجامعة وصرْنا علماء، مَنْ سيؤدي لنا الأعمال الأخرى؟ مَنْ يكنس الشارع؟ ومَنْ يعمل في المجاري؟ ومن يبيع في الأسواق؟.. إلخ وهذا هو مقصود الشاعر الذي قال:
النَّاسِ للنَّاسِ مِن بَدْوٍ وَحَاضِرَةٍ  بَعْضٌ لِبَعْضٍ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا خَدَمُ
فليس منا مَنْ هو مُسخَّر فقط، بل كل منا مُسخَّر في شيء ومُسخر له في شيء آخر، لذلك يقول تعالى وهو يُعلِّمنا هذا الدرس: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ [الحجرات: ١١].
لذلك لا تنظر إلى عمل على أنه أفضل من عمل، إنما هناك عامل أفضل من عامل، والأفضل هو الذي يتقن عمله أكثر، فالعامل الذي يتقن عمله في الأدنى أفضل من العامل الذي لا يتقن عمله في العمل الأعلى.
لذلك قال الإمام علي كرَّم الله وجه: (قيمة كل امرئ ما يُحسنه) فمَنْ أراد من العلو الأفضلية فليتقن عمله مهما كان هذا العمل حقيراً - أي: في نظر البعض منا - فليس في الإسلام عمل حقير، إنما هناك عامل حقير، وهو المتهاون الذي لا يجيد ولا يتقن ما في يده ولا يخلص فيه.
وسبق أنْ ضربنا مثلاً من فرنسا ومن مناقشات مجلس الشعب الفرنسي، وقد كانوا يعرضون علينا بعض المواقف الحاسمة في هذه المناقشات، منها أن نقيب العمال كان كثير المطالب لصالح العمال، وكان يسرف في ذلك، لكن كان الوزير المسئول عن تنفيذ هذه المطالب تحكمه ميزانية وأرقام وحسابات.
ومرَّت الأيام وصار نقيب العمال هذا وزيراً للعمل، ووقف نقيب العمال الجديد يقول له: لا أطلب منك إلا ما كنت تطلبه أنت من سابقك، فقال: لكن تحكمني ميزانيات وحسابات، فأراد أن يثير عاطفته نحو العمال، أو أراد أنْ يحرجه فقال له: لا تنْسَ أنك كنتَ في يوم من الأيام ماسح أحذية، فأخذها الوزير بصدر رَحْب وروح رياضية وردَّ عليه: نعم نعم لكنني كنتُ أجيدها. إذن: العظمة ليست في العمل إنما في إجادته.
لذلك نقول: لو علم العامل المخلص في عمله والمتقن له عن غيب من صاحب العمل يعني يتقنه ويجيده لله، لو علم هذا العامل ما أدَّاه لمواجيد الإيمان بالله لافتخر بهذا العمل على العلماء. قالوا: كيف ذلك؟ وماذا يؤدي العامل لمواجيد الإيمان؟ نقول: لأن كل مَنْ يرى عمله المتقن يقول: الله، فكأن العمل المتقن يُشيع كلمة الجمال في الكون، ويؤدي إلى ذكر الله، وفي هذا من الثواب ما لا يَخْفى على أحد.
وقوله تعالى: ذُو ٱلْعَرْشِ [غافر: ١٥] يعني: الذي يملك كوناً استقر له بدون شغب عليه، وهو المستقر في كمال قدرته وألوهيته، والملك لا يُتاح له الجلوس والاستواء على عرشه إلا بعد أن يستتبَّ له الأمر مع الفارق بين جلوسه سبحانه واستوائه على عرشه وبين جلوس ملوك الدنيا على عروشهم، فنحن نؤمن بهذا الجلوس دون تكييف أو تشبيه، وما دام وجوده تعالى ليس كوجودنا فكذلك جلوسه ليس كجلوسنا، وقلنا: إننا نأخذ هذه المسائل في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
والحق سبحانه وتعالى استتبَّ له الأمر في الكون دون منازع، بدليل قوله سبحانه: ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: ١١].
ولأنه سبحانه رفيع الدرجات، وهو سبحانه ذو العرش أراد سبحانه أنْ يضفي من رفعته على المؤمنين به، وأن يرفعهم على غيرهم، وألاَّ يتركهم هَمَلاً وهمجاً بدون منهج، لذلك أنزل عليهم رُوحاً منه سبحانه:
يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ [غافر: ١٥].
فما كان سبحانه ليستعبد الخَلْق ثم يتركهم، إنما أنزل لهم المنهج الذي يحكم حركتهم في الحياة بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وهذا هو قانون الصيانة الذي يضمن للبشر الصلاح والرِّفْعة وعُلُوَّ المنزلة، وجعل هذا المنهج اختياراً، مَنْ شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، مَنْ شاء أطاع ومَنْ شاء عصى، ليرى المؤمن أثر رفعة الله له في الآخرة حين يُدخِله الجنةَ دار النعيم الباقي، حيث لا فَوْتَ للنعمة، ولا مَوْتَ للوجود.
وهذا المنهج جاءنا في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ينظم حركة حياتنا حتى تتكامل الحركات ولا تتصادم، فحين ترى شرع الله يقيد حركتك في شيء، فاعلم أنه قيَّد حركات الملايين من أجلك، فحين ينهاك عن السرقة مثلاً يُقيّد حركتك وأنت فرد ويمنع يدك أنْ تمتد لما لا تملك، وفي المقابل قيَّد ملايين الأيدي حتى لا تمتد إلى مالك أنت، حين أمرك بغضِّ البصر وحفظ المحارم أمر الخَلْق جميعهم أنْ يغضُّوا أبصارهم عن محارمك.. إلخ فتأمل مَنِ المستفيد من تطبيق هذا المنهج؟
وقوله: يُلْقِي ٱلرُّوحَ [غافر: ١٥] الروح لها معَانٍ عدَّة. فالذي يتبادر إلى الذِّهْن أنها هي الروح التي تدبّ في المادة فتمنحها الحياة والحركة، وهذه هي الروح التي ألقاها الخالق سبحانه في آدم فتحرَّك وأدت كل الجوارح وظائفها بعد أنْ كانت طيناً.
ثم أراد سبحانه أنْ يحرس حركة المادة حتى لا تنطق في شهواتها، فأنزل روحاً أخرى من عنده سبحانه هي المنهج القيمي في القرآن الكريم؛ لذلك قال سبحانه: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤].
كيف يُحييهم وهم أحياء مخاطبين بهذا الكلام؟ نعم هم أحياء حياةَ المادة بالروح التي دبَّتْ في أجسامهم فتحركوا بها، إنما المراد هنا حياة أرقى من حياة المادة هي حياة القيم التي تُرقِّي حركة الإنسان وتجعلها دائماً في الخير لنفسه ولمن حَوْله، وكما أن حياة المادة لها روح كذلك حياة القيم لها روح.
لذلك سمَّى القرآنَ روحاً، وسمَّى الذي نزل به من الملائكة رُوحاً، فقال سبحانه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢].
وقال: نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣].
هذه هي حياة القيم والمثُل الرفيعة، الحياة التي تُؤهلك لحياة أخرى باقية لا تفنى، ولك أنْ توازن بين حياة تُؤهِّلك للدنيا الفانية وحياة تؤهلك للآخرة الباقية، لابدَّ أنك ستجد الروح الثانية أعظم وأفضل من الأولى.
ويكفي في التفريق بينهما أن الروح الأولى، وهي روح المادة تسري في المؤمن والكافر، وبهذه الروح يأتي كفر الكافر ومعصية العاصي، أمَّا روح المنهج والقيم فلا تكون إلا للمؤمن، ولا تُحرِّكه إلا في الخير حركةً سويّة تُسعده وتسعد مَنْ حوله في الدنيا قبل الآخرة.
لذلك قال سبحانه: وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤] ومعنى (الحيوان) يعني: الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا ينتهي نعيمها ولا يدركها فناء، وإنْ كان نعيم البشر في الدنيا على قَدْر حركتهم وإمكاناتهم فنعيمهم في الآخرة على قدر المنعم سبحانه.
ثم أنت تعيش في الدنيا عُرْضة للموت يهددك في كل لحظة، وربما يهجم عليك بغتة فليس له وقتٌ ولا سِنٌّ معين، وليس له سبب يرتبط به، فمنا مَنْ يموت بعد عام، ومنا مَنْ يموت بعد مائة عام، ومنا مَنْ يموت وهو في بطن أمه، الموت لا يفرق بين كبير أو صغير، ولا بين مريض أو سليم. لذلك أبهمه الله، لماذا؟ لِنظلَّ دائماً ذاكرين له منتظرين هجمته، فكأن الإبهام هنا هو عَيْن البيان.
لذلك الحق سبحانه ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك: ١-٢].
تأمل خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ [الملك: ٢] فبدأ بالموت وقدَّمه على الحياة، وكأنه سبحانه يقول لنا: لا تستقبلوا الحياة إلا وفي أذهانكم الموت، لماذا؟ لأن ذكر الموت يمنع الغرور بالدنيا والركون إليها ويضبط سلوك الإنسان، فلا يتحرك إلا في الخير لأنه دائماً يعمل حسابَ العواقب التي تنتظره.
وقوله سبحانه: عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ [غافر: ١٥] يعني: على مَنْ يختاره ويصفيه لهذه المنزلة، وهذا مثل قوله تعالى ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ [الحج: ٧٥].
وقوله تعالى: ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
ثم يوضح الحق سبحانه العلة من قوله: يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ [غافر: ١٥] لماذا؟ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ [غافر: ١٥] يعني: إياك أنْ تفهم أن المسألة تنتهي بنهاية الحياة الدنيا، ويفلت أهل المعاصي بمعاصيهم وأهل الظلم بظلمهم لا، إنما هناك مرجع ومردٌّ إلى هذا الإله الذي كفرت به أو الذي عصيته وتجرأت على محارمه، تذكّر هذه الحقيقة مهما نفرت عنه بالكفر أو نَبَا جانبك عن جانب ربك، فأنت مردود إليه رغماً عنك، موقوفٌ بين يديه، لا مهربَ لك منه أبداً، ولا مفرَّ.
وقلنا: إن الإنذار يعني التخويف من شرٍّ قبل أوانه لتستعدَّ له بأنْ تتجنب دواعي ما يخيف لتسلم منها، ولا معنى للأنذار ساعة وقوع الحدث، لابدَّ أنْ يكون قبل الحدوث بفترة كافية تمكنني من أن أتدارك الأمر وأعمل حسابي.
وقوله يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ [غافر: ١٥] أي: التلاقي، والتلاقي لا ينشأ إلا عن تباعد كان موجوداً بين شيئين، فبين أيِّ الأشياء يكون هذا التلاقي؟ قالوا: التلاقي هنا والمراد يوم القيامة سيكون في عدة صور، ففي الآخرة سترى الملائكة الذين آمنتَ بهم في الدنيا إيماناً غيبياً وتلتقي بهم مشهداً.
وفي الآخرة سترى رحمك وأسرتك الكبيرة من لَدُنْ أبيك آدم حتى آخر ولد له في الدنيا، ستلتقي بهم جميعاً، وسترى هذا الرحم الذي قطعته في الدنيا، ستتمثل لك هذه الشجرة الكبيرة متشابكة الأغصان متداخلة الفروع، وعندها ستقول: كيف قطعتُ هذه الرحم؟ وكيف جفوتُ هذه القربات لسبب وبدون سبب، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: وسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه دخل عليه حاجبه في يوم من الأيام وقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب يقول أنه أخوك، فقال له: أَلاَ تعرف إخوتي؟ قال: هكذا يقول الرجل، قال أدْخِلْه، فلما دخل على معاوية قال له: أيّ إخوتي أنت؟ قال: أنا أخوك من آدم، فضحك معاوية، وقال: رحمٌ مقطوعة، والله لأكُوننَّ أول مَنْ وصلها، ثم قرَّبه وأعطاه ما يريد.
ومن التلاقي الذي سيكون في الآخرة أنْ يلتقي المظلومُ بظالمه، والخصمُ بمخصومه، نعم وعند الله تجتمع الخصومُ، وعلى العاقل أن يحسب لهذا اللقاء ألف حساب، ومَنْ تدبَّر العواقب نجا.
ومن التلاقي في الآخرة أنْ يلتقي الإنسان بصحيفة أعماله التي أحصتْ عليه كل صغيرة وكبيرة أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦]. يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً [آل عمران: ٣٠].
يوم يقول لك ربك: ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤].
ثم يرتفع التلاقي إلى قمته، فيلتقي المؤمنون بربهم عز وجل حين يتجلَّى عليهم سبحانه فيروْنَه، وتكون هذه أعظم النعم تفضلاً من الله وكرماً واقرأ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٥].
وإذا كانت رؤية الحق سبحانه هي أعظم النعم للمؤمنين فهي أشدّ ألوان العذاب للكافرين لأنهم سيُحرمون منها كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] يومها ستشتد حسرتهم وأسفهم: وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩].
وجد اللهَ الذي كفر به في الدنيا، ووجد العاقبة التي طالما حذَّرناه منها وذكّرناه بها.
وقوله تعالى: يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر: ١٦] أي: في هذا اليوم يوم التلاقي يأتون بارزين علانية بعد أن كانوا مُستترين بسيئاتهم في الدنيا، اليوم يُفتضح أمرهم ويُكشف سترهم لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر: ١٦] الجميع في ساحة واحدة: الملوك والسُّوقة، السادة والعبيد، الرؤساء والمرؤوسون، الجميع في مقام العبودية.
لذلك سينادي الحق سبحانه: لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ [غافر: ١٦] يقولها الحق سبحانه لأنه تعالى كان يُملِّك بعضنا في الدنيا، أما في الآخرة فلا مُلْك إلا لله وحده، لذلك يجيب على هذا السؤال المؤمن والكافر، الجميع يقولون لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦] نعم لأنه إله غيره ولا ملك سواه.
ومعنى لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ [غافر: ١٦] أن المُلْك لله اليوم وقبل اليوم، فهذه الحقيقة التي أنكرها الكفار في الدنيا اعترف بها المؤمنون الذين رضوا بالله رباً، يُؤتي الملك مَنْ يشاء، وينزع الملْك ممَّنْ يشاء، ويُعز من يشاء ويُذلُّ مَنْ يشاء.
فكلمة ٱلْيَوْمَ مُوجَّهة هنا إلى الكافرين الذين أنكروا هذه الحقيقة في دنياهم، لكنهم اعترفوا بها في الآخرة فأقرّوا لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦].
ٱلْيَوْمَ يعني: يوم القيامة تُجْزَىٰ تُحاسب كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ [غافر: ١٧] قلنا: إن كسب تأتي للخير واكتسب للشر، وعلماء اللغة يقولون: إن كل زيادة في بنية الكلمة لابدَّ أن يقابلها زيادة في المعنى، لذلك كسب غير اكتسب. كسب على وزن فعل أيْ يأتي الفعل منك طبيعياً لا تكلّف فيه، إنما اكتسب يعني افتعل ففيه افتعال ومحاولة.
فالخير لا يحتاج منك إلى تعب، على خلاف الشر فيحتاج إلى تعب ومشقة وتلصُّص، يقول تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] وقد أوضحنا هذه المسـألة بالرجل الذي يجلس بين أهله وفيهم جميلات زوجته وبناته وخالاته وعماته.. إلخ فينظر إلى هذا الجمال دون تكلُّف ولا تحرّج، أمّا في غير المحارم فإنه يختلس النظرة وينفعل لها ويحاول ألاَّ يراه أحد.
كذلك نلحظ هذه المسألة في المرأة تحمل من حلال والأخرى من الحرام، وكيف أن الأولى تُدِلّ بحملها وتتباهى به، أما الأخرى فتحاول جاهدة أنْ تُخفيه وأنْ تتخلص منه، ففرحة الأولى وحسرة الأخرى هو الفرق بين الحلال والحرام.
كذلك الإنسان إذا أخذ شيئاً من بيته يأخذه علانية بلا تكلّف وبلا تخطيط، إنما إنْ أراد أنْ يسرق من بيوت الآخرين فإنه يحتال لذلك ويخطط له، إذن: نقول الحلال لا يُتعب صاحبه إنما الحرام هو الذي يتعب الدنيا كلها.
أما في قوله تعالى: بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً.. [البقرة: ٨١] فقد استعملت كسب هنا في الشر، فلماذا؟ قالوا: هذا حين تصير السيئةُ عند صاحبها إلْفاً وعادة يفعلها بلا تكلُّف وبلا مشقة على نفسه وكأنها حسنة، فلما تعوَّد عليها صارتْ في حقه كسْباً لا اكتساباً، وهذا الذي نسميه (الفاقد) أي: الذي تجرّأ على الحرام وألِفَ المعصية حتى صارتْ له عادة.
ومثل ذلك في النظر في قوله تعالى: يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ [غافر: ١٩] إذن: هناك خائنة أعين، وهناك أمينة أعين، أمينة أعين حين تنظر إلى الحلال، وخائنة أعين حين تنظر إلى المحرم.
حتى في الناحية الاقتصادية التي تحكم الشعوب وبها يُقاس تقدُّم الأمم ورُقيها نقول: الحلال لا يكلِّف إنما الذي يكلف الحرام - هذا من الناحية الاقتصادية - لأن الأصل في الحلال وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ [الأعراف: ٣١] وفي الحديث الشريف: ولو عِشْنا على هذه الأصول لكفَانا القليل، ولك أنْ تجرب نفسك فلا تأكل إلا على جوع، وساعتها ستجد اللقمة لذيذة ولو كانت بملح، فكأن استقامتك على دين الله تُريحك وتسترك ولا تتعبك في حركة الحياة، ولا تحتاج منك لمزيد من العمل ولمزيد من المال.
كذلك إذا أكلنا لا نشبع، وأنتم تروْنَ الذي يأكل حتى التخمة وحتى يحتاج إلى مهضم، فشقَّ على نفسه وكلفها في الطعام وفي تصريف الطعام.
ثم يقول سبحانه: لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ [غافر: ١٧] نعم لأن الحاكم في هذا اليوم هو الله العدل المطلق، وكأن الحق سبحانه يقول: الظلم عندكم أنتم أيها البشر، فقد أمهلناكم في الدنيا تربعون فيها بالظلم. يظلم القوي الضعيف، ويظلم الغني الفقير، ويظلم الحاكم المحكومين إنما اليوم لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ [غافر: ١٧] لقط وصل بكم الظلم في الدنيا إلى غايته حين أشركتم بالله.
لذلك قال سبحانه: إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] نعم ظلم بيِّنٌ واضح؛ لأن الظلم معناه أنْ تأخذ حقَّ الغير لك، أو تأخذ الحق من صاحبه وتعطيه لغير صاحبه، وهذا هو ما حدث منكم حين أشركتم بالله فأخذتم منه سبحانه الألوهية، وجعلتموها للأصنام.
الظلم يأتي من عدة وجوه. فمن الظلم أنْ تعمل خيراً ولا تجزي به خيراً، ومن الظلم أنْ تعمل الحسنة تستحق عليها عشرة فيعطيك خمسة، ومن الظلم أن تعمل السيئة ولا تُحاسب عليها، ومن الظلم ألاَّ تعمل سيئة وتُحاسب عليها.
إذن: كل اختلال في موازين الملكية والنفعية من العمل تُعَد ظلماً؛ لذلك قال تعالى في الحديث القدسي: كان هذا في الدنيا، أما في القيامة فأنتم أمام الحاكم العادل وفي رحاب العدل المطلق الذي لا يُحابي أحداً على حساب أحد، وليس له ولد ولا صاحبة فيميل عن الحق لأجلهما.
لذلك قلنا: إن الجن كانوا أصدق استقبالاً منا حين قال: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] لأن معظم الفساد يأتي من هذين: الصاحبة والولد.
وقوله سبحانه: إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [غافر: ١٧] إشارة إلى طلاقة قدرته تعالى في الفصل بين الناس وفي مجازاتهم على أعمالهم، وكأنه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن موقف الحساب يشقّ علينا، أو أنه سيأخذ وقتاً طويلاً، لا فعندنا حسابات أخرى ليس عندنا جلسة تطول ولا جلسة تتأجل.
إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [غافر: ١٧] لأن الله تعالى فعلَ فِعْله بكُنْ لا يفعل بعلاج كما تفعلون، والدليل على ذلك أن في دنيا الناس آلاف وملايين القضاة يحكمون بين الناس بالحق في آلاف وملايين البلاد في وقت واحد في بلاد مختلفة ومحاكم مختلفة، والحق الذي يحكمون به ليس حقاً يتنقّل بين القضاة من قاض لآخر، إنما هو موهبة ذابتْ في نفوسهم جميعاً وصبغة صبغتْ أحكامهم جميعاً.
فإذا كان المخلوق لله وهو الحق يمكنه أنْ يستولي على نفوس القضاة في مختلف الأرض في وقت واحد، فالذي خلق هذا الحق أَوْلَى بأنْ يحكم بين الخلائق في وقت واحد.
لذلك لما سُئل الإمام علي رضي الله عنه هذه المسألة: كيف يُحَاسب الناس في وقت واحد على كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم جميعاً في وقت واحد.
قلنا: الإنذار هو الإخبار والتحذير من الشر قبل وقوعه و (الآزفة) من أزف الشيء يعني: دنا وقرب، والمراد بيوم الآزفة الموت لأنه يأتي بغتةً، لا يعلم أحد موعده، أو هو يوم القيامة، وهو أيضاً قريب لأن الله تعالى يقول فيه: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ.. [النحل: ١] فجاء بالفعل الماضي (أتى) للدلالة على تحقّق وقرب وقوعه، لأن كل آتٍ قريب.
في هذا اليوم يوم الآزفة إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. [غافر: ١٨] تخيل أن القلب انخلع من مكانه في الصدر، وخرج من حَيِّزه حتى وصل الحناجر حتى كتم الأنفاس من شدة الهول والبؤس والشقاء والضيق، كما قال سبحانه في موضع آخر: وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ [الأحزاب: ١٠].
ومعنى كَاظِمِينَ.. [غافر: ١٨] الكظم أنْ تحاول كتم الشيء في داخلك بحيث لا يخرج، ومنه كَظْم القرْبة إذا انخرقت حتى لا يتسرب منها الماء بأنْ تربط مكان الخُرْق وتُحكم رباطه، ومنه كَظْم الغيظ حتى تتحكم في غيظك وتكتمه في نفسك ولا تُنْفذه، كما قال تعالى: وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ.. [آل عمران: ١٣٤] فهذا ترقٍّ في مراتب العمل الصالح، أولها كظم الغيظ، وأحسن منه التخلص الغيظ بالعفو، وأحسن منه وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٤].
وقوله: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨] هذا ساعة يجمع الله الظالمين معاً في جهنم والعياذ بالله، هؤلاء اجتمعوا في الدنيا على معصية الله، وساروا فيها على هواهم، والآن في الآخرة يفرّ بعضهم من بعض ويهرب المتبوع من تابعه، كما قال سبحانه: يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٤-٣٧].
كذلك لا يجدون شفيعاً يشفع لهم ولا يدافع عنهم، وقد أوضح الحق سبحانه أن هؤلاء الشفعاء ورؤساء القوم وأئمة الكفر سيسبقون أتباعهم إلى جهنم، فإذا دخلوا وجدوهم قد سبقوهم إليها، فيكون ذلك أقطع لأملهم في النجاة وأشدّ لحسرتهم، لذلك قال تعالى عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ [هود: ٩٨].
ومعنى (الحميم) أي: الصديق الحميم، وهو الذي يخلص لك ويحميك حين يُراد بك الضر ويقف بجانبك وقت الشدة، الظالم في الآخرة لا يجد هذا الصديق ولا يجد مَنْ يشفع له، فأصدقاؤهم فرُّوا منهم لأنهم اجتمعوا في الدنيا على المعصية.
والله يقول: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] أي: يوم القيامة حيث يتبرأ كل منهم من صاحبه ويلقي عليه باللائمة ويكرهه وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨] حتى إنْ قام للظالم شفيع يشفع له لا يطاع، لأن الشفاعة في الآخرة لها شروط: أنْ يأذن اللهُ للشافع أنْ يشفع، وأنْ يرضي الله عن المشفوع له، والله لا يأذن في الشفاعة لظالم ولا يرضى عنه.
لذلك لا تُقبل مثل هذه الشفاعة، ولا يُطاع صاحبها لأنه يطلب من الله الذي يملك العذاب أنْ يطيعه وأنْ يعفو عن المشفوع له، فكيف ينقلب الحق سبحانه مطيعاً لعبده؟
آية رقم ١٩
يعني: اعلموا أن عِلْمَ الله شامل ولا يخفى عليه شيء مهما دَقَّ، فإنْ عمَّيتم على خلق الله في الدنيا واختلستُم النظرات فيما لا يحل لكم فاعلموا أنكم لا تخفَوْنَ على الله، ولو أيقن المؤمن بشمول علم الله وبنظره إليه ما كانت له خائنة أعين.
لذلك رأينا القاضي وهو يحكم بين الناس ويتحرَّى العدل في حكمه وجد بحاسة الحق عنده أنَّ الشهود يشهدون زوراً، لكن ماذا يفعل وهم متفقون في أقوالهم جميعاً مهما حاورهم وقلّب لهم المواقف ليكشف زيفهم وباطلهم وجدهم على لسان واحد؟ ذلك لأن المحامي مثلاً حفّظهم الجواب، فماذا يفعل؟ غضب وانفعل للحق الذي يحكم به وقال كلمة هزَّتْ الشهود جميعاً، وجعلتهم ينطقون بالحق قال لهم: والله لو عميتم على قضاء الأرض فلن تُعمُّوا على قضاء السماء. كلمة أنطقه الله بها، فأعادتْ إليهم رشدهم وهزَّتهم من الأعماق، فرجعوا إلى الحق.
وقوله: وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ [غافر: ١٩] يعني: علم سبحانه مكنونات الصدور وخباياها، وهذه لا يعلمها إلا الله.
معنى: يَقْضِي.. [غافر: ٢٠] أي: يحكم بالحق وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ [غافر: ٢٠] أي: الأصنام وغيرها مما عبدوه من دون الله لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. [غافر: ٢٠] لا يحكمون بشيء، فليس لهم مركز في القضاء أبداً ولا حتى في الظلم، ليس لهم أهلية لأنْ يقضوا إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ [غافر: ٢٠]. السميع لكل قول خارج عن منهجه، العليم بكل فعل يخرج عن منهجه المشاهد لكل شيء.
فالحق سبحانه وتعالى يكون هو الشاهد وهو القاضي والحاكم وهو المنفذ، فإذا كانت السلطات عندكم متعددة في الدنيا، فالسلطة في الآخرة لله وحده لا شريكَ له.
بعد ذلك يقول سبحانه: ما بال هؤلاء الكفار الذين يعاندون الدعوة ويصادمون الرسول الذي أرسله الله لهم رحمة، ألم ينظروا في تاريخ سابقيهم من الأمم التي كذَّبت وما جرى لهم من العقوبة، وما حَلَّ بهم من هلاك يروْنَ هم آثاره.
لقد سجَّل الحق سبحانه على نفسه، فقال: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٢].
نعلم أن الإنسان يحفظ السند الذي له ولا يحفظ الذي عليه، أما الحق سبحانه فحفظ وسجَّل هذا الوعد عليه سبحانه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فالحق سبحانه ضمن لرسله النصرة والتأييد، وما كان سبحانه وتعالى ليقول كلمة ويأتي واقع الحياة ليكذِّبها. إذن: فنُصرة الرسل سُنة من سُنَن الله في كونه، يقول سبحانه:
أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ... .
... الحق سبحانه يريد من سيْرنا في الأرض أمرين: سياحة في الأرض للاعتبار وأخذ العظة، وسياحة الانتفاع والاستثمار، إذن: فالسياحة في الأرض والسير فيها مطلوب إيماني، لذلك قال تعالى في سياحة الاعتبار: أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ وقال في سياحة الاستثمار: قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ.. [العنكبوت: ٢٠].
وقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا.. [النساء: ٩٧].
إذن: لا مانع أن تجمع في سَيْرك في أرض الله بين سياحة الاعتبار وسياحة الاستثمار والانتفاع، فلا تحرم نفسك من نظرة الاعتبار في خَلْق الله الجديد عليك، ولا تُلهِكَ التجارة والاستثمار عن الاعتبار.
وهنا ملحظ في قوله تعالى: فِي الأَرْضِ.. هذا الملحظ أخذناه من العلم الحديث أخيراً، فقد كان العلماء يفسرون فِي الأَرْضِ.. على الأرض أي: الأرض والتربة التي نمشي عليها، إلى أن عرفنا مؤخراً أن الأرض تشمل غلافها الجوي، فهذا الهواء الذي فوق الأرض هو العنصر الأساسي والضروري لاستمرار الحياة عليها، وبدونه لا تكون على الأرض حياة، لأن الإنسان لا يستغني عنه بمقدار شهيق أو زفير، وعليه فنحن نسير في الأرض كما جاء نصّ القرآن الذي سبق العلم الحديث إلى هذه الحقيقة.
وحين تسير في أرض الله للاعتبار بمخلوقات الله ترى ألواناً شتى لم تَرَها من قبل من الناس والأماكن والمزروعات والنعم التي لا تُحصى، وتعلم أن الخالق سبحانه يعطي لكل مكان ما يناسبه، ولكل بيئة ما يصلح لها من الغذاء...
بِٱلْبَيِّنَاتِ.. [غافر: ٢٢] بالآيات الواضحات وبالمعجزات الباهرات الدالة على صدق الرسول، والآيات التي عجزوا هم عن مثلها رغم أنها كانت مما نبغوا فيه، وقد كانت هذه الآياتُ كافيةً لأنْ يؤمنوا بالله وبرسول الله إليهم الذي جاء لهدايتهم، لكنهم كفروا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ.. [غافر: ٢٢] وكلمة (أخذهم) تدل على التناول بقوة إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ [غافر: ٢٢].
ولا شكَّ أن الأَخْذ يتناسب وقوة الآخذ، فأَخْذة الطفل غير أَخْذة الشاب غير أَخْذة الفتوة، فما بالك إنْ كان الآخذ هو الله القوي شديد العقاب، إذا كان الله سبحانه هو الآخذ فلا قوة لمأخوذ على المكابرة أو الامتناع.
لذلك قال في موضع آخر: أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: ٤٢] هذه هي القوة العليا، فالعزيز هو الذي يَغلب ولا يُغلب، والمقتدر هو القادر على كل شيء، والذي لا يعجزه شيء.
ثم يقصُّ الحق سبحانه بعض قصص الرسل ممَّنْ كُذِّبوا وأُوذُوا، وهنا يقص علينا طرفاً من قصة سيدنا موسى عليه السلام:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... .
آية رقم ٢٣
الحق سبحانه يذكر هنا قصة سيدنا موسى عليه السلام لأنها امتازت على قصص الرسل السابقين له، من حيث إنهم جاءوا ليشفوا الناس من بعض الأمراض العقدية، ويخرجوهم من جاهلية افعل ولا تفعل، ويعيدوهم إلى الجادة، أمَّا سيدنا موسى فقد جاء ليجابه رجلاً ادعى الألوهية وتكبَّر وتجبَّر فكانت مهمته أصعب، لذلك كان أكثر الرسل قصصاً في القرآن الكريم.
آية رقم ٢٤
الحق سبحانه يذكر هنا قصة سيدنا موسى عليه السلام لأنها امتازت على قصص الرسل السابقين له، من حيث إنهم جاءوا ليشفوا الناس من بعض الأمراض العقدية، ويخرجوهم من جاهلية افعل ولا تفعل، ويعيدوهم إلى الجادة، أمَّا سيدنا موسى فقد جاء ليجابه رجلاً ادعى الألوهية وتكبَّر وتجبَّر فكانت مهمته أصعب، لذلك كان أكثر الرسل قصصاً في القرآن الكريم.
قوله تعالى: بِآيَاتِنَا.. [غافر: ٢٣] المراد الآيات الواضحات التسع التي أُوتيها موسى عليه السلام، تأييداً له وبرهاناً على صِدْق رسالته وأولها العصا، وللعصا في قصة سيدنا موسى تاريخ ومواقف، فبها ضرب البحر فصار كل فِرْق كالطود العظيم بها انفلق البحر وتجمد الماء، وبنفس العصا ضرب الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشر عيناً، إذن: المسألة ليست في الماء والجبل، إنما معجزة خالق الماء وخالق الجبل الذي يقول للشيء: كُنْ فيكون.
لذلك وقف المستشرقون عند قصة سيدنا موسى، ورأوا أنها أخذتْ النصيب الأوفر بين موكب الرسالات وفصَّلها القرآن تفصيلاً ظنوه تكراراً معاداً، خاصة في مسألة العصا، حيث ذُكرت في ثلاثة مواقف، هي في الحقيقة ليست تكراراً إنما هي لقطات مختلفة لحدث متجمع، فأول ما أعطى الله موسى العصا معجزةً سأله عنها: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٧-١٨].
وقلنا: إن موسى لم يرد على قدر السؤال لأن الذي يسأله ربه فأراد أنْ يطيل أَمَد الحديث مع ربه عز وجل، فلم يَقُلْ عصا أو عصاي، فلما أحسَّ أنه أطال أجمل وقال: وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨].
الموقف الثاني الذي ذُكِرت فيه العصا لما أراد الحق سبحانه أن يدرب موسى على استخدامها، وأنْ يجربها هو بنفسه ليكون على استعداد ودُرْبة حينما يواجه مُدَّعي الألوهية فرعون فقال له: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
هذا هو المطلوب من إجراء هذه التجربة أمام موسى، أن يخاف منها، وأنْ يراها على حقيقتها وهي حية، ولو أنها ظلتْ على حالتها عصا ما خاف منها موسى، ولما قال له ربه وَلاَ تَخَفْ.. [طه: ٢١].
ثم كان الموقف الأخير للعصا حين التقى موسى بسحرة فرعون وفي حضرته حين جابه سِحْرهم بعصاه التي ألقاها فراحتْ تلقف ما صنعوا، وعن هذا الموقف قال تعالى: قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ [طه: ٦٥-٦٨].
إذن: ليس في ذكر عصا موسى تكرار، إنما هي مواقف مختلفة وحالات عِدَّة للشيء الواحد.
وقوله وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [غافر: ٢٣] السلطان هو الحجة الواضحة، والسلطان هو القوة، إما قوة البرهان والحجة، وإما قوة القهر والغلبة، كما ورد في حوار الشيطان يوم القيامة: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي.. [إبراهيم: ٢٢].
يعني: لم يكن لي سلطان حجة تقنعكم، ولا سلطان قهر وقوة ترهبكم وتجبركم على المعصية، بل كنتم على (تشويرة) مجرد أن دعوتكم استجبتم فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢] نقول: صرخ فلان فأصرخته يعني: أزلتُ أسباب صراخه.
وقوله: إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ.. [غافر: ٢٤] نعم كان فرعون هو رأس الفتنة ومُدَّعي الألوهية، لكن ذكر معه هامان لأنه كان وزيره ومساعده، وقارون لأنه كان صاحبَ خزانته، فكان الثلاثة شركاء، لذلك اشتركوا أيضاً في اتهام موسى فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ [غافر: ٢٤].
فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا.. [غافر: ٢٥] أي: بالآيات قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ.. [غافر: ٢٥] مسألة قَتْل الأبناء جاءت من فرعون مرتين: الأولى: أيام كان موسى طفلاً، وعلم فرعون من المنجِّمين أن زوال ملْكه سيكون على يد أحد أبناء بني إٍسرائيل، فأخذ يقتل الأبناء الصغار مخافةَ هذا الولد الذي سيُولد ويزول مُلكه على يديه.
والعجيب أن نرى هنا غباء فرعون وتغفيله في قتل أبناء بني إسرائيل وحرصه على ألاَّ يفلت منهم أحدٌ، حتى أن رجاله كانوا يدخلون البيوت يبحثون فيها عن الأطفال الصغار.
وقد أظهر هذا الموقف غباءه من ناحيتين، أولاً: أنه يقتل الأبناء الصغار مع أن النبوءة تقول: إن زوال مُلْكه سيكون على يد واحد منهم، ثم يأتيه غلام بهذه الطريقة المريبة: صندوق في البحر بداخله غلام صغير جاءه إلى باب بيته، فيطمئن إليه ويأخذه ويُربِّيه على عينه ويغفل عما يُراد به.
وهذا الموقف يوضحه قوله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.. [الأنفال: ٢٤] نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء.
وقوله: وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ.. [غافر: ٢٥] أي: اقتلوا الأبناء الذكور، لأنهم مصدر الخوف، ومنهم يكون التمرد، ومنهم مَنْ يزول مُلْك فرعون على يديه، أمَّا النساء فاتركوهن أحياء للخدمة وللإذلال.
وهذا يفسر لنا: لماذا كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم، لكي يكُنَّ معهم في مصير واحد، فإنِ انتصروا عادوا سالمين، وإنْ قُتِلوا قُتِلوا جميعاً حتى لا يبقى النساء بعدهم للأَسْر والسَّبي والإذلال.
وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [غافر: ٢٥] نعم كان هذا كيداً من فرعون وأعوانه، لكن هل أنفذ كيده ببني إسرائيل؟ لا بل ردَّ الله كيده عليه وباء بالضلال والخسران.
الحق سبحانه يذكر هنا قصة سيدنا موسى عليه السلام لأنها امتازت على قصص الرسل السابقين له، من حيث إنهم جاءوا ليشفوا الناس من بعض الأمراض العقدية، ويخرجوهم من جاهلية افعل ولا تفعل، ويعيدوهم إلى الجادة، أمَّا سيدنا موسى فقد جاء ليجابه رجلاً ادعى الألوهية وتكبَّر وتجبَّر فكانت مهمته أصعب، لذلك كان أكثر الرسل قصصاً في القرآن الكريم.
قوله تعالى: بِآيَاتِنَا.. [غافر: ٢٣] المراد الآيات الواضحات التسع التي أُوتيها موسى عليه السلام، تأييداً له وبرهاناً على صِدْق رسالته وأولها العصا، وللعصا في قصة سيدنا موسى تاريخ ومواقف، فبها ضرب البحر فصار كل فِرْق كالطود العظيم بها انفلق البحر وتجمد الماء، وبنفس العصا ضرب الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشر عيناً، إذن: المسألة ليست في الماء والجبل، إنما معجزة خالق الماء وخالق الجبل الذي يقول للشيء: كُنْ فيكون.
لذلك وقف المستشرقون عند قصة سيدنا موسى، ورأوا أنها أخذتْ النصيب الأوفر بين موكب الرسالات وفصَّلها القرآن تفصيلاً ظنوه تكراراً معاداً، خاصة في مسألة العصا، حيث ذُكرت في ثلاثة مواقف، هي في الحقيقة ليست تكراراً إنما هي لقطات مختلفة لحدث متجمع، فأول ما أعطى الله موسى العصا معجزةً سأله عنها: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٧-١٨].
وقلنا: إن موسى لم يرد على قدر السؤال لأن الذي يسأله ربه فأراد أنْ يطيل أَمَد الحديث مع ربه عز وجل، فلم يَقُلْ عصا أو عصاي، فلما أحسَّ أنه أطال أجمل وقال: وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه: ١٨].
الموقف الثاني الذي ذُكِرت فيه العصا لما أراد الحق سبحانه أن يدرب موسى على استخدامها، وأنْ يجربها هو بنفسه ليكون على استعداد ودُرْبة حينما يواجه مُدَّعي الألوهية فرعون فقال له: قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ [طه: ١٩-٢١].
هذا هو المطلوب من إجراء هذه التجربة أمام موسى، أن يخاف منها، وأنْ يراها على حقيقتها وهي حية، ولو أنها ظلتْ على حالتها عصا ما خاف منها موسى، ولما قال له ربه وَلاَ تَخَفْ.. [طه: ٢١].
ثم كان الموقف الأخير للعصا حين التقى موسى بسحرة فرعون وفي حضرته حين جابه سِحْرهم بعصاه التي ألقاها فراحتْ تلقف ما صنعوا، وعن هذا الموقف قال تعالى: قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ [طه: ٦٥-٦٨].
إذن: ليس في ذكر عصا موسى تكرار، إنما هي مواقف مختلفة وحالات عِدَّة للشيء الواحد.
وقوله وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [غافر: ٢٣] السلطان هو الحجة الواضحة، والسلطان هو القوة، إما قوة البرهان والحجة، وإما قوة القهر والغلبة، كما ورد في حوار الشيطان يوم القيامة: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي.. [إبراهيم: ٢٢].
يعني: لم يكن لي سلطان حجة تقنعكم، ولا سلطان قهر وقوة ترهبكم وتجبركم على المعصية، بل كنتم على (تشويرة) مجرد أن دعوتكم استجبتم فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢] نقول: صرخ فلان فأصرخته يعني: أزلتُ أسباب صراخه.
وقوله: إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ.. [غافر: ٢٤] نعم كان فرعون هو رأس الفتنة ومُدَّعي الألوهية، لكن ذكر معه هامان لأنه كان وزيره ومساعده، وقارون لأنه كان صاحبَ خزانته، فكان الثلاثة شركاء، لذلك اشتركوا أيضاً في اتهام موسى فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ [غافر: ٢٤].
فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا.. [غافر: ٢٥] أي: بالآيات قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ.. [غافر: ٢٥] مسألة قَتْل الأبناء جاءت من فرعون مرتين: الأولى: أيام كان موسى طفلاً، وعلم فرعون من المنجِّمين أن زوال ملْكه سيكون على يد أحد أبناء بني إٍسرائيل، فأخذ يقتل الأبناء الصغار مخافةَ هذا الولد الذي سيُولد ويزول مُلكه على يديه.
والعجيب أن نرى هنا غباء فرعون وتغفيله في قتل أبناء بني إسرائيل وحرصه على ألاَّ يفلت منهم أحدٌ، حتى أن رجاله كانوا يدخلون البيوت يبحثون فيها عن الأطفال الصغار.
وقد أظهر هذا الموقف غباءه من ناحيتين، أولاً: أنه يقتل الأبناء الصغار مع أن النبوءة تقول: إن زوال مُلْكه سيكون على يد واحد منهم، ثم يأتيه غلام بهذه الطريقة المريبة: صندوق في البحر بداخله غلام صغير جاءه إلى باب بيته، فيطمئن إليه ويأخذه ويُربِّيه على عينه ويغفل عما يُراد به.
وهذا الموقف يوضحه قوله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.. [الأنفال: ٢٤] نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء.
وقوله: وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ.. [غافر: ٢٥] أي: اقتلوا الأبناء الذكور، لأنهم مصدر الخوف، ومنهم يكون التمرد، ومنهم مَنْ يزول مُلْك فرعون على يديه، أمَّا النساء فاتركوهن أحياء للخدمة وللإذلال.
وهذا يفسر لنا: لماذا كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم، لكي يكُنَّ معهم في مصير واحد، فإنِ انتصروا عادوا سالمين، وإنْ قُتِلوا قُتِلوا جميعاً حتى لا يبقى النساء بعدهم للأَسْر والسَّبي والإذلال.
وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [غافر: ٢٥] نعم كان هذا كيداً من فرعون وأعوانه، لكن هل أنفذ كيده ببني إسرائيل؟ لا بل ردَّ الله كيده عليه وباء بالضلال والخسران.
قول فرعون ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ.. يعني: اتركوني أقتله دَلَّ على وجود تيار من القوم يمنع فرعون من قَتْل موسى، وإلا لما قال (ذَرُوني) فمَنْ هؤلاء؟ ربما كانوا من أتباع فرعون المؤمنين بصدق موسى، وبما جاء به، فأحبُّوا أنْ يدافعوا عنه بطريقة لا تثير شكَّ فرعون، فاحتالوا عليه.
وهذا دليل على أن أصحاب الخير يجوز لهم أنْ يحتالوا على أهل الشر لنصرة الخير وأن الله يعينهم. جاء هؤلاء وقالوا لفرعون: إنْ قتلتَ موسى سيقول الناس أنه على حق، وأنك لم تقدر على رَدِّ حجته فقتلته لتستريح منه، وعندها سيقفون ضدك.
ومن هؤلاء المدافعين عن موسى الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه خوفاً من بطش فرعون، والذي دافع عن موسى دفاعاً قوياً وقدَّم الحجج، فقال: وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ.. [غافر: ٢٨].
وتأمل هنا سُخْرية فرعون واستهزائه وَلْيَدْعُ رَبَّهُ.. أي: ربه الذي يدعو إليه ليناديه كي ينقذه ولو لم يكُنْ مستهزئاً لقال: وليدْع ربَّنا إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ سبحان الله انظر كيف يحاول أهل الباطل قَلْب الحقائق، ففرعون يخاف من موسى أنْ يُبدِّل دين قومه ودينهم هو الإيمان بفرعون إلهاً لهم يعبدونه من دون الله.
أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ينشأ الفساد من أين؟ من وجود فريقين في المجتمع: فريق يؤمن بفرعون إلهاً، وفريق يؤمن بموسى وربه الحق، فالرعية كلها في شقاق ونزاع، وأصحاب مراكز القوى المستفيدون من ألوهية فرعون لن يسكتوا، ولا شكَّ أن هذه فتنة ستُحدِثُ فساداً في نظره.
هنا يؤكد موسى على ربوبية الحق سبحانه بعد أنْ هدده فرعون بالقتل ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ.. ثم استهزأ بربه وَلْيَدْعُ رَبَّهُ.. لذلك جاء ردّ موسى (إِنِّي) وفيها تأكيد واستحضار لعبوديته أمام عِزِّ الربوبية التي يستهزئ بها فرعون، فلما يقُلْ مثلاً: أعوذ بالله من فعلك، إنما أكد أن الله ربه بل وَرَبِّكُـمْ أيضاً.
ومعنى عُذْتُ.. لجأتُ إليه وهو القادر على نُصْرتي وحمايتي، فقوله إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي.. يبين لنا منزلة الاستعاذة بالله، فالإنسان حين يستعيذ بالله من شيء لا يَقْوَى عليه فقد أفاض وأنصف، لأنه سلط على مَنْ آذاه وليستْ له قدرة على أنْ يردَّه، سلَّط عليه مَنْ يقدر على أنْ يفعل...
هنا يقول موسى عليه السلام: إني أعوذ بالله منك يا فرعون وهو أقوى منك وقادر على حمايتي من كيدك، فهو (ربي) أي: الذي خلقني وربَّاني وأنا مسئول منه، فهو أوجدني بقدرته ويصونني بقيوميته، أَلاَ ترى أن كلَّ صانع يحفظ صنعته، ويجعل لها ضماناً للصيانة؟
أليس الخالق سبحانه أَوْلى بأنْ يضمن لي حياتي التي خلقها؟ بلى بشرط أنْ تقولها: (عُذْتُ بِرَبِّي).
وكان يكفي أنْ يقول (إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي) فلماذا قتل (وَرَبكُمْ)؟ قالوا: ليؤكد على ربوبية ربه عز وجل، ويؤكد سعادته بهذه الربوبية، فهو ربي وربُّ الآخرين وربكم جميعاً ليقولوها معه: إنَّا عُذْنا بربنا من فرعون وعمله، وكأنه يريد أن يستجمع قُوَى الخير والإيمان ويُقوِّي جانبه بالجماعة المؤمنة، ليكون الدعاء أَدْعَى للقبول وأَوْلى.
هذه المسألة تفسر لنا أهمية الجماعة وروح الجماعة في الإسلام، إننا مثلاً في الصلاة نقرأ بفاتحة الكتاب، نقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] هكذا بالجمع، فلماذا لم يَقُلْ: إياك أعبد وإياك أستعين. لأن دعاء الجماعة أقوى، الجماعة تُدخِلك في زمرة الصالحين، فإذا لم تكُنْ صالحاً فجاور الصالحين لعله ينالك ما ينالهم من الثواب والقبول.
لذلك احذر أن تحتقر أهل التقوى وأهل الصلاح، فلعلَّك تُؤخذ في محضِ الفضل معهم...
فمن أيِّ شيء استعاذ سيدنا موسى؟ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ هكذا بصيغة الجمع وبالوصف مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ.. ولم يصرح باسم خصمه فرعون صاحب القضية ومُدَّعي الألوهية ومهدده بالقتل، فلماذا؟
قالوا: لم يُذْكر فرعون في هذا المقام لأمرين:
الأول: حتى لا يجعل فرعون في مقابل الله لو قال: إني عُذْتُ بربي من فرعون، ثم إن فرعون لم يكُنْ وحده، بل كان معه آخرون على شاكلته، فأراد أنْ يجمعهم بكلمة تشمل كل متكبر.
الأمر الآخر: أن سيدنا موسى هنا يراعي حقَّ التربية ويحفظ لفرعون هذا الجميل فلم يصرح باسمه، ويكفي أنه داخلٌ ضمن هذا الوصف مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ...
وقوله: مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ يعني: اجتمعتْ فيه خَصْلتان من خصال الشر، فهو متكبر يعني قاسي القلب، وقسوة القلب لا تردعه عن القهر والجبروت، ثم هو لا يؤمن بالحساب فلا يخاف من القصاص، ولا يعمل حساباً للعواقب، ومثل هذا لا أملَ في إصلاحه.
لما جاء موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فقال: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي.. استجاب الله له وأعاذه، لا برسول ولا ملك ولا بأحد من أتباعه المؤمنين، إنما برجل مؤمن من آل فرعون كان يكتم إيمانه خوفاً من بطش فرعون قام مدافعاً عن موسى، وهذا أوضح في الحجة وأبلغ.
لكن لماذا يَكْتُمُ إِيمَانَهُ.. ما دام مؤمناً؟ قالوا: كانوا يغلفون إيمانهم ويسترونه لأنه ليس لديهم القوة التي يَدْفعون بها الطغيان، فالإيمان في النفس حتى يجد الفرصة فيظهر ويجاهر، وها هو يظهر على لسان هذا الرجل المؤمن الذي يعلن أمام فرعون وجبروته أنه مؤمن، ويدعو بدعوة هي أشبه بدعوة الرسل، ويخبر بمنهج كأنه رسول.
وكلمة يَكْتُمُ إِيمَانَهُ.. لها في الإسلام ملحظ وتاريخ، ومعنى كَتْم الإيمان أن الإيمان يحاول أن يبرز في تصرفات الرجل لكنه يكتم إيمانه، فهو حريص على أنْ يجعل إيمانه سراً بينه وبين ربه فقط ليستطيع أن يقول كلمة الحق ويجهر بها أمام القوم وهو غير مؤمن حتى لا يَؤْذَى.
إذن: فالإيمان عمل وجداني له نضج على جميع جوارح النفس الإنسانية، فالمؤمن تجده متواضعاً منكسراً يستجيب للحق ويخضع له، المؤمن عطوف كريم حليم رحيم، تلحظ إيمانه من تصرفاته، ولكنه يحاول أن يكتم هذا حتى يقف الموقف الذي يمكنه من الجهر بالإسلام جهراً قوياً عنيفاً.
لذلك يقولون: إن الإيمان عملية قلبية وهو سِرٌّ بين العبد وربه، ثم له أمر ظاهري بين المؤمن والناس، وقد يلتحم الأمران السر والجهر بينه وبين ربه، وبينه وبين الناس، فقد يكون مؤمناً بينه وبين الله أما بينه وبين الناس فهو مؤمن أو غير مؤمن، لأن العملية الإيمانية يُبدي فيها فوق ما يظهر إيمانه...
لكن ماذا قال الرجل المؤمن؟
قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ تأمل جرأة الحق من هذا المؤمن، فهو يجهر بهذا الاستفهام الإنكاري أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً يجهر به أمام فرعون. أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أي: بسبب قوله ربي الله فلا جريرةَ له غير هذا، يقولها الرجل المؤمن علانية أمام فرعون، وما أدراك ما فرعون، إنه الوحيد الذي ادعى الألوهية وقال لقومه مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] فلا شكَّ أن كلمة الرجل المؤمن تغيظه وتهدم أركان ألوهيته المدَّعاة.
وقوله: وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ أي: بالآيات الواضحات فكيف يُقتل؟ ولنفرض أنه كذاب فلا يضيركم كذبه، لأنه كذب على الله وسوف يتحمل عاقبة هذا الكذب وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ يعني: وإنْ كان صادقاً لم تُحرموا خيره وأصابكم بعض هذا الخير. إذن: لماذا تقتلونه؟ فالاحتياط ألاَّ يُقتل.
لكن، هل معنى ذلك أن نترك كلَّ ملحد يقول ما يحلو له ويخوض في أمور الدين ولا نمنعه اعتماداً على وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ قالوا: لا بل يجب أنْ نُقدِّر هنا جملة: امنعوه أن يقول لكن لا تقتلوه. كثيراً ما نسمع عن الزنادقة الذين يخوضون في دين الله الآن، فماذا نفعل. أنتركهم ونقول: عليهم كذبهم؟
لا إنما يجب أنْ نتصدَّى لهم ونمنعهم من هذا الهراء، ونأخذ على أيديهم حتى لا يُحدثوا ما يضر بدين الله. كذلك قال الرجل المؤمن من آل فرعون يدافع عن سيدنا موسى عليه السلام كأنه يريد أن يستبقي حجة الحق لعله توجَد آذان فيما بعد تنصره.
ثم يقرر الحق سبحانه هذه الحقيقة: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ هذا الكلام يُعَد تعريضاً وطَعْناً في فرعون، فالحق سبحانه لا يترك أحداً يكذب عليه دون أنْ يفضح كذبه، لماذا؟ لأن سَتْر هذا الكذب يُعتبر تدليساً في منهج السماء، وحاشا لله تعالى ذلك، لذلك نرى كلَّما ادَّعى أحدٌ النبوةَ افتُضِح أمره وعلم الناس كذبه، لأنه لا يصح أنْ يدَّعي كذابٌ النبوة، ولا يظهر الله للناس كذبه، وهذا مُتضمَّنٌ في قوله تعالى وفي وعده: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [غافر: ٥١]. وفي قوله: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧٣].
قوله: يٰقَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ هذا كلام الرجل المؤمن ينصح قومه. نعم لهم المُلْك أي: مُلْك فرعون وجبروته وسطوته وادعاؤه للألوهية.. إلخ و ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ يعني: منتصرين وعالين على غيركم، لكن احذروا فهذا حال موقوت لا يدوم لكم فهو مُقيَّد لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ وكأنه يقول لهم: احذروا أنْ يضيع هذا الملْك من أيديكم.
فربما كان هذا الرجل -أي موسى عليه السلام- صادقاً فيجمع حوله الأتباع والأنصار، ويقضي على هذا الملك، فاستبقوا إذن ولو الضلال الذي أنتم عليه ولا تدخلوا معه في صدام لا تعلمون عاقبته فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا لا أحدَ، لأن بأسَ الله وانتقامه في تأييد رسله بأسٌ لا يُرَدّ ولابدَّ أنْ يدمر المخالف فاحذروا، هكذا يتحدث الرجل المؤمن بمنطق الإيمان الراسخ في نفسه ويصدق قومه لا يغشهم.
وهنا لابُدَّ أنْ ينتفضَ فرعون، وأنْ يحاول القبض على زمام الأمور لصالحه: قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ لاحظ منطق التسلط في مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ ومنطق التزييف في وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ.
لكن هذا من فرعون لم يمنع الرجل المؤمن أنْ يستمر في دعوته ولم يصدَّه أنْ ينصح قومه: وَقَالَ الَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ....
هنا يستمر الرجل المؤمن في نُصْحه لقومه، فكلمة فرعون لم تُخفهُ ولم تصدّه عن دعوته، فيقول: يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ يعني: إنْ كنتم ظاهرين الآن في الأرض ولكم الغلبة، فلستم أظهر ممن سبقوكم في موكب الرسالات من أول نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ.
وقد أرانا الله العجب فيمن كذَّب الرسل فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٠].
إذن: عليكم أنْ تأخذوا ممن سبقوكم في التكذيب عبرة، خاصة وأنتم تشاهدون آثارهم في الأرض التي تدل على أنهم كانوا أقوى منكم وآثاراً في الأرض، ومع ذلك لم تنفعهم قوتهم، ولم تمنعهم آثارهم من بأس الله حين نزل بهم، وما أبقى الله على هذه الآثار إلا لتكوين عبرة لمن بعدهم وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨].
ولو انطمستْ آثارهم لم تكُنْ هناك حجة واقع، فبقاء الآثار إلى الآن تبين لنا أن الذين صنعوا هذه الحضارات وتركوا هذه الآثار لم يستطيعوا أنْ يحموا حضاراتهم، وكانوا أكثر منكم قوة وآثاراً في الأرض وعمروها أكثر منكم، فما دام قد حدث هذا في الواقع وأنتم تشاهدونه فخذوه قولاً من الرسول وواقعاً أمامكم في الكون.
ونلاحظ هنا أن كلمة (يَوْم) جاءت مفردة و (الأحزاب) جمع فلماذا لم يَقُل مثلاً (أيام الأحزاب)، والحزب هم الجماعة المناهضون للرسول المكذبون له، فحزب مناهض لنوح، وحزب مناهض لهود، وآخر لصالح.. إلخ.
إذن: فالأيام هنا متعددة، ومع ذلك قال: مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ فوحَّد اليوم وجمع الأحزاب، لماذا؟ لأن العملية كأنها حدثٌ واحد مُتحد في الجميع، وإنْ تعددتْ الأحزاب بتعدُّد الرسل فهو يوم الأحزاب لا أيام الأحزاب، لأننا لو قلنا: أيام الأحزاب لكان لهذا يوم بسبب، ولهذا يوم بسبب آخر وهكذا، لكنه سبب واحد في جميع الحالات، ألا وهو التكذيب في مقام العقيدة، وفي مقام تشريع الحق سبحانه للخلق.
ثم بعد ذلك يُفصل ما أجملته كلمة الأحزاب: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ يعني: لم يأخذهم هذه الأَخْذة ظلماً لهم، وكلمة (لِلعبَادِ) يعني: كيف يظلمهم وهم عباده وصنعته، إنما أخذهم جزاءَ أفعالهم وتكذيبهم لرسلهم ليكونوا عبرة واقعية في الكون يعتبر بها كل مَنْ يعارض منهج الحق.
آية رقم ٣٢
يوم الأحزاب كان في الدنيا، أما يوم التناد فيوم القيامة، فكأنه حذَّرهم بيوم الأحزاب من المصائب التي تأتيهم في دنياهم، ثم حذرهم بيوم الجزاء يوم القيامة فقال: وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ والتناد تفاعل يعني: تناديني وأناديك، والتنادي يوم القيامة سيكون من وجوه عدة، يقول تعالى: يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء: ٧١] وهذا أول نداء، يقول: يا أمة محمد، يا أمة عيسى، يا أمة موسى.. إلخ أو أن ينادي بعضهم بعضاً.
وقد ذكر الحق سبحانه صوراً متعددة من هذه النداءات، فقال سبحانه: وَنَادَىۤ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً [الأعراف: ٤٤].
وقال: وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.. [الأعراف: ٥٠].
وقال: وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ.. [الأعراف: ٤٨] وأصحاب الأعراف جماعة استوت حسناتهم وسيئاتهم ولم يدخلوا الجنة، ومع ذلك يشمتون في الكفار.
أو: أن التناد ليس من مناداة بعضنا لبعض، إنما هو من الفعل (ندَّ) يعني: بعُد وشرد، يعني: يوم التناد يوم تشرد مني وأشرد منك، وهذا مثل قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس: ٣٤-٣٦] والمراد: يفر منهم وهم كذلك يفرون منه، فكلٌّ يهرب من الآخر لانشغاله بنفسه.
لكن ماذا يقصد الرجل المؤمن بذلك؟ قالوا: يريد أن يقول لهم: إنْ كنتم تظاهرون بعضاً على الباطل في الدنيا فاعلموا أنكم ستفرون من بعض في الآخرة يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ.
وتأمل هنا حبكة الأداء القرآني، فحينما يأتي بلفظ يحمل معنيين أو يجمع بين معنيين يأتي بما يدل على كل منهما، فهنا مثلاً قال يَوْمَ التَّنَادِ بمعنى المناداة.
يوم الأحزاب كان في الدنيا، أما يوم التناد فيوم القيامة، فكأنه حذَّرهم بيوم الأحزاب من المصائب التي تأتيهم في دنياهم، ثم حذرهم بيوم الجزاء يوم القيامة فقال: وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ [غافر: ٣٢] والتناد تفاعل يعني: تناديني وأناديك، والتنادي يوم القيامة سيكون من وجوه عدة، يقول تعالى: يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء: ٧١] وهذا أول نداء، يقول: يا أمة محمد، يا أمة عيسى، يا أمة موسى.. إلخ أو أن ينادي بعضهم بعضاً.
وقد ذكر الحق سبحانه صوراً متعددة من هذه النداءات، فقال سبحانه: وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً [الأعراف: ٤٤].
وقال: وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ.. [الأعراف: ٥٠].
وقال: وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ.. [الأعراف: ٤٨] وأصحاب الأعراف جماعة استوت حسناتهم وسيئاتهم ولم يدخلوا الجنة، ومع ذلك يشمتون في الكفار.
أو: أن التناد ليس من مناداة بعضنا لبعض، إنما هو من الفعل (ندَّ) يعني: بعُد وشرد، يعني: يوم التناد يوم تشرد مني وأشرد منك، وهذا مثل قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس: ٣٤-٣٦] والمراد: يفر منهم وهم كذلك يفرون منه، فكلٌّ يهرب من الآخر لانشغاله بنفسه.
لكن ماذا يقصد الرجل المؤمن بذلك؟ قالوا: يريد أن يقول لهم: إنْ كنتم تظاهرون بعضاً على الباطل في الدنيا فاعلموا أنكم ستفرون من بعض في الآخرة يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [غافر: ٣٣].
وتأمل هنا حبكة الأداء القرآني، فحينما يأتي بلفظ يحمل معنيين أو يجمع بين معنيين يأتي بما يدل على كل منهما، فهنا مثلاً قال يَوْمَ ٱلتَّنَادِ [غافر: ٣٢] بمعنى المناداة. وقال: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [غافر: ٣٣] بمعنى الفرار، فجمع بين المعنيين في كلمة (التناد).
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة الرحمن ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن: ٦] فالشمس والقمر مخلوقات علوية، والشجر أرضي وبينهما كلمة (النجم) ولها معنيان: الأول: المتبادر إلى الذِّهْن هو النجم العالي في السماء من جنس الشمس والقمر، والآخر (النجم) بمعنى: العُشْب الذي لا ساقَ له، وهو جنس الشجر.
وقوله: مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣٣] (مِنْ عَاصِمْ) يعني: لا أحد يستطيع أن يمنعكم من الله، ولا يدفع عنكم بأساً إنْ نزل بكم وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣٣] يعني: من يحكم الله بضلاله لا يهديه أحد، لماذا؟ قالوا: لأن الله تعالى سيعينه ويُمكنه من الضلال.
لذلك قلنا: إذا أحبَّ العبدُ شيئاً قال الله لعبده: أحببته يا عبدي سأبليك به، كمن مات له عزيز مثلاً فحزن عليه حزناً شديداً وبالغ فيه واستمرأ الحزن، فيقول الله له: أحببتَ الحزن وعشقته، سوف أزيدك منه، كلما تقادم جددته لك.
لذلك قال أهل المعرفة: أغلقوا أبواب الحزن بمسامير الرضا، لأنكم إنْ ألفتم الحزن وعشقتموه أدامه الله عليكم، لأنه سبحانه ربكم والمتولي لأموركم، ويعطي كلاً منكم بُغْيته، حتى الكافر الذي أحب الكفر وعده الله أنْ يعينه عليه، لذلك يختم على قلبه بحيث لا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر.
ثم يستمر الرجل المؤمن من آل فرعون في نصحه لقومه فيقول:
وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ... .
لما جاء يوسف عليه السلام لم يكُنْ في زمنه فرعونٌ على مصر، إنما كان هناك ملك هو العزيز، لذلك لما تقرأ قصة سيدنا يوسف عليه السلام لا تجد ذكراً لفرعون أبداً كما في قصة سيدنا موسى، ولما عرفنا أحداث التاريخ المتعاقبة واستطعنا أن نُرجع الأحداث إلى أزمانها عرفنا أن يوسف كان في فترة ملوك الرعاة (الهكسوس)، وهؤلاء بعد أنْ دخلوا مصر قضوا على حكم الفراعنة وألغوا الفرعونية وجعلوا أنفسهم ملوكاً، لذلك يقول في القصة وَقَالَ ٱلْمَلِكُ [يوسف: ٤٣] ولم يقُل فرعون.
ولما عادتْ الفرعونيةُ مرة أخرى أخذوا يضطهدون بني إسرائيل لأنهم كانوا يناصرون الملك ويؤيدونه.
قوله بِٱلْبَيِّنَاتِ [غافر: ٣٤] أي: الآيات الواضحات الدالة على صدقه في البلاغ عن الله فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ [غافر: ٣٤] أي: تشكُّون في صدق رسالته حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ [غافر: ٣٤] يعني: مات قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً [غافر: ٣٤] قالوا: ذلك لأنهم ينكرون الرسالة، فهم في أنفسهم منافقون كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ [غافر: ٣٤] يعني: متجاوز للحد مُّرْتَابٌ [غافر: ٣٤] شَاكٌّ في الرسالة مُكذِّب لها.
وهل هناك جدل في الله وله سلطان يؤيد؟ قالوا: نعم الجدل المقصود جدلٌ في الله. يعني: في أمر الله للإثبات، وجدل من المقابل لنفيه. وقلنا: إن الآيات تأتي على معانٍ ثلاثة: آيات كونية تدل على طلاقة قدرة الخالق سبحانه، وآيات لإثبات صِدْق الرسل في البلاغ عن الله وهي المعجزات وآيات القرآن التي تحمل الأحكام. ففي أيِّ هذه الأنواع كانوا يجادلون؟
أولاً: جادلوا في آيات المعجزات وقالوا عنها سحر، والرد على هذا الادعاء سهل، إذ نقول لهم: الذي سحر الناس فآمنوا به، لماذا لم يسحركم أنتم أيضاً لتؤمنوا به وعندها تنتهي المسألة؟
كذلك جادلوا في آيات الأحكام، لماذا؟ لأن كل حكم يُنزله الله على عباده يمنع طغيان جيل في جيل أو فرد في فرد، وهذا ينافي مصلحة أهل التسلط والكبرياء في الأرض تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣].
أما الآيات الكونية التي تثبت قدرة الخالق سبحانه كالشمس والقمر والنجوم وغيرها فليست مجالاً للجدل، لذلك لم يجادلوا فيها.
ومعنى كَبُرَ مَقْتاً أي: أن هذا الجدل في آيات الله بغير حقٍّ جدلٌ ممقوت يبغضه الله بغضاً كبيراً، ويبغضه الذين آمنوا الذين يحرصون على دين الله وتقوية دواعي الإيمان به في النفوس.
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ معنى يَطْبَعُ أي: يختم على قلبه. والمتكبر: هو الذي يفتعل الكبر ويدعيه وليس عنده مبرراته، فهو يتكبر بلا رصيد عنده للكبر... إذن: قلنا إن المتكبر مَنْ يتكبّر وليس عنده مبررات الكبر، فماذا لو كان عنده مبررات الكبر؟ نقول: إنْ كان عنده مبررات الكبر فإنه ينقصه أنه يتكبر بشيء غير ذاتي فيه ومن الممكن أنْ يُسلب منه، كمن يتكبر بعافيته فقد يسلبها الله منه لأنها عَرَضٌ زائل عنك، ثم إن المتكبر حينما يرى مَنْ هو أكبر منه يتضاءل في كبريائه، ولو أنه رأى ببصيرته كبرياء ربه لما تكبَّر.
آية رقم ٣٦
يأمر فرعونُ وزيره ومعاونه هامان أن يبني له بناءً شامخاً يصعد عليه، لعلَّه يرى هذا الإله الذي يدعو موسى إلى عبادته، كأن الصَّرْح سيُوصّله لرؤية الإله، والله الإله الذي تراه من صرح لا يصح أنْ يكون إلهاً وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ [غافر: ٣٧] أي: ضلال وخُسران، فلن يظل كذلك، ولكن سيعلو ويعلو إلى أنْ يفضحَ اللهُ أمره يوم الغرق.
يأمر فرعونُ وزيره ومعاونه هامان أن يبني له بناءً شامخاً يصعد عليه، لعلَّه يرى هذا الإله الذي يدعو موسى إلى عبادته، كأن الصَّرْح سيُوصّله لرؤية الإله، والله الإله الذي تراه من صرح لا يصح أنْ يكون إلهاً وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ [غافر: ٣٧] أي: ضلال وخُسران، فلن يظل كذلك، ولكن سيعلو ويعلو إلى أنْ يفضحَ اللهُ أمره يوم الغرق.
آية رقم ٣٨
هذا قوْل الرجل المؤمن من آل فرعون يعظ قومه وكأنه نبيّ، فإنْ قُلْتَ: وماذا أسكته عن فرعون حتى وصل بضلاله إلى أنْ يدَّعي الألوهية؟ قالوا: هذه من ضمن قولنا إن للحق صَوْلة لكن لها وقتها المناسب، وساعةَ ينطق الحق على لسان هذا المؤمن فكأن الحق سبحانه هو الذي يتكلم، لذلك لم يعارضه أحدٌ لأن وارد الرحمن لا يُعارَض إنما يُعارض وارد البشر.
لذلك لما قال الحق سبحانه: وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ [القصص: ٧] لم تعارض هذا الرأي، ومَنْ يقول للمرأة: إنْ خافت على وليدها ألقيه في اليم؟ والله لو قالها أحدٌ غير الحق سبحانه لَعُورضت لكن قبلتها أم موسى ولم تعترض، لأن وارد الرحمن لا يُعارض ولا يُناقَش، وإلا لَكانَ لها أنْ تقول: أأنجيه من موت مظنون إلى موت مُحقَّق؟
إذن: لا عجبَ أنْ يقول الرجل المؤمن هذا الكلام على مَرْأىً ومَسْمع من فرعون، ومع ذلك لم يعارضه.
يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ [غافر: ٣٩] هذه تلفتنا إلى أن الإنسان في أحداث الحياة معه لابُدَّ له أن يخدم غاية، ويُشترط في الغاية التي تخدم ألاَّ يكون بعدها غاية أخرى، فإنْ كان بعدها غايةٌ أخرى فليستْ بغاية، بل هي مرحلة مُوصِّلة للغاية، مثل الولد تعلمه ليأخذ الإعدادية مثلاً، فهل الإعدادية غاية؟ لا إنما هي مرحلة مُوصِّلة إلى مرحلة أخرى هي الثانوية، كذلك الثانوية مرحلة مُوصِّلة إلى ما بعدها. فالشيء ما دام له بَعْد فليس بغاية، الغاية هي التي ليس لها بَعْد، لذلك يقول لهم الرجل المؤمن: إن الدنيا كلها بما فيها متاع مجرد متاع ليست غاية، إنما الغاية الحقيقية هي الآخرة.
والنظرة المتأملة ترى أن الإنسان له عمر مظنون في الكون غير مُحدَّد أبهمه الله، وجاء هذا الإبهام عين البيان وأرفع درجاته، لأنه سبحانه حين أبهمه في الزمان وفي المكان جعلنا نتوقعه وننتظره في كل لحظة وفي أيِّ مكان، لذلك قالوا: الموت سهمٌ أُرسِل إليك وهو في الطريق إليك بالفعل وعمرك بقدر سفره إليك.
وحين تتأمل الكون من حولك تجد الخالق سبحانه خلق لك كوناً منسجماً يخدمك، شمس وقمر ونجوم وهواء وماء ونبات.. إلخ فانظر يا مَنْ خُلِقت له هذه الأكوان كيف تفنى أنت وتبقى هي، تموت أنت والشمس كما هي والقمر والنجوم والهواء والماء، لم يتغير في كون الله شيء، حتى الماء الذي نظنه ينقص هو في الكون كما هو منذ خلقه الله لا يزيد ولا ينقص.
فالماء الذي أخذته من الكون في حياتك خرج منك مرة أخرى في صورة عرق وفضلات، حتى النسبة التي تبقى فينا بعد الموت تخرج وتمتصّها الأرض، كذلك الماء في الوردة مثلاً وفي كل الكائنات، إذن: فالكون كله كذلك عبارة عن تغيُّرات في مُتحد.
لكن أيُعقل أن يكون الخادمُ أطولَ عمراً من المخدوم، أموت وتبقى الشمس التي تخدمني والتي خُلِقت من أجلي؟ نعم لتعلم أنَّ خادمك أطول عمراً منك في الدنيا مع أَنك المكرَّم المخدوم، إذن: لا بدَّ أن لي عمراً آخر يناسب هذا التكريم، عمراً يبقى بعد فناء هذه المخلوقات حيث تنتهي الشمس والقمر والنجوم.. وأبقى أنا، وهذا لا يكون إلا في الآخرة يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: ٤٨].
ولا بدَّ للمؤمن أن يقول بهذا اليوم، وأنْ يؤمن به ليكون هو المكرّم حقاً وهو الأطول عمراً. حتى الموت نفسه يموت وتبقى أنت في الآخرة خالداً لا تفوتك النعمة ولا يدركك الموت.
لذلك يريد منا الحق سبحانه أن ننظر إلى هذه الغاية، لا أن ننظر تحت أقدامنا، ونعيش فقط للحظة التي نحن فيها، فالغاية الحقيقية لكل مؤمن هي الآخرة لأنها ليس لها بَعْد وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤] والحيوان مبالغة من الحياة. أي: الحياة الحقيقية.
وهنا يقول الرجل المؤمن: يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ [غافر: ٣٩] أي: المستقر التي لا عدولَ عنها، ولا سُكْنى غيرها، ولا بُدَّ أن نعمل لها.
يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَـرَارِ هذه تلفتنا إلى أن الإنسان في أحداث الحياة معه لابُدَّ له أن يخدم غاية، ويُشترط في الغاية التي تخدم ألاَّ يكون بعدها غاية أخرى، فإنْ كان بعدها غايةٌ أخرى فليستْ بغاية، بل هي مرحلة مُوصِّلة للغاية، مثل الولد تعلمه ليأخذ الإعدادية مثلاً، فهل الإعدادية غاية؟ لا إنما هي مرحلة مُوصِّلة إلى مرحلة أخرى هي الثانوية، كذلك الثانوية مرحلة مُوصِّلة إلى ما بعدها. فالشيء ما دام له بَعْد فليس بغاية، الغاية هي التي ليس لها بَعْد، لذلك يقول لهم الرجل المؤمن: إن الدنيا كلها بما فيها متاع مجرد متاع ليست غاية، إنما الغاية الحقيقية هي الآخرة.
والنظرة المتأملة ترى أن الإنسان له عمر مظنون في الكون غير مُحدَّد أبهمه الله، وجاء هذا الإبهام عين البيان وأرفع درجاته، لأنه سبحانه حين أبهمه في الزمان وفي المكان جعلنا نتوقعه وننتظره في كل لحظة وفي أيِّ مكان، لذلك قالوا: الموت سهمٌ أُرسِل إليك وهو في الطريق إليك بالفعل وعمرك بقدر سفره إليك.
وحين تتأمل الكون من حولك تجد الخالق سبحانه خلق لك كوناً منسجماً يخدمك، شمس وقمر ونجوم وهواء وماء ونبات.. إلخ فانظر يا مَنْ خُلِقت له هذه الأكوان كيف تفنى أنت وتبقى هي، تموت أنت والشمس كما هي والقمر والنجوم والهواء والماء، لم يتغير في كون الله شيء، حتى الماء الذي نظنه ينقص هو في الكون كما هو منذ خلقه الله لا يزيد ولا ينقص.
فالماء الذي أخذته من الكون في حياتك خرج منك مرة أخرى في صورة عرق وفضلات، حتى النسبة التي تبقى فينا بعد الموت تخرج وتمتصّها الأرض، كذلك الماء في الوردة مثلاً وفي كل الكائنات، إذن: فالكون كله كذلك عبارة عن تغيُّرات في مُتحد.
لكن أيُعقل أن يكون الخادمُ أطولَ عمراً من المخدوم، أموت وتبقى الشمس التي تخدمني والتي خُلِقت من أجلي؟ نعم لتعلم أنَّ خادمك أطول عمراً منك في الدنيا مع أَنك المكرَّم المخدوم، إذن: لا بدَّ أن لي عمراً آخر يناسب هذا التكريم، عمراً يبقى بعد فناء هذه المخلوقات حيث تنتهي الشمس والقمر والنجوم.. وأبقى أنا، وهذا لا يكون إلا في الآخرة يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: ٤٨].
ولا بدَّ للمؤمن أن يقول بهذا اليوم، وأنْ يؤمن به ليكون هو المكرّم حقاً وهو الأطول عمراً. حتى الموت نفسه يموت وتبقى أنت في الآخرة خالداً لا تفوتك النعمة ولا يدركك الموت.
لذلك يريد منا الحق سبحانه أن ننظر إلى هذه الغاية، لا أن ننظر تحت أقدامنا، ونعيش فقط للحظة التي نحن فيها، فالغاية الحقيقية لكل مؤمن هي الآخرة لأنها ليس لها بَعْد وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤] والحيوان مبالغة من الحياة. أي: الحياة الحقيقية.
وهنا يقول الرجل المؤمن: يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَـرَارِ [غافر: ٣٩] أي: المستقر التي لا عدولَ عنها، ولا سُكْنى غيرها، ولا بُدَّ أن نعمل لها.
نعم ما دامت الآخرة هي دار القرار والمستقر فلابدّ من الرجوع إليَّ والوقوف بين يديّ أُجازي كُلاًّ بعمله، وأنا لستُ جباراً عليكم إنما أنا رحيم بكم أجازي السيئة بمثلها، أو أغفر وأضاعف الحسنة أضعافاً كثيرة.
والوقفة هنا عند قوله تعالى: وَهُوَ مُؤْمِنٌ فهذا الشرط لا يمنع غير المؤمنين من فعل الخير والعمل الصالح، وقد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [الشورى: ٢٠].
والكافر حين يفعل الخير يأخذ حظه منه في الدنيا، لا نصيبَ له في ثواب الآخرة، يأخذه في الدنيا شهرةً وصيتاً وسُمعة طيبة على ألسنة الناس، يأخذه في صورة تكريم واحتفال، ألاَ تراهم يقيمون لهم التماثيل ويُخلِّدون ذكراهم.. إلخ.
إذن: أخذوا حظهم في الدنيا، لذلك يقول تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
تأمل وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ.. [النور: ٣٩] يعني: فوجئ به لأنه لم يكُنْ في باله في الدنيا وما عمل من أجله قطّ، ومعلومٌ أن الإنسان يأخذ أجره ممَّنْ عمل له.
وقد سُئِلْنا في هذه المسألة في سان فرانسيسكو: أيضيع أجر الكافر الذي عمل الخير في الدنيا؟ قلت: أعملَ للخير لله أم للإنسانية ورُقيِّها؟ قالوا: عمل للإنسانية ورُقيِّها وخدمتها، قلت: فليأخذ أجره منها وقد أخذه شهرة وصيتاً وتخليداً، قال تعالى: وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً [الفرقان: ٢٣].
لذلك نقول: إن الكافرين الذين عملوا لرقي المجتمع وتقدمه نحن ننتفع بأعمالهم ومخترعاتهم ومكتشفاتهم، بل ونطوعها لخدمة الإيمان والدعوة إلى الله، فهذا المسجِّل وهذا الميكرفون وغيرها ثمرة جهدهم، لكن لا حَظَّ لهم في ثوابه، لذلك نقول: إن هؤلاء خُدَّام حَرْف واحد من حروف القرآن، ما هو؟ هو السين في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ [فصلت: ٥٣].
فهم يتعبون ويعيشون حياة قاسية في تقشُّف ليتفرغوا للبحث والدراسة للوصول إلى سِرٍّ من أسرار الله في كونه، وفي النهاية ينتفع الناس بأعمالهم، ويُحْرمون هم ثواب هذا العمل.
وقوله: فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ الرزق كل ما ينتفع به الإنسان، وليس مجرد المال كما يظن البعض، فالعافية رزق، والسلامة رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، كلُّ ما تنتفع به رزقٌ لك بِغَيْرِ حِسَابٍ كلمة حساب تعني: أنك تحسب للشيء حساباً على قدره.
أما في الآخرة فالرزق فيها بغير حساب، أي: بغير حساب من أحد لأن المعطي الرازق هو الله، والله حين يعطيك لا يعطيك على قدر عملك، إنما يعطيك على قدره هو سبحانه.
وحين يأتيك الخير غير المظنون تقول: لم أكُنْ أعمل له حساباً، فمعنى بِغَيْرِ حِسَابٍ يعني: طلاقة قدرة في العطاء، قدرة تعطى للمعطي بلا حساب مُسبَّب منه، وبلا حساب على قدرك، فالمسألة إذن واسعة.
هذا كلام الرجل المؤمن من آل فرعون، كأنه كلام الأنبياء، وإني حتى الآن لم أَهْتد إلى سبب يقنعني كيف سكت فرعون على هذا الكلام، ولا أستطيع إلا أن أقول: إن الله سبحانه قادر على أنْ يجمع بين الشيء ونقيضه، فالمؤمن يجهر بهذا الكلام الإيماني لكن الحق سبحانه يُدخله في أذن فرعون غير ذلك، وإلا لما سكت عنه وتركه يتكلم بهذا المنطق الإيماني الذي يهدم ألوهية فرعون المدَّعاة، أو كما قلنا أن وارد الرحمن لا يُعارض.
وقوله: مَا لِيۤ يستفهم عن شيء في نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم تدعونني إلى النار؟ أي: إلى ما يؤدي إلى النجاة وما يؤدي إلى النار، قالوا: لأن الخير لا يكون خيراً إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
هذا كلام الرجل المؤمن من آل فرعون، كأنه كلام الأنبياء، وإني حتى الآن لم أَهْتد إلى سبب يقنعني كيف سكت فرعون على هذا الكلام، ولا أستطيع إلا أن أقول: إن الله سبحانه قادر على أنْ يجمع بين الشيء ونقيضه، فالمؤمن يجهر بهذا الكلام الإيماني لكن الحق سبحانه يُدخله في أذن فرعون غير ذلك، وإلا لما سكت عنه وتركه يتكلم بهذا المنطق الإيماني الذي يهدم ألوهية فرعون المدَّعاة، أو كما قلنا أن وارد الرحمن لا يُعارض.
وقوله: مَا لِيۤ [غافر: ٤١] يستفهم عن شيء في نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم تدعونني إلى النار؟ أي: إلى ما يؤدي إلى النجاة وما يؤدي إلى النار، قالوا: لأن الخير لا يكون خيراً إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: ثم يوضح معنى أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ [غافر: ٤١] فيقول: تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ [غافر: ٤٢] فأنتم تحثونني على الكفر بالله والشرك به، وأنا أحثكم على الإيمان به.
كلمة (لاَ جَرمَ) أي: لا شك ولا محالة أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ [غافر: ٤٣] أي: إلى عبادته من دون الله لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ [غافر: ٤٣] أي: دعوة مستجابة لأنهم لا يسمعون الدعاء ولو سمعوا ما استجابوا وَأَنَّ مَرَدَّنَآ [غافر: ٤٣] أي: مرجعنا ومصيرنا ونهاية المطاف بنا إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ [غافر: ٤٣] أي: المستحقُّون لها الجديرون بها كأنهم أًصحابها.
ومعنى ٱلْمُسْرِفِينَ [غافر: ٤٣] أي: المتجاوزين للحدِّ في الكفر والطغيان، وأشدهم المسرف على نفسه الذي تجاوز الحدَّ الذي ينبغي أنْ يقفَ عنده، وهذا الحد إما أنْ يكونَ في المأمورات أو في المنهيات.
والحق سبحانه يوضح لنا هذه القضية في قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أي: في المأمورات، ويقول في المنهيات: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
ففي الأوامر احرص على ألاَّ تتعدَّاها وفي النواهي لا يقول لك: لا تفعلها بل لا تقربها، لا تقترب منها ولا من الأسباب المؤدية إليها لأنه مَنْ حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولا بدَّ للمؤمن أن يحترم هذا الاحتياط من ربه، لأنه سبحانه خالقه، وأعلم به من نفسه.
والرجل المؤمن حينما يُذيل موعظته للقوم بقوله وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ [غافر: ٤٣] كأنه يريد أنْ يُعرِّض بفرعون الذي بلغ القمة في الإسراف على نفسه، لأن قضية الإسراف في الدين أنك قد لا تسمع لنداء الحق وتلغي أوامره وتعرض عن نواهيه، قد تلغي الإيمان بالله كلية، لكن هذا الطاغية زاد على هذا كله حيث ادَّعى هو الألوهية، وقال لقومه: فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ [النازعات: ٢٤] وأيُّ إسراف بعد هذا؟
قوله فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ [غافر: ٤٤] يعني: إنْ كنتم تكذبونني الآن وأنا أريد أنْ أُخرجكم ممَّا تعودتم عليه من عبوديتكم لفرعون فسوف تذكرون ما أقوله لكم من النصح؛ والمراد تذكرونه في الدنيا أو تذكرونه في الآخرة وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ [غافر: ٤٤] أي: أردّ أمري إليه سبحانه فهو وليِّي.
وكأنه استشعر أن هذا الكلام الذي قاله سيُغضب فرعون، ولا بدَّ أنه سيُبيِّت له لينتقم منه دون مجابهة أو مواجهة حتى لا يُؤلب عليه القوم، فقال وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ [غافر: ٤٤]؟
يعني: إنْ كنتَ قد بُليتَ بأمر نتيجة ما أفضت فيه من شرح منهج الله والدفاع عن نبيه موسى والاستماع إلى المنهج الحق والسير عليه، فأرجو أنْ يعطيني من العمل ما ينفعني في الآخرة إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَاد [غافر: ٤٤] فكانت نتيجة تفويض أمره لله:
فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ... .
قوله تعالى: فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ [غافر: ٤٥] يعني: لم يحدث له مكروه، وهذا أمر يدعو للعجب، لأن هذا الرجل يقف أمام مَنْ؟ أمام فرعون ومع ذلك لم يُصِبْه مكروه ولم تضره محاولات فرعون للانتقام منه. لكن ولِمَ العجب؟ الوقاية من الله فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ [غافر: ٤٥] لأن الفعل لا يُترك لذاته ولا يُؤخذ لذاته، إنما الفعل بمقارنة فاعله، لا بدَّ من مصاحبة الفعل للفاعل، فالفعل قد يكون واحداً لكن يختلف الحكم فيه سعادةً به أو شقاءً بالنظر إلى الفاعل.
قلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك والدم يسيل من وجهه، ما أول سؤال تبادره به؟ مَنْ فعل بك هذا؟ إذن: فأنت لم تنشغل بالدم الذي يسيل منه بقدر انشغالك بمَنْ فعل هذا. فلو قال لك: عمي فلان ضربني تهدأ وتقول له: لا بدَّ أنك فعلتَ شيئاً يستحق العقاب فضربك، لكن إنْ قال لك: ابن فلان ضربني تقول: نعم لأنه يكرهنا وكذا وكذا. وتقيم الدنيا ولا تقعدها.
إذن: فكل فعل لا يُحكم عليه لذاته إنما بضميمة فاعله، ومعرفتك للفاعل هي التي يترتب عليها ردُّ الفعل منك.
وهذه المسألة حَلَّتْ لنا الإشكال في قضية الإسراء والمعراج، وفسَّرتْ لنا قوله تعالى: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا [الإسراء: ١] فما دام أن الذي أسرى هو الله فلا عجبَ إذن، فالفعل يتناسب وفاعله، ونزه الله عن الزمان والمكان وعن كل ما يشبه الخَلْق. ولو قال: محمد سَرَى لكان لنا كلام وجدال، أَمَا وقد أسرى اللهُ به فلا عجبَ في ذلك. كما لو قلت: صعدتُ بابني الرضيع قمة الهملايا، أيقول قائل: كيف صعد الرضيعُ قمة الهملايا؟
كذلك الحال هنا، وحين تكون الوقاية من الله فأيُّ قوة إذن وأيُّ طاغية أو جبار يستطيع أنْ يُؤذيك، والله واقيك منه. وقد جاءت هذه الوقاية إجابةً ورداً لتفويض الأمر لله تعالى، فالرجل المؤمن قال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ [غافر: ٤٤] فجاء الرد فوراً فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ [غافر: ٤٥].
وهذه الآية وقف عندها الإمام جعفر الصادق واستنبط منها بعض اللطائف والحكَم حين قال:
عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى: حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣] لأنِّي سمعت الله بعقبها يقول: فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ.. [آل عمران: ١٧٤].
وعجبتُ لمن مُكِر به ولم يفزع إلى قوله تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ [غافر: ٤٤] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ [غافر: ٤٥].
وعجبتْ لمن طلب الدنيا وزينتها ولم يفزع إلى قوله تعالى: مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ [الكهف: ٣٩] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ [الكهف: ٤٠].
وعجبتُ لمن اغتمَّ - والاغتمام انقباضُ الصدر وضيق النَّفَس دون أنْ تعرف له سبباً - ولم يفزع إلى قوله تعالى: لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨] يعني: ليست خاصة به وحده.
هذه من دقائق كتاب الله ولطائفه، ومَنْ أخذها وِرْداً له لا يمر به شيء من هذا، ونجَّاه الله منه ووقاه من الخوف ومن المكر ومن الفقر ومن الغمِّ.
ثم إن استجابة الحق سبحانه لعبده المؤمن لم تقف عند حَدِّ الوقاية من عدوه، إنما تعدَّتْ إلى العدو نفسه حيث انقلب الحال ودارتْ الدائرة عليه تأمل: فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٥] أي: نزل بهم وحَلَّ بهم سوء العذاب، والمراد عذاب الدنيا قبل الآخرة، لأن الإنسان له في حياته ثلاث مراحل: الحياة الدنيا التي نعيشها الآن، ثم حياة البرزخ بعد أن يموت إلى أنْ يُبعثَ يوم القيامة، ثم حياته بعد البعث.
فقوله: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٥] أي: نزل بهم قبل الحساب وقبل الآخرة، أما قوله: ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦] فالعرض على النار إذن ليس في الآخرة لأنه قال بعدها: وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦].
عندنا عَرْضٌ ودخول، العرض على النار قبل دخولها، فهو إما في الدنيا أو في البرزخ، وما داموا لم يُعرَضوا على النار في الدنيا فلم يَبْقَ إلا حياةُ البرزخ يُعرَضُون فيها على النار إلى قيام الساعة، وهذا ما نسميه عذاب القبر، ثم يأتي دخولهم النارَ بعد البعث والحساب.
وهكذا جمع الله على المسرفين عذاباً في الدنيا، وعذاباً في البرزخ، وعذاباً أشدّ وأنكَى في الآخرة.
وكلمة أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦] تثبت أيضاً عذابَ القبر، ففيه عذابٌ شديدٌ لكن عذابَ الآخرة أشدّ، عافانا الله وإياكم من العذاب.
قوله تعالى: فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ [غافر: ٤٥] يعني: لم يحدث له مكروه، وهذا أمر يدعو للعجب، لأن هذا الرجل يقف أمام مَنْ؟ أمام فرعون ومع ذلك لم يُصِبْه مكروه ولم تضره محاولات فرعون للانتقام منه. لكن ولِمَ العجب؟ الوقاية من الله فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ [غافر: ٤٥] لأن الفعل لا يُترك لذاته ولا يُؤخذ لذاته، إنما الفعل بمقارنة فاعله، لا بدَّ من مصاحبة الفعل للفاعل، فالفعل قد يكون واحداً لكن يختلف الحكم فيه سعادةً به أو شقاءً بالنظر إلى الفاعل.
قلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك والدم يسيل من وجهه، ما أول سؤال تبادره به؟ مَنْ فعل بك هذا؟ إذن: فأنت لم تنشغل بالدم الذي يسيل منه بقدر انشغالك بمَنْ فعل هذا. فلو قال لك: عمي فلان ضربني تهدأ وتقول له: لا بدَّ أنك فعلتَ شيئاً يستحق العقاب فضربك، لكن إنْ قال لك: ابن فلان ضربني تقول: نعم لأنه يكرهنا وكذا وكذا. وتقيم الدنيا ولا تقعدها.
إذن: فكل فعل لا يُحكم عليه لذاته إنما بضميمة فاعله، ومعرفتك للفاعل هي التي يترتب عليها ردُّ الفعل منك.
وهذه المسألة حَلَّتْ لنا الإشكال في قضية الإسراء والمعراج، وفسَّرتْ لنا قوله تعالى: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا [الإسراء: ١] فما دام أن الذي أسرى هو الله فلا عجبَ إذن، فالفعل يتناسب وفاعله، ونزه الله عن الزمان والمكان وعن كل ما يشبه الخَلْق. ولو قال: محمد سَرَى لكان لنا كلام وجدال، أَمَا وقد أسرى اللهُ به فلا عجبَ في ذلك. كما لو قلت: صعدتُ بابني الرضيع قمة الهملايا، أيقول قائل: كيف صعد الرضيعُ قمة الهملايا؟
كذلك الحال هنا، وحين تكون الوقاية من الله فأيُّ قوة إذن وأيُّ طاغية أو جبار يستطيع أنْ يُؤذيك، والله واقيك منه. وقد جاءت هذه الوقاية إجابةً ورداً لتفويض الأمر لله تعالى، فالرجل المؤمن قال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ [غافر: ٤٤] فجاء الرد فوراً فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ [غافر: ٤٥].
وهذه الآية وقف عندها الإمام جعفر الصادق واستنبط منها بعض اللطائف والحكَم حين قال:
عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى: حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣] لأنِّي سمعت الله بعقبها يقول: فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ.. [آل عمران: ١٧٤].
وعجبتُ لمن مُكِر به ولم يفزع إلى قوله تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ [غافر: ٤٤] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ [غافر: ٤٥].
وعجبتْ لمن طلب الدنيا وزينتها ولم يفزع إلى قوله تعالى: مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ [الكهف: ٣٩] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ [الكهف: ٤٠].
وعجبتُ لمن اغتمَّ - والاغتمام انقباضُ الصدر وضيق النَّفَس دون أنْ تعرف له سبباً - ولم يفزع إلى قوله تعالى: لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨] يعني: ليست خاصة به وحده.
هذه من دقائق كتاب الله ولطائفه، ومَنْ أخذها وِرْداً له لا يمر به شيء من هذا، ونجَّاه الله منه ووقاه من الخوف ومن المكر ومن الفقر ومن الغمِّ.
ثم إن استجابة الحق سبحانه لعبده المؤمن لم تقف عند حَدِّ الوقاية من عدوه، إنما تعدَّتْ إلى العدو نفسه حيث انقلب الحال ودارتْ الدائرة عليه تأمل: فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٥] أي: نزل بهم وحَلَّ بهم سوء العذاب، والمراد عذاب الدنيا قبل الآخرة، لأن الإنسان له في حياته ثلاث مراحل: الحياة الدنيا التي نعيشها الآن، ثم حياة البرزخ بعد أن يموت إلى أنْ يُبعثَ يوم القيامة، ثم حياته بعد البعث.
فقوله: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٥] أي: نزل بهم قبل الحساب وقبل الآخرة، أما قوله: ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦] فالعرض على النار إذن ليس في الآخرة لأنه قال بعدها: وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦].
عندنا عَرْضٌ ودخول، العرض على النار قبل دخولها، فهو إما في الدنيا أو في البرزخ، وما داموا لم يُعرَضوا على النار في الدنيا فلم يَبْقَ إلا حياةُ البرزخ يُعرَضُون فيها على النار إلى قيام الساعة، وهذا ما نسميه عذاب القبر، ثم يأتي دخولهم النارَ بعد البعث والحساب.
وهكذا جمع الله على المسرفين عذاباً في الدنيا، وعذاباً في البرزخ، وعذاباً أشدّ وأنكَى في الآخرة.
وكلمة أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦] تثبت أيضاً عذابَ القبر، ففيه عذابٌ شديدٌ لكن عذابَ الآخرة أشدّ، عافانا الله وإياكم من العذاب.
معنى: يَتَحَآجُّونَ [غافر: ٤٧] أي: يُحاج بعضهم بعضاً في النار، ويُلقي كل ٌّ منهم التبعة على الآخر، يقول (الضُّعَفَاءُ) أي: الأتباع لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ [غافر: ٤٧] أي: الزعماء والرؤساء إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً [غافر: ٤٧] يعني: تابعين لكم نفعل كما تفعلون، كنا نسير خلفكم ونقتدي بكم فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ [غافر: ٤٧] يعني: هل أنتم مدافعون عنا أو دافعون عنا عذاب النار، أو هل تحملون عنا ذنوبنا؟
والقرآن يعطينا صوراً عدة للمحاجَّة وللجدال يوم القيامة، نقاش بين المؤمنين والكافرين، بين الأقوياء المتبوعين والضعفاء التابعين، قال تعالى: هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً [النساء: ١٠٩].
ثم يردّ المتبوعون: قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ [غافر: ٤٨] وما دام الله قد حكم بين العباد فقد قُضِي الأمر، ولا رادَّ لقضاء الله، ولا ناقضَ لحكمه، وكيف يدافعون عنهم وقد سبقوهم إلى النار، اقرأ قوله تعالى في موضع آخر: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً [مريم: ٦٩].
وقال عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]. يَقْدُمُ قَوْمَهُ [هود: ٩٨] يعني: يتقدمهم ويسبقهم إلى النار حتى يقطع عنهم الأمل في النجاة، ولو تقدَّموا هم لَقالُوا: سيأتي زعيمنا ويُخلِّصنا مما نحن فيه، فكيف وقد سبقهم إليها، ففي هذا تيئيسٌ لهم وقَطْعٌ لآمالهم.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ... .
معنى: يَتَحَآجُّونَ [غافر: ٤٧] أي: يُحاج بعضهم بعضاً في النار، ويُلقي كل ٌّ منهم التبعة على الآخر، يقول (الضُّعَفَاءُ) أي: الأتباع لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ [غافر: ٤٧] أي: الزعماء والرؤساء إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً [غافر: ٤٧] يعني: تابعين لكم نفعل كما تفعلون، كنا نسير خلفكم ونقتدي بكم فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ [غافر: ٤٧] يعني: هل أنتم مدافعون عنا أو دافعون عنا عذاب النار، أو هل تحملون عنا ذنوبنا؟
والقرآن يعطينا صوراً عدة للمحاجَّة وللجدال يوم القيامة، نقاش بين المؤمنين والكافرين، بين الأقوياء المتبوعين والضعفاء التابعين، قال تعالى: هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً [النساء: ١٠٩].
ثم يردّ المتبوعون: قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ [غافر: ٤٨] وما دام الله قد حكم بين العباد فقد قُضِي الأمر، ولا رادَّ لقضاء الله، ولا ناقضَ لحكمه، وكيف يدافعون عنهم وقد سبقوهم إلى النار، اقرأ قوله تعالى في موضع آخر: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً [مريم: ٦٩].
وقال عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]. يَقْدُمُ قَوْمَهُ [هود: ٩٨] يعني: يتقدمهم ويسبقهم إلى النار حتى يقطع عنهم الأمل في النجاة، ولو تقدَّموا هم لَقالُوا: سيأتي زعيمنا ويُخلِّصنا مما نحن فيه، فكيف وقد سبقهم إليها، ففي هذا تيئيسٌ لهم وقَطْعٌ لآمالهم.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ... .
نفهم من قوله تعالى على لسان أهل النار: ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٩] كأنهم أقروا بأنفسهم أنهم ليسوا أهلاً لأنْ ينادوا الله أو يدعوه. لذلك نادوا الملائكة، فردَّ الملائكة عليهم: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ [غافر: ٥٠] أي: بالحجج والبراهين الدالة على صدق الرسل قَالُواْ بَلَىٰ [غافر: ٥٠] أي: جاءتنا الرسل بالبينات، فأقروا على أنفسهم.
قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [غافر: ٥٠] أي: دعاؤهم هباء لا يُجدي ولا ينفعهم - ولا يَخْفى ما في الآية من التبكيت والتقريع للكافرين والاستهزاء بهم.
نفهم من قوله تعالى على لسان أهل النار: ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٩] كأنهم أقروا بأنفسهم أنهم ليسوا أهلاً لأنْ ينادوا الله أو يدعوه. لذلك نادوا الملائكة، فردَّ الملائكة عليهم: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ [غافر: ٥٠] أي: بالحجج والبراهين الدالة على صدق الرسل قَالُواْ بَلَىٰ [غافر: ٥٠] أي: جاءتنا الرسل بالبينات، فأقروا على أنفسهم.
قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [غافر: ٥٠] أي: دعاؤهم هباء لا يُجدي ولا ينفعهم - ولا يَخْفى ما في الآية من التبكيت والتقريع للكافرين والاستهزاء بهم.
هذا وعد منه سبحانه أن ينصر رسله وأن ينصر الذين آمنوا، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] لذلك قلنا: إذا رأيت قوماً نسبوا إلى الإسلام وانهزموا، فاعلم أنه قد اختلَّتْ فيهم شروط النصرة، وما داموا قد اختلت فيهم شروط النصرة فلا بدَّ أن يلقوا جزاء ذلك في الدنيا، لأنها سنة لله لا تتبدل.
قوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ جاءت بعد أن قام الرجل المؤمن من آل فرعون يؤيد موسى عليه السلام، ويدعو بدعوته، ويجهر بمنطق الحق أمام فرعون، والمعنى: إنَّا لننصر رسلنا بأيِّ وسيلة من الوسائل، لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً بمنهج جديد يهدي به الضالين ثم يُسلمه.
لكن الحق سبحانه قد يترك أمر الدعوة في أولها تُضطهد وتُعاند من الخلق ليمحص أهل الدعوة وحتى لا يثبت من حملتها إلا الأقوياء الصناديد، لأنهم هم الذين سيحملون هذه المهمة على أكتافهم يسيحون بها في الكون كله، فلا غرابةَ أن يُمحَّصُوا، وأن يختبر إيمانهم ومدى ثباتهم على المبدأ.
رأينا هذا في المؤمنين الأوائل الذين حملوا راية الإسلام مع رسول الله، فهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢].
أبداً، والفتنة معناها عَرْض الناس على مِحَن وشدائد لا يثبت أمامها إلا أقوياءُ العقيدة الواثقون في الله وفي نصرة الحق، والمؤمن الحق هو الذي يرى أن ما بشر به من الوعد والوعيد في الآخرة أمر واضح لا شكَّ فيه، لأن الإنسان دائماً لا يخدع نفسه وإنْ خدع الآخرين...
ومعنى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: ينصرهم في الدنيا بأن يغلب حقهم على باطل خصومهم، لذلك قال سبحانه: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] إذن: فهناك نُصْرة في الدنيا ونصرة في الآخرة.
ثم يبين سبحانه أن ما يحدث في الآخرة عليه شهود متعددون يشهدون عليكم في الآخرة وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ والأشهاد جمع شهود، فالشهود يومئذ كثيرون، تشهد الرسل والأنبياء: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة: ١٠٩].
والمؤمنون يشهدون أنهم بلَّغوا مَنْ بعدهم: هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ.. [الحج: ٧٨] وتشهد الأبعاض والأعضاء على صاحبها.
وكذلك يشهد علينا الحفظة، ويشهد الشهداء الذين قاتلوا فقُتِلوا، لأن الإنسان قد يُدلس في حياته الدنيا لينعم عيشه لكنه لا يخدع نفسه أبداً بعد أنْ يموت، فهو حريص أن يذهب به الموت إلى خير مما ترك، ولذلك يجازيه الله.
فلو تطوع إنسان لكي يجاهد في سبيل الله وهو يعلم أنه سيموت في سبيل الله يقول الله له: أنت متّ في الدنيا من أجلي فلا بدَّ أن تكون حياً عندي؛ لذلك قلنا في فلسفة الشهادة لما تكلمنا عن سيدنا حمزة أن الشهادة جعلتْ لك من الموت عصمة، كيف؟ لأنك حين تختار الموت على الحياة وتستشهد تصير حياً عند الله، فوصلتَ حياتك الأولى بحياتك عند الله بحياة البعث، فكأنك لم تمُتْ.
فمَنْ ضحَّى بحياته لله فكأنه قدَّمها تحيةً لربه وإعلاءً لمنهجه، فبماذا يُحييك الله، يحييك بأنْ يعصمك بعدها من الموت.
هذا وعد منه سبحانه أنْ ينصر رسله وأنْ ينصر الذين آمنوا، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] لذلك قلنا: إذا رأيت قوماً نسبوا إلى الإسلام وانهزموا، فاعلم أنه قد اختلَّتْ فيهم شروط النصرة، وما داموا قد اختلت فيهم شروط النصرة فلا بدَّ أن يلقوا جزاء ذلك في الدنيا، لأنها سنة لله لا تتبدل.
قوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ [غافر: ٥١] جاءت بعد أن قام الرجل المؤمن من آل فرعون يؤيد موسى عليه السلام، ويدعو بدعوته، ويجهر بمنطق الحق أمام فرعون، والمعنى: إنَّا لننصر رسلنا بأيِّ وسيلة من الوسائل، لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً بمنهج جديد يهدي به الضالين ثم يُسلمه.
لكن الحق سبحانه قد يترك أمر الدعوة في أولها تُضطهد وتُعاند من الخلق ليمحص أهل الدعوة وحتى لا يثبت من حملتها إلا الأقوياء الصناديد، لأنهم هم الذين سيحملون هذه المهمة على أكتافهم يسيحون بها في الكون كله، فلا غرابةَ أنْ يُمحَّصُوا، وأن يختبر إيمانهم ومدى ثباتهم على المبدأ.
رأينا هذا في المؤمنين الأوائل الذين حملوا راية الإسلام مع رسول الله، فهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، قال تعالى: أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢].
أبداً، والفتنة معناها عَرْض الناس على مِحَن وشدائد لا يثبت أمامها إلا أقوياءُ العقيدة الواثقون في الله وفي نصرة الحق، والمؤمن الحق هو الذي يرى أن ما بشر به من الوعد والوعيد في الآخرة أمر واضح لا شكَّ فيه، لأن الإنسان دائماً لا يخدع نفسه وإنْ خدع الآخرين.
ومعنى فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا [غافر: ٥١] أي: ينصرهم في الدنيا بأن يغلب حقهم على باطل خصومهم، لذلك قال سبحانه: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] إذن: فهناك نُصْرة في الدنيا ونصرة في الآخرة.
ثم يبين سبحانه أن ما يحدث في الآخرة عليه شهود متعددون يشهدون عليكم في الآخرة وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ [غافر: ٥١] والأشهاد جمع شهود، فالشهود يومئذ كثيرون، تشهد الرسل والأنبياء: يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ [المائدة: ١٠٩].
والمؤمنون يشهدون أنهم بلَّغوا مَنْ بعدهم: هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ.. [الحج: ٧٨] وتشهد الأبعاض والأعضاء على صاحبها.
وكذلك يشهد علينا الحفظة، ويشهد الشهداء الذين قاتلوا فقُتِلوا، لأن الإنسان قد يُدلس في حياته الدنيا لينعم عيشه لكنه لا يخدع نفسه أبداً بعد أنْ يموت، فهو حريص أن يذهب به الموت إلى خير مما ترك، ولذلك يجازيه الله.
فلو تطوع إنسان لكي يجاهد في سبيل الله وهو يعلم أنه سيموت في سبيل الله يقول الله له: أنت متّ في الدنيا من أجلي فلا بدَّ أن تكون حياً عندي؛ لذلك قلنا في فلسفة الشهادة لما تكلمنا عن سيدنا حمزة أن الشهادة جعلتْ لك من الموت عصمة، كيف؟ لأنك حين تختار الموت على الحياة وتستشهد تصير حياً عند الله، فوصلتَ حياتك الأولى بحياتك عند الله بحياة البعث، فكأنك لم تمُتْ.
أحَمْزَة عَمّ المصْطفَى أنتَ سَيِّدٌ  عَلَى شُهَداءِ الأرْضِ أَجْمعِهم طُرّا
وَحَسْبُكَ مِنْ تلْكَ الشَّهادةِ عِصْمةٌ مِنَ الموْتِ في وَصْلِ الحيَاتَيْنِ بالأُخْرى

فمَنْ ضحَّى بحياته لله فكأنه قدَّمها تحيةً لربه وإعلاءً لمنهجه، فبماذا يُحييك الله، يحييك بأنْ يعصمك بعدها من الموت.
ثم يقول سبحانه: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ [غافر: ٥٢] يعني: إن اعتذروا لا يُقبل منهم عذر، وفي موضع آخر قال: وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦] كأنها مواقف متعددة، مرة يعتذرون حين قالوا: رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ [فاطر: ٣٧] ومرة لا يُؤذَن لهم في الاعتذار وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ [غافر: ٥٢].
بعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن موكب رسالة سيدنا موسى عليه السلام.
آية رقم ٥٣
(الهُدَى) يعني: الدلالة على الطريق الموصِّلة إلى الغاية النافعة، كما قال تعالى في أول البقرة: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ [البقرة: ٥] فالدين لم يأتِ ليكلفكم أو يشقّ عليكم، إنما جاء الدينُ رحمةً بكم وليكون مركبَ النجاة والهداية الذي تركبونه فيحملكم ويُوصِّلكم إلى الغاية النافعة لكم وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ [غافر: ٥٣] أي: التوراة والإنجيل والزبور.
كل هذه الكتب هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ [غافر: ٥٤] معنى (ذِكْرى) أي: تذكرةً لأن الإنسان إذا استمر على طبيعته الأصيلة بدون تأثر بعوامل الفساد تظل مناعة العهد القديم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] موجودة عنده تحميه، لكنه قد ينسى هذا العهد وينحرف عن الجادة، والإنسان من طبيعته النسيان؛ لذلك تأتي الرسل للتذكرة بهذا العهد الأول. ومعنى ٱلأَلْبَابِ [غافر: ٥٤] أي: العقول المفكرة المتأملة.
آية رقم ٥٤
(الهُدَى) يعني: الدلالة على الطريق الموصِّلة إلى الغاية النافعة، كما قال تعالى في أول البقرة: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ [البقرة: ٥] فالدين لم يأتِ ليكلفكم أو يشقّ عليكم، إنما جاء الدينُ رحمةً بكم وليكون مركبَ النجاة والهداية الذي تركبونه فيحملكم ويُوصِّلكم إلى الغاية النافعة لكم وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ [غافر: ٥٣] أي: التوراة والإنجيل والزبور.
كل هذه الكتب هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ [غافر: ٥٤] معنى (ذِكْرى) أي: تذكرةً لأن الإنسان إذا استمر على طبيعته الأصيلة بدون تأثر بعوامل الفساد تظل مناعة العهد القديم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] موجودة عنده تحميه، لكنه قد ينسى هذا العهد وينحرف عن الجادة، والإنسان من طبيعته النسيان؛ لذلك تأتي الرسل للتذكرة بهذا العهد الأول. ومعنى ٱلأَلْبَابِ [غافر: ٥٤] أي: العقول المفكرة المتأملة.
كلمة فَٱصْبِرْ [غافر: ٥٥] دليل على أنه صلى الله عليه وسلم خُوطب بها في مواطن شدَّة، هذه المواطن قال الله فيها: وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤].
وقوله: إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ [غافر: ٥٥] الوعد هو: الإخبار بالخير قبل أوانه، ووعد الله حق. يعني: متحقق لأن الوعد أنْ تعِدَ إنساناً وتُبشِّره بالخير والنعيم والسعادة، فهل تقدر وتضمن أن تفِيَ بوعدك؟ لا فربما تموت قبل أنْ يأتي أوانه، أو تضعف قدرتك التي تفعل بها فلا تستطيع، أما إذا جاء الوعد من القيوم القادر الذي لا يُعارَض، وهو سبحانه بَاقٍ لا يزول، فهو إذن وعد حَقٌّ لا بدَّ أنْ يتحقق.
لذلك يُعلمنا الحق سبحانه ألاَّ نجزم بوعد، ولا تقوله بصورة القطع لأنك من الأغيار، يقول تعالى: وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ [الكهف: ٢٣-٢٤].
فتعليق الوفاء على المشيئة يعفيك من الاتهام بالكذب لو لم تفعل فلو قلت أفعل كذا وكذا غداً، هل تملك أسباب الوفاء؟ هل تملك الزمن أو تضمن القوة الفاعلة؟ أبداً لا تضمن بقاء شيء من هذه الأسباب، إذن فَقُلْ: إنْ شاء الله ونزِّه نفسك عن الكذب لو لم تفعل.
وقوله: وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ [غافر: ٥٥] يعني: اطلب المغفرة، وكلمة لِذَنبِكَ [غافر: ٥٥] هل تعني أن الرسول فعل ذنباً؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يُوحَى إليه، وله رأي ببشريته في الأمور التي لم يأتِ فيها حكم من الله، حتى إنْ كان رأيُه صواباً فرأى الحق سبحانه أصوب.
لذلك يصوب له ربه وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ [غافر: ٥٥] فمن أيِّ شيء يستغفر رسول الله؟ يستغفر الله من استبطاء النصر في قوله تعالى: حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ [البقرة: ٢١٤] فالنصر آتٍ، فلم استبطاؤه؟
لذلك وردتْ في القرآن آيات تثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل شيئاً يُعاتَب عليه، والحق سبحانه صحَّح له وصوَّب له فعله، لكن كيف جاء هذا العتاب؟ تأمل قوله تعالى: عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] فقبل أن يعاتبه قدَّم العفو عنه.
لكن لماذا أذن الرسول لهؤلاء؟ قالوا: إن الذي شغل رسول الله في هذه المسألة أنه قال في نفسه أن الذي يطلب الإذن مني في ألاَّ يقاتل إما صادق العذر فلا مانع من الإذن له، وإما كاذب العذر وهذا لا خيرَ فيه، وعدمه أفضل من وجوده بين الصفوف، كما قال تعالى: لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ [التوبة: ٤٧].
ثم إن هذا العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] لم نعلمه إلا من رسول الله نفسه، ولولا إخباره به ما علمناه، فهو صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أنْ يعاتبه ربه، وأنْ يُصوِّب له اختياره.
وقد أوضحنا هذه النقطة في مسألة التبني التي كانت بين سيدنا رسول الله وزيد بن حارثة، وكيف أن الحق سبحانه لما أراد إبطالَ عادة التبني جعل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة نموذجاً لهذا الحكم الجديد.
فزيد كان عبداً عند خديجة ووهبته لرسول الله، ولما علم أهله بوجوده بمكة عند رسول الله جاءوا واستأذنوا فيه رسول الله، فما كان من رسول الله إلا أنْ خيَّره بين البقاء معه أو الذهاب مع أهله، فاختار زيدٌ البقاءَ مع رسول الله، فأراد صلى الله عليه وسلم أنْ يكرم زيداً لموقفه منه وحُبه للبقاء في صحبته فتبنّاه ونسبه إليه، فصار زيد من يومها يُعرف بزيد بن محمد.
لكن أراد الحق سبحانه أنْ يبطل هذه العادة، وأنْ يُحرّم التبني فأنزل: ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [الأحزاب: ٥].
فمعنى أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ [الأحزاب: ٥] أن ما فعله رسول الله قسط وعدل، لكن حكم الله أقسط وأعدل، فهل هذا التصويب يُغضب رسول الله؟ أبداً بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرنا به ولو كتمه رسول الله ما عرفناه.
كذلك في قوله تعالى في أسرى بدر: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ [الأنفال: ٦٧] لما اختلفوا في أخذ الفداء من الأسرى، وعاتب الله رسوله بهذه الآية، لكن هل تغير الحكم بعد ذلك؟ لا بل ظل كما هو وقال تعالى: لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٦٨].
فكأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكر هذه المسألة، خاصة وأن الحكم كما هو لم يتغير، إذن: نحن لم نعلم معتبة الله على رسوله إلا من الرسول نفسه، والمتأمل في عتاب الحق سبحانه لرسوله يجد أنه إما عتاب لمصلحته هو صلى الله عليه وسلم، أو عتاب لأن جانبَ الصواب الذي حكم به الحق سبحانه، كما في هذه المسألة التي ذكرناها.
أما العتاب لمصلحته صلى الله عليه وسلم فمثل قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ [التحريم: ١] وهذا كما تعاتب ولدك على كثرة سهره في المذاكرة وإجهاده لنفسه، كذلك الحق سبحانه يعاتب رسوله أنه ضيَّق على نفسه وشقَّ عليها طلباً لمرضاة أزواجه.
كذلك عاتبه في مسألة الأعمى فقال: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ [عبس: ١-١٠].
والعتاب هنا لأنه صلى الله عليه وسلم شقَّ على نفسه حين ترك هذا الأعمى وانصرف عنه لأنه مؤمن، وذهب إلى صناديد الكفر يدعوهم، ورأى أنهم أوْلَى بالدعوة منه.
بعض العلماء أخذوا من قوله تعالى وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ [غافر: ٥٥] دليلاً على عدم عصمة الأنبياء، وقالوا آخرون: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال في دعائه: والبعض له في الآية ملحظ آخر قال: وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ [غافر: ٥٥] لا تدل على وقوع الذنب منه بالفعل، والمعنى: إنْ فعلتَ ذنباً. أي في المستقبل استغفر، مثل قوله تعالى: يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ [الأحزاب: ١] فهل معنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ يتقي الله؟ لا بل هو أمر ابتدائي بالتقوى.
ولا يعني أنه صلى الله عليه وسلم خالف منهجه فأمره الله بتقواه، كما نرى نحن الآن مخالفاً لمنهج الله فنقول له: يا فلان اتق الله، يعني: استقم على منهجه، واترك المخالفة، واجعل بينك وبين الله وقاية.
لذلك قال: الأمر في: وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ [غافر: ٥٥] أمر تعبُّدي، كما جاء في قوله سبحانه: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ [آل عمران: ١٩٤] الأمر هنا أمر تعبُّدي لأننا نقول آتنا، وهو سبحانه قد وعد رسله بذلك، فهو أمر متحقق واقع.
ثم نقول للذين يقولون بوقوع الذنب من الرسل: هل خلعهم الله من الرسالة لأنهم ارتكبوا الذنب؟ أم تركهم رسلاً؟ بل تركهم وأبقى على رسالاتهم، إذن: ما قولك أنت إذا كان ما فعله الرسولُ لا ينافي رسالته، وهو مرضيٌّ عند مَنْ خالفه وأذنب في حقه؟
وقوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ [غافر: ٥٥] العشي: الوقت من بعد صلاة الظهر إلى آخر النهار، والإبكار من الفجر إلى الضحى، فالمعنى: كُنْ دائماً مُسبِّحاً بحمد ربك.
وإذا كان الأمر هنا للرسول صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه من المؤمنين الذين اشتركوا معه في العشيِّ والإبكار، فهو من ناحية أخرى أمرٌ للناس كافَّة في الزمان وفي المكان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم.
إذن: فالعشيُّ والإبكار هنا شائع في الزمان كله والمكان كله، فكلٌّ له عشيٌّ وإبكار يناسب زمانه ومكانه، وهذا يعني أنْ يظلَّ تسبيحُ الله شائعاً في الزمان والمكان مستمراً لا ينقطع أبداً، هذا إذا نظرنا إلى اختلاف الأوقات من مكان لمكان.
لذلك قلنا: إن رَبْط التكاليف والعبادات بدورة الهلال يُراد بها استدامة دورة العبادة لله تعالى، فلو كانت مرتبطة بالشمس كانت تتحد الأوقات عند الناس، إنما بحساب الهلال ترى أن هذا يصلي الصبح، في نفس الوقت الذي يصلي فيه آخرُ الظهر، وآخرُ العصرَ، وآخر المغرب، وهكذا، إذن: فالحق سبحانه معبود في كلِّ وقت بكل وقت.
ومعنى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥] يعني: تسبيحاً موصولاً بالحمد، لأن التسبيحَ تنزيهٌ لله تعالى، وما دام الحق مُنزَّهاً عن كل النقائص فثمرة هذا التنزيه عائدة عليك أنت، أنت المستفيد من كوْن ربك الذي آمنت به واحداً مُنزَّهاً عن النقائص.
الجدل: هو المراء والأخذ والردّ، مأخوذ من جَدْل الحبل وفَتْله، والفتْل عملية تتماسك فيها الخيوط، وتتداخل بعضها في بعض بعد أنْ كانت هشَّة متفرقة، فالجَدْل يحمل معنى التقوية، تقوية الرأي بالرأي.
والجدل منه جدل بنَّاء يهدف للوصول إلى الحق، وجدل مِراء لا فائدةَ منه، جدل الحق جدل بسلطان يعني: حجة وبرهان، وجدل المِرَاء بالباطل. يعني: بدون سلطان ولا حجة، والسلطان إما أن يكون سلطانَ قهر يحملك ويُرغمك ويقهرك على الشيء، وإما سلطان حجة وإقناع، سلطان القهر يجعلك تفعل وأنت كاره مُجبر، وسلطان الإقناع والحجة يجعلك تفعل وأنت رَاضٍ مقتنع...
ومعنى فِيۤ آيَاتِ اللَّهِ قلنا: إنها على ثلاثة أقسام:
آيات كونية لإثبات الوجود الأعلى وقدرته وبديع صنعه، ومن هذه الآيات الكونية الشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء.. إلخ.
الثانية: هي المعجزات التي يجعلها الله للرسل لإثبات صدق الرسول في البلاغ عن الله.
والثالثة: هي آيات القرآن الكريم التي تحمل أحكام الله إلى الناس، وتحمل منهج الله بافعل ولا تفعل.
ففي أيِّ هذه الأنواع يجادلون؟ قالوا: يجادلون في المعجزات، وفي آيات الأحكام، أما الآيات الكونية فليستْ مجالاً للجدل.
وقوله: بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ هل يعني هذا أن هناك جدلاً في آيات الله بسلطان؟ قالوا: بل المعنى أنه ممتنع أي: ليس في آيات الله جدل، المسألة إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ هذا هو السبب، ومصدر الجدل في آيات الله، كِبْر في صدورهم يمنعهم من قبول الحق، ويمنعهم أنْ ينقادوا لرجل منهم ربما ظنوا أنهم أفضل منه.
لذلك في بعض الآيات يوضح الحق سبحانه أنهم يؤمنون بالقرآن، لكن اعتراضهم هو على رسول الله كشخص جاء بالرسالة، وهو واحد من عامة القوم ليس بأعظمهم ولا أغناهم، يقول تعالى يحكي على لسان الكفار: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
وفي موضع آخر ينكرون الجميع ويقولون: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢] وكان المنطق أن يقولوا: فاهدنا إليه.
وهذا القول منهم دليلٌ على أنهم كارهون للدين جملة، لأن قلوبهم مشغولةٌ بقضية مخالفة هي شركهم بالله وعبادتهم الأصنام، هذه العبادة التي شبُّوا عليها وتوارثوها، وإذا شُغِل الإنسان بالباطل لا يمكن أن يهدي للحق إلا إذا أخرجتَ القضية الباطلة من قلبه أولاً، عندها يسمح للحق أنْ يدخل.
لذلك يوضح لنا الحق سبحانه أن مسألة العقائد لا تُناقش في جمهرة الناس، إنما تتأملها بينك وبين نفسك، وإنْ كان لا بدَّ من المشاركة، فواحد فقط، لماذا؟ لأنك حين تجلس بمفردك أو مع شخص واحد معك يثمر النقاش ولا تتسع دائرة الخلاف، فيكون أدْعَى للوصول إلى الصواب، وإذا انهزم واحدٌ منكما فلن ينهزم أمام جمهرة الناس، وساعتها لن يكابر ولن يعاند وسيعود إلى الحق ويرجع إليه دون حرج.
لذلك يقول سبحانه: إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ [سبأ: ٤٦] يعني: لا تبحثوا مسائل العقيدة جماهيرياً؛ لأن الجماهير لا ضابط لها، وتفكيرها الجماعي يؤدي إلى الخَلْط والغوغائية، فكُنْ بمفردك حتى لا يداخلك هَوَىً فتميل معه.
والكبر في قوله تعالى: إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ إنْ بمعنى ما في صدورهم إلا كِبْر. يعني: تَعَالٍ على الحق الذي يأتي به الرسول، هذا الكبر أو التكبر هو الذي منعهم من الاستماع للرسول، وجعلهم يتعالوْنَ عليه، ذلك لأنهم كانوا في مجتمعهم سادةً، واستماعهم لرسول الله وطاعتهم له سيجعلهم مسُودين لمن يسمعون منه ويطيعونه.
ومعلوم أن قريشاً كان لها السيادة على كافة العرب، هذه السيادة جعلتهم متمكنين من رحلاتهم التجارية بالشتاء والصيف، وينتقلون بها دون أنْ يتعرَّض لهم أحد، لماذا؟
لأن قبائل العرب جميعها تأتي إلى قريش في مكة موسم الحج، ويكونون في ضيافة قريش ورعايتها وفي باطنها، فالبيت الحرام وحجه هو الذي أعطى قريشاً هذه المكانة وهذه المهابة؛ لذلك قال سبحانه: لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ١-٤].
وقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. [العنكبوت: ٦٧].
والدليل على ذلك أنهم لما رأوا في الأصنام آلهةً لا أوامرَ لها ولا تكاليفَ رَضُوا بها وعبدوها من دون الله، ومع ذلك لما أرادوا مكاناً يكرمون به هذه الآلهة لم يجدوا إلا الكعبة يضعون أصنامهم حولها، إذن: فالكعبة لها قداسة عندهم رغم كفرهم بالله.
هذا هو الكبْر الذي منعهم من قبول الحق، وهذا الكبر وصفه الله بقوله مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ [غافر: ٥٦] يعني: ليس عندهم دواعي الكبر، فهو كِبْر كاذب لأن الذي يتكبَّر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا بشيء عارض ربما يُسلب منه، فهو كبر كاذب كمَنْ يتكبّر بقوته وعافيته أو بماله أو بسلطانه.
وقوله تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ لأن الاستعاذة بالله تعني أن شيئاً جاء فوق أسبابك المادية فلا تقفْ أمامه مكتوفَ الأيدي، إنما توجَّه إلى ربك الذي أرسلك وقُلْ له: إن هذا الأمر أعجزني وفاقَ طاقتي فاحمله عني، لذلك قال سبحانه: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل: ٦٢].
فإذا عزَّتْ الأسباب فتوجَّه إلى المسبِّب إِنَّـهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هذان من صفات الكمال المطلق لله تعالى السمع والبصر؛ لأن كل حركات جوارح الإنسان عملٌ، فاللسان له عمل، واليد لها عمل، والرِّجْل لها عمل.
وهذا العمل ينقسم إلى قسمين: إما قول أو فعل، القول أخذ وحده شطر العمل وهو عمل اللسان، وباقي الجوارح عملها يُسمى (فعل).
لذلك قال تعالى: يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف: ٢] فذكر القول والفعل، وكله يُسمَّى عملاً، فالسمع لما يُقال، والبصر لما يُفعل، فالحق سبحانه يُبيِّن لرسوله صلى الله عليه وسلم منزلة الاستعاذة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ لأنه سميع لكل ما يُقال، بصير بكلِّ ما يُفعل.
اللام في (لَخَلْقُ) تدل على القسم، وكأن الحق سبحانه يقول: وعزَّتي وجلالي لخَلْق السماوات والأرض أكبر من خَلْق الناس، كيف؟ قالوا: لأن الناس في الدنيا أعمارهم متفاوتة: واحد عمره لحظة، وواحد عمره ساعة، وواحد عمره مائة عام إلى عمر نوح عليه السلام، فأين عمري من عمر الشمس مع أنها خُلقتْ لخدمتي، أيكون الخادم أطولَ عمراً من المخدوم؟
إذن: لا بدَّ أن لك عمراً آخر باقياً بعد ذهاب الشمس وغيرها من المخلوقات التي تخدمك، وهذا لا يكون إلا في الآخرة. قالوا: العمر له طول لا يعلمه إلا الله وله عَرْض قد يفوق الطول، وكذلك جعل له حجماً وعمقاً، فالله الذي حدد العمر زمناً من الممكن أن الإنسان يأخذ عمره طولاً، لكن يمكنه أن يزيد في عرضه فيكون العرض هو البُعد الأطول، بمعنى أن يوسع دائرة نشاطه لينفع نفسه وينفع مجتمعه ويبقى له ذكرى طيبة بعد موته، فكأنه أضاف بنشاطه إلى عمره أعماراً.
لذلك نقول: إن أوطان الناس تتحدد على قدر هممهم، فواحد وطنه نفسه يريد كل شيء له وهو ليس لأحد، وهذا هو الأناني، وواحد وطنه أسرته، وآخر وطنه قبيلته، وآخر وطنه بلده، وواحد وطنه العالم كله، فكلما ازدادت الهمّة اتسعتْ دائرة الوطن وزادتْ رقعته.
وحين نقول: إن الشمس أطولُ عمراً مني نلاحظ أنك أيها الإنسان كائن حَيّ تأكل وتشرب، أما الشمس فجماد لا تأكل ولا تشرب، أنت لك قانونُ صيانة ويعتريك المرضُ وغيره لأنك ابنُ أغيار، أما الشمس فليس لها شيء من هذا فليس لها قانون صيانة ولا يعتريها ما يعتريك، وهي منذ خلقها الله تعمل دون توقّف ودون خَلَل ودون صيانة، والآلة التي بهذا الوصف تدل على قدرة خالقها وعظمة مبدعها.
لذلك نقول: إذا نظرنا إلى خَلْق السماوات والأرض لوجدناه فعلاً أكبر من خَلْق الناس: وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لكن ما معنى (لاَ يَعْلَمُونَ) الكون يقع تحت حواسِّنا، ونراه بأعيننا، وكان ينبغي حين نرى هذا الكون بما فيه من إبداع أن نفكر فيه، وفي عظمة خَلْقه ودقَّة نظامه، وكم هو محكم منضبط لا يتخلف أبداً.
ألسنا الآن بالعلم نستطيع أنْ نحدد وقت الكسوف مثلاً بالدقيقة والثانية؟ وكأن الحق سبحانه جنَّد حتى غير المسلمين لإظهار صدق آياته الكونية، وكيف أنها منضبطة انضباطاً لا يمكن لأحد أنْ يفسده، لذلك قلنا: إنك إذا رأيت خللاً أو فساداً في الكون فاعلم أن يد الإنسان المختار تدخلتْ فيه، والشيء الذي نتركه على طبيعته لا يمكن أنْ نرى فيه خللاً أو فساداً.
نعم لا يستوي مَنْ يهمل آيات الله ولا يتأملها مع مَنْ يفكر فيها ويستنبط منها ويهتدي بها، فالذي لا يتفكر في هذه الآيات مثل الأعمى لأنه لا يتنبه لآيات الكون التي هي أكبر من خَلْق الناس، وإذا كانت هذه الآيات الكونية أكبر في الخَلْق وأعظم من خلق الناس، فكيف تغفل عنها، ومنها يمكن أن تأخذ الدليل على وجود واجب الوجود الأعلى سبحانه، وعلى طلاقة قدرته وإبداع صنعته.
وكما أنه لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي عند الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع المسيء، وهذا مظهر من مظاهر عَدْله سبحانه: قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ يعني: قليلٌ منكم مَنْ يتذكر ذلك.
يُذكِّرنا الحق سبحانه بهذه الحقيقة التي طالما تغيب عن الأذهان، وكان يجب عليكم ألاَّ تغفلوا عنها، لأن المسألة ليستْ مجرد علم بشيء، إنما المسألة أبعد من ذلك، إنه احتياط لما سيحدث ولما سيأتيكم.
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ [غافر: ٥٩] أي: القيامة لاَّ رَيْبَ فِيهَا [غافر: ٥٩] لا شكَّ، وما دام أن الساعة آتية لا شكّ فيها فلا بدَّ أن نستعدّ لها، فلو كنتَ قد خُلقت وتُركتَ هكذا وانفلتَّ من الله لكانَ لك أنْ تفعل ما تشاء، لكن ماذا وأنت لك مرجع إلى ربك ومردٌّ إلى خالقك، وموقفٌ للحساب والجزاء؟ إذن: لا مفر لك من أن تحمي آخرتك، وهي الغاية العظمى التي ليس بعدها بعد.
وقوله: وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ [غافر: ٥٩] أي: لا يعلمون هذه الحقائق أو يغفلون عنها، مع أن العقل المجرد لا بدَّ أنْ يهتدي ويعتقد بوجود الساعة والحساب والجزاء، لماذا؟ لأنك حين تنظر إلى الكون تجد المرتبط فيه بمنهج افعل ولا تفعل، ويسير وفْق هذا المنهج تجده مُؤدَّباً مع الكون مِنْ حوله لا يأتي منه فساد ولا تعدٍّ، وتجد المنحلَّ الذي انفلتَ من هذا المنهج مصدرَ إزعاج وفساد للكون من حوله، فهل يستويان في العقل مجرد العقل؟
هل يستوي المصلح والمفسد؟ مَنْ عربد في الكون وآذى خَلْق الله وأتعب الدنيا كلها ومَنْ أصلح الكون وأسعد الناس وأعانهم؟ ثم ألسْنَا في عملية التعليم نُجري للتلاميذ اختبارات آخر العام ونقول: هذا ناجح، وهذا راسب؟ ألسنا نضع في دنيانا قواعدَ للثواب والعقاب تقضي بمكافأة المحسن ومعاقبة المسيء؟
إذن: فلماذا ننكر الحساب يوم القيامة يوم يُجازى كُلٌّ بما عمل، حتى الناس الذين لا يؤمنون بالآخرة يؤمنون بمبدأ الثواب والعقاب، وعندهم عقوبات على الجرائم ضد المجتمع لتأديب الخارجين على القانون، فإذا كنتَ في دنياك جعلتَ العقوبات وجرَّمت بعض الأفعال وعاقبتَ عليها لتستقيم حركة حياتك الدنيا، فلم تنكر هذا المبدأ مع الله في الآخرة؟
أيُعقل أن تكون حركة الناس جميعاً في الدنيا من أولها إلى آخرها متروكة هكذا دون حساب، دون ثواب للمحسن وعقاب للمسيء.
والله، لو كان الأمر كما يدَّعُون وينكرون فقد فاز المنحرفون المجرمون، وربح المخالفون الخارجون على القانون والدين، حيث فعلوا ما فعلوا، وظلموا ما ظلموا، وأفلتوا بجرائمهم، وما خسر في هذه الصفقة إلا المؤمنون والمستقيمون الذين ألزموا أنفسهم بمنهج دون فائدة.
وقوله تعالى: وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ [غافر: ٥٩].
يعني: أن المسألة ليستْ قائمة على العقل إنما على الإيمان، فلو تركتْ للعقل لقلنا ما قلناه الآن، لكن أمرَ الساعة قائمٌ على الإيمان والعقيدة، والذي يريد ألاَّ يرتبط بالإيمان وأنْ ينفلت من قيوده يريد ألاَّ يقيد حركته في الوجود بمنهج افعل ولا تفعل، يريد أن يكون حُرّا يسير في الحياة على هواه.
لذلك قلنا: إن الذين عبدوا الشجر والحجر عبدوها لأنها آلهة لا منهج لها ولا تكاليف، وهذه العبادة في معناها باطلة، لأن العبادةَ تعني: طاعة العابد لأمر المعبود، فهذه الآلهة التي تزعمونها بِمَ أمرتكم؟ وعمَّ نهتكم؟ ماذا أعدَّتْ لمن عبدها؟ وماذا أعدتْ لمن كفر بها؟
إذن: أنتم ما ارتضيتُم هذه الآلهة إلا لتسيروا في الحياة بلا قيود، وبلا تكاليف، وبلا منهج وبلا ضابط لشهواتكم.
معنى رَبُّكُـمُ من تولى تربيتكم، والتربية هنا تعني الإيجاد من العدم والإمداد من عُدْم، وما دام هو ربي فأنا مسئولٌ منه يضمن لي رزقي وعيشي في الدنيا، وقبل ذلك أعطاني الجوارح التي تعمل، والأعضاء التي بها أعيش، فهو ربي وخالقي الذي استدعاني للكون، ووفَّر لي فيه أسبابَ الحياة.
لذلك لما أراد سبحانه أنْ يجعل نموذجاً في الكون جعله بحيث يتعاطف الكونُ مع ذاته ويتكامل في نفسه، فجعل هذا قوياً، وهذا ضعيفاً، هذا صحيحاً وهذا مريضاً.
فالقوي حركته في الحياة حركة كاملة قوية تزيد عن حاجته، وقال له: ما زاد عن حاجتك اجعله للضعيف الذي لا يقدر على الحركة، والخالق سبحانه قادر على جَعْل الناس جميعاً أقوياء، لكن أراد أنْ يرتبط الخَلْق في حركة الحياة ارتباطَ حاجة لا ارتباطَ تفضُّل؛ لأن الارتباط لا يأتي بقانون التفضُّل، فالتفضل لا إلزامَ فيه، والمتفضل بالشيء حُرٌّ، يفعل أو لا يفعل.
وقوله: ادْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ يعني: فيما عجزتُم عن أسبابه ولن تقدروا عليه، ولم تجدوا من بيئتكم عَوْناً عليه، فليس لكم إلا التوجُّه إليَّ تدعونني، فأستجيب أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوۤءَ [النمل: ٦٢] فأنا ربكم وخالقكم استدعيتُكم إلى الوجود ومنحتكم الأسباب والجوارح، واستخلفتم في الأرض، فليس لكم ملجأ غيري تلجأون إليه إنْ عزَّت عليكم الأسباب.
أما إنْ كانت الأسبابُ ميسَّرة لكم، وقام كلُّ مكلَّف بدوره، فلا تتركوا الأسباب وتقولوا: يا ربّ، عليكم بما في أيديكم من الأسباب أولاً، زاولوها فإنْ ضاقتْ بكم فاذهبوا إلى المسبِّب.
لكن نلحظ في هذه المسألة أن الله تعالى أمرنا بالدعاء ووعدنا الإجابة، ومع ذلك منا مَنْ يدعو فلا يُستجاب له، فلماذا؟ قالوا: لأنك تدعو وأنت غير مُضطر، فلو كنتَ في حالة الاضطرار لاستُجيبَ لك. أنت تسكن في مسكن محترم وتدعو الله أن يكون لك (فيلا) أو قصر، فإنْ أعطاك القصر قلت: أريد عمارة تصرف على القصر، هذا دعاء عن ترف لا عن اضطرار، والإجابة هنا مشروطة بالمضطر.
والحق سبحانه وتعالى لا يُعفي عبداً عن مسئولية استطراق النفع للعباد، قالوا: لأن الواجد يبذل، وغير الواجد ينصح الواجد، فإنْ نصحت دون جدوى فلن تبرأ ذمتك حتى بعد ذلك.
ولو قرأتَ القرآن تجد قوله تعالى: لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ الْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ٩١].
متى هذا؟ قالوا: إذا لم يكن عندك مال لا بدَّ أنْ تنصح إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ [التوبة: ٩١] نصحت ولم يستجب لك. قالوا: اقدر على نفسك، كيف؟
وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢] فهل أعفى أحداً؟ لا بل حثَّ الجميع على أنْ يفعلوا: إما بذل المال، وإما بذل المقال، فإذا لم تستطع هذا ولا ذاك فيجب أنْ تحزن لأنك لم تشارك، ولا يكفي هنا الألم الوجداني، بل لا بدَّ أنْ يصحبه انفعال عاطفي ينتج عنه بكاء، تبكي أنك لم تجد شيئاً تنفقه في سبيل الله.
إذن: المسألة استطراق نفعي في الكون، هذا الاستطراق لا يدعُ أحداً منا في حاجة.
وبعد ذلك نقول له: أأنت فقير عَجْز أم احتراف؟ إنْ كان فقير احتراف لا يُحسب ولا يُؤْبه له، وإن كان فقير عجز فله أنْ يجلس في بيته مُعززاً مكرَّماً، والغني هو الذي يذهب إليه ويعطيه حقَّه، فالقادر إذن أصبح في خدمة غير القادر.
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ معنى: يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي أي: عن دعائي والذلة لي، وإظهار الحاجة إليّ، لذلك قال أهل المعرفة: لا يكُنْ حظك من الدعاء أنْ تُجاب، لكن اجعل حظك من الدعاء ذلةَ محتاجٍ لمن معه الخير، هذه هي معنى العبادة هنا؟
لذلك تجد ربك عز وجل دائماً يُصحِّح لك خطأك في الدعاء: وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً [الإسراء: ١١].
فقد تدعو أنت لنفسك بشرٍّ تحسبه خيراً، ومن رحمة الله بك ألاّ يستجيب لك، لذلك قلنا في الثناء على الله تعالى: سبحانك يا مَنْ تُصوِّب خطأ الداعين بألاَّ تستجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكم يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير...
لكم لماذا سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ أي: منكسرين صاغرين أذلاء، قالوا: لأنك لا تدعو واحداً إلا إذا كنتَ مطيعاً له، لأن الدعاء والعبادة متساويان، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"كل أمر لا يُبدأ باسم الله فهو أبتر" يعني: لا بركة فيه.
وعلمنا أن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني: أنا أبدأ عملي ببسم الله لكي تكون يد الله معي في الفعل، فما معنى (الرحمن الرحيم) هنا؟
قالوا: ربما كانت عاصياً فأذكر له سبحانه صفة الرحمة، لأنه سبحانه لا يتخلَّى عن عبده حتى لو كان عاصياً، فهؤلاء سيدخلون النار داخرين أذلاء لأنهم استنكفوا أنْ يدعو الله واستكبروا عن عبادته، فالنار جزاء الاستكبار.
الحق سبحانه يذكر هنا آيتين من آياته الكونية هما آية الليل وآية النهار، الليل نعلمه وهو من مغيب الشمس إلى شروقها، والنهار نعلمه وهو من شروق الشمس إلى غروبها، هذا زمن والزمن وعاء الأحداث، وما دام الزمن وعاءَ الأحداث فلكلِّ حدث زمنٌ يقع فيه.
فالحدث الذي يحتاج عملاً له وقت، فحين تعمل بالنهار تتعب جوارحك وتحتاج إلى وقت للراحة، فجعل لك الخالق سبحانه الليل تستريح فيه والنهار تعمل فيه، تستريح بالليل لتستعيد قوتك ونشاطك للعمل في النهار التالي، وهكذا.
فإنْ طرأتْ عليك ظروف منعتْك من راحة الليل، فكيف تكون بالنهار؟ تكون متعباً لا توجد لك قوة تعالج بها شيئاً، فكأن الله تعالى يريد أنْ يُعلِّمنا أن من خلقه متقابلات، ومن حُمْق البشر أنْ جعلوها متعاديات، وهي في الحقيقة متكاملات.
واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى: وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ [الليل: ١-٤].
وهذا يعني أن لليل مهمة، وللنهار مهمة، وللذكر مهمة، وللأنثى مهمة، فلا تظنوا عداءً بين الليل والنهار، ولا بَيْنَ الذكر والأنثى، فكُلٌّ منهما مكمَّل للآخر وبينهما تساند لا تعاند كما يظن البعض.
لذلك يقول تعالى في آية أخرى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ [القصص: ٧١-٧٢].
وتأمل تذييل الآية هنا وهنا: ففي الليل قال أَفَلاَ تَسْمَعُونَ [القصص: ٧١] لأن الليل تتعطل فيه حاسة البصر، وتبقى الأذن تسمع، وهي آلة الاستدعاء ليلاً، أما في النهار فقال: أَفلاَ تُبْصِرُونَ [القصص: ٧٢] لأن البصر يكون في النهار.
كلمة سرمد، بعض المفسرين يرى أن الليل ليس سرمداً، كذلك النهار بمعنى أنه ليس دائماً مضطرداً، لكن إذا نظرنا إلى حركة الأرض وتعاقُب الليل والنهار وجدنا فيهما سرمدية، لأن الليل حين يغادرنا يذهب إلى آخرين لا أنه سرمد وينتهي.
فهما إذن دائمان سرمديان، لكن السرمدية المنفعية هي السرمدية بالنسبة للمكان الواحد، فلهما سرمدية في ذاتهما سرمدية في كل مكان، أمَّا سرمدية المكان الواحد فتنتهي لتبدأ في مكان آخر.
لذلك يقول تعالى: وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان: ٦٢] خلفة: يعني يخلف كلّ منهما الآخر، فالليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، هذا الآن واضح لنا كآية كونية، لكن ماذا عن بَدْء الخَلْق أيّهما كان أولاً وخلفه الآخر؟
قالوا: في البدء خلقهما الله معاً في وقت واحد، لأن الشمس خُلقت مواجهة للأرض، فما كان من الأرض ناحية الشمس كان نهاراً، وما حُجِب عنها في الناحية الأخرى كان ليلاً، ثم دارتْ الأرض في فلكها فتعاقب الليل والنهار، وهذا دليل على كروية الأرض ولو كانت مسطحة ما أمكن ذلك.
والعظمة في قوله: وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً [غافر: ٦١] أي: مُبْصراً فيه، وقديماً كانوا يعتقدون أن شعاع الرؤية يخرج من العين إلى المرئي، إلى أنْ جاء العالم المسلم الحسن بن الهيثم وأثبت عكس ذلك، وبيَّن أن الشعاع يأتي من الشيء المرئي إلى العين فتراه، بدليل أنك لا ترى ما في الظلام وترى ما في النور حتى لو كنتَ أنت في ظلام، لأن الشعاع ينعكس من المرئي فتراه.
وعليه فالنهار نفسه (مُبْصراً): إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ [غافر: ٦١] نعم الله صاحب الفضل والتفضل على الناس جميعاً، لأنه سبحانه أعطاهم بلا حَقٍّ لهم عليه سبحانه، فهو متفضل في الإيجاد من عَدَم، ومتفضل في الإمداد من عُدْم، ومتفضل في التكليف، نعم حتى في التكليف متفضل، كيف؟
قالوا: لأنه حين كلّفك كلّفك بشيء يعود نفعه عليك أنت، ولا ينتفع هو منه بشيء، ثم بعد ذلك جازاك عليه، وجعل لك ثواباً، فكأنه سبحانه تفضَّل عليك في التكليف مرتين.
وقوله: وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [غافر: ٦١] هذا يعني أن القلة هي الشاكرة، ويُعرف الشكر بزيادة النعم، فالشكر وزيادة النعمة متلازمان، وقد وعد الحق سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].
قوله تعالى: ذَٰلِكُمُ [غافر: ٦٢] إشارة إليه سبحانه. أي: الذي فعل لكم كذا وكذا، وتفضَّل عليكم هو الله ربكم خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: ٦٢] وهذه مسألة لم ينكرها أحد، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ [غافر: ٦٢] هكذا حكم بها الحق سبحانه لنفسه بأنه لا إله إلا هو.
إذن: فأنت تؤمن بالله، والله سبحانه آمن بذاته، وشهد لنفسه بهذا، شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو قبل أنْ يشهد بها أحد، لذلك يطلق سبحانه كلمة كُنْ، ويعلم أنها نافذة لأنها كلمته وليس لها معارض، وليس هناك إله آخر يردّها أو يُعدِّلها أو يعترض عليها.
قال تعالى: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨] قالوا: شهد الله لنفسه سبحانه شهادةَ الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادةَ المشهد، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال.
والحق سبحانه ساعة يقول خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: ٦٢] يطلقها هكذا قضية عامة على إطلاقها، نقول: إما أنْ تكون قضية صادقة أو غير ذلك - وحاشا لله - فإنْ كانت صادقة فقد ثبتت الحجة، وإنْ كانت غير ذلك فأين خالق كل شيء؟
أين خالق هذا الكون إذا لم يكُنْ الله هو خالقه؟ مَنْ هو؟ ولماذا سكت ولم يخبر عن نفسه؟ إنْ كان لا يدري بوجود الله فهو إله نائم غافل لا يصلح للألوهية، وإنْ كان يدري بوجود الله الذي أخبر هذا الخبر ولم يعارضه فهو عاجز، والإله لا يكون أبداً عاجزاً.
لذلك قال سبحانهُ مؤكِّداً على صحة هذه القضية: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢] يعني: لذهبوا إلى الإله الحق ليناقشوه كيف أخذ منهم الخَلْق؟ وكيف ادعاه لنفسه؟ وهذا لم يحدث.
وقوله: فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢] أي: تُصرفون عن الحق الذي يقول به العقل وتثبته الحجج والبراهين والواقع، فالحق في هذه القضية واضح، وقد أطلقت هذه القضية وأخبرت بها ولم يَقُمْ لها معارض، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، ومعلوم أن القضية تثبت لصاحبها ما دام ليس لها معارضٌ.
وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة وقلنا: هَبْ أن جماعة جلسوا في مكان، ولما انصرفوا وجد صاحب المكان محفظة نقود فقال لخادمه: ابحث عن صاحب هذه المحفظة، فأخذ الخادم يتصل بهم واحداً واحداً فلم يقُلْ أحد منهم أنها لي، ثم طرق البابَ واحدٌ منهم. وقال: والله لقد نسيتُ محفظتي هنا، فلمن تكون إذن؟ تكون لمن ادَّعاها إلى أنْ يظهر مُدَّعٍ آخر.
وقوله: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ [غافر: ٦٣] أي: يُصرفون عن هذا الحق الواضح البيِّن، ومعنى يجحدون الآيات. أي: ينكرونها كِبراً واستعلاءً، فهم لا يجحدونها ولا ينكرونها لدليل عندهم ولا لمنطق يعتمدون عليه، إنما يجحدونها لأنها آياتُ الله وهم لا يريدون الله، ولا يريدون منهج الله.
إنهم يخافون هذا المنهج الذي يؤدّب حركتهم في الحياة ويُقيد شهواتهم، إنهم يريدون أنْ ينطلقوا في الحياة بشراسة القوة والبطش بالناس وبشراسة الشهوات التي لا ضابط لها، فجحود الآيات هو سبب الانصراف عن الحق، فكأنه أمر غير طبيعي منهم.
لذلك رأينا كفار قريش تكبروا عن قبول الحق وعاندوا رسول الله، ولم ينطقوا أبداً بلا إله إلا الله ولو مجرد النطق بها ككلمة، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها تماماً ويعلمون مطلوباتها، ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تُقال لَقالوها، لكنهم وهم العرب أصحاب هذه اللغة يعرفون أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود إلا لله، ولا سيادة ولا رَأْيَ إلا لله، ولا حكم ولا خضوع إلا لله، وكيف يقبلون بذلك وهم قد ألفوا السيادة على قبائل العرب؟
وكلمة يُؤْفَكُ [غافر: ٦٣] من الإفك، وهو الكذب وقَلْب الحقائق، والكذب أنْ تقول قضية مخالفة للواقع فكأنك تقلب الحقيقة؛ لذلك قال تعالى: وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] المؤتفكة: هي القرى التي قَلَبها الله رأساً على عقب، كذلك الكذب يقلب الحقائق، فينكر الموجود ويثبت غير الموجود.
وقوله تعالى: فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢] أي: تُصرفون عن الحق الواضح كأن هذا أمر فطري، فبالفطرة يصل الإنسان إلى الله، وما كان ينبغي أنْ يقف الإنسان أمام هذه القضية لأنها واضحة وعليها دليل، وكل تعاليم العقائد كذلك أمور فطرية أولاً، إنما ضَبَّب هذه الفطرة هوى النفس والغفلة وأغيار الزمن.
فما جاء به الدليل والعقيدة أمور يصل إليها العقل بالفطرة والطبيعة الصافية، بدليل أن الناس الذين لم يؤمنوا برسول فكَّروا في هذه المسائل، وتوصَّلوا إلى وجود الخالق سبحانه لما تأملوا آياته في كونه.
لذلك تجد مثلاً الفلاسفة الذين كانوا لا يحبون كلمة رسول ويقولون: نحن مهتدون بطبيعتنا ولسنا في حاجة إلى رسل، قالها سقراط، لذلك ناقشه فيها تلميذه (أرسطودين) وعرض عليه من المسائل والآيات كما يعرض الدين تماماً.
قال له: انظر إلى نفسك وإلى تكوينك في ذاتك، وتأمل ما فيك من جوارح، لا أقول لك: انظر إلى الآيات الكونية من حولك بل إلى نفسك وجوارحك في ذاتك، أليس لك حواس؟ قال: بلى، قال: اذكرها. قال: لي عين تبصر، وأذن تسمع، ولسان يتكلم، ويد تلمس.. إلخ.
قال: فلماذا خُلِق لك عينان وأذنان ولسان واحد، أليس وراء ذلك حكمة؟ تأمل هذه الحواس وتأمل الحكمة من خَلْقها على هذه الصورة، خلق لك عينين لاستيعاب المرئيات من هنا ومن هنا، وأذنين لاستيعاب المسموعات من هنا ومن هنا.
أما اللسان فيكفي في القيام بمهمته لسان واحد به تتكلم وتعبِّر، وبه تتذوق المطعومات، اللسان على صِغَر حجمه تتذوَّق به الحار والبارد، والحلو والمر، ثم إذا التذَّ به ابتلعه، وإذا لم يلتذ به يلفظه وكأنه (كنترول) على كل ما تتناوله، ثم إن التذوق يحفزك على الأكل ويُرغِّبك فيه، لأن به استبقاءَ الحياة والقوة التي نُحقِّق بها مطلوب الله منَّا.
ثم ألا ترى حكمة في قُرْب مدخل الطعام من الأنف الذي يشمُّ، والعين التي تبصر؟ لقد خلقه الله على هذه الصورة البديعة لتتمكن من رؤيته، ومن شَمِّ رائحته قبل أنْ تتناوله، أما مخارج الطعام فأين هي؟ بعيدة عن العين، بعيدة عن الأنف، حتى لا تؤذيك الفضلات. نعم وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١].
ثم تأمل العين الواحدة تجد لها جَفْناً ينقبض، وينفتح حسب إرادتك، وفوق العين حاجبٌ يمنع تساقط العرق داخل العين وتحت أهداب ورموش تدفع عن العين ما يؤذيها من الغبار والأتربة، فإذا نفذ إلى العين شيء بعد ذلك، جاءت الدموع لتمسح العين وتُطهِّرها كما تفعل (المسَّاحة) التي تمسح زجاج السيارة.
والأنف الذي نشم به الروائح الطيبة في الطبيعة وبه نميز الأشياء، والآن نستخدمه ونُوظف حاسة الشم عند الكلب مثلاً للكشف عن الجرائم والمجرمين.
هذا كله كلام نظري يقوله بالفطرة إنسانٌ صَفَتْ نفسُه، وسلمت فطرته، فتوصَّل إلى الحق بقليل من التأمل.
إذن: فقوله تعالى فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢] تحمل معنى التعجب من الانصراف عن الحق، لأنه أمر لا ينبغي أن يكون وما كان يصح من أصحاب العقول أن ينصرفوا عن الحق وهو واضح.
لذلك قال تعالى في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ.. [البقرة: ٢٨] هذا استفهام تعجبيّ إنكاريّ، يعني: قولوا لنا كيف يتأتى منكم الكفر مع وجود هذه الآيات الواضحات الدالة على قدرة الله تعالى؟
آية رقم ٦٣
قوله تعالى: ذَٰلِكُمُ [غافر: ٦٢] إشارة إليه سبحانه. أي: الذي فعل لكم كذا وكذا، وتفضَّل عليكم هو الله ربكم خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: ٦٢] وهذه مسألة لم ينكرها أحد، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ [غافر: ٦٢] هكذا حكم بها الحق سبحانه لنفسه بأنه لا إله إلا هو.
إذن: فأنت تؤمن بالله، والله سبحانه آمن بذاته، وشهد لنفسه بهذا، شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو قبل أنْ يشهد بها أحد، لذلك يطلق سبحانه كلمة كُنْ، ويعلم أنها نافذة لأنها كلمته وليس لها معارض، وليس هناك إله آخر يردّها أو يُعدِّلها أو يعترض عليها.
قال تعالى: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨] قالوا: شهد الله لنفسه سبحانه شهادةَ الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادةَ المشهد، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال.
والحق سبحانه ساعة يقول خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: ٦٢] يطلقها هكذا قضية عامة على إطلاقها، نقول: إما أنْ تكون قضية صادقة أو غير ذلك - وحاشا لله - فإنْ كانت صادقة فقد ثبتت الحجة، وإنْ كانت غير ذلك فأين خالق كل شيء؟
أين خالق هذا الكون إذا لم يكُنْ الله هو خالقه؟ مَنْ هو؟ ولماذا سكت ولم يخبر عن نفسه؟ إنْ كان لا يدري بوجود الله فهو إله نائم غافل لا يصلح للألوهية، وإنْ كان يدري بوجود الله الذي أخبر هذا الخبر ولم يعارضه فهو عاجز، والإله لا يكون أبداً عاجزاً.
لذلك قال سبحانهُ مؤكِّداً على صحة هذه القضية: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢] يعني: لذهبوا إلى الإله الحق ليناقشوه كيف أخذ منهم الخَلْق؟ وكيف ادعاه لنفسه؟ وهذا لم يحدث.
وقوله: فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢] أي: تُصرفون عن الحق الذي يقول به العقل وتثبته الحجج والبراهين والواقع، فالحق في هذه القضية واضح، وقد أطلقت هذه القضية وأخبرت بها ولم يَقُمْ لها معارض، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، ومعلوم أن القضية تثبت لصاحبها ما دام ليس لها معارضٌ.
وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة وقلنا: هَبْ أن جماعة جلسوا في مكان، ولما انصرفوا وجد صاحب المكان محفظة نقود فقال لخادمه: ابحث عن صاحب هذه المحفظة، فأخذ الخادم يتصل بهم واحداً واحداً فلم يقُلْ أحد منهم أنها لي، ثم طرق البابَ واحدٌ منهم. وقال: والله لقد نسيتُ محفظتي هنا، فلمن تكون إذن؟ تكون لمن ادَّعاها إلى أنْ يظهر مُدَّعٍ آخر.
وقوله: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ [غافر: ٦٣] أي: يُصرفون عن هذا الحق الواضح البيِّن، ومعنى يجحدون الآيات. أي: ينكرونها كِبراً واستعلاءً، فهم لا يجحدونها ولا ينكرونها لدليل عندهم ولا لمنطق يعتمدون عليه، إنما يجحدونها لأنها آياتُ الله وهم لا يريدون الله، ولا يريدون منهج الله.
إنهم يخافون هذا المنهج الذي يؤدّب حركتهم في الحياة ويُقيد شهواتهم، إنهم يريدون أنْ ينطلقوا في الحياة بشراسة القوة والبطش بالناس وبشراسة الشهوات التي لا ضابط لها، فجحود الآيات هو سبب الانصراف عن الحق، فكأنه أمر غير طبيعي منهم.
لذلك رأينا كفار قريش تكبروا عن قبول الحق وعاندوا رسول الله، ولم ينطقوا أبداً بلا إله إلا الله ولو مجرد النطق بها ككلمة، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها تماماً ويعلمون مطلوباتها، ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تُقال لَقالوها، لكنهم وهم العرب أصحاب هذه اللغة يعرفون أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود إلا لله، ولا سيادة ولا رَأْيَ إلا لله، ولا حكم ولا خضوع إلا لله، وكيف يقبلون بذلك وهم قد ألفوا السيادة على قبائل العرب؟
وكلمة يُؤْفَكُ [غافر: ٦٣] من الإفك، وهو الكذب وقَلْب الحقائق، والكذب أنْ تقول قضية مخالفة للواقع فكأنك تقلب الحقيقة؛ لذلك قال تعالى: وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] المؤتفكة: هي القرى التي قَلَبها الله رأساً على عقب، كذلك الكذب يقلب الحقائق، فينكر الموجود ويثبت غير الموجود.
وقوله تعالى: فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢] أي: تُصرفون عن الحق الواضح كأن هذا أمر فطري، فبالفطرة يصل الإنسان إلى الله، وما كان ينبغي أنْ يقف الإنسان أمام هذه القضية لأنها واضحة وعليها دليل، وكل تعاليم العقائد كذلك أمور فطرية أولاً، إنما ضَبَّب هذه الفطرة هوى النفس والغفلة وأغيار الزمن.
فما جاء به الدليل والعقيدة أمور يصل إليها العقل بالفطرة والطبيعة الصافية، بدليل أن الناس الذين لم يؤمنوا برسول فكَّروا في هذه المسائل، وتوصَّلوا إلى وجود الخالق سبحانه لما تأملوا آياته في كونه.
لذلك تجد مثلاً الفلاسفة الذين كانوا لا يحبون كلمة رسول ويقولون: نحن مهتدون بطبيعتنا ولسنا في حاجة إلى رسل، قالها سقراط، لذلك ناقشه فيها تلميذه (أرسطودين) وعرض عليه من المسائل والآيات كما يعرض الدين تماماً.
قال له: انظر إلى نفسك وإلى تكوينك في ذاتك، وتأمل ما فيك من جوارح، لا أقول لك: انظر إلى الآيات الكونية من حولك بل إلى نفسك وجوارحك في ذاتك، أليس لك حواس؟ قال: بلى، قال: اذكرها. قال: لي عين تبصر، وأذن تسمع، ولسان يتكلم، ويد تلمس.. إلخ.
قال: فلماذا خُلِق لك عينان وأذنان ولسان واحد، أليس وراء ذلك حكمة؟ تأمل هذه الحواس وتأمل الحكمة من خَلْقها على هذه الصورة، خلق لك عينين لاستيعاب المرئيات من هنا ومن هنا، وأذنين لاستيعاب المسموعات من هنا ومن هنا.
أما اللسان فيكفي في القيام بمهمته لسان واحد به تتكلم وتعبِّر، وبه تتذوق المطعومات، اللسان على صِغَر حجمه تتذوَّق به الحار والبارد، والحلو والمر، ثم إذا التذَّ به ابتلعه، وإذا لم يلتذ به يلفظه وكأنه (كنترول) على كل ما تتناوله، ثم إن التذوق يحفزك على الأكل ويُرغِّبك فيه، لأن به استبقاءَ الحياة والقوة التي نُحقِّق بها مطلوب الله منَّا.
ثم ألا ترى حكمة في قُرْب مدخل الطعام من الأنف الذي يشمُّ، والعين التي تبصر؟ لقد خلقه الله على هذه الصورة البديعة لتتمكن من رؤيته، ومن شَمِّ رائحته قبل أنْ تتناوله، أما مخارج الطعام فأين هي؟ بعيدة عن العين، بعيدة عن الأنف، حتى لا تؤذيك الفضلات. نعم وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١].
ثم تأمل العين الواحدة تجد لها جَفْناً ينقبض، وينفتح حسب إرادتك، وفوق العين حاجبٌ يمنع تساقط العرق داخل العين وتحت أهداب ورموش تدفع عن العين ما يؤذيها من الغبار والأتربة، فإذا نفذ إلى العين شيء بعد ذلك، جاءت الدموع لتمسح العين وتُطهِّرها كما تفعل (المسَّاحة) التي تمسح زجاج السيارة.
والأنف الذي نشم به الروائح الطيبة في الطبيعة وبه نميز الأشياء، والآن نستخدمه ونُوظف حاسة الشم عند الكلب مثلاً للكشف عن الجرائم والمجرمين.
هذا كله كلام نظري يقوله بالفطرة إنسانٌ صَفَتْ نفسُه، وسلمت فطرته، فتوصَّل إلى الحق بقليل من التأمل.
إذن: فقوله تعالى فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢] تحمل معنى التعجب من الانصراف عن الحق، لأنه أمر لا ينبغي أن يكون وما كان يصح من أصحاب العقول أن ينصرفوا عن الحق وهو واضح.
لذلك قال تعالى في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ.. [البقرة: ٢٨] هذا استفهام تعجبيّ إنكاريّ، يعني: قولوا لنا كيف يتأتى منكم الكفر مع وجود هذه الآيات الواضحات الدالة على قدرة الله تعالى؟
قوله تعالى: ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً [غافر: ٦٤] أي: مستقراً لكم تعيشون عليها، وكلمة (لَكُمْ) أي: لكل العباد، وهذه يشرحها قوله تعالى في سورة الرحمن: وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن: ١٠] هكذا على العموم، فأيّ ارض وأي أنام؟ لم يحدد.
إذن: فالأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، لكن أهذا المبدأ هو واقع حياتنا؟ لا، وما حَلَّ الفساد بالعالم، وما وقع الناسُ في الأزمات وضيق العيش إلا بسبب عدم تطبيق هذا المبدأ.
ففي الكون الآن أرض بلا رجال، وفي مناطق أخرى رجال بلا أرض، والسبب في ذلك تلك الحواجز التي وضعها البشر تحُول بين عباد الله وأرضه.
ولك أنْ تقرأ قول الله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا.. [النساء: ٩٧].
لكن يا رب، كيف لنا أن نهاجر وقد جعلوا على الأبواب حواجزَ وسدوداً وحدوداً وقوانينَ للدخول ما أنزل الله بها من سلطان؛ لذلك انظر إلى الخريطة وتأمل حدود الدول المختلفة تجدها حدوداً متداخلة وغير منظمة، وفي بعض المناطق تجد الحدود غير واضحة أو مُختلفاً عليها، وفي بعض البلاد تجد الحدود بؤراً للخلاف والنزاعات بين الدول.
هذا إنْ دلَّ فإنما يدلّ على أن الأرض أرضٌ واحدة للجميع، لما طرأ عليها الإنسان قسَّمها وجعل عليها حدوداً، خلقها الله واحدة منفتحة واسعة، حتى إذا ضاقتْ عليك الأسبابُ في بقعة منها فاذهب إلى أخرى وانطلق في أرض الله، وإذا لم يطبق هذا المبدأ الإلهي فلن تحلَّ مشاكلنا، وسوف تظلّ الأزمات تطحن الناس.
والاستقرار في الأرض على نوعين: استقرار للحياة والحركة، واستقرار للراحة والهدوء، فالواحد منا له بيت يعيش فيه ويأوي إليه وهو مُستقره ومكان راحته ومبيته، لذلك نسميه بيتاً.
وله أرض يسعى فيها ويطلب الرزق والحركة؛ لذلك قال سيدنا إبراهيم: رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] وقال: رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً [البقرة: ١٢٦] فالأولى قرار للمبيت وللراحة، والأخرى قرار للحركة والسعي.
وتلحظ أن قرار المبيت والراحة خاصّ بك، أما قرار الحركة فمشترك مع غيرك، وأن الأرض ليست قراراً لك في حياتك الدنيا فحسب، إنما هي قرار لك حتى بعد موتك مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه: ٥٥].
وقوله تعالى: وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً [غافر: ٦٤] أي: بناءً محكماً لا اختلالَ فيه، والبناء معروف أنه يقوم على عمد تحمله؛ لذلك قال تعالى: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [الرعد: ٢] إما بغير عمد موجودة أصلاً، أو يوجد عمد تحملها لكنكم لا ترونها، فالعمد موجودة لكن لا تدركها حواسُّكم.
فالسماء محمولة بقدرة الله سبحانه، ولم لا والأرض التي نعيش عليها ما هي إلا كُرة مُعلّقة في الهواء، فَلِمَ لا تقع رغم ثقلها؟
اقرأ: إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١] يعني: لا أحدَ يمسكهما بعد الله.
ثم يعطينا الحق سبحانه مثلاً حسّياً يقرب لنا قدرة الله في حمل السماء والأرض، فيقول: خذوا من الحسِّيات التي تدركونها دليلاً على ما غاب عنكم أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ [الملك: ١٩].
نعم، نحن نرى الطير في جو السماء يقف في الجو بلا حركة هكذا، ومع ذلك لا يقع، فمَنْ يمسكه؟ يمسكه ربه عز وجل بقدرته، كذلك يمسك السماوات والأرض بقدرته.
وقوله: وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ [غافر: ٦٤] بعد أنْ تكلم سبحانه عن الأشياء الكونية الخارجة عنَّا كالليل والنهار والسماء والأرض يتكلم هنا عن شيء في أنفسنا، لأنه قال سبحانه: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
قوله: وَصَوَّرَكُـمْ [غافر: ٦٤] أي: جعل لكم شكلاً مميزاً تتميَّزون به، ثم جعل لكم سماتٍ خاصة تتميز بها الأشخاص ليتم التعريف بحيث لا يفعل أحد فعلاً ويستتر منه في آخر.
فتمييز الأشخاص هنا مهم حتى يُنسب الفعل إلى صاحبه فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ [غافر: ٦٤] أي: جعلها أحسن صورة بين المخلوقات، وكان سبحانه قادراً على أنْ يُصوِّر الإنسان على أية صورة، كأنْ يمشي على أربع مثلاً مثل الحيوانات، لكنه كرَّمه وأحسن شكله، وجعله يمشي معتدلاً مرفوعَ القامة.
يقول تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ * ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٦-٨] يعني: في أحسن صورة وأجمل شكل وأعدله.
بعد ذلك وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ [غافر: ٦٤] ذلك لاستبقاء الحياة بالقوت، لكنه لم يذكر هنا الزواج الذي به استبقاء النوع، فأعطانا هنا لمحة وترك الأخرى لموضع آخر حتى لا يخلوَ مكان من كتابه من إعجاز في خَلْقه.
فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ [غافر: ٦٤] يعني: تنزَّه وتقدَّس وجاء منه البركة، وجاء منه الفضل، وجاء منه الإمداد.
وكلمة (تَبَارَكَ) أخذتْ حظّها من كتاب الله، نجدها للأمور المادية الحسِّية، ونجدها للمعنويات وللمنهج الذي وضعه اللهُ لاستقامة حركة الحياة، فالله جعل لك الجسمَ المادي، وجعل لك الروح التي يعيش بها هذا الجسم.
قوله تعالى: هُوَ الْحَيُّ كأن كلّ صفات الكمال الأصل فيها أنْ توجد بحياة، فلا يمكن أنْ توجد قوة إلا بحياة، ولا سمع إلا بحياة، ولا بصر إلا بحياة. وكلمة (الحي) تعني أن الله تعالى ليس من الأغيار، فأنتم لكم وجود وحياة مرتبطة بهذا الوجود، أما الحق سبحانه فحيٌّ بذاته، الحيُّ صفة ذاته، والمحيي صفة فعله، وما دام الحيُّ صفة الذات؛ فما بالذات لا يتخلف، فهو حَيٌّ أي: لا يموت، لكن صفة المحيي يقابلها صفة المميت؛ فيُحيي هذا ويُميت هذا.
لذلك قالوا: الاسم الذي له مقابل (صفة فعل)، والاسم الذي ليس له مقابل (صفة ذات) فقالوا في الثناء عليه سبحانه: يا حي صفة ذاته، ويا محيي صفة فعله، وما بالذات لا يفوت، وما بالفعل يحيا ويموت.
وما دام أنه سبحانه حَيٌّ ولا إله إلا هو فَـادْعُوهُ بشرط مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: حين تدعوه لا يكون في بالك غيره، فإذا لم يكن في بالك غيره حين تدعوه كان معك واستجاب لك.
نعم فَـادْعُوهُ لأنه قيوم يقول لك: نَمْ واسترح لأن ربك قيُّوم لا ينام
لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] وكأنه سبحانه [يدلل] مَنْ آمن به فَـادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فإياك أنْ تقول: توكلت على الله وعليك، أو توكلت على الله ثم عليك، هذا كله كذب، استكفِ بالله وكفى به وكيلاً.
وحين تدعوه مخلصاً له الدين فقد وضعتَ أمرك في يد واحد، هو الذي يملك أنْ يفعل، لا أنْ تذبذبه في يد مَنْ لا يستطيع، ثم لاحظ في الدعاء أن ربك أعطاك واستجاب لك قبل أنْ تدعو، بل وقبل أن تعرف الدعاء، بل وأعطاك قبل أنْ توجد أصلاً، إذن: كل ما يريده منك هو إظهار ذل العبودية لعِزِّ الربوبية.
الْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يعني: احمدوا الله أنْ تفضَّل عليكم بكلِّ هذه النعم بداية، أوجدكم من عدم وأمدكم من عُدْم، إلى أنْ ينتهي بكم المطاف في الجنة إنْ شاء الله؛ لذلك ساعة ندخل الجنة نقول كما قال سبحانه: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠].
(قل) الخطاب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.. يعني: المسألة ليستْ من عندي، إنما هي نَهْي من الله جاءني في آيات بينات واضحات وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَـٰلَمِينَ أي: أُسْلم قيادي وأمري لرب العالمين سبحانه.
نعم، لأن الإنسان منا حتى في دنيا الناس حينما يكون لا يحسن شيئاً ولا تسعفه أسبابه يلجأ إلى مَنْ يقضي له حاجته ويقدر عليها، كما نذهب مثلاً للمحامي في رَفْع قضية أو نذهب للطبيب للتداوي.. إلخ لأنك لا تستطيع أنْ تدافع عن نفسك أمام القاضي، ولا تستطيع أن تداوي مرضك، فإذا ما ذهبتَ إلى واحد من هؤلاء فلا شكَّ أنك تسلم له زمام أمرك، وتَفوِّضه أنْ يفعل ما يراه صالحاً دون أنْ تناقشه أو تعترض عليه.
إذن: معنى أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَـٰلَمِينَ يعني: إسلام الزمام من عاجز عن شيء لقادر على هذا الشيء، فإذا أمرك ربك أمراً فخذ الأمر من منطلق إيمانك به، كيف؟ قال: مثل حالي مع الطبيب حين يصف لي الدواء المناسب لحالتي لا أناقشه فيه، ولا أقول له: لم كتبت كذا وتركت كذا؟ حتى حين أسأل عن الدواء أقول: والله كتبهُ لي الطبيب، وألقى التبعة والمسئولية عليه.
فإذا كنت تُسلم أمرك وزمامك للطبيب وهو بشرٌ مثلك يخطئ ويُصيب؛ لأنك رأيت له حكمة فوق حكمتك وعلماً ليس عندك، كيف تفعل هذا معه ولا تفعله مع الله عز وجل، وهو العليم الحكيم القادر؟
إذن: ما أمرك به ربُّكَ فامتثل للأمر ونفِّذ دون نقاش أو اعتراض أو تبرُّم بما قضى عليك به. والحق سبحانه يعلمنا درس التسليم له سبحانه في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وكيف أنه أسلم وجهه، وألقى زمام أمره لربه تعالى، حينما أمره بذبح ولده إسماعيل الذي لم يُرزق به إلا على كبر وبعد يأس، لذلك قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ.. [إبراهيم: ٣٩]...
وقوله: نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ نهي لأنه مُحبّ له، فقال له: وجَّه عبادتك لمن يقدر أنْ يفعل لك، وهذا النصح لا يكون إلا من مُحب كما تنصح صاحبك وتدلّه على الخير، ولولا حبك إياه ما نصحته.
وقوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَـٰلَمِينَ أسلم قيادي وزمام حركتي في الحياة لربي أفعل ما أمر بفعله، وأنتهي عما نهاني عنه، أمر سكت عنه ولم يقل لي فيه: افعل ولا تفعل فأدخله في مقام المباح، ولو كان أمراً النفس العادية تنفر منه.
وحتى إنْ حكم عليك حكماً ترى فيه مشقة ظاهرية على نفسك فاعلم أنه يريد لك الخير من حيث لا تدري، كما قلنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام...
إذن: أنت في التسليم لله لا تأخذ الفعل لذاته، إنما بضميمة صاحبه، الآمر به.
الحق سبحانه يعود بنا مرة أخرى إلى مسألة الخلق الأول هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ.. [غافر: ٦٧] معلوم أن لنا خَلْقين: خلقاً من تراب لما خلق الله آدم وحواء، وخلقاً من النسل الذي تناسل منهما.
لاحظ أن الله تعالى قال مِّن تُرَابٍ.. [غافر: ٦٧] وقال مِّن طِينٍ.. [الأنعام: ٢] و مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ [الحجر: ٢٦] وقال مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ [الرحمن: ١٤]، وهذه كلها مراحل للشيء الواحد، فالتراب حين نضع عليه الماء يصير طيناً، فإذا تركناه فترة تعطّن وتغيَّرتْ رائحته، وهذا هو الحمأ المسنون، فإذا تركناه يجف يصير صلصالاً.
وقوله تعالى: هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ.. [غافر: ٦٧] لا يعني آباءنا آدم وحده، إنما كلنا من تراب حتى مَنْ خُلِقوا بالزواج والتناسل، لماذا؟ لأن الميكروب الذي ستنشأ منه جرثومة الرجل وبويضة المرأة إنما تأتي مما نأكله من طعام، والطعام يُؤخذ إما من نبات أو حيوان، والنبات والحيوان منشؤهما تراب الأرض.
ولذلك رأينا في عملية التحليل الكيماوي لعناصر الإنسان أنها هي نفسها عناصر التراب، وهي العناصر الستة عشر المعروفة، فكَوْنُ الإنسان خُلِق من طين لها دليلٌ مادي معلوم لنا الآن، إذن: كلنا من تراب، وإنْ جئنا من زوجين، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: لذلك الحق سبحانه لما تكلم عن الخَلْق قال: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ.. [الكهف: ٥١] لأن خَلْق السماوات والأرض سابقٌ على خَلْق الإنسان، والإنسان طارئ عليهما، ولما خُلِق آدم لم يكُنْ له تمييز ليعرف كيف خُلق.
ثم يأتي سبحانه بكلام يدل على الإعجاز وإفحام المعاندين، فيقول: وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
يعني: ما أخذت منهم مساعدين لي، ولا معينين لي في عملية الخلق، والمضلون هم الذين يُضللون الناس، ويقدمون لهم الباطل في ثوب الحق، ويُراد بالمضلين المضلين في مسألة الخلق كمَنْ يقول لنا الآن: إن الإنسان في أصل خَلْقه الأول كان قرداً وتطور كما قال داروين.
لكن الحق سبحانه يقطع عليهم طريق الضلال، ويقول لهم: أنتم ما شهدتم الخَلْق لتخبروا الناس به، وأنا الخالق وحدي ولم يكُنْ معي أحدٌ غيري خبر بما حدث، فإذا أردتُم أنْ تعرفوا كيفية الخلق فاسمعوا مني أخبركم به، وقد أخبرنا الله به في آيات كثيرة في كتابه.
فإنْ قلت: هذا كلام أخبر الله به ولم نشهده، نقول: تأمل واقع الحياة فإنه يدلّ على صدق الله فيما قال، فأنت لم تَرَ الخَلْق لكن رأيتَ نقيضه وهو الموت، ونَقْض الشيء يأتي على عكس بنائه، فحين تبني مثلاً بيتاً من أربعة أدوار تبدأ بالأول، فإنْ أردتَ أنْ تهدم تهدم الرابع.
كذلك الموت، يبدأ بخروج الروح وهي آخر شيء في خَلْق الإنسان بعد خروج الروح يتصلَّب الجسد، ثم يرمّ ويتغيَّر مثل الجيفة، ثم يتبخَّر منه الماء الموجود فيه، ثم يتحلل الباقي إلى تراب، فجاء الموت ليصدق ما غاب عنك في بداية الخَلْق.
قوله: مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً.. [غافر: ٦٧] هذه مراحل في الخَلْق، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً.. [غافر: ٦٧] قالوا: هو طفل طالما هو في مراحل النمو، فإذا استوى وأخذ شكله النهائي واستقر على صورة كاملة فقد وصل إلى مرحلة البلوغ التي يستكمل فيها كلَّ أجهزة الوجود، لأن بالبلوغ أصبح قادراً على إنجاب مثله.
يقول تعالى: وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.. [النور: ٥٩] فالطفولة هي مرحلة النمو، ومرحلة البلوغ هي الأشد ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ.. [غافر: ٦٧] أي: قوتكم ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً.. [غافر: ٦٧] أي: تنحدرون مرة أخرى من القوة إلى الضعف وإلى الشيخوخة، وهي مرحلة ضعف وهُزَال في الجسم.
فإذا انتهتْ مرحلة النمو والزيادة بدأتْ مرحلةُ الضعف والهزال، في مرحلة النمو تجد أن ما يدخل له من الغذاء أكثرُ مما يخرج منه من الفضلات لذلك يزيد، أما في مرحلة الشيخوخة فتكون الفضلاتُ أكثر، فيحدث له النقص والهزال، وتأخذ قوته في الانحدار وعضلاته في الضمور، إلى أنْ يصلَ إلى المخزن الأخير في الجسم وهو العظام، فتحدث فيها هشاشة وتتكسَّر لما يُمتص منها.
لذلك قال سيدنا زكريا: رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً.. [مريم: ٤] فذكر آخر مراحل الشيخوخة وهي من وَهَن العظام. هذا في الناحية الجسمية المادية، أما في الذاكرة والأشياء المعنوية فيعتريه النسيانُ، كما قال سبحانه: لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً.. [الحج: ٥] فيصل به النسيانُ كأنه لم يعلم شيئاً في حياته، ثم نراه يحبو ويُحمل كما يُحمل الأطفال: وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ [يس: ٦٨].
وقوله: وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ.. [غافر: ٦٧] يعني: منكم مَنْ يعاجله الموت فلا يصل إلى هذه المراحل، ربما يموت الإنسانُ في بطن أمه أو بعد ولادته أو في طفولته وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى.. [غافر: ٦٧].
فالأجل مختلف ومكتوب عند الله، منا مَنْ عمره لحظة، ومَنْ عمره دقائق، ومَنْ عمره ساعات، ومَنْ عمره أيام أو شهور، ومن الْخَلْق مَنْ لا يصل إلى تمام مراحل الخلق، فيُؤخذ وهو علقة أو مضغة ولا يستكمل الخلق.
وقوله: وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ [غافر: ٦٧] يعني: افهم أن الله حين يعطيك الأشدَّ، وتصل إلى مرحلة القوة أنها ليستْ ذاتية فيك، إنما هي موهوبة لك وكلُّ نعمة عندك موهوبة ليست ذاتية، ويمكن أنْ تُسلبَ منك في أيِّ لحظة، وما دمت قد عرفتَ أنها موهوبة وقد تُسلبَ منك أيِّ وقت، فالزم أدبك مع مَنْ وهبك هذه النِّعم.
عرفنا أن الإنسان في خَلْقه يمرُّ بمراحل عدة، وأن عمره مظنون قد يموت في أيِّ مرحلة من هذه المراحل، فكيف نفهم قوله تعالى: كُن فيَكُونُ [غافر: ٦٨] بالنسبة لمَنْ عمره لحظة مثلاً، أو لمَنْ يموت في بطن أمه؟
قالوا: كُنْ هنا تُقال لما يوجد عليه الإنسانُ ساعتها علقة أو مضغة أو غيرهما، كأنه يقول له: كُنْ حياً. ثم تؤخذ الحياة منه بقانونها في أزمانها التي لا يعلمها إلا الله.
قلنا: يجادلون في آيات الله، وهي على ثلاثة أنواع: آيات كونية كالشمس والقمر. وآيات المعجزات التي تصاحب بعثة الرسل. وآيات القرآن حاملة الأحكام. ورأينا أنهم جادلوا في المعجزات فقالوا عنها: سحر. وقالوا: شعوذة. وجادلوا في آيات الأحكام وقالوا: إنها غير مناسبة، أما الآيات الكونية، فليستْ محلاً للجدال.
قوله: أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ [غافر: ٦٩] أي: يُصرفون عن الحق وهو واضح فأين عقولهم المفكرة ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٧٠] قال: كَذَّبُواْ.. [غافر: ٧٠] بزمن الماضي، لكن في الجزاء قال فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٧٠].
يعني: في المستقبل، قالوا: لأن الجزاء ليس بالضرورة أن يكون في نفس الوقت أو وهم موجودون في سعة الحياة الدنيا، يصح أن نؤخر لهم الجزاء في الآخرة.
وكلمة سوف دلَّتْ على المستقبل سواء القريب في الدنيا أو البعيد في الآخرة، فإذا لم يدركهم العذاب في الدنيا فهو ينتظرهم في الآخرة، كما قال تعالى: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يصلنا دائماً به وَصْلاً بحيث لا يأتي غيره على بالنا، هذا الوصل يجعلك حينما تأتي الأشياء لا تظن أنك أخذتها بذاتيتك، إنما هي موهوبة لك، وللواهب أن يرجع في هبته.
ولذلك ينبهنا سبحانه فيقول: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧] ثم يقول بعدها: إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ [العلق: ٨] يعني: تذكَّر مردَّك إليه ووقوفك بين يديه.
وقوله (الكتاب) أي: الذي أنزله الله حاملاً لمنهجه وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا.. [غافر: ٧٠] أي: على ألسنة رسله، فإنْ قلت الكتاب هو ما أرسلنا به رسلنا، نقول: لا.. هناك فرق، فالكتاب هو المنهج، أما الرسول فقد أُرسل يحمل المنهج ويُبلِّغه وأُسْوة تطبيقه لذات المنهج كما قال سبحانه: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.. [الأحزاب: ٢١].
قلنا: يجادلون في آيات الله، وهي على ثلاثة أنواع: آيات كونية كالشمس والقمر. وآيات المعجزات التي تصاحب بعثة الرسل. وآيات القرآن حاملة الأحكام. ورأينا أنهم جادلوا في المعجزات فقالوا عنها: سحر. وقالوا: شعوذة. وجادلوا في آيات الأحكام وقالوا: إنها غير مناسبة، أما الآيات الكونية، فليستْ محلاً للجدال.
قوله: أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ [غافر: ٦٩] أي: يُصرفون عن الحق وهو واضح فأين عقولهم المفكرة ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٧٠] قال: كَذَّبُواْ.. [غافر: ٧٠] بزمن الماضي، لكن في الجزاء قال فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٧٠].
يعني: في المستقبل، قالوا: لأن الجزاء ليس بالضرورة أن يكون في نفس الوقت أو وهم موجودون في سعة الحياة الدنيا، يصح أن نؤخر لهم الجزاء في الآخرة.
وكلمة سوف دلَّتْ على المستقبل سواء القريب في الدنيا أو البعيد في الآخرة، فإذا لم يدركهم العذاب في الدنيا فهو ينتظرهم في الآخرة، كما قال تعالى: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يصلنا دائماً به وَصْلاً بحيث لا يأتي غيره على بالنا، هذا الوصل يجعلك حينما تأتي الأشياء لا تظن أنك أخذتها بذاتيتك، إنما هي موهوبة لك، وللواهب أن يرجع في هبته.
ولذلك ينبهنا سبحانه فيقول: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧] ثم يقول بعدها: إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ [العلق: ٨] يعني: تذكَّر مردَّك إليه ووقوفك بين يديه.
وقوله (الكتاب) أي: الذي أنزله الله حاملاً لمنهجه وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا.. [غافر: ٧٠] أي: على ألسنة رسله، فإنْ قلت الكتاب هو ما أرسلنا به رسلنا، نقول: لا.. هناك فرق، فالكتاب هو المنهج، أما الرسول فقد أُرسل يحمل المنهج ويُبلِّغه وأُسْوة تطبيقه لذات المنهج كما قال سبحانه: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.. [الأحزاب: ٢١].
آية رقم ٧١
أي: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٧٠] متى؟ يوم القيامة إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ [غافر: ٧١] تأمل مدى ما هم فيه من الإهانة فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر: ٧٢].
الأغلال جمع غل، وهي قيود تُوضع في الأيدي وتضمها إلى العنق، والسلاسل أي: من حديد تُقيِّد بها الأرجل، أيّ ذلة بعد هذا؟
ومعنى الحميم أي: الماء الذي تَنَاهى حَرُّه، يعني: بلغ الدرجة القصوى في حرارته، ثم بعد ذلك يُسْجرون في النار يعني تُحْمى بهم ويصيرون وقوداً لها.
آية رقم ٧٢
أي: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٧٠] متى؟ يوم القيامة إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ [غافر: ٧١] تأمل مدى ما هم فيه من الإهانة فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر: ٧٢].
الأغلال جمع غل، وهي قيود تُوضع في الأيدي وتضمها إلى العنق، والسلاسل أي: من حديد تُقيِّد بها الأرجل، أيّ ذلة بعد هذا؟
ومعنى الحميم أي: الماء الذي تَنَاهى حَرُّه، يعني: بلغ الدرجة القصوى في حرارته، ثم بعد ذلك يُسْجرون في النار يعني تُحْمى بهم ويصيرون وقوداً لها.
آية رقم ٧٣
تأمل هذا التبكيت للمشركين في هذا الموقف العصيب: أين شركاؤكم الذين أشركتموهم مع الله؟ ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب، والله إنْ كانوا عبدوا أشخاصاً أمثالهم فسوف يروْنَهُم وقد سبقوهم إلى النار، وإنْ كانوا عبدوا حجارة فسيروْنَها أمامهم وقوداً لجهنم.
لذلك هم الذين سيقولون: ضَـلُّواْ عَنَّا.. [غافر: ٧٤] يعني: لم يهتدوا إلينا ولم يعرفوا طريقنا، ثم يروْنَ أن الموقف أكبر من شركائهم فيكذبون بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً.. [غافر: ٧٤] سبحان الله يكذبون حتى في هذا الموقف، كما سبق أنْ أقسموا بالله أنهم ما أشركوا: قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣].
لذلك يقول تعالى يصف هؤلاء الكذبة: وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ [الواقعة: ٤٦] إذن: فهم أَلفُوا الكذب، حتى إن موقف الحساب لم يردعهم عنه فيقولون: لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً.. [غافر: ٧٤] يعني: ما أشركنا مع الله أحداً، وقد يكونون صادقين في هذا لأنهم لم يدعوا هذه الآلهة لأنهم يعرفون أنها لا تضر ولا تنفع، وما عبدوها إلا ليُرضوا رغبة التديُّن عندهم بآلهة لا منهجَ لها ولا تكاليف.
كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ [غافر: ٧٤] نعم الحق لا يُضل أيّ إنسان إنما يضل مَنْ كفر، فمَنْ كفر كيف يهديه الله؟ سبق أنْ مثَّلنا لذلك ولله المثل الأعلى قلنا: إن رجل المرور مثلاً حين تسأله عن الطريق يدلُّك، فإنِ اعترضتَ عليه ولم تطاوعه أو سخرتَ من رأيه. وقلتَ له: أنت لا تعرف هذا المكان. تركك وتخلَّى عن إرشادك، فإنْ أذعنتَ لرأيه وشكرته على صنيعه معك قال لك: لكن والله أمامك هناك على بُعد كذا كيلو عقبة أو تحويلة، سأذهب معك حتى تمرّ منها، إذن: هداه أولاً بالدلالة، فكشره أنه هداه فلمَّا شكره استحقَّ معونته.
كذلك الحق سبحانه وتعالى يقول: وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] وهنا كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ [غافر: ٧٤] أي: الذين لا يستحقون الهداية، لذلك قلنا أن مَنْ عشق الكفر وركن إليه واختاره لنفسه، يقول الله له: أنا رَبٌّ أعطيك ما تريد، وما دُمْت أحببتَ الكفر فسوف أُعينك عليه وأختم على قلبك، بحيث لا يدخله الإيمانُ، ولا يخرج منه الكفر.
تأمل هذا التبكيت للمشركين في هذا الموقف العصيب: أين شركاؤكم الذين أشركتموهم مع الله؟ ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب، والله إنْ كانوا عبدوا أشخاصاً أمثالهم فسوف يروْنَهُم وقد سبقوهم إلى النار، وإنْ كانوا عبدوا حجارة فسيروْنَها أمامهم وقوداً لجهنم.
لذلك هم الذين سيقولون: ضَـلُّواْ عَنَّا.. [غافر: ٧٤] يعني: لم يهتدوا إلينا ولم يعرفوا طريقنا، ثم يروْنَ أن الموقف أكبر من شركائهم فيكذبون بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً.. [غافر: ٧٤] سبحان الله يكذبون حتى في هذا الموقف، كما سبق أنْ أقسموا بالله أنهم ما أشركوا: قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣].
لذلك يقول تعالى يصف هؤلاء الكذبة: وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ [الواقعة: ٤٦] إذن: فهم أَلفُوا الكذب، حتى إن موقف الحساب لم يردعهم عنه فيقولون: لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً.. [غافر: ٧٤] يعني: ما أشركنا مع الله أحداً، وقد يكونون صادقين في هذا لأنهم لم يدعوا هذه الآلهة لأنهم يعرفون أنها لا تضر ولا تنفع، وما عبدوها إلا ليُرضوا رغبة التديُّن عندهم بآلهة لا منهجَ لها ولا تكاليف.
كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ [غافر: ٧٤] نعم الحق لا يُضل أيّ إنسان إنما يضل مَنْ كفر، فمَنْ كفر كيف يهديه الله؟ سبق أنْ مثَّلنا لذلك ولله المثل الأعلى قلنا: إن رجل المرور مثلاً حين تسأله عن الطريق يدلُّك، فإنِ اعترضتَ عليه ولم تطاوعه أو سخرتَ من رأيه. وقلتَ له: أنت لا تعرف هذا المكان. تركك وتخلَّى عن إرشادك، فإنْ أذعنتَ لرأيه وشكرته على صنيعه معك قال لك: لكن والله أمامك هناك على بُعد كذا كيلو عقبة أو تحويلة، سأذهب معك حتى تمرّ منها، إذن: هداه أولاً بالدلالة، فكشره أنه هداه فلمَّا شكره استحقَّ معونته.
كذلك الحق سبحانه وتعالى يقول: وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] وهنا كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ [غافر: ٧٤] أي: الذين لا يستحقون الهداية، لذلك قلنا أن مَنْ عشق الكفر وركن إليه واختاره لنفسه، يقول الله له: أنا رَبٌّ أعطيك ما تريد، وما دُمْت أحببتَ الكفر فسوف أُعينك عليه وأختم على قلبك، بحيث لا يدخله الإيمانُ، ولا يخرج منه الكفر.
ذَلِكُمْ إشارة إلى ما وقع بهم من العذاب بالأغلال والسلاسل والنار، سببه بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ.
الفرح: انبساط النفس بما يسرُّها ويُسعدها، لكن الفرح الحقيقي أن تسعد وتسر بما يُعينها على غايتها الأصيلة، فهناك فرح بأيِّ شيء ربما كان بالمعصية، وفرح بحق هو أنْ تفرح بما يُعينك على غايتك، أما الشيء الذي لا يعينني على هذه الغاية، بل يصادمها، فهذه لذَّة عابرة تعقبها حسراتٌ ربما تفوق أضعاف اللذة التي حصلتْ من هذا الشيء.
واقرأ مثلاً في الفرح الحقيقي قوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.. [آل عمران: ١٦٩-١٧٠].
نعم هذا هو الفرح بحقٍّ، بل يتعدَّى الفرح للآخرين: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران: ١٧٠] فهذا فرح يتعدَّاك إلى غيرك فرح حقيقي، لأنه يحقق الغاية الأصيلة في الوجود.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨] هذا فرح بالفضل وبالرحمة من الله لا بعملهم، وهذا فرح مشروع.
ومن الفرح المشروع: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ.. [الرعد: ٣٦] لأنه جاء مُصدِّقاً لما معهم ومُؤيداً لمنطقهم في الحق، وهذا تفرح به لأنه يُعينك على الغاية الأصيلة في الوجود.
ويقول تعالى: الۤـمۤ * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ.. [الروم: ١-٥] فكم فرح مشروع إذن؟ فرح الشهداء بفضل الله وبرحمته، وفرح الذين أُوتوا الكتاب برسول الله، وفرح المؤمنين بنصرة منهج السماء على منهج الأرض.
وما عدا الفرح المشروع فرح أحمق، ومنه قوله تعالى عن الكافرين: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ * قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا.. [التوبة: ٥٠-٥١] يعني: ما أًصابنا من الله محسوب لنا لا علينا.
وقال: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران: ١٢٠].
وقال تعالى أيضاً في الفرح غير المشروع أو الأحمق كما قلنا: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً.. [الأنعام: ٤٤].
وقال تعالى: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ.. [آل عمران: ١٨٨] يفرحون بأنهم آذوا المؤمنين وسخروا منهم وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: ١٨٨].
وقال: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ٩-١٠].
وقال: فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون: ٥٣].
وما دامت قد تعددت الأحزاب، وفَرِح كُلٌّ بما عنده، فهو فرح باطل غير مشروع.
وقال أيضاً: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦].
إذن: عندنا فرح مشروع في أربعة مواضع، وفي تسعة مواضع، فرح غير محمود وغير مشروع.
هنا يقول تعالى: ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.. [غافر: ٧٥] هذا دليلٌ على أن هناك فرحاً بالحق وفرحاً بغير الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر: ٧٥] المرح: هو المبالغة في الفرح والسَّيْر به في بَطَر وتفاخر وخيلاء.
آية رقم ٧٦
مَثْوَى مرجع ومستقر ٱلْمُتَكَبِّرِينَ الذين تكبَّروا على الله الذي وهبهم الحياة، ومع ذلك لم يؤمنوا به، وهؤلاء تكبروا على الله فلم يؤمنوا به، وتكبَّروا على رسله فلم يُصدِّقوهم، وتكبَّروا على منهجه فلم يعملوا به، اختاروا هواهم وأسلموا إليه قيادهم بدل أنْ يُسلموه لله.
بعد ذلك يلتفت إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يقول له: ستواجه كثيراً من المتاعب تحتاج منك إلى صبر، لأن مهمتك شاقة، وسوف تُؤْذَى بكل لون من الإيذاء:
فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ... .
نعم إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ.. [غافر: ٧٧] أي: وعده بنصرة رسله وهو حق، لأنه تعالى قادر على إنفاذ وعده، وبيَّنا الفرق بين وعدك ووعد الله، وعدك أنت غير الحق لأنك لا تملك أسباب الوفاء به وتضمنها، أما الحق سبحانه فله صفات الكمال، ولا يمنعه شيء من تحقيق وعده.
وقوله: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ.. [غافر: ٧٧] أي: من العذاب في الدنيا. أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ.. [غافر: ٧٧] تموت قبل أن ترى فيهم آية فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] أي: في الآخرة حيث لا يفلتون من العذاب؛ لذلك قال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١].
العذاب الأدنى ما يقع لهم في الدنيا، والعذاب الأكبر يوم القيامة، يعني: لا مفرَّ لهم.
ثم يُوضح سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم حقيقة الرسالة، يقول له: اعلم يا محمد أنك لستَ بدعاً من الرسل، ولستَ أول مَنْ أُوذِي في سبيل دعوته، فكل مَنْ سبقك من إخوانك في موكب الرسالات أُوذِي بقدر رسالته، لذلك فأنت أشدّهم إيذاءً، لأنك نبيُّ آخر الزمان، ورسالتك عامة للناس كافة في كل زمان ومكان، فلا بُدَّ أنْ يكون ابتلاؤك أشدَّ ممَّنْ سبقوك.

يقول سبحانه:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ... .
نعم ذكر الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أسماء بعض الرسل، وعددهم في القرآن خمس وعشرون، قال الناظم:
فِي تِلْك حجتنا منهم ثمانيةٌ  من بَعْد عشر ويَبْقَى سَبْعةٌ وَهُمُو
إدْريس هُود شُعَيْب صَالح ذُو الكِفْل آدم بالمخْتَارِ قَدْ خُتِموا

لكن الحق سبحانه يقول في موضع آخر: وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] وهذا يعني أن الذين لم يُذكروا من الرسل كثيرون. وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ.. [الرعد: ٣٨] ما مناسبة هذه هنا؟ قالوا: لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات، كما قال سبحانه: وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً [الإسراء: ٩٠-٩١] يعني: لتستديم هذه الجنة أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ.. [الإسراء: ٩٢-٩٣] فماذا كان جوابه: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٣] يعني: ما أنا إلا رسول من الله أبلغ ما أرسلت به.
والحق سبحانه أوضح لنا حينما لا يجيبهم إلى ما طلبوا من الآيات أنهم لم يكتفوا بما عندهم ولم يقنعوا به، فطلب الآيات بعد ذلك يُعَد طعناً في الآية السابقة هذه واحدة، وأيضاً هناك أُنَاس طلبوا الآيات فأجابهم الله، ومع ذلك كفروا بها. إذن كَوْني أجاريهم في طلب الآيات عبثٌ لا فائدة منه، لذلك قال سبحانه: وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ.. [الإسراء: ٥٩] أي: الآيات المطلوبة.
وقوله سبحانه: فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُون [غافر: ٧٨] معنى قُضِيَ بِٱلْحَقِّ.. [غافر: ٧٨] ما دام القضاء بالحق، فقد فاز المؤمنون وخسر هُنَالِكَ.. [غافر: ٧٨] أي: في الآخرة ٱلْمُبْطِلُون [غافر: ٧٨] الكافرون أهل الباطل، وهذه هي النهاية الطبيعية والجزاء من جنس العمل.
آية رقم ٧٩
ٱلأَنْعَامَ هي: الإبل والبقر والغنم والماعز وهذه لها مهمة لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا.. [غافر: ٧٩] يعني: منها ما يُركب وهو الإبل، فلا نركب الخروف مثلاً وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر: ٧٩] أي: اللحوم وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ.. [غافر: ٨٠] أي: منافع أخرى غير الركوب. والأكل، كأن ننتفع منها بالجلود والأصواف والأوبار، وكانوا يصنعون منها الملابس والأغطية والمفروشات والخيام... الخ.
وتأمل هنا عظمة الأداء القرآني، ففي الركوب قال: لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا.. [غافر: ٧٩] وفي الأكل قال: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر: ٧٩] قالوا: لأن الأكل من المباحات، أما الركوب فمن الضروريات.
وقوله: وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ.. [غافر: ٨٠] أي: أنها تُبلِغكم حاجتكم في السفر للحج مثلاً أو للتجارة وحمل الأثقال وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [غافر: ٨٠] عليها نعم لأننا نركبها ونضع عليها الأحمال.
أما عَلَى ٱلْفُلْكِ.. [غافر: ٨٠] أي: السفن. فمعلوم أننا نركب في السفينة كما قال تعالى في سفينة سيدنا نوح عليه السلام: قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا.. [هود: ٤٠] ولم يَقُلْ عليها، كيف؟ قالوا: لأن الحق سبحانه كأنه يُعطينا المراحل التي تمر بها صناعة السفن وكيفية الاستفادة منها، فسفينة نوح كانت أولَ سفينة فكانتْ على صورة بسيطة، فأراد الحق سبحانه أنْ يُعلمنا أن صناعة السفن ستتطور، ويكون بها طوابق مختلفة فنركب عليها.
لذلك كنا سألناهم في سان فرانسيسكو عن السفن العملاقة هذه، متى صُنِعت؟ وكانوا لا يعرفون سنة بالتحديد، فقال أحد الحضور: اعتبر أنها منذ قرن مثلاً، قلت: نعم، وفي القرآن الكريم إخبار بها ووصفٌ دقيق لها، فهي متسعة من أسفل تضيق في كل دور من الأدوار إلى أعلى، فتراها عملاقة على صفحة الماء مثل الجبل.
فكيف يقول الحق سبحانه في قرآنه وهو يُعدِّد نعمه علينا في سورة الرحمن: وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ [الرحمن: ٢٤] يعني: كالجبال، ومعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يركب البحر ولم يَرَ مثل هذه السفن العملاقة، إنه دليلٌ على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه.
ثم قولوا لي: متى صُنِعت هذه (الأسانسيرات) وهذه المصاعد الحديثة؟ قالوا: من خمسين عاماً مثلاً، قلت: فالحق سبحانه يقول في القرآن الكريم: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
معارج يعني: مصاعد كالتي عندكم منذ خمسين سنة، أخبرنا الله بها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان.
هذه كلها لقطات من كتاب الله ذكرها الحق سبحانه لتكون دليلاً على الإعجاز: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. [فصلت: ٥٣].
ٱلأَنْعَامَ هي: الإبل والبقر والغنم والماعز وهذه لها مهمة لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا.. [غافر: ٧٩] يعني: منها ما يُركب وهو الإبل، فلا نركب الخروف مثلاً وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر: ٧٩] أي: اللحوم وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ.. [غافر: ٨٠] أي: منافع أخرى غير الركوب. والأكل، كأن ننتفع منها بالجلود والأصواف والأوبار، وكانوا يصنعون منها الملابس والأغطية والمفروشات والخيام... الخ.
وتأمل هنا عظمة الأداء القرآني، ففي الركوب قال: لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا.. [غافر: ٧٩] وفي الأكل قال: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر: ٧٩] قالوا: لأن الأكل من المباحات، أما الركوب فمن الضروريات.
وقوله: وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ.. [غافر: ٨٠] أي: أنها تُبلِغكم حاجتكم في السفر للحج مثلاً أو للتجارة وحمل الأثقال وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [غافر: ٨٠] عليها نعم لأننا نركبها ونضع عليها الأحمال.
أما عَلَى ٱلْفُلْكِ.. [غافر: ٨٠] أي: السفن. فمعلوم أننا نركب في السفينة كما قال تعالى في سفينة سيدنا نوح عليه السلام: قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا.. [هود: ٤٠] ولم يَقُلْ عليها، كيف؟ قالوا: لأن الحق سبحانه كأنه يُعطينا المراحل التي تمر بها صناعة السفن وكيفية الاستفادة منها، فسفينة نوح كانت أولَ سفينة فكانتْ على صورة بسيطة، فأراد الحق سبحانه أنْ يُعلمنا أن صناعة السفن ستتطور، ويكون بها طوابق مختلفة فنركب عليها.
لذلك كنا سألناهم في سان فرانسيسكو عن السفن العملاقة هذه، متى صُنِعت؟ وكانوا لا يعرفون سنة بالتحديد، فقال أحد الحضور: اعتبر أنها منذ قرن مثلاً، قلت: نعم، وفي القرآن الكريم إخبار بها ووصفٌ دقيق لها، فهي متسعة من أسفل تضيق في كل دور من الأدوار إلى أعلى، فتراها عملاقة على صفحة الماء مثل الجبل.
فكيف يقول الحق سبحانه في قرآنه وهو يُعدِّد نعمه علينا في سورة الرحمن: وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ [الرحمن: ٢٤] يعني: كالجبال، ومعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يركب البحر ولم يَرَ مثل هذه السفن العملاقة، إنه دليلٌ على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه.
ثم قولوا لي: متى صُنِعت هذه (الأسانسيرات) وهذه المصاعد الحديثة؟ قالوا: من خمسين عاماً مثلاً، قلت: فالحق سبحانه يقول في القرآن الكريم: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
معارج يعني: مصاعد كالتي عندكم منذ خمسين سنة، أخبرنا الله بها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان.
هذه كلها لقطات من كتاب الله ذكرها الحق سبحانه لتكون دليلاً على الإعجاز: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. [فصلت: ٥٣].
آية رقم ٨١
يعني آيَاتِهِ في هذه المخلوقات، وآياته في البحر حين تركبون السفن وتروْنَ عوالمَ أخرى في البحر، وآيات هي أعظم مما تروْنَهُ على البر. والآن وبعد التقدم العلمي الحاصل رأيناهم يصنعون للفُلْك نوافذ من زجاج تحت سطح الماء، ويصنعون زوارق زجاجية تُمكِّنك من رؤية الأعماق وما فيها من بديع صُنْع الله وآياته الدالة على قدرته، لدرجة أنك تقول: سبحان الله، كيف يكفر الكافر بعد رؤية هذه العوالم؟
كذلك حين تركب الإبل في البر وتنتقل بها عَبْر المسافات ترى كثيراً من آيات الله في كونه، في الجمل الذي تركبه والصحراء والجبال التي تمر بها، في كل ما حولك ترى آية، لذلك تجد الحق سبحانه وتعالى يطلب منَّا السير في الأرض.
فيقول سبحانه: قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ.. [النمل: ٦٩].
ويقول سبحانه في موضع آخر: قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ.. [الأنعام: ١١].
فكأن السير في الأرض لاعتبارين: السير في الأرض للاعتبار (فانظروا) والسير في الأرض للتجارة والاستثمار فقال لكم: سيروا في الأرض وابتغوا الرزق والاستثمار، لكن لا تحرموا أنفسكم لذَّة الاعتبار والتأمل في بديع خلق الله، فقال: قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ.. [الأنعام: ١١] ومعلوم أن الفاء للترتيب والتعقيب، وثم للترتيب والتراخي.
وقوله: فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ [غافر: ٨١] يعني: هذه الآيات التي ترونها أيها تنكرون، وكيف تنكرونها وهي واضحة الدلالة على قدرة الله، كما قال سبحانه في سورة الآلاء (الرحمن): فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣] كررها الحق سبحانه بعد كل نعمة من النعم، والمراد أنها آيات لا ينبغي أن تُكذَّب، ولا ينبغي أنْ تُنكَر.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته: وجاء بلفظ (أي) للمذكر مع أن (آيات) مؤنث ولم يقُلْ آية قالوا: لأنها مؤنث مجازى جاء بصيغة الجمع، فيجوز فيه التذكير، كما في قوله تعالى: فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي.. [الأنعام: ٧٨] فقال: هذا مع أن الشمس مؤنث.
هذا سير كما قلنا للاعتبار، والاعتبار هنا بمَنْ سبقهم من الأمم، يُبين لهم الحق سبحانه أنْ مَنْ سبقكم من الأمم المكذِّبة كانوا أكثر منكم عدداً، وأشدّ منكم قوة وآثاراً في الأرض، والآثار هي ما يتركه القوم بعدهم كالأهرام بالنسبة للفراعنة، مثلاً يبقيها اللهُ شاهدةً عليهم.
وهناك آثار أخرى لم نَرَها لأنها مطمورة، لكن أخبرنا الله عنها كما في قوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ [الفجر: ٦-٨] هذه آثار باقية وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧- ١٣٨].
فأين أنتم أيها العرب من هذه الحضارات الذاهبة؟ لقد كان عليكم أن تفهموا الدرس من السابقين الذين كذَّبوا الرسل وعاندوهم، أخذهم الله وهم أقوى منكم وأشدّ ونصر رسله ومنهجه، وأنتم دون هؤلاء ولن تُعجزوا الله، بل إن مسألتكم أسهل.
وقوله: فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [غافر: ٨٢] يعني: هذه الحضارات وهذه العمارة التي تُعدُّ إعجازاً لم نصل إلى سِرِّه حتى الآن، لم تنفع أصحابها.
ولنتكلم عن آثارهم في مصر مثلاً، عندنا آثار الفراعنة في المعابد وفي الأهرام، رأينا الألوان على الجدران كما هي وكأنها منقوشة في العصر الحديث، رأينا بعض الحبوب كما هي وقالوا إنها صالحة للإنبات بعد هذه الآلاف من السنين، وتعلمون ما في بناء الأهرام من الأسرار التي لم نتوصل إليها حتى الآن.
كل هذا التقدم لم يستطع أصحابه حمايته، ولم يستطيعوا الإبقاء على هذه الحضارة، ولا حتى استطاعوا أنْ يتركوا لنا ما يُفسِّرها، ولولا شامبليون فكَّ لنا رموز حجر رشيد لما استطعنا التوصل إلى هذا التاريخ ولا معرفته.
... قوله: فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ.. هذا نوع من الفرح الذي ذكرناه، وقلنا: إنه غير مشروع وفرح أحمق. والمراد: فرحوا بما عندهم من العلم الذي يُحاجُّون به القرآن كقولهم: مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ.. [الجاثية: ٢٤] وهكذا يقول العلمانيون، ومثل قولهم: لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا.. [الأنعام: ١٤٨].
فكل قضية تُعرض عليهم يريدون أنْ يعارضوها معارضةً هم مقتنعون بها رغم بطلانها، وهذا نوع من العلم عندهم.
أو المعنى: فرحوا بما عندهم من العلم بظواهر الحياة والحضارات التي أقاموها، فقالوا: لسنا في حاجة إلى الرسل، لأن ما عندنا من العلوم أي المادية فيه كفاية. ونقول: أنتم نظرتم إلى سطحيات الأمور وإلى الأشياء التي تبررون بها فكركم، فقلتم: لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا.. [الأنعام: ١٤٨] يعني: تتهم الله، وهذا دليلٌ على أنك تريد ذلك...
ومعنى يَسْتَهْزِئُونَ من هُزْء الباطل من الحق، لماذا؟ قالوا: لأن الباطل حين يرى حقاً يدفعه فلا بُدَّ له أنْ يفُتَّ في عَضُد مَنْ يؤمن به، لأنه لو لم يَفُت في عضده جذبه هو إلى الحق؛ ولذلك سمعناهم يقولون: لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].
والله لو لم يكونوا يعلمون حلاوة القرآن وأخْذه لمن سمعه واستيلاءه على الأسماع والقلوب، ولولا خوفهم من أنْ يأخذ القرآنُ منهم سيادتهم لما قالوا هذا الكلام، ولما حذَّروا الناس من سماعهم، ولو كان كلاماً عادياً ما وقفوا منه هذا الموقف. إذن: فهموا أن القرآن حَقٌّ، ومَنْ سمعه لا بدَّ أنْ يهتدي به. ومعنى سمعه يعني: بمواجيده...
هذه الآية تُمثِّل نفس الموقف الذي مرَّ به فرعون لما أدركه الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠] فردَّ الله عليه آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١].
يعني: لا ينفعك الآن إيمانك. إذن: هناك فترة لا يمكن الرجوع فيها من الكفر إلى الإيمان، وهي ساعة يحيق به الموتُ، إنما يقبل منه الإيمان وهو في سَعَة من أمره حين يؤمن وفي مكْنته ألاَّ يؤمن.
كذلك هؤلاء فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا.. [غافر: ٨٤] أي: عذابنا حَلَّ بهم في الدنيا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [غافر: ٨٤] فهل هذا وقت يُقبَل منهم فيه إيمان؟
يقرر الحق سبحانه: فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا.. [غافر: ٨٥] يعني: ما كان يصح في عُرْف العقل، ولا في عرف الحق أن ينفعهم هذا الإيمان، وكيف والآن لم تعُدْ لهم حيلة في أنْ يُصادموا منهج الله ولا قوةَ، الآن ليؤمنوا؟
ما كان ينبغي أبداً أن ينفعهم هذا الإيمان، وهذا الإيمان بظنهم هم، وإلا فهو إيمان باطل مردود، ولا معنى له لأنه في غير وقته.
وهذه سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ.. [غافر: ٨٥] يعني: مضتْ فِي عِبَادِهِ.. [غافر: ٨٥] وقد رأينا هذه السُّنة على مرِّ التاريخ، فكما أخذ أقواماً بذنوبهم، ولم يقبل منهم إيمانهم ساعةَ غرغرتهم، أو ساعة نزول العذاب بهم، كذلك أنتم ولن تتغير هذه السُّنة لأنها ثابتة وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب: ٦٢]، وستظل سُنةُ الله جارية على الخَلْق أجمعين.
وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ [غافر: ٨٥] وهذا هو الأمر الطبيعي والنهاية التي يستحقونها.
هذه الآية تُمثِّل نفس الموقف الذي مرَّ به فرعون لما أدركه الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠] فردَّ الله عليه آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١].
يعني: لا ينفعك الآن إيمانك. إذن: هناك فترة لا يمكن الرجوع فيها من الكفر إلى الإيمان، وهي ساعة يحيق به الموتُ، إنما يقبل منه الإيمان وهو في سَعَة من أمره حين يؤمن وفي مكْنته ألاَّ يؤمن.
كذلك هؤلاء فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا.. [غافر: ٨٤] أي: عذابنا حَلَّ بهم في الدنيا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [غافر: ٨٤] فهل هذا وقت يُقبَل منهم فيه إيمان؟
يقرر الحق سبحانه: فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا.. [غافر: ٨٥] يعني: ما كان يصح في عُرْف العقل، ولا في عرف الحق أن ينفعهم هذا الإيمان، وكيف والآن لم تعُدْ لهم حيلة في أنْ يُصادموا منهج الله ولا قوةَ، الآن ليؤمنوا؟
ما كان ينبغي أبداً أن ينفعهم هذا الإيمان، وهذا الإيمان بظنهم هم، وإلا فهو إيمان باطل مردود، ولا معنى له لأنه في غير وقته.
وهذه سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ.. [غافر: ٨٥] يعني: مضتْ فِي عِبَادِهِ.. [غافر: ٨٥] وقد رأينا هذه السُّنة على مرِّ التاريخ، فكما أخذ أقواماً بذنوبهم، ولم يقبل منهم إيمانهم ساعةَ غرغرتهم، أو ساعة نزول العذاب بهم، كذلك أنتم ولن تتغير هذه السُّنة لأنها ثابتة وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب: ٦٢]، وستظل سُنةُ الله جارية على الخَلْق أجمعين.
وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ [غافر: ٨٥] وهذا هو الأمر الطبيعي والنهاية التي يستحقونها.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

85 مقطع من التفسير